“وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا”
لفضيلة الشيخ العلامة
عبدالله بن محمد الغنيمان
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين

كتبها
عبدالعزيز بن حمود البليهي

 

 

الحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحابته والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ، وبعد :
الإنسان هو خلاصة الكون ، والله جل وعلا خصه بأن جعله أهلاً لأمره ونهيه ، وأعد له الجنة والنار ، ولا دار غيرهما في الآخرة وجعل هذه الدنيا ميداناً للعمل والاختبار ، فمن زرع خيراً حصد سعادة أبدية ومن زرع شراً فلا يلومن إلا نفسه .
الله جل وعلا سخر لنا ما في السماوات وما في الأرض وسخر لنا ملائكته فجعل ملائكته الكرام منهم من يكتب ، ومنهم يحفظ ، ثم أرسل إلينا رسل تُرشدنا وتدُلنا على مراد الله وعلى أمره ، وأنزل عليهم الكتب ، فكان آخرهم وخاتمهم محمد أرسله وقد (طبق) الشرك أرجاء المعمورة والفساد والانحراف وطاعة الشيطان ، فجاهد في الله حق جهاده حتى دخل الناس في دين الله أفواجا، وهذا هو أكبر النعم التي أنعم الله جل وعلا بها علينا ، فيجب أن نحمد الله وأن نستشعر هذه النعمة الكبرى، لأننا قبل مجيئه كما أخبرنا ربنا جل وعلا كنا على شفا حفرة من النار فأنقذنا الله منها به، ولا يزال أكثر الناس على هذه الصفة.
المسلمون بالنسبة لمن في الأرض اليوم قليلون، والذين على السنة الصافية أقل من القليل، العدد كثير ولكن الخلاصة واتباع الرسول  الذي ينجو من عذاب الله جل وعلا يجب أن يكون متحل بما جاء به المصطفى، وقد أمرنا ربنا جل وعلا بالاعتصام بكتابه والاجتماع على هذا، ونهانا عن التفرق ، حرم علينا التفرق والاختلاف ، وأخبرنا أن الذين أصابهم العذاب قبلنا أنهم اختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات وبعد ما جاءتهم الرسل تحذيراً لنا أن نقع فيما وقعوا فيه، فكتاب الله جل وعلا هو العاصم ولهذا قال جل وعلا: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا}[آل عمران:103] قوله : “حبل الله” المفسرون يدورون حول ثلاثة معان :
المعنى الأول : كتابه
المعنى الثاني : أو رسوله
المعنى الثالث : أو الإسلام
(وكلاهما) حق ولا يختلفان، والاعتصام هو الاحتماء يكون عاصم ، وكتاب الله يعصم من كل انحراف، بشرط الفهم والاتباع ولهذا أمرنا الله جل وعلا بالاعتصام به، فهو يعصم من الانحراف ومن موجبات العذاب في الدنيا والآخرة ومن أسبابه وهو كذلك يوجب السعادة في الدنيا والآخرة، ولهذا كان الصحابة رضوان الله عليهم (…) قبل حالة العرب حالة معروفة؛ تشتت ، تفرق ، فقر، ظلم ، قتل ، بعضهم يقتل بعض ، وينهب بعضهم بعضا، أمور لا تخفى على من (…) حالهم، فلما جاء الرسول  وجاء الإسلام صاروا إخوة يُؤثر أحدهم أخاه على نفسه، فالأنصار رضوان الله عليهم كانوا أبناء رجل واحد ، والبلد واحد ، واللغة واحدة ، والمصالح واحدة، بقوا أكثر من مائة سنة يتقاتلون – الأوس والخزرج – ، حتى جاء الله بهذا الهدى فمن عليهم فصاروا إخوة متحابين أحدهم يؤثر أخاه على نفسه، ومنّ الله جل وعلا عليهم بأن ألف بين قلوبهم وجعلهم يبذلون نفوسهم وأموالهم في سبيل الله جل وعلا فتحصلوا على السعادة العاجلة والآجلة.
ثم الرسولكان (يحرص) هذه القضية ، ويحرص عليها أشد الحرص، وكلما شجر شيء قد يخدش في هذا الاجتماع وهذا الاعتصام ينهى عنه أشد النهي، وإن كان قد يبدر شيء من بعض (السفهاء) مثلاً أو بعض الشباب فينكره اشد الإنكار، ففي غزوة (المريسيع) كان شباب الأنصار والمهاجرين هم الذين يقومون على رعاية الإبل وسقيها، وردوا الماء وكان الماء فيه شح فتزاحموا عليه، فقال قائل منهم: يآل الأنصار، وقال الآخر: يآل المهاجرين، فسمعها رسول الله فقال: (أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم! دعوها فإنها منتنة)، الأنصار والمهاجرون أسماء محبوبة وأسماء شرعية مطلوبة، ولكن لما استعملت في شيء من التعصب أو الانتصار للفريق سماها رسول الله “دعوى جاهلية” وكذلك المفاخرات (والمبارات) فإنها من دعوى الجاهلية.
والمقصود أن الرسول حرص على هداية الأمه واجتماعها على كتاب الله والاعتصام به غاية الاجتهاد ، وقد قال الله جل وعلا فيه: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}[التوبة:128]،
قوله : “جَاءَكُمْ رَسُولٌ” نُكِّر لتعظيمه .
قوله : “مِنْ أَنْفُسِكُمْ” تعرفونه، تعرفون صدقه ، تعرفون أمانته ، تعرفون نصحه .
قوله : “عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ” الشيء الذي يعنتكم ويشق عليكم يعز عليه ويشق عليه، وهو أيضا كذلك بكم “رَءُوفٌ رَحِيمٌ”، فلهذا كانت حياته كلها جهاد وكلها نصح للخلق ودعوة لهم إلى سبيل الله جل وعلا إلى السعادة.
نقول : أن الإنسان خلاصة هذا الكون الذي نشاهده من السماء والأرض وغيرها، فالله اصطفاهم وجعلهم أهلا لأن يقوموا بأمره ويجتنبوا نهيه، وهذا هو الذي كلفهم به ، وليس بينهم وبين ربهم جل وعلا صلة إلا بطاعته وطاعة رسوله ، وإذا عصوه فالله غني بذاته عن كل ما سواه، وأعلمنا بما يكون بعد الموت ولابد لنا من ملاقاة الموت، فيجب على العبد أن يهتم بهذا الأمر يهتم به كثيراً لأننا ما خُلقنا للفناء والنهاية – الموت – وإن كان مفارقة لهذه الحياة فهو انتقال من حياة إلى حياة أخرى، ربما تكون أكمل من هذه الحياة ، وربما تكون حياة تعسه حياة شقاء ولابد ، إما هذا أو هذا .
فيجب للعبد أن يهتم لما يستقبله ويعرف إلى أين يصير وما هو مصيره ؟
المصير الأول : معلوم أنه يخرج من بيته إلى أين ؟!
يخرج إلى المقبرة، فيكون في قبره وحيداً ليس معه إلا عمله، إن كان عمله صالحا فإنه يُطمئنه ويُبشره وقد جاء في الحديث أنه يأتيه بصورة رجل حسن الطلعة طيب الرائحة جميل المنظر فيقول له: أبشر باليوم الذي يسرك، فيقول: من أنت فوجهك الوجه الذي يبشر بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، -فيلازمه – ، أما إذا كان الأمر بعكس ذلك كان العمل سيء فإنه يأت بعكس هذا، يأت بصورة قبيحة ورائحة قبيحة ومنظر قبيح فيقول: أبشر بما يسوئُك، عكس الأول، فيقول: ومن أنت؟ أنت الوجه الذي يبشر بالسوء، فيقول: أنا عملك السيء، فيلازمه.
هذه أمور غيبية لا نعرفها إلا عن طريق الرسول، ولكن حتم علينا أن نؤمن بها لابد ، وسوف نعيشها ولابد، سوف نعيش هذه الأمور.
فالمقصود أن الإنسان يجب أن يفكر في مصيره ، وهذه الحياة ما تدوم وهي حياة غبن في الواقع كما قال المصطفى: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس؛ الصحة والفراغ)، كون الإنسان يكون صحيح يجب أن يغتنم هذه الحالة هذه الصحة ويكتسب العمل الذي يرضي به ربه ويتحصل به على السعادة الأبدية، والفراغ كذلك ما يبقى فارغا، إما مرض وإما إعواز وإما فتن، أمور كثيرة جداً تحتوش الناس، فكون الإنسان مثلا يغفل عن مستقبله ما يجوز !
لا يجوز له ، بل محرم عليه، يجب أن يهتم بهذا .
كان الصحابة رضوان الله عليهم كثيراً منهم يهتمون بهذا ويأت أحدهم إلى الرسول  فيقول: يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة، ففي حجة الوداع وهو سائر إلى مزدلفة اعترضه أعرابي فأمسك زمام ناقته فقال: دلني على عمل يدخلني الجنة، فالتفت (يمينه) فقال:(لقد وفق، ثم قال: كيف قلت؟)، قال: قلت دلني على عمل يدخلني الجنة، قال:(لئن كنت أوجزت في المسألة لقد أطلت وأعرضت اسمع مني؛ تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت، خلِ زمام الناقة)، كثير هذا ! ، يعبد الله لا يشرك به شيء ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم رمضان ويحج البيت! سهلة، هذه التي يدخل بها الجنة، ثم هذه أيضا أمورها ما هو كلٌ تجب عليه، الإنسان الذي عنده مال تجب عليه الزكاة، إنسان مثلا مريض ما يجب عليه أن يصوم، {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}[البقرة:185]، إنسان ما يستطيع أن يحج إما لفقر أو لمرض أوغير ذلك ما يجب عليه .
فإذاً الواجب الملازم للإنسان عبادة الله جل وعلا أن يعبد الله لا يشرك به شيء وإقام الصلاة ما دام يستطيع، وكل الأمور ( على استطاعة ) الإنسان .
في الترمذي من حديث معاذ يقول: اني رأيت رسول اللهفي خلوة في سفر وهو سائر فانتهزت الفرصة فقلت: يا رسول الله أخبرني عن أمر قد أهمني وأقلقني، قال: (اسأل)، قال: أخبرني عن أمر يدخلني الجنة ويباعدني من النار، قال له هذا لما قاله قال قريب من كلامه للأعرابي، قال: (لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير يهل على من يسره الله عليه) ثم قال له مثل ما قال للأعرابي: (تعبد الله لا تشرك به شيئا..)، ولكن الرسول يعرف مواقع الكلام فيعرف أن معاذ عنده من الرغبة في الخير فقال له بعد ذلك: ألا أدلك على أبواب الخير، فدله على أبواب الخير، أخبره أن صدقة السر أنها تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار وكذلك صلاة الليل صلاة الرجل في جوف الليل تطفئ الخطيئة كذلك كما يطفئ الماء النار وتلى الآية المعروفة في سورة السجدة: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ…}إلى آخره [السجدة:16]، ثم قال: (ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه، الأمر الذي جاء به الرسول ، فقلت: بلى يا رسول الله، قال: (رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله – ثم قال- ألا أخبرك بمِلاك ذلك كله؟)، مِلاك الشيء هو الذي يكون محيط به يملكه، فقلت: بلى، قال: (أمسك عليك لسانك)، فقلت: أو نؤاخذ بما نتكلم به يا رسول الله؟ فقال: (ثكلتك أمك، وهل يكب الناس عل وجوههم أو قال على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم!).
وهذه القضية يجب أن نراعيها ، بل يجب على كل مسلم أن يراعيها، حصائد الألسنة، فمن المؤسف الآن حتى بعض طلبة العلم تجدهم بينهم كلام في فلان وفلان في كذا وكذا وأصبحوا يصنفون الناس ويقدحون فيهم وصار ديدنهم الكلام حتى في العلماء، ما سلموا منهم، وإذا رأيت الإنسان يتكلم في الناس ويطلق لسانه فيهم فاعلم أنه مخذول وأنه غير موفق نسأل الله العافية، جاء في الحديث عن النبي كما في صحيح مسلم أنه قال: (أتدرون من المفلس فيهم…!) لما سألهم: (من المفلس فيكم؟)، فظنوا أنه يقصد الدنيا، فقالوا: الذي ليس عنده دينار ولا درهم، قال: (المفلس هو الذي يأت بأعمال كبيرة أمثال الجبال ولكن يأت وقد شتم هذا ، وأخذ مال هذا ، واستطال عرض هذا فيؤخذ لهذا من حسناته ولهذا من حسناته فإذا فنيت حسناته أُخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح فيالنار)، يعمل يأت بحسنات ولكن ليست له، وقد حدد الرسول هذا وبينه بيانا واضحا مثل الغيبة والنميمة، النميمة وإن كانت قليلة ولكنها قبيحة جدا وأما الغيبة فهي كثيرة جداً في الناس، وقال: (أن تذكر أخاك -يعني في غيبته- بما يكره، قالوا: أرأيت إن كان فيه ما أقول؟، قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ماتقول فقد بهته) .
البهت : هو الأمر الذي إذا كشف للإنسان انبهت، كيف صار هذا وهو بريء منه.
فالمقصود أن الإنسان يجب أن يهتم لهذا، ( في ) القبر تنفرد به ليس معك إلا عملك ، ثم هو حياة في الواقع يجب أن تقدم شيئا يكون لك عند الله جل وعلا عذر أو فيه سعادة لك، وإن كان الله جل وعلا كريم جواد عظيم بلا شك، ولكن يجب الإنسان أن يجتهد في هذا، ثم بعد القبر ماذا يكون ؟! يكون البعث والنشور ثم يخرجون من قبورهم حفاة عراة غرلا، قيل وما غرلا ؟ قال: (غير مختّنين)، يعني : كل شيء فُقد من الإنسان يعود إليه حتى يذوق العذاب بكل بدنه أو النعيم، ثم الوقوف بين يدي الله، (كل واحد منكم سوف يكلمه ربه) كما قال المصطفى، كل واحد منكم، (وعلموا أن كل واحد منكم سوف يكلمه ربه ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان)، يجب أن يستحضر الإنسان هذا الشيء، إذا كلمك سألك: ألم أصحك ألم أغنك ألم أزوجك، ماذا يقول ؟!
وفي الحديث: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، وفي رواية: عن خمس؛ يسأل عن شبابه فيما أبلاه وعن عمره فيما أفناه وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وهل عمل بما علم)، هذه أسئلة ما (…) .
فالمقصود أن هذا سوف نعيشه ثم الميزان ثم الصراط، الصراط العبور فوق جهنم، ما فيه مخلص، جهنم تحول بين الناس وتحيط بهم من جميع الجهات، قيل لرسول الله: أيذكر الإنسان قريبه أو والده أو غيره في ذلك !
في مواطن لا يذكر أحدٌ أحدا، عند الميزان وتطاير الصحف وعند الصراط، فالله جل وعلا يقول: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا}[مريم:71]، والصحيح أن الورود هنا هو العبور على الصراط، والعبور على الصراط في الواقع لو أن مثلا قُدر أن بين بيتين مثلا خشبة أن الإنسان ما يستطيع أن يعبر عليها وهو يرى الذي تحته (وهو) كذا ..
فكيف إذا كانت النار ؟!
كيف إذا كان أيضا الصراط متحرك ؟! فهو: مدحضة مزلة كما جاء وصفه
والحقيقة أن العبور بالأعمال، إذا كان الإنسان مستقيماً في هذه الدنيا على صراط الله الذي أرسل به رسوله استقام هناك وإلا زلّ، وفيه أمور هائلة ، أمور عظيمة فالله جل وعلا أخبرنا أن ذلك اليوم أنه يشيب الولدان، الولدان يشيبون !، يقول جل وعلا: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ}[الحج:1.2]،يشاهده كأنه سكران قد بلغت القلوب الحناجر، فأمور هناك (…)
إذا كان الإنسان متقيا لربه معتصماً بكتاب ربه فلا خوف عليه ولا هو يحزن، كما قال الله جل وعلا: { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا}[فصلت:30]،
الخوف : يكون من المستقبل
والحزن : يكون على الشيء الذي خُلّف وترك، الذي ترك ليس مأسوفاً عليه وأنت ليس أمامك شيء يحزنك، فالمتقون لا خوف عليهم ولاهم يحزنون، والإنسان عليه أن يجتهد وإن ربنا جل وعلا كريم جواد، الله جل وعلا يقول: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا}[النساء:40]، أنظر كيف ؟! إذا فضل للإنسان زائداً عن سيئاته مثقال ذرة ضاعف الله جل وعلا ذلك المثقال وأدخله به الجنة، فمن يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً، يدعونه، يقول: {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ}[النساء:32]، {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}[البقرة:186]، الرسول يقول: (إن الله ينزل إلى سماء الدنيا إذا بقي ثلث الليل الأخير فيبسط يده ويقول: هل من تائب فيتاب عليه؟ هل من سائل فيعطى؟ هل من مستغفر فيغفر له؟)، كرم الله وجوده ونحن نغفل عن مثل هذا !، وإذا غفلنا عن ذلك معناه أنا أهملنا أنفسنا .
المقصود أنه يجب علينا أن نهتم بما بعد هذه الحياة أكثر من اهتمامنا بما يكون ، اهتمام عندنا مثل البيوت وغيرها والسيارات وغيرها التي تهم كثيراً من الناس، فالإنسان إذا مثلا بنا له بيت يريد أن يكون حسن ويكون مريح ويكون (…) فالقبر تبقى فيه أكثر من بقائك في هذا البيت قطعاً !
لماذا لا تحسنه ؟!
لماذا ما تقدم الأعمال التي تجدها فيه في قبرك ؟!
ثم الأمر بيد الله جل وعلا، الإنسان بقوته وبنظره وبعلمه لن يتحصل على شيء يجب أن يكون متعلقاً بربه دائما يسأله التوفيق يسأله السداد يسأله المغفرة، إن لم يوفقه الله جل وعلا ويسدده فأول ما يجني عليه اجتهاده فالأمور كلها بيد الله، فيجب أن يكون اتجاهه وتعلقه بالله وحده، وقد أوجب علينا ربنا أن نسأله في كل ركعة من ركعت الصلاة نقول: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}[الفاتحة:6.7]، هذه من أهم ما ينبغي للإنسان أن يفكر فيها، فإذا هُدي إلى صراط من أنعم الله عليهم فإنه من أهل السعادة، يعني : أن ربنا كريم جواد ونحن نغفل .
والمسلم يجب أن يكون عوناً لأخيه دائماً كما قال الله جل وعلا: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}[سورة العصر].
وقوله جل وعلا: {وَالْعَصْرِ} يعني : يقسم جل وعلا بالأيام والليالي لأنها هي محل الحوادث ولأنها آيات تدل على الله جل وعلا .
قوله : “إنّ الإنسان في خسر” هذا التعبير إذا تأمله الإنسان{إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْر} يعني أنه في خسر مستمر، ما هو خسارة (…) ! في خسارة مستمرة دائمة وتنتهي بكونه في جهنم نسأل الله العافية .
ثم استثنى من جنس الإنسان {الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} يعني : بينهم يتواصون على الحق ، لأن الحق يكون مكروهاً للنفوس غالباً ويكون فيه مرارة فيحتاج إلى عون يحتاج الإنسان إلى من يعاونه فالمؤمن أخو المؤمن، كل واحد يوصي الآخر ويساعده (…) بأن يتمسك بالحق وأن يصبر عليه، فلابد .
والصبر معناه : حبس النفس على الشيء الذي قد كونه تكرهه، وهو كما هو معلوم :
-صبر على طاعة الله
-وصبر عن معصية الله
-وصبر على أقدار الله، فلابد من هذه الأمور يصبر الإنسان على هذه الأشياء احتساباً ورغبة فيما عند الله جل وعلا.
أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر .
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد .