الاربعين النووية

للإمام يحيى بن شرف النووي

” رحمه الله “

 شرح فضيلة الشيخ

  عبدالله بن محمد الغنيمان

                   “غفر الله له ولوالديه وللمسلمين”

 اعتنى به

عبدالعزيز بن حمود البليهي

 قال الامام النووي رحمه الله تعالى : 

الحديث الأول  

 عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَبِي حَفْصٍ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه  قَالَ: قال رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ” إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ” .رواه البخاري ومسلم.

الشرح

بسم الله الرحمن الرحيم نحمد الله ونستعينه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أنه محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى اله وصحابته وسلم تسليما كثيرا وبعد : 

الرسول صلى الله عليه وسلم  أوتي جوامع الكلم ، وقد جاء حديث لفظه  (من حفظ على أمتي أربعين حديثا من أمر دينها بعثه الله تعالى يوم القيامة في زمرة الفقهاء والعلماء ) فالنووي رحمه الله وغيره كثير من العلماء جمعوا أحاديث رأوا أنها جامعة من جوامع الكلم ، مع أن الكلمة الواحدة من كلامه صلى الله عليه وسلم  تجمع معاني كثيرة ، فأراد أن يجمع أربعين حديثا عليه مدار الإسلام كله ، يعني كل ما يحتاجه الإنسان في دينه إذا فهم هذا الأحاديث كفته ، بل قد قال الإمام أبو داود رحمه الله أنه جمع في كتابه أربعة آلاف حديث وثمان مائة حديث ، يقول : ويكفي المرء المسلم من ذلك أربعة أحاديث :

الحديث الأول : (إنما الأعمال بالنيات) هذا الحديث السابق .

الحديث الثاني: (الحلال بين والحرام بين ..إلخ) .

الحديث الثالث: حديث ابن مسعود حدثنا الصادق المصدوق ….إلخ . الحديث الرابع: (من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهو رد ) ، وكذلك قال غيره ، وبعضهم عين غير هذه ، ومعنى هذا أن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم  ليست هذه فقط التي جمعت هناك أحاديث أخرى جمعت المعاني الكثيرة ، وقد يكتفي الإنسان بحديث واحد ، بل بعض العلماء يقول يكفيك حديثان :

أحدهما : إنما الأعمال بالنيات .

الثاني : حديث عائشة (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) قالوا هذا للأعمال الباطنة ، وذاك للأعمال الظاهرة .

قوله صلى الله عليه وسلم  في هذا الحديث (إنما الأعمال بالنيات) وقد ذكروا أن لهذا سبب ، لأن هذا الحديث يقول ورد له سبب ، وهو أن رجلا خطب امرأةً في مكة ، فأبت إلا أن يهاجر فهاجر هذه المرأة يقال لها أم قيس ، فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم  قال هذا القول : ” إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يتزوجها فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ” . وإن كان هذا له سبب خاص ، فهو عام مطلق في جميع الأعمال التي يأتي بها الإنسان ، والنية هي عمل القلب وقصده وإرادته ، وكل عاقل لا يمكن أنه يعمل عملا إلا وقد سبقته نيته ، لأن النية هي التي تبعث على العمل .

وقوله صلى الله عليه وسلم  (إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) يعني هذا حصر يجعل الأعمال كلها محصورة في النية ، ثم التقدير الذي قد يقدر إنما الأعمال صحته أو اعتبارها شرعا  بالنية ، يعني : الظاهر أنه يكفينا هذا لأنه ظاهر جدا (إنما الأعمال بالنيات) وقوله في هذا مفهوم منه أن الأعمال معتبرة بنياتها مع أنه لا يوجد عمل بلا نية إلا من غافل وساهي ، أو سكران أو نائم أو ما أشبه ذلك أما العاقل فلا يقدم على عمل إلا وقد سبقه الباعث الذي بعثه عليه ، والباعث الذي بعثه على العمل هو النية ، ولهذا بعض الناس إذا أراد أن يصلي أو يكبر يقول: نويت أن أصلي كذا وكذا ، أو ربما يقول: نويت أن أتوضأ كذا ، هذا لا معنى له لأنك ما خرجت من بيتك إلا لتصلي ، فالحامل الذي حملك على الخروج والإتيان هو النية ، ولهذا يقول العلماء : التلفظ بالنية بدعة، محلها القلب والتلفظ بها بدعة ، وكذلك كون الإنسان يقول هذا وهو قائم ليصلي هل أنت تخبر ربك تعلم ربك انك نويت كذا وكذا ؟!

الله علم ما في قلبك قبل أن تأتي ، ولهذا يسن للإنسان إذا خرج من بيته قاصدا الصلاة أن يكون في سكينة ووقار لأنه في صلاة ، ما دام أنه يقصد الصلاة فهو في صلاة كما جاء في الحديث ، فإنما هذه يقولون تفيد الحصر يعني: حصر المراد بما ذكر وما عداه غير داخل فيه ، فهنا أدخل الأعمال ( إنما الأعمال) ، فصار كل عمل معتبرة به النية ، والعلماء يقسمون هذا إلى قسمين :

القسم الأول : من النيات يميز به بين العادات وبين العبادات .

القسم الثاني : لتصحيح العمل نفسه أن يكون لله جل وعلا متميزا أن يكون لغيره أو للدنيا ، وكل واحد من هذين المعنيين تكلم فيه فريق من العلماء ، فالأول تكلم فيه الفقهاء ، وبينوا يعني التميز بين كون الإنسان هل يغتسل للتبرد أو للتنظف أو للطهارة ، لا بد أن تكون هناك نية تعين هذا الأمر ، وكذلك إذا دفع المال هل يدفعه للزكاة أو صدقة تتطوع أو أداء واجب عليه من أداء نذر وما أشبه ذلك ، فالنية هي لتعين العمل ، وهي كما علمنا محلها القلب ، فإذا دفع الشيء وهو ينوي هكذا ينوي زكاة أو ينوي (…) فيعني سقط عنه الواجب ، أما إذا دفعه على غير ذلك بدون نية فالأمور الشرعية لا بد فيها من النية ، كل أمر شرعي لا بد فيه ن النية ، ولهذا تجعل النية من الشروط شروط الصلاة ومن شروط  الوضوء ، أنه ينوي أن يتوضأ يعني  يرفع الحدث  لأنه مثلا لو غسل أعضاءه بدون نية ما يصح وضوئه ، ومثل ذلك الصلاة لا بد أن ينوي أنه يصلي لله جل وعلا ويؤدي الواجب الذي عليه وكذا ، وهذا كثير جداً يعني التفريع على هذا لا حصر له مما يدل على أن هذا الحديث جمع علوم كثيرة جدا يعني لا يخرج الإنسان عن ذلك ، فهو من الأحاديث العظيمة الجامعة التي تجمع كل ما فيه اعتبار شرعا وكذلك الواجبات التي تجب على الإنسان من الأمور التي تتعلق بذمته أو تتعلق بماله أو غير ذلك الأمور التي يقولون أنها تكون بلا نية مثل التروك ، الشيء الذي يجب أن تتركه قد لا يفتقر إلى نية ، مثل : طهارة الثوب طهارة المكان ، فلو مثلا كان ثوبه نجسا فغسله وهو لا يدري هل هو نجس ولا فيه ، طهر ما يحتاج إلا نية ، فلو أصابه مطر طهر وكذلك الأرض وغيرها ، فالتروك التي يجب على الإنسان أن يتركها لا تحتاج إلى نية لأن (الاجتناب) اجتنابها ولو لم يكن ناويا ، ولكن يبقى الإثابة عليها ، الإثابة لا بد من النية فيها  ومثل ذلك العادات التي يعتادها  مثل المشي مثل الجلوس ، مثل الأكل والشرب والنوم والمسير إلى الخروج إلى الصيد والتفرج وما أشبه ذلك هذه إذا لم تقترن بنية ، فهي إما أن تكون مباحة إذا لم يقترن بها أمور محرمة ، أما إذا جاءت النية فقد تكون عبادة يثاب عليه الإنسان ، مثلا أنه يعتبر بخلق الله ويتعظ بذلك وكذلك كونه مثلا يجلس ينوي أنه إما يستمع العلم وإما الذكر وإما عباده يعتكف في المسجد ، خلاف ما إذا جلس عادة ومثل ذلك كثير لكن نفس العادات يعني بالنية تكون عبادات إذا نوى أنه في أكله أنه يتقوى به على طاعة الله ويكف نفسه عن التطلع إلى المحرمات التي هي أموال الناس وغيرها أثيب على هذا وصار هذا عباده ، ومثل ذلك النوم إذا نام يريد أنه يتقوى على القيام لإداء الفريضة ، ويكف سمعه وبصره عن النظر المحرم والاستماع المحرم فإنه يكون نومه عباده ، بخلاف إذا لم ينوي شيء إنه مباح أمر مباح عادة فقط ، وفرق بين أن يكون هذا عباده أو عادة ، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه الطبراني (نية المؤمن أبلغ من عمله) ، ومعنى أبلغ أنه يصل بها ما لا يصل بعمله النيات، ولهذا ينبغي للإنسان أن يستحضر النية في الأمور التي تكون عادة حتى يتحصل على الفضل والخير الكثير .

قوله صلى الله عليه وسلم  (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله) الهجرة مأخوذة من الترك ترك الشيء والأصل أنها هجر بلاد الكفر هجر الكافرين والكفر خوفا الإنسان على دينه أنه إما يفتن أو لا يستطيع أن يقيم شعائر دينه ويعبد ربه جل وعلا في بلاد الكفر وكانت الهجرة في أول الأمر متعينة لا بد منها ، ثم لما فتحت مكة قال صلى الله عليه وسلم  ( لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية ) ، وهذا نفس معنى الحديث الذي معنا فقوله : جهاد ونية . من الكلمات العامة التي لا حصر للمسائل التي تدخل فيها ، يعني : أن الجهاد يكون جهاد النفس ، وجهاد الشيطان ، وجهاد الفساق ، وجهاد الكفار وغير ذلك ، والنية مجالها واسع جدا الأعمال كلها مجال لها .

قوله : فمن كانت هجرته إلى الله يعني: من كان في نيته لما خرج من بلده الذي هجره يريد طاعة الله ونصرة رسوله صلى الله عليه وسلم  فله هذه الإرادة وله هذا النية ، يعني: له ما نواه ، وهذا شيء عظيم جدا لأن فضل الهجرة فضل الجهاد والنصرة أمرها عظيم جدا ، ولهذا تميز بها من قدر الله جلا وعلا له ذلك ، ومن كانت هجرته لأجل دنيا أو إمرأة ينكحها فهجرته ليس له إلا هذا الشيء الذي قصده هذا معناه بالعموم ، يعني ليس له إلا هذا الذي قصد ، وفرق بين من يكون بهجرته يقصد أمرا من أمور الدنيا أو ما يتعلق بها ومن يقصد بذلك نصرة الله والفرار بدينه وعبادة الله جل وعلا وأداء ما أوجبه الله عليه ظاهرا ، فهذا لا يمكن ان يقارن بينها ، المقارنة في هذا لا وجود لها أصلا ، ثم التميز بين الأمور التي يعني : يحتاجها الإنسان في مثل هذا كثيرة جدا وقد فصلها العلماء في كتب الفقه ، وكذلك الذين كتبوا في الإخلاص ووجوب كون الإنسان يقصد بعمله رب العالمين لهذا يدخل في هذا الإخلاص ، لأن الإخلاص محله القلب ، ولكن قد يظهر لبعض الناس أو لكل الناس ، إنسان مثلا يصلي قد يكون مثلا يحسن صلاته ويزينها لأجل نظر رجل هذا في نيته ما أحد يدري عنه ، وقد يكون خوفا من الله جل وعلا ورجاء لثوابه فيكون جميعاً هذا له مراده وهذا له مراد ، فالذي يميز هذا من هذا النيات والنيات محلها القلوب والله هو المطلع عليها ، ولهذا جاء في الأثر أن الإنسان يأتي بأعمال قد كتبتها الملائكة واعتبرتها صالحة ، فإذا كان يوم القيامة يقول جل وعلا لملائكته أذهبوا بهذا إلى النار ، فإن عمله ليس لي ، نياته ومقاصده مرادا لها أمور أخرى حتى إن الملائكة قد لا يطلعون على الشيء الذي في نية الإنسان ، وقد جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه  قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (أول من تسجر بهم النار ثلاثة : رجل تعلم) يعني ، عالم ، (ومتصدق ومجاهد في سبيل الله)فيؤتى بالعالم ويقرره الله جل وعلا بنعمه فيقر بها ، فيقول الله جل وعلا : ماعملت فيقول : تعلمت فيك العلم وعلمته ، فيقول الله : كذبت ولكنك تعلمت ليقال هو عالم وقد قيل ، يعني : أنك قد أخذت جزاء عملك بقول الناس لك إنك عالم هذا قصده هذا الشيء الثناء عليه والاشارة إليه ، ثم يؤمر به إلى النار ، ويؤتى بالمتصدق فيقرره الله جل وعلا بنعمه فيقر بها فيقول الله جل وعلا ماذا عملت فيقول ما تركت بابا من أبواب الخير والبر إلا وبذلت فيه ، فيقول الله : كذبت وإنما بذلت ليقال هو جواد وقد قيل ، مثل الأول يعني قد أخذت جزاء عملك بقول الناس وثنائهم ، هذا اراد الدنيا فقط أراد المدح والثناء كما قال صلى الله عليه وسلم  لعدي ابن حاتم لما ذكر والده الذي كان يضرب به المثل في الجود سأله عنه قال إنه كان ينفق ويبذل ، فقال :(أبوك أراد شيء فأدركه) يعني: ليس له إلا الذي أدركه يعني : الثناء والمدح ، فالمقصود أن هذا صار عمله في الظاهر لله ولكنه في الباطن في النية والمقصد لغير الله فهذا صار جزائه النار ، وكذلك المجاهد يؤتى به يوم القيامة ويقرره الله بنعمه لأنه أنعم عليه الصحة فيقول ماذا عملت فيقول يا رب جاهدت فيك حتى قتلت فيقول الله جل وعلا كذبت ولكنك قاتلت ليقال هو شجاع ، هو جريء وقد قيل فيؤمر به إلا النار ، فيقول ان هؤلاء الثلاثة هم أول من تسجر بهم النار ، يعني : قبل الكفار، لهذا يقولون :

عالمٌ بعلمهِ لم يعملنَّ                    معذبٌ بالنارِقبلَ عَابدِ الوثنّ

نسأل الله العافية

ومثله : المجاهد والمتصدق ، المقصود أن تصحيح الأعمال واعتبارها مثاب عليها ومعتبرة شرعا لا بد من النية أن تكون النية خالصة لله جل وعلا ، وهذا أمر مهم يعني ينبغي للإنسان أن يعتني بهذا الأمر ويعلم أن الخلق لا ينفعونه بشيء أنهم كلهم مثله أو فوقه أو دونه ولن ينفعونه بشيء أبدا ولا ينفعه إلا ربه جل وعلا ، فلا بد من اخلاص العمل لله جل وعلا ، ولهذا بإجماع العلماء وبالأدلة الكثيرة أن العمل لا بد له من شرطين :

الشرط الأول : أن يكون خالص لله جل وعلا ولا يكون فيه مقاصد أخرى والله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا ، لهذا إذا خالط العمل أمور أخرى فإن الله لا يقبله ، كما جاء في الحديث ( من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) يعني تركته لشريكه ، فيقال له يوم القيامة أذهب إلا ما كنت ترائيه بعملك فاطلب أجرك منه ، فليس له إلا الإفلاس والخسارة ، فلا بد أن يكون العمل خالص وهذا معنى الإخلاص أن يكون لله وحده ليس فيه شيء لغيره ، وهذا شرط في جميع الأعمال لا بد منه .

الشرط الثاني  الذي لا بد منه : أن يكون على الشرع ، يعني قد شرعه الله وجاء به الرسول صلى الله عليه وسلم  ، فإن كان مثلا بدع فهي مردودة كما في الحديث الثاني ( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ) ، وهذا من الأمور التي ينبغي للإنسان أن يعتني بها كثيرا ، ويعلم أنه لا ينفعه إلا عمله الخالص لله جل وعلا ، والعلماء كانوا يخافون من هذا يخافون أن يدخل أعمالهم شيء لأن هذا يسمى الشهوة الخفية ، كون الإنسان مثلا يحب أن يثنى عليه ، وأنه يكون له مقام عند الناس أمور كامنة في النفوس لذا كانوا يحذرون منها ، والرسول صلى الله عليه وسلم  طبيب القلوب كان أيضاً يبين هذا ويحذر منه حتى نهى عن المدح في الوجه ، وكذلك كون الإنسان يسمع أنه يمدح بهذا ، هذا لا يجوز لأن الإنسان ضعيف إذا أثنيت عليه ومدحته والنفوس تحب هذا الشيء ربما يميل إلى هذا الشيء ثم يفسد عمله ويريد أن الناس يثنون عليه ويمدحونه ، فيصبح داخل في هذا الداء الذي لا يجوز أن يكون المؤمن عمله له نصيب منه بل يجب أن يكون عمله كله خالص لله حتى ينفعه ذلك ، فقال : (أحثوا التراب في وجوه المداحين) ، وإذا سمع إنسان يمدح الآخر قال : (ويلك قطعت ظهره أو عنقه إن كنت مادحا ولا بد فلا يسمعك أو قل أحسبه والله حسيبه ولا أزكي على الله أحدا) لأن التزكية تزكية الأعمال وتزكية الإنسان تتطلب الاطلاع على الحقائق والحقائق لا يعلمها إلا الله ، فالرسول صلى الله عليه وسلم  يقول : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقول لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله) معنى قول : وحسابهم على الله ، يعني: نياتهم ومقاصدهم ،هذه لا نعرف عنها شيء أمرها إلا الله إن كان باطنه كظاهره فهذا الذي يجب عليه ، وإن كان باطنه غير ذلك فهذا النفاق الذي توعد الله جل وعلا صاحبه أن يكون تحت الكفار في النار ولكن المسلم قد يعرض له شيء من ذلك ولا سيما في الأمور الظاهرة ، يعني : الأعمال الظاهرة أو الأعمال التي يتعد نفعها إلى غير صاحبها مثل : الصدقات. ومثل : الحج . وغيره من الأمور الظاهرة ، فهذه قد مثلا يكون الإخلاص فيها قليل لأنها لا تخلوا من شيء حتى أن بعض العلماء أدخل في هذا الكلام الذي يقال لفلان حاج فلان الحاج ، يقولون لماذا أجعل حجك لله جل وعلا لا تجعل لك منه نصيب في تسميتك وفي إشهار الأمر عند الناس يجب أن يكون لله وحده ، ولهذا جاء أحد العلماء رجل يستشيره في الحج ، قال : عندي أربعة آلاف أريد أن احج بها ، فقال أدلك على ما هو أفضل من ذلك ، لأنك قد حججت مرتين أو أكثر ، فدله على فقراء بحاجة قال كونك تبذل هذا المال لهم أفضل من حجك ، فأبى قال : إذا أنت تريد تذهب فيقال : جاء الحاج ذهب الحاج وجاء الحاج ، فالظاهر أن هذا يعني…..

فالمقصود أن مثل الأعمال الظاهرة التي تظهر للناس قد يكون فيها الإخلاص عزيز أو يكون متعب للنفوس يحتاج إلى دائما دفع ما يعرض للنفس ، ولكن إذا عرض الشيء للإنسان مثلا وهو يصلي أو يؤدي عملا عرض له أن هذا أنه يريد مثلا ثناء الناس ، أو مدحتهم ، فيجب أن يزيل هذا عن نفسه ، أن يدفعه فإذا دفعه لا يضره ذلك ، مع أنه لا يجوز ترك العمل من أجل نظر الناس خوفا من أن يقولوا أنه مرائي ، كما جاء عن الفضيل بن عياض رحمه الله ، قال : ” تَرْكُ الْعَمَلِ مِنْ أَجْلِ النَّاسِ رِيَاءٌ ، وَالْعَمَلُ مِنْ أَجْلِ النَّاسِ شِرْكٌ ، وَالْإِخْلَاصُ أَنْ يُعَافِيَكَ اللهُ عَنْهُمَا  “، يعني لا يجوز والسلامة أن يسلم الإنسان من هذا وهذا ، ولكن المؤمن يجب أن يكون عمله لله جل وعلا وإذا عرض له شيء من ذلك فإنه يدفعه عنه ويزيله عنه ويجعل عمله بنيته خالصا لله أما إذا استدعى الأمر استدعى ذلك واستأنس به واستجلبه إلى نفسه هذا الذي يبطل العمل لا يشك من يعرف الأمور هذه أن عمله يكون باطلا حابطاً وهو ممقوت عند الله جل وعلا في ذلك ، ولكن يكون هذا العمل فقط هو الذي يكون بطل أما الأعمال الخالصة غيره فلا دخل لهذا فيها ومع ذلك الخسارة ليست سهلة فأي فائدة من كون الإنسان يبذل شيء أو يحسن عمله لأجل نظر الناس !! لولا أن النفوس ضعيفة ، فتحتاج إلى جهاد وهذا من جهاد النفس ، والشيطان قد يعين على هذا .

فالمقصود أن هذا الحديث يدخل في مسائل التوحيد ويدخل في مسائل الطهارة ويدخل في مسائل العبادات كلها ، فلهذا نقول: أن المسائل التي يمكن أن تتفرع على هذا الحديث لا تنحصر كثيرة جدا فالواجب على الإنسان أن يتعلم الشيء الذي ينفعه ويعرف يميز فيه بين ما هو عبادة وعادة وما هو يدخل في الإثابة ، وغير ذلك من الأمور التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم .

وقوله :(من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) ، يعني : أنه ليس له إلا هذا الذي نواه ، وإن كان ظاهر عمله أنه صالح ولكن ليس له إلا ذلك فكذلك يقال في كل عمل عمله إن كان ظاهره صالح وهو يقصد شيء في نيته فليس له إلا ذلك المقصد الذي قصده ولا بد من الجهاد في هذا الإنسان نفسه في هذا ، وإذا أعان الله عبده على الإخلاص وعلى الصدق معه فإن العمل القليل يكون كثيرا مفيدا لأن هذا المهم ، العمل الكثير الذي يكون مُداخل ” مدخول ” فيه أشياء ما يفيد! ، إنما يفيد ما كان خالصا لله جل وعلا وإن قل ولهذا نقول: انه عام في كل الأعمال ، ولهذا لما سئل صلى الله عليه وسلم عن من أسعد الناس بالشفاعة قال: من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه ، يعني أن النية تدخل في القول وفي العمل وفي غير ذلك ، واعتبر مثلا بصاحب البطاقة ، كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث ( أنه يصاح برجل من أمتي يوم القيامة على رؤوس الناس يشاهدونه ، فينشر له تسع وتسعون سجلا من السيئات فيقال له : هذه أعمالك تنكر منه شيء ، فيقول : لا أنكر منها شيء هذه أعمالي ، فيقال له : هل لك عذر أو حسنة  فيقول : لا ليس لي شيء ، فيقال : بلى إن لك حسنة فيؤتى ببطاقة مكتوب فيها أشهد ألا إله إلا الله وأن محمد رسول الله بطاقة  أمام تسع وتسعون سجل كل سجل مدى البصر كلها سيئات والبطاقة صغيرة مكتوب فيها لا إله إلا الله ، فيقول : يا رب ما هذه البطاقة أمام هذه السجلات فيقال : إنك لا تظلم شيئا فتوضع السجلات في كفه والبطاقة في كفه فتطيش السجلات يعني تخف وتثقل البطاقة ، ماهو السبب ؟ : السبب الاخلاص والصدق وإلا “لا إله إلا الله” كل المسلمين يقولونها وكثير منهم يدخل النار! يعني : هذه البطاقة يأتي بها المسلمون كلهم ، وكثير منهم يدخلون النار ،فلهذا لا بد أنه قال هذه الكلمة مخلصا صادقا ثم تاب على ذلك ولم يأتي بأعمال تنافي ذلك أو تقلله أو تنقصه ، فأصبحت ومحت السيئات كلها فخفت السيئات كلها أمامها صارت لا قيمة لها فلهذا رجحت بجميع سيئاته كلها فهذا يدلك على أن الإخلاص هو المهم وأنك إذا أخلصت لله جل وعلا في عملك فهذا الذي هو يثمر ويفيد نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من أهل الإخلاص وأن يجعل أعمالنا لله لا لغيره وتكون خالصة ، كما كان عمر رضي الله عنه  كثيرا ما يسأل اللهم أجعل عملي لك خالصا ولا تجعل لأحد فيه شيء .

الحديث الثاني 

  (عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه  أَيْضًا قَالَ: ” بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  ذَاتَ يَوْمٍ، إذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ. حَتَّى جَلَسَ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم  . فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخْذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنْ الْإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إنْ اسْتَطَعْت إلَيْهِ سَبِيلًا. قَالَ: صَدَقْت . فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ! قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِيمَانِ. قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ. قَالَ: صَدَقْت. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِحْسَانِ. قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّك تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاك. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ السَّاعَةِ. قَالَ: مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا؟ قَالَ: أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ. ثُمَّ انْطَلَقَ، فَلَبِثْنَا مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ: يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنْ السَّائِلُ؟. قَلَتْ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ ). رَوَاهُ مُسْلِمُ 

الشرح

هذا الحديث الثاني الذي ذكره من الأحاديث التي هي تجمع أمور الإسلام كلها حديث جبريل عليه السلام وهذا الحديث قد رواه مسلم وروى في أوله قصة بسبب رواية عبد الله ابن عمر له وهي عن يحيي ابن يعمر قال حججت أنا وحميد الحميري من البصرة وكان أول من تكلم عندنا معبد الجهني وجماعة معه في القدر فقلنا لعله يوفق لنا أحد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم  فنسأله عن ذلك ، يقول : فلم أتينا المدينة قصد المسجد وفق لنا عبد الله ابن عمر داخل المسجد فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله وظننت أن صاحبي يكل الكلام إلي فقلت يا أبا عبدالرحمن أنه ظهر قبلنا قوم يتقفرون العلم ويجتهدون ولكنهم يقولون : الأمر أنف ، فقال : إذا أتيت أولئك فأخبرهم أني منهم بريء ، وأنهم مني برئاء والذي يحلف به عبد الله ابن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه في سبيل الله لم يقبل منه حتى يؤمن بالقدر خيره وشره ، ثم روى الحديث عن أبيه قال حدثنا عمر ابن الخطاب قال بينما نحن جلوس عند النبي .إلى آخر الحديث.

قوله : أنه خرج قبل ، يعني : أول من خرج في إنكار القدر كانوا في البصرة .

وقوله : إنهم يتقفرون العلم ، يعني أنهم يتعلمون ويبحثون عنه ، ولكنهم أنكروا أن يكون الله جل وعلا علم الأشياء قبل وجودها ، وهذا معنى قوله يقولون : الأمر انف يعني يستأنف حينما يقع يعلم ، وقبل ذلك ما كان معلوما ، وأخبر عبد الله ابن عمر أن من كان هذه عقيدته أنه ليس بمسلم ، وأنه لا تقبل أعماله وتبرء منه وقال : أخبرهم أني منهم بريء وأنهم مني برئاء ، والتبري يعني ألا يكون له علاقة بهم ولا صلة بهم ، ومعلوم أن المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يحقره وأن أخوة الإسلام يلزم منها النصح والتعاون وأداء الحقوق فالمسلم له على أخيه المسلم حقوق يجب أن يقوم بها ، ولهذا تبرء منه ومعنى ذلك أنه ليس من المسلمين ، وهكذا من أنكر القدر أو أنكر ركنا من أركان الإيمان وهو من أركان الإيمان فإنه هذا حكمه .

ثم روى هذا الحديث قال : حدثني عمر قال : بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم  ،  “بينما” يقال للشيء الذي يخرج يأتي مفاجأة بدون تحري وبدون مقدمات وهذا ذكر أنه شيء غريب .

قوله : خرج علينا رجل طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يعرفه منا أحد ولا يرى عليه أثر السفر ، وهذا غريب أهل المدينة يعرف بعضهم بعض وهذا ليس منهم ومع ذلك ليس عليه أثر السفر والثياب بيضاء لم يصبها غبار لم يصبها شمس وكذلك الشعر فهذا وجه الغرابة ، وقوله: في هذا أنه شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر يعني على هذه الهيئة ، في آخر الحديث سيأتي قوله صلى الله عليه وسلم  : (هذا جبريل جاءكم يعلمكم أمر دينكم) ، فهذا من التعليم كون الإنسان يأتي بهيئة جميلة وحسنة يكون لطلب العلم تعظيما للعلم وتقديرا له على هذه الصفة .

وقوله : فجلس إلى النبي فأسند ركبتيه إلى ركبتيه إسناد الركبتين يلزم أن يكون مقابلا له يكون أمامه مقابل له ، فجلس كهيئة جلوس المصلي .

وقوله : وضع يديه على فخذيه الظاهر أنه يقصد على فخذي جبريل نفسه وليس على فخذي النبي صلى الله عليه وسلم  وهذا من الأدب فهو علمهم الأدب أولاً كيف يكون طالب العلم بهذه الهيئة وبهذه الصفة هيئة حسنة وجميلة وصفة كذلك متأدب عند من يتعلم منه وهذا لتعظيم العلم وحتى ينال بركة العلم وهكذا كان العلماء الإمام مالك رحمه الله إذا أراد أن يجلس مجلس العلم لبس أحسن ثيابه وتتطيب وتوضأ واستقبل القبلة على هيئة من أحسن ما يكون وهكذا غيره .

فالمقصود أن تعلم الأدب قبل العلم كما قال الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله يقول طلبنا الأدب أولا وتعلمنا الأدب أربعين سنة قبل أن نطلب العلم ، فإنه يبارك للإنسان بذلك وينفعه علمه لأن هذا تقديرا للعلم وتعظيما له .

ثم قال : يا محمد ، كيف دعاه باسمه العلم ما قال يا رسول الله يقول العلماء : هذا فيه دليل أنه لا بأس أن التلميذ ينادي شيخه باسمه العلم يا فلان ولا يلزم أنه يأتي بالأسماء المفخمة أو الأسماء التي تدل على التعظيم لأن العلم محل التواضع محل العمل وإذا لم يتواضع الإنسان بعلمه لا يبارك له فيه فيجب أن يكون متواضعاً خاضعاً لله جل وعلا ذالاً ويحمد الله جل وعلا حيث أناله ما أناله من العلم.

 قال : يا محمد أخبرني عن الإسلام ..فذكر هذا ثم قال : صدقت وهذا من العجب أيضاً ، لما قال أخبرني عن الإسلام قال : الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إنْ اسْتَطَعْت إلَيْهِ سَبِيلًا.

 قَالَ: صَدَقْت ، مقتضى حال السائل أنه يسأل عن شيئاً لا يعرفه يتعلم ولكن لما قال : صَدَقْت هذا عجب هذا معناه أنه يعرف .

ولهذا قال : فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ! لأن السائل يسأل عن شيئاً قد خفي عنه ، فإذا أخبر وقال صدقت دل على أنه عالم يعرف ذلك .

هذا الحديث في الواقع ذكر أمور الإسلام كلها وإذا فهمه الإنسان وعمل به كفاه ذلك عن سائر الأحاديث ، فقوله صلى الله عليه وسلم  : أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، الشهادة هي : الإخبار والنطق بالسان مع ما يشتمل عليه القلب وينعقد عليه عزما ويقينا ، وبدون ذلك لا تكون شهادة ، ولهذا يقول الله جل وعلا في المنافقين : {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون:1] لأنهم يخبرون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم فهم كاذبون ، فهكذا إذا شهد الإنسان بنطقه على خلاف ما اعتقده في قلبه فهو كاذب فلا بد من الشهادة أن يكون النطق موافقا لما في القلب ، ثم لا بد فيها من العلم ولهذا يقول جل وعلا : { إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }[الزخرف:86] يعني في حالة شهادتهم يعلمون ما شهدوا به ، فلهذا اشترط للشهادة أن يكون الشاهد عالما بالمعنى وكذلك بالعلم بقوله جل وعلا أيضاً : { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ }[محمد:19] فبدأ بالعلم ثم أمر بالعمل بعده فالعمل يترتب على ذلك ، ولهذا تجد مثلا الذين لا يعلمون معناها ولا يعملون بها يأتون بالمتناقضات يعني يأتي بما يناقضها تماما يقول : لا إله إلا الله ، ويدعوا الأموات ويطوف بالقبور ويستنجد بأصحابها ويقدم لها النذور وغيرها وهذا عبادة ، عبادة لا يجوز أن تكون لغير الله جل وعلا وهو معنى لا إله إلا الله يعني أن يكون التأله والتعلق لله وحده ليس لمخلوق من المخلوقات شيء منه ، فإن صرف شيء منه فالإنسان لم يأتي بالشهادة كما ينبغي، وقد عُلم من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم  ودعوته أنه أول ما بدأ بدعوته وبدأ الناس به أنه كان يقول لهم : قولوا لا إله إلا الله  فهم يعرفون هذا ، ولهذا كانوا يقولون : {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ } [ ص: 5] فينكرون هذا لأنهم علموا أن قولهم لا إله إلا الله يبطل شركهم يبطل تألههم ، لأن الإله هو المألوه الذي تألهه القلوب حبا وخوفا وإنابة وطلبا ورجاء فإذا لم يكن التأله بهذه الصفة  فهو لا ينفع .

فالمقصود أن الكفار كانوا يعرفون معنى لا إله إلا الله ، ولهذا لما حضرت الوفاة عم رسول الله صلى الله عليه وسلم  أبا طالب الذي كان يحميه ويحوطه من الكفار ويمنعه أن يؤذوه ، وكان حريصا على هدايته صلى الله عليه وسلم  لما حضرته الوفاة دخل عليه وعنده اثنان من الكفار أبو جهل وعبد الله ابن أمية ، قال له : يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج بها لك عند الله نظر إليه كاد أن يقول فقال له أبو جهل وصاحبه : أترغب عن ملة عبد المطلب، ما قال له لا تقل لا إله إلا الله ، أترغب عن ملة عبد المطلب ومعنى هذا أنك إذا قلت لا إله إلا الله خرجت عن ملة عبد المطلب إلى ملة أخرى هي ملة محمد صلى الله عليه وسلم  فكيف يعني عبروا عن هذا بالمعنى ؟! ، كذلك الكفار الذين ذكرهم الله جل وعلا في دعوات الرسل إذا قالوا { اعبدوا الله ما لكم من اله غيره} ذكر الله جل وعلا عنهم أنهم يأبون ينفرون من ذلك ، فقال عن قوم هود : { أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا }[الأعراف:70] ، هكذا قالوا له في جواب قوله : { اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ }[الأعراف:65] وهكذا غيرهم فالمقصود : أن هذه الشهادة شهادة ألا إله إلا الله لها مدلول عظيم ، ولهذا هي أصل الدين الإسلام ، فهي أول ما يبدأ به وهي التي يدخل الإنسان بها في الإسلام ، وبدون أن ينطق بها ويتكلم بها لا يكون مسلما وأن اعتقد صحتها بل وإن عمل وهذا أمر بإجماع العلماء لقوله صلى الله عليه وسلم  🙁 أمرت أن أقاتل الناس حتى يقول لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ) فقوله : وحسابهم على الله يعني أنه ليس لي إلا ما يظهر من أقوالهم وأعمالهم أما ما تنطوي عليه قلوبهم فهذا إلى الله هو الذي يحاسبهم عليه ، فالمقصود أنه قال : حتى يقول لا إله إلا الله،فلا بد من قول لا إله إلا الله ، واتفق أهل السنة على أن الإيمان يتكون من قولها من القول قول : أشهد ألا إله إلا الله ، ومن العمل بما ألزم الإنسان به في الإسلام ومن العلم الذي يكون في القلب العقيدة أن يعتقد صحة ذلك وبدون هذا لا يكون الإنسان مسلما وسيأتي إن شاء الله الفرق بين الإسلام والإيمان ، كما هو صريح في هذا الحديث وكذلك شهادة أن محمدا رسول الله لا بد أن تقترن بشهادة ألا إله إلا الله فلو شهد إنسان ألا إله إلا الله ولم يشهد للرسول صلى الله عليه وسلم  بالرسالة فإنه يكون كافرا وهاتين الشهادتين عبارة عن شيء واحد شهادة ألا إله إلا الله وأن محمد رسول الله يقول النووي رحمه الله : أجمع العلماء على أن الإنسان إذا لم ينطق بهذه الشهادة وإن اعتقد صحة الإسلام بل وأن عمل به ومات على ذلك فهو كافر من أهل النار فلا بد من النطق بذلك ، ثم النطق لا يكفي كونه مجرد كلام يتلفظ به بدون معرفة المعنى بل لا بد من معرفة المعنى ولا بد من العمل بما علم يعني أن يكون التأله والعبادة لله وحده وليس لمخلوق شيء منها ، ومعنى شهادة أن محمد رسول الله هو أن يعتقد عقيدة جازمة بأنه رسول أرسله الله وأوحى إليه الشرع الأمر والنهي الذي كلف العباد باتباعه وطاعته وامتثاله وأنه جاء من عند الله جل وعلا وأنه رسول أكرمه الله جل وعلا بالرسالة وليس له من الخلق والتأله شيء بل هو عبد يعبد الله ورسول أرسله الله جل وعلا بالرسالة ولا بد أن يعتقد أيضا بأنه لا نجاة لإنسان إلا باتباعه وطاعته وأن الدين هو ما جاء به الشرع ما شرعه والدين ما جاء به فالله لا يعبد إلا بالشرع الذي جاء به وهذا يسأل عنه الميت في قبره كل ميت يسأل في قبره كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  وهو الامتحان الذي يمتحنه الإنسان إذا وضع في قبره فإنه يسأل عن ثلاثة أشياء هذا معناها عن معنى لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله ، فيقال له : من ربك وما دينك وما هذا الرجل الذي بعث فيكم فإن كان موقنا عارفا بذلك أجاب كما كانت عليه حالته في الدنيا بدون ارتياب ، أما إذا كان أخذ الأمور عن تقليد بدون يقين وبدون تحل بذلك بالعلم والعمل فإنه ربما ارتبك ولا يستطيع أن يجيب كما جاء في الحديث المرتاب يقول ها ها لا أدري سمعت الناس يقولون شيء فقلته وقد يقول رأيت الناس يعملون شيئا فعملته ، فيقولان له الملكان لا دريت ولا تليت يعني لا علمت العلم الذي ينفعك وتعمل به ولا قرأت كتاب الله حتى تؤمن به وتعلم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم  فيضربانه بمطرقة من حديد يلتهب عليه قبره نارا وهذا أول ما يبدأ به من العذاب نسأل الله العافية ، فلهذا الذي كان صلى الله عليه وسلم  إذا دفن الميت يقول لأصحابه : سلوا لأخيكم التثبيت فإنه الآن يسأل يسأله الملائكة وقد جاء ذلك صريحا في أحاديثٍ عدة يأتيه ملكان أحدهما منكر والآخر نكير وأيضا بصوت مزعج ومنظر مخيف حتى إذا كان ليس عنده ثبات ويقين يرتبك،{ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ }[الرعد:27] فهذا إذا كان الإنسان ثابتا على القول في الدنيا فهو يثبت بإذن الله هناك ولا يتزعزع ولهذا لما قال صلى الله عليه وسلم  لعمر كيف بك إذا أتاك الملكان صوتهما كالرعد القاصف معهما مطراق من حديد لو ضربا به جبل لتدكدك فقال: أأكون في عقل الآن قال نعم قال إذا أكفيكهما لأن الإنسان يكون في حالته التي خرج منها من الدنيا على حالته إن كان موقنا فهو على هذه الحالة وإن كان منافقا فهو كذلك ، ولهذا ذكر الله جل وعلا أنه : { يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ }[المجادلة:18] يعني في ذلك الموطن يحسبون أنهم مثل ما كانوا في الدنيا ، فالذي يموت على شيء يبعث عليه ويجازى على ذلك.

فالمقصود أن الشهادة لا بد فيها من اليقين شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ثم معرفة الرسول صلى الله عليه وسلم  أمر لازم لا بد منه وليست المعرفة بمجرد أنه يقول : هو محمد ابن عبد الله ابن عبد المطلب ابن هاشم إلى اخره يعني يذكر النسب هذا لا يكفيه لا بد أن تعرفه بآياته التي جاء بها حتى تتيقن أنه رسول ولهذا يتعين على المسلم ان يقرأ سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم  يقرأ ويعرف يعني الآيات التي جاء بها صلى الله عليه وسلم فقراءة السيرة وقراء ة الآيات التي جاء بها تزيد الإنسان إيمانا ويقينا لأنه رسول حق أما إذا كان أخذ الأمور وراثة أو عادة من الناس أو من الوالدين أو من أهل البلد فهذا يخشى أنه يرتبك ويخشى أنه لا يثبت ، إذا ثبته الله ثبت ، وإن وكل إلى علمه يجوز أنه يرتاب يكون من المرتابين ولهذا يقول العلماء الإسلام إسلامان :

الأول : إسلام الاختيار .

الثاني : إسلام الدار .

إسلام الاختيار: هو أن يكون الإنسان عالما بهذا الشيء متيقنا يثبت في قلبه ويرتبط به .

 إسلام الدار : فهو الذي يتلقى ذلك عن العادة يعني وجد أباه وأمه مسلمين فتبعهما بدون يقين بدون علم فهذا الذي يُخاف عليه .

قوله : وتقيم الصلاة الذي يتتبع مثلا موارد النصوص في ذكر الصلاة في الكتاب والسنة يجدها كلها بهذا اللفظ تقيم، أقيموا الصلاة ما تجد فيها صلوا وإنما الأمر بالإقامة ومعلوم أن الإقامة أمر غير مجرد للصلاة يقيمها يعني يأتي بها قائمة تامة ليس فيها اعوجاج ، فهذا هو المقصود من الصلاة أن تأتي بها مقامة ومن أعظم إقامتها حضور القلب فيها وإذا أمكن الخشوع فهو أفضل ولكن ليس واجبا أن يكون الإنسان خاشعا وإنما هو فضل ولهذا أثنى الله على الخاشعين في الصلاة وأخبر أنهم ممن يرث الفردوس ،،فمن إقامة الصلاة أن يعرف شرائطها ويأتي بها بشروطها وبأركانها وواجباتها ، ومن شروطها الطهارة كما هو معلوم؛ أن يتطهر الطهارة الشرعية التي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم  بها ولا بد أن يعرف كيف يتوضأ فهذا أمر لازم ولا يجوز للإنسان أن يجهله وهذا من شروط الصلاة ولا تصح الصلاة بدون ذلك، فالرسول صلى الله عليه وسلم أمرنا كما أن الله أمرنا بغسل الوجه وكذلك اليدين وكذلك مسح الرأس وغسل القدمين ويلزم قبل ذلك أن يكون الإنسان قد استجمر أو استنجى حتى يكون طاهرا ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا ذهب أحدهم إلى الحاجة أن يستجمر بثلاثة حجارة وإذا استنجى بالماء فهو أفضل والاستجمار بالحجارة حتى ينقي المكان يصبح ليس فيه إلا الشيء الذي لا يزول إلا بالماء أما إذا كان بقي فيه أشياء فلا تصح الصلاة مع وجود النجاسة لأنه لا بد من الطهارة ، ثم غسل اليدين لا بد أن يكون إلى المرفقين والمرفقان داخلان في الغَسل لا بد يغسلهما والغَسل السنة أن يكون ثلاث مرات ولا يجوز أن يتعدى ذلك يصح مرة ومرتين وثلاث والكمال الثلاث وليس فوق الثلاث شيء ومعنى الغَسلة أن يعم العضو كله بالماء أم لو غرف مثلا غرفة ومسح بها يده وبقي جزء منها فهذه لا تسمى غسلة لا تكون غسلة حتى يعم العضو كله اليد كلها ، ثم كذلك السنة أن يمسح على رأسه كله وقد نقل لنا الصحابة صفة وضوء الرسول صلى الله عليه وسلم  أنه يبدأ بالمسح يجعل بيديه بللا من الماء ثم يبأ بمقدم رأسه باليدين كليهما ثم يذهب بهما إلى قفاه ثم يعيدهما إلى المكان الذي بدأ به، هذا صفة المسح والمسح يكون بالبلل ثم كذلك غسل القدمين إلى الكعبين وقد جاءت الأحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم  أنه كان يقول : (ويل للأعقاب من النار) يعني إذا لم يصبها الماء لأن الغالب الإنسان إذا كان مستعجلا أو كان غير يعني (متفطن) لها العقب يبقى لا يصيبه الماء ، فقوله : ويل للأعقاب من النار يعني يدلنا على وجوب استيعاب الغسل غسل الرجل كلها أسفلها وأعلاها إلى الكعبان والكعبان هما العظمان الناتئان في جانب الرجل كل رجل فيها كعبان من الجنب هذا هو الصحيح وهو الذي دلت عليه اللغة ودل عليه فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وما نقله الصحابة وليس الكعب العظم الناتئ في ظهر القدم إن هذا لا يسمى كعبا ، ثم كذلك من شروط الصلاة ستر العورة  والعورة عورة الرجل من السرة إلى الركبتين والركبتان داخلتان في ذلك فهذا لا بد أن يستر في الصلاة ولا بد أيضا أن يكون على أحد العاتقين شيء للحديث الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم  : (لا يصلي أحدكم وعاتقاه مكشوفان) وفي رواية : (وليس على عاتقيه شيء من ثوبه) والله جل وعلا أمرنا أن نأخذ الزينة : { يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ }[الأعراف:31] يعني عند كل صلاة لأن العبد إذا قام في الصلاة فهو بنظر رب العالمين جل وعلا ينبغي أن يكون متجمل وعلا أحسن هيئة وسيأتي كيف إذا قام الإنسان في الصلاة ما لذي يلزم ثم يعني من الأمور التي تلاحظ الآن عند بعض المصلين تجده مثلا يلبس بنطلون وفنيله ثم إذا سجد أو ركع ظهر جزء من ظهره هذا لا تصلح صلاته لأنه لم يستر عورته إذا ظهر شيء من السرة إلى الركبة وانكشف فالصلاة لا تكون صحيحة لأنه لم يأتي بالشرط  هذا من شروط الصلاة ستر العورة كما تبين في النصوص ثم كذلك من شروط الصلاة استقبال القبلة، لا بد أن يستقبل القبلة والاستقبال استقبال القبلة يكفي الاتجاه نحوه لأن الله جل وعلا : { وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ }[البقرة:144] شطر المسجد الحرام والشطر هو الجهه أما إذا كان الإنسان في مكة فلا بد من إصابة عين الكعبة لأنه شيء معلوم معروف يعرفه ، كذلك من شروط الصلاة طهارة المكان والنية وغير ذلك ، أما الإسلام فهذا أمر معلوم ثم من أهم ما ينبغي للمصلي أن يجاهد نفسه وأن يجاهد الشيطان في صلاته حتى يحضر لأنه جاء أنه ليس للإنسان من صلاته إلا ما حضر يعني حضره قلبه لهذا يقول : إن الإنسان إذا قام إلى الصلاة قد تكتب له صلاته كلها ، وقد يكتب له نصفها أو ربعها أو ثلثها حتى قال عشرها وقد لا يكتب له شيء ، فإنه إذا دخل الصلاة بغير حضور قلب وبغير فكر ونظر يقول : أنه إذا انتهى من صلاته فإنها تلف مثل الثوب الخلق ويضرب بها وجهه وتقول ضيعك الله كما ضيعتني ، بخلاف ما إذا قام بها بواجباتها وشروطها يقول : تصعد ولها نور تقول حفظك الله كما حفظتني ، فمن أهم الأشياء أن يكون مجتهدا في حضور قلبه مجاهدا نفسه والشيطان لا إذا دخل في الصلاة يسرح القلب في أمور الدنيا التي لا تجدي عليه شيء ، جاء في حديث أبي هريرة الذي في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم  عن الله رب العالمين جل وعلا يقول جل وعلا : (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين) والمقصود بالصلاة هنا قراءة الفاتحة (فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال الله جل وعلا حمدني عبدي فإذا قال الرحمن الرحيم قال الله جل وعلا أثنى علي عبدي وإذا قال مالك يوم الدين قال الله جل وعلا فوض إلي عبدي وإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين قال الله جل وعلا هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال اهدنا الصراط المستقيم إلخ، قال الله جل وعلا هذا لعبدي ولعبدي ما سأل)فالإنسان يجب أن يفكر بنفسه ويستحضر هذا الخطاب الكريم كون الله يقول: قال عبدي مجدني عبدي أثنى علي عبدي، هذا من أعم الشرف يستحضر هذا الشيء ، وفي الحديث الثاني يقول صلى الله عليه وسلم : ( إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله ينصب وجهه إلى وجهه فلا يلتفت ) والالتفات يقول العلماء قسمان :

القسم الأول : التفات بالبدن .

القسم الثاني : التفات بالقلب .

الالتفات بالبدن إذا كان الالتفات بالرقبة بدون أن يلتفت بجسمه فهذا اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد والصلاة تكون صحيحة إلا إذا كان هناك أمر مهم يقتضي أنه ينظر لأن الرسول صلى الله عليه وسلم  كان مرة في الغزو فأرسل اثنين من الصحابة للحراسة فقال اذهبوا إلى هذا المكان احرسونه أن يأتيه (…) أحد فقام يصلي صلاة الفجر فصار يلتفت ينظر إلى المكان الذي هما فيه؛ هل أتيا أو ما اتيا،هذا إذا كان هناك حاجة يعني يغتفر هذا الشيء أما إذا كان بدون حاجة فينبغي أن ينظر إلى موضع سجوده لأن هذا هو الذي يجعل الإنسان يسلم من التفكير إذا نظر أمامه قد يكون أمامه شيء من الأشياء التي تلفت نظره فإذا نظر إلى محل سجوده أو نظر إلى يديه حين يقبض احداهما بالأخرى يكون اسلم وادعى لانضباط الفكر.

التفات القلب وهو الذي يكون أعظم ، وقد جاء أن الإنسان إذا صار في صلاته والتفت أن الله يعرض عنه يقول:(أإلى خير مني)  فيتركه يعرض الله عنه نسأل الله العافية.

فالمقصود أن الصلاة مهمة جدا فينبغي أن يكون الإنسان له حظ منها مثل حظ الرسول صلى الله عليه وسلم  فإنه كان يقول :  (جعلت قرة عيني في الصلاة ) والله جل وعلا يقول : { وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ }[البقرة:45]نسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يجعلنا وإياكم من الخاشعين في صلاتهم وأن يتقبل منا .

في هذا الحديث الذي هو يشتمل على الدين كله كما قال في آخره هذا جبريل يعلمكم أمر دينكم ، ففيه أن درجات الدين ثلاثة : الإسلام ثم الإيمان ثم الإحسان ، الإسلام هو الاستسلام لله جل وعلا طاعة وانقيادا وخوفا وذلا والمستسلم لا يكون عنده اعتراض ومقاومة، استسلم وانقاد لله مطيعا ولا بد أن تكون الطاعة فيه ذل وخوف لأن طاعة الله جل وعلا عبادة والعبادة تتضمن الذل والخوف والرجاء الخوف والرجاء من أركان العبادة لا بد منها كما قال الله جل وعلا :{وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً }[الأعراف:205]فالتضرع هو الذل والافتقار يفتقر الإنسان إلى ربه جل وعلا ويعلم كيف أنه لا غنى له عن ربه طرفة عين فمن استحضر هذا عرف فقره، فالفقر يوصف به العبد يعني أنه وصف ذاتي له ومعنى ذاتي يعني أنه ملازم له دائما لا يمكن ينفك عن الفقر فهو فقير إلى ربه ، وبالعكس ربه جل وعلا فإنه غني؛ غني بذاته عن كل ما سواه وكل ما سوى رب العالمين فقير إليه ، فالمقصود أن هذا الإسلام هو هذا الاستسلام إلى الله يستسلم له وينقاد ذالا خاضعا يخاف ذنوبه ويرجو رحمة ربه جل وعلا ثم فسره صلى الله عليه وسلم  بهذه الأمور التي ذكرت يعني : بالشهادتين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج وقيد الحج بالاستطاعة مع أن البقية كلها تقيد بالاستطاعة ما عدا الشهادتين فلا بد منهما لأنها لا تحتاج إلى النطق وذل اللسان وكذلك القلب أما البقية فقد قال صلى الله عليه وسلم  في الصلاة (صل قائما فإن لم تستطع فجالسا فإن لم تستطع فعلى جنب) وتقدم الكلام في الشهادتين وكذلك في الصلاة وأنها لها أركان ولها واجبات فلا بد أن يأتي بها وتقدم أن موارد الأخبار التي جاءت بالأمر يعني في الكتاب والسنة في الصلاة كلها جاءت بلفظ الإقامة أقيموا الصلاة ، وهنا يقول : وإقام الصلاة، يعني أن يأتي بها قائمة ومعلوم أن الإقامة لها معنى وليس كقولك مثلا صلِ ، ولهذا لما دخل أعرابي المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم  جالس صلى صلاة نقر فيها ، ثم لما فرغ جاء وسلم على النبي صلى الله عليه وسلم  فقال له : وعليك السلام ارجع فصل فإنك لم تصل فعل ذلك ثلاثا ، وبعد الثلاثة قال : والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلمني فعلمه قال : (إذا قمت إلى الصلاة فاقرأ ما تيسر معك من القرآن ، ثم اركع حتى تتطمئن راكعا ثم ارفع حتى تتطمئن ..إلخ)  فبين أنه لا بد من الطمأنينة في أعمال الصلاة ، وكذلك لا بد من القراءة ومن التسبيح تعظيم الله وكذلك في جميع حركات الصلاة فالصلاة كلها عبادة ، عبادة البدن كله يشتغل في الصلاة اللسان والقلب والجوارح كلها مشغولة ، فالمقصود أن هذا أيضا من الدين الذي أمر الله جل وعلا به فلا بد من الإقامة وإقامتها أن تأتي بها كاملة على الوجه الذي شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول صلى الله عليه وسلم : (صلوا كما رأيتموني أصل) هذا أمر نقتدي به (صلوا كما رأيتموني أصل)الصحابة نقلوا كل ما كان يفعله في صلاته حتى لما قيل لهم يقرأ في الظهر والعصر قالوا: نعم يقرأ بالفاتحة وبسورة ، فلما قال كيف يعني علمتم قالوا باضطراب لحيته يعني في القراءة ، يشاهدونه في كل شيء ، فالمقصود أن الصلاة حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا وكذلك شروطها مثل الطهارة وما يلزم لها.

 قوله : وأن تؤتي الزكاة ، الزكاة لا تجب على كل أحد وإنما تجب على الأغنياء وكذلك هي تجب في السنة مرة والزكاة كما يقول العلماء أنها في أمور أربعة : في النقدين وفي الخارج من الأرض من الثمار والحبوب وكذلك في بهيمة الأنعام وفي عروض التجارة ، الزكاة تجب في هذه الأمور ، وهي ركن من أركان الإسلام لا بد من أدائها ، والزكاة يعني في جزء يسير من المال ، يعني ربع العشر إذا كانت نقود ، أما إذا كانت ثمار حبوب وتمور فهي تختلف باختلاف الكلفة التي يقوم به ، فإذا كانت تسقى من الأنهار والأمطار ففيها العشر ، وإن كانت تسقى بالكلفة والتعب ففيها نصف العشر ، أما الماشية فكما هو معلوم إذا كانت ترعى بأنفسها سائمة أكثر السنة فقد فصّلها الرسول صلى الله عليه وسلم  في الغنم والبقر والإبل وهذه بهيمة الإنعام الغنم وإن كانت الغنم نوعان : ضأن ومعز . والإبل والبقر هذه التي جاء فيها أنها تزكى ، ولهذا لما سأل عن الخيل قال : ما أنزل عليه فيها شيء إلا هذه الآية الفذة { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ }[الزلزلة:7:8] ثم الزكاة يقول: تؤدي الزكاة وأدائها أن يضعها حيث أمر الله جل وعلا ، وقد حددها رب العالمين وجعل أهلها ثمانية أصناف : الفقراء والمساكين والمؤلفة قلوبهم، والمؤلفة قلوبهم هم الذين يدعون إلى الإسلام إذا كان لهم في إسلامهم أثر يعني يسلم بإسلامهم غيرهم أو يكون في الإسلام له نصرة بهم فيعطون من الزكاة وليس محددا فكان النبي صلى الله عليه وسلم  يعطي بكثرة ، قد يعطي الرجل الواحد مائة من الإبل وقد يعطيه أكثر ، وكذلك في الرقاب في العتق إذا وجد الرقيق يشترى ويعتق ، والغارمين الذي يعني يكون قد خسر والعاملين عليها وكذلك ابن السبيل وفي سبيل الله فهذه هي التي (…) ، ولو أخرجها إلى صنف واحد جاز، بدأ جل وعلا بما هو أشد حاجة : { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ }[التوبة:60] فجعلها فريضة في هذا، ولا يجوز أن تكون (يرفد) بها ماله بأن يكون له حقوق على أقاربه ثم يعطيهم الزكاة حتى لا يعطيهم من المال ، ولكن إذا كان الأقارب مثل الأخوة وأبناء العم فقراء فإنه يجوز أن يدفع لهم الزكاة بخلاف الأب يعني أصله وفرعه الأب والابن كل من تجب عليه نفقته لا يجوز أن يدفع له زكاة مثل الزوجة ، بخلاف الزوجة إذا ما كان لها مال فلا بأس أن تعطي زوجها زكاتها إذا كان فقيرا ، لأنها لا يجب عليها أن تنفق على زوجها وإنما العكس الزوج هو الذي ينفق على زوجته ثم بعد الزكاة الصوم.

قوله :  صوم رمضان وصوم رمضان فريضة وليس على كل أحد فقد خفف الله جل وعلا عن عباده فإذا كان مسافرا فله أن يفطر ويقضي أياماً أخر وكذلك المريض وهو في السنة مرة شهر واحد من اثني عشر شهر .

 قوله : وتحج البيت الحج في العمر مرة ولا يلزمه غير هذا فإنه قام رجل في حجة النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله لما قال : (أيها الناس كتب عليكم الحج فحجوا)فقام رجل فقال يا رسول الله أفي كل سنة فسكت فأعاد أفي كل سنة فسكت ثم أعاد ثالثة فقال : (لا؛دعوني ما تركتكم لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ما استطعت) الحج في العمر مرة وليس على كل أحد أيضا الذي لا يستطيع يعني يكون مريضا لا يستطيع المسير لا يجب عليه الحج والذي يكون فقيرا ليس عنده نفقة لا يجب عليه الحج والمرأة إذا لم يكن معها محرم يلائمها يذهب معها ويرجع فليس عليها حج ، والرجل إذا وجب عليه الحج يعني إذا كان عنده نفقة يستطيع أن يحج نفقة له ولعياله حتى يرجع وجب عليه وإلا لا يجب عليه الحج حتى إذا مات وهو على هذه الحالة فليس عليه حج فالله جل وعلا خفف عن عباده ولله الحمد.

ثم بعد ذلك يقول : لما ذكر ذلك قال : صدقت يعني أن هذا هو الإسلام يعني خمسة أمور وهذه هي التي يترتب عليها دخول الجنة أن تشهد الا إله إلا الله ، وشهادة الا إله إلا الله مع شهادة أن محمد رسول الله هي عبادته وحده ، ثم تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت أن استطعت إليه سبيلا ، فإذا قام الإنسان بهذه فهو من أهل الجنة ، وقد كان صلى الله عليه وسلم  يسأل جاءه أسئلة كثيرة في حجته وقبلها ، يأتي الرجل ويقول يا رسول الله : أخبرني بعمل يدخلني الجنة فيخبره بهذه (…) يقول : (تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت) . في حجة الوداع جاء أعرابي فأمسك بخطام ناقته صلى الله عليه وسلم  وأوقفه قال : أخبرني بعمل يدخلني الجنة فالتفت صلى الله عليه وسلم  إلى من عنده فقال:(لقد وفق أو قال لقد هدي) ثم قال:(كيف قلت)؟قال أقول : أخبرني عن عمل يدخلني الجنة ، فقال : (لأن أوجزت المسألة لقد أطلت وأعرضت اسمع : تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت، خل زمام الناقة) هكذا فقط ، وكذلك في الترمذي عن معاذ ابن جبل رضي الله عنه  كان معاذ يتردد عنده في هذا السؤال فوجد فرصة في مسير للنبي صلى الله عليه وسلم  وجده وحده فسأله قال : أخبرني عن عمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار، فأخبره بهذا بنفس الشيء الذي قاله للأعرابي فلما أخبره بذلك لأن معاذ رضي الله عنه  له صفة غير صفة السائل الأول قال له:(ألا أدلك على أبواب الخير) فقلت بلى فقال : (الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار) ، وفي رواية (صدقة السر تطفئ الخطيئة  كما يطفئ الماء النار والصوم جنة وصلاة الرجل في جوف الليل تطفئ الخطيئة كذلك كما يطفئ الماء النار ثم تلى قول الله تعالى : {تتجافى جنوبهم}إلخ الآية [السجدة:16]، ثم قال : ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه فقلت بلى قال : رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، ثم قال : ألا أخبرك بملاك ذلك كله قلت بلى قال: أمسك عليك لسانك) يعني أحفظ لسانك أن تقع في كلام يجر عليك وبالا وإثما وعذابا، فقلت أو نؤاخذ بما نتكلم به؟ فقال : (ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على مناخرهم أو قال على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم)،فهذه عادته صلى الله عليه وسلم  إذا وجد الرجل عنده توجه للخير ورغبة زاده وإذا كان يسأل عن الشيء الذي لا بد منه أعطاه الذي لا بد منه كما جاء في حديث طلحة الذي في صحيح مسلم : جاء أعرابي ثائر الرأس نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول فدنى من النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو يسأل عن شرائع الإسلام فقال : ما لذي افترض علي فقال له صلى الله عليه وسلم  : أن تشهد ألا إله إلا الله وأن محمد رسول الله فجعل يمسكها بأصبعه ، ثم ماذا قال : ثم تقيم الصلاة ثم تؤتي الزكاة ثم فأمسكها بأصابعه ثم ولى وقال والله لا أزيد عليها شيء ولا أنقص منها شيء،فقال صلى الله عليه وسلم  : إن صدق دخل الجنة ، يدخل الجنة بهذه فهذه التي يدخل  بها الإنسان الجنة ولكن الأعمال الأخرى من أعمال التطوع فيها رفعه للدرجات هذا الأمر الأول .

الأمر الثاني: أن الإنسان لا يمكن أن يأتي بهذه الأعمال على الوجه المطلوب ، وقد جاء في الحديث ان الإنسان إذا حوسب يوم القيامة أول ما يحاسب على صلاته فإذا وجد نقص في صلاته يقول الله جل وعلا لملائكته أنظروا هل له تتطوع فتكمل منه الفرائض، فهذا فائدة يعني الإنسان يستفيد من هذا كثير ولهذا ينبغي أن يكثر التطوع حتى يرقع صلواته منها ومثل ذلك الصوم والصدقة وغيرها فالمقصود أن الأركان هذه هي التي يدخل بها الإنسان الجنة ،ثم بعد هذا لما قال له صدقت .

وفرق بين الإسلام والإيمان ، فجعل الإسلام الأمور الظاهرة التي تكون بالنطق بالشهادتين والصلاة والزكاة وصوم رمضان والحج ، والإيمان جعله الأمور الباطنة التي تكون في القلب : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره ، ثم أيضا جعل الدين مراتب ثلاث : الإسلام ثم الإيمان ثم الإحسان ، فمرتبة الإسلام الأولى ثم يليها الإيمان ثم الإحسان أخص ،فالإيمان أخص من الإسلام ، والإحسان أخص من الإيمان ، ثم جعل الإخبار بالأمور التي ستقع السؤال عنها والأمور التي أخبر بها وهي غائبة من الإيمان وهذا تبع الإيمان الذي يكون تصديقا وإقرارا وقد عرف في السلف أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان لأن تعريف الإيمان عندهم قول وعمل واعتقاد ، على هذا كيف صار مثلا الإسلام هو الأمور الظاهرة وهي العمل ، وجعل الإيمان الأمور الباطنة التي هي أعمال القلوب ، فلا بد من جمع بين قول أهل السنة وبين أهل الحديث ، ذلك أن من الأسماء ما إذا أفرد دخل فيه مسميات كثيرة وإذا جمع مع نظيره أو ما هو مثله أو أعم منه يكون يقع على بعض مسمياته والآخر على البقية ، وهذا مثل الإسلام والإيمان ومثل الفقير والمسكين فإذا قيل فقير دخل فيه كل أهل الحاجات المحتاجين وإذا قيل مثل ما في قول الله جل وعلا : { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ}[التوبة:60] فهنا جمع المساكين مع الفقراء والتقديم لا بد أن يكون له معنى ، فلهذا قيل إن الفقراء هم أشد حاجة والمساكين  الذين يجدون بعض حاجياتهم يدل على هذا في قصة موسى مع الخضر أنه قال : { أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ }[الكهف:79] فسماهم مساكين ولهم سفينة ، خلاف الفقراء ، وكذلك الإيمان والإسلام فإذا أفرد أحدهما قيل مثلا : { إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ }[ال عمران:19] دخل فيه الدين كله كل ما أوجبه الله جل وعلا من أعمال الجوارح وأعمال القلوب ، وكذلك إذا قيل مثلا : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ }[الأنفال:3:2] يدخل فيه الدين كله وهذا من أعلى المراتب فذكر الأعمال فيها أنها من الإيمان وحصر ذلك الإيمان فيهم “إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ” ، وبهذا تجتمع الأدلة إذا أجتمع الإيمان والإسلام فلكل واحدا معناه ، وإذا أنفرد أحدهما دخل فيه ما يدخل في الآخر ، فلا يكون في هذا مخالفة ، وقول أهل السنة الإيمان قول وعمل واعتقاد،هذا يقصدون به الدين كله كل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فيصير متفق مع هذا المبدأ وهذا الأصل.

 ولهذا جاءت الأحاديث تبين ذلك في حديث عمرو ابن عبسة يقول جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم  فقال : (ما الإسلام قال : أن تسلم قلبك ووجهك لله وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك ، فقال : ما أفضل الإسلام قال : الإيمان قال : وما الإيمان قال : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث بعد الموت قال : وما أفضل الإيمان فقال : الهجرة قال : وما الهجرة قال : الجهاد في سبيل الله) فهذا جعل الدين الذي أمره الله جل وعلا كله داخل في الإسلام فهذا يكون مثل قول الله جل وعلا : { إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ }[ال عمران:19] { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ }[ال عمران :85] والنصوص إذا اجتمعت في أمر من الأمور يجب أن يعتنى بهذا حتى لا يكون هناك منافرة أو مخالفة وفي هذا أحاديث كثيرة على هذا المنوال تبين أن الإسلام مع الإيمان إذا اجتمعا افترقا ، وإذا افترقا اجتمعا لهذا يقول الله جل وعلا : { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ }[الحجرات:14] ويقول جل وعلا : { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ }إلخ [الأحزاب:35] ففرق بين الإسلام والإيمان { عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ }[التحريم:5] فهذا يدل على أنه إذا اجتمع الإسلام مع الإيمان فلكل واحدا معنى فلا يكون في ذلك إشكالا.

قوله : أخبرني عن الإيمان فقال : الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره،وهذه قد ذكرها الله جل وعلا في كتابه هذه الأمور الخمسة في مواضع متعددة في قوله جل وعلا : { آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ }[البقرة285] و{ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ …إلخ}[البقرة:177] وأول سورة البقرة { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ }[البقرة 4،3] في آيات كثيرة ذكر الله جل وعلا هذه الأمور التي ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم  في هذا الحديث فالإيمان أخبر أنه الأمور الباطنة التي تكون في القلب أعمال القلب فالإيمان هو قبول ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم  والإقرار به وقبوله ويشمل أن يصدق بذلك تصديقا جازما لا تردد فيه ويعمل به أما مجرد تصديق فقط ما يكفي فيعمل به ، ثم هذه التي أخبر بها أن تؤمن بالله أولا تؤمن بالله وبما أخبر عن صفاته وأفعاله التي يتعرف بها إلى عباده بأنه على كل شيء قدير وبأنه بكل شيء عليم وأنه على عرشه مستوي وأنه جل وعلا لا يخفى عليه شيء وأنه مع خلقه أينما كان يحف عليهم أعمالهم وأقوالهم وهو معكم أينما كنتم كما قال جل وعلا : { هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }[الحديد:4] وكذلك يقول : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }[الحديد:3]  { هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ } [الحشر:22] المقصود أن الإيمان بالله جل وعلا يشمل كل ما أخبر الله جل وعلا به عن نفسه من أوصاف وأفعال أنه الخالق الذي خلق كل شيء وهو القادر على كل شيء وهو العليم بكل شيء تعالى وتقدس فلا بد من الإيمان بهذه الأمور حسب ما أخبر بها جل وعلا وأخبر بها رسوله صلى الله عليه وسلم  ، والله غيب ما أحد يشاهده وإنما يُعلم ويُعرف بصفاته وبأفعاله تعالى وتقدس ، وأفعاله ظاهرة وجلية حتى في النفوس فهو الخالق وحده ولهذا يقول جل وعلا في خطابه للكفار : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}[البقرة :21:22] يعني تعلمون أنه هو الذي خلق هذه الأشياء خلقكم وخلق من قبلكم، كل من سُئل: من الخالق؟ قال: الله هو الذي خلق، وكذلك هو الذي أوجد ما تعيشون به من مصالحكم كلها ، الذي جعل لكم الأرض فراشاً يعني كالفراش تتمكنون من الانتفاع بها ومن حرثها ساكنة لا تتحرك وتتطرب وأنزل من السماء ماء فأنبت به لكم مما تأكلون وتأكل أنعامكم من الثمار وغيرها وكذلك جعل السماء بناء يعني تشاهدونه.

فالمقصود أنه يدعوا خلقه أن يتفكروا في مخلوقاته ويؤمنوا به ويعبدوه وحده ، فالإيمان بالله جل وعلا يشمل هذا كله وكذلك يشمل امتثال أمره واجتناب نهيه وأن يطاع رسوله فلا يعصى ويتبع ويكون الشرع بما شرعه يعني يتدين بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم  وهذا معنى كوننا عباد لله جل وعلا نتبع أمره ونطيعه ونخافه ونرجوه ونحذر معصيته .

قوله : أن تؤمن بالله وملائكته، والملائكة كلمة ملك تدل على أنه مكلف وأنه رسول لأن الملك هو من الألوكة وهي الرسالة وملائكة الله جنوده الكثيرون وقد أخبرنا جل وعلا ببعض وظائفهم وأعمالهم التي كلفوا بها كما أخبرنا ببعض أعيانهم مثل جبريل وميكائيل وإسرافيل ورضوان ومالك وغيرهم ممن جاءت تسميتهم في الأحاديث وكذلك في الآيات، وجبريل هو الذي يتول الوحي يبلغه رسل الله من الله جل وعلا، وجبريل معناه : يقول العلماء كل اسم آخره إيل فهو معناه : عبد، عبد الله أو عبد الرحمن وإن كان هو الاسم أعجمي،  ومن الوظائف التي أخبر بها جل وعلا كونه وكل بنا ملائكة يحفظون أعمالنا كما قال صلى الله عليه وسلم  : ( إن معكم من لا يفارقكم فاستحيوهم ) يقول جل وعلا : { وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ }[الإنفطار:10:12] فقوله كراما إشارة إلى أن نكرمهم ولا نهينهم بأن يسجلوا الأشياء التي لا يريدونها كما أن قول الرسول صلى الله عليه وسلم (إن معكم من لا يفارقكم فاستحيوهم) يعني استحيوا منهم فالإنسان معه دائما ملكان كريمان يحفظان عليه كل عمله وقوله كما قال جل وعلا : { مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ }[ق:18] يعني مستعد للكتابة فيسجل عليه منذ كلف إلى أن توفي ، يسجل كل عمل يعمله، { مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ } يعني يتلفظ بقول إلا كتب وسجل وإذا مات طويت هذه الصحف وحفظت حفظتها الملائكة وليس هذا الذين (…) كل رجل عليه ملائكة لا يكونون مع الآخر إذا مات انتهت قضيتهم راحوا في وظيفة أخرى ، يحفظون وربما يستغفرون له وهم أربعة أيضاً ليس اثنين فقط اثنين في اليل واثنين في النهار كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول: ( يتعاقب فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار يجتمعون في صلاة العصر وفي صلاة الفجر فإذا اجتمعوا في صلاة الفجر صعد الذين كانوا باتوا فيكم وبقي الذين نزلوا إلى صلاة العصر) فيصعد هؤلاء الذين كانوا معنا في النهار ويبقى الذين نزلوا ليبقوا في الليل وهكذا يتعاقبون دائما إذا صعدوا إلى السماء سألهم الله جل وعلا وهو أعلم كيف تركتم عبادي فيقولون يا رب أتيناهم يصلون وتركناهم يصلون ، لكن هذا لا يكون لكل أحد يكون للمصلين في هاتين الصلاتين ولهذا أمر بالمحافظة عليها خصوصا على هاتين الصلاتين صلاة الفجر وصلاة العصر ، لهذا ولغيره ، كذلك (هناك) ملائكة غير هؤلاء كما قال الله جل وعلا { لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ }[الرعد:11] هؤلاء يحفظونه حفظا عاما ، يحفظون بدنه من أن يقصده شيئا من المهلكات والمؤذيات شياطين وغيرها ، فإذا جاء ما قدره الله تركوه ومن قصده ، ولهذا يجد الإنسان مثلا يكون في البر في البرية ثم ينام عيناه مفتوحتان وفمه ومنخره والحشرات والهوام حوله كثيرة لا يأتيه شيء يحفظه الله بحفظ هذه الملائكة حتى يستيقظ ، ومن الملائكة الذين ذكر الله جل وعلا وظائفهم من يتولى قبض الروح أن الذي يتولى قبض الروح ملك واحد ولكن معه أعوان كثيرون كما جاءت الأحاديث أن الإنسان إذا كان في إقبال من الآخرة وإدبار من الدنيا يعني حضره الموت نزلت الملائكة من السماء ونزل ملك الموت وملك الموت هو الموكل ، فإذا قبض الروح لم يتركوها في يده طرفة عين يأخذوها ويصعدوا بها فإن كانت طيبة خرج لها رائحة طيبة وكلما مروا على ملء من الملائكة بين السماوات والأرض أو بين السماوات قالوا ما هذه الروح الطيبة يقولون فلان ابن فلان فيستغفرون له ويصلون عليه إلى أن يصلوا بها إلى السماء السابعة فيقول الله جل وعلا اكتبوا كتابه في علين وأعيدوه إلى الأرض، وكل هذا بينما يغسل ويصلى عليه فإذا دفن ووضع في قبره أعيدت روحه إليه فيأتيه الملكان الموكلان بسؤاله ، ومن الملائكة من لا يأتي إلى الأرض في السماء كما جاء في الحيث: (أطت السماء وحق لها أن تأط) والأطيط هو صوت الحمل الثقيل على الشيء الذي يكون له صوت (ليس فيها موضع قدمين إلا وملك راكع أو ساجد) وفي حديث المعراج :يقول صلى الله عليه وسلم :(رأيت البيت المعمور وهو في السماء السابعة على حيال الكعبة وإذا يدخله كل يوما سبعون ألف من الملائكة لا يعودون إلى مثلها أبدا ) يعني لا يجدون فرصة يعودون مرة أخرى لكثرتهم كثرت الملائكة ، ومن الملائكة أيضا الجنود الذين جعلهم الله لنصرة عباده ومنهم ملائكة سيارون في الأرض يبحثون عن حلق الذكر فإذا وجدوها تداعوا إليها وأحاطوا بها ثم إذا صعدوا إلى ربهم جل وعلا سألهم من أين أتيتم فيقولون من عباد لك يذكرونك ويكبرونك ويهللونك، فيقول : ماذا يسألون فيقولون يسألون الجنة ويعوذون بك من النار فيقول هل رأوهما فيقولون لا يا رب ولو رأوهما لكانوا أشد رغبة في الجنة ورهبة من النار فيقول جل وعلا أشهدكم أني قد غفرت لهم ، فيقولون يا رب فيهم فلان ليس منهم وإنما لحاجة فجلس فقال هم القوم لا يشقى جليسهم وله قد غفرت ، في أحاديث كثيرة في ذكر الملائكة كل هؤلاء يجب أن يؤمن بهم كما اخبر الله جل وعلا بهم فالإيمان بهم من الإيمان بالغيب.

وكذلك الإيمان بالرسل والرسل الذين أرسلهم الله جل وعلا لإبلاغ دينه وشرعه للأمم وأولهم آدم عليه السلام أرسل إلى قومه رسولا ، وأول رسولا كلف بإبلاغ رسالات الله جل وعلا هو نوح عليه السلام وتتابعت الرسل بعده وختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم  والإيمان بواحد منهم يُلزم أن يؤمن بكل رسول ، ولهذا إذا كفر الإنسان بواحد منهم فهو كافر بالرسل كلهم بل ثبت في الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا كان يوم القيامة دعي نوح لأنه أول رسول وقيل له هل بلغت فيقول نعم بلغت رسالة ربي ، فيُسأل قومه فيقولون ما بلغنا ما أتانا من نذير ولا بشير ، فيقول الله جل وعلا لنوح من يشهد لك فيقول أمة محمد ، فيؤت بكم فتشهدون أن نوح عليه السلام بلغ الرسالة فيقولون لكم كيف تشهدون علينا ونحن اول الأمم وأنتم آخر الأمم فيقولون جاءنا رسولنا فأخبرنا بذلك ونزل كتاب ربنا فآمن به فنحن نشهد به ، هذا معنى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ }[البقرة:143]شهداء على الناس، يعني وسط الوسط الخيار والعدول ، فالمقصود أن الإنسان أنه إذا آمن برسول وجب أن يؤمن بالرسل كلهم ، فإذا كفر بواحد فقد كفر بجميع الرسل ، وهكذا البقية يعني .

أن يؤمن أيضا باليوم الآخر بما أخبر الله جل وعلا به مما يكون من القبر وما يكون فيه من السؤال ومن العذاب والنعيم ، فقد تكاثرت الأحاديث في ذلك ، وكذلك البعث أن الله يبعث الأموات بعد ما تفرقت أجزائهم وصارت ترابا فيعادون كما كانوا ، ثم يوقفون بين يدي الله ثم يجزيهم ، وكذلك ما يكون في الموقف مما ذكر في الأحاديث الكثيرة من المحاسبة ومن تطاير الصحف ومن الحوض والصراط والنار والجنة وغير ذلك كل هذا داخل في الإيمان باليوم الآخر ، وقد جاء تفصيله كثيرا في الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  .

قوله : وأن تؤمن بالقدر خيره وشره فهذا الذي ساق ابن عمر الحديث لأجله ، والقدر عبارة عن أمور أربعة :

الأمر الأول : علم الله الذي علم ما كان وما يكون وعلمه بكل شيء أزلي علم الأشياء قبل كونها فعلمه محيط بكل شيء فلا يفوته شيء ولا يستجد له شيء لم يعلمه سابقا تعالى وتقدس .

الأمر الثاني : كتب علمه بالكائنات يعني كتب ما سيكون فقد علم وجود الخلق وعلم أعمالهم وعلم مصيرهم هذا إلى الجنة  وهذا إلى النار فكتب ذلك كله، كما في الصحيح عن عبد الله ابن عمرو قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول : (إن الله كتب مقادير الأشياء قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء) .

الأمر الثالث: مشيئته التي يقع فيها كل شيء ولا يقع شيء إلا بمشيئته فلا بد أن تؤمن بأن ما شاء الله كان وما لا يشاء لا يكون .

الأمر الرابع : هو الخالق وحده ، فهو الذي خلق العباد وخلق أفعالهم وخلق كل شيء ، هذه الأمور الأربعة هي حقيقة الإيمان بالقدر والقدر معناه الأمور المقدرة التي فُرغ منها علم الله وكتابته ومشيئته وخلقه .

قوله صلى الله عليه وسلم  في الإيمان : ( أن تؤمن بالقدر خيره وشره ) فهنا قال : خيره وشره والله جل وعلا كل أفعاله خير وما يفعله خير والشر ليس إليه كما قال المصطفى صلوات الله وسلامه عليه في ثنائه على ربه: والشر ليس إليك ، فالشر لا يضاف إلى الله ولكن هذا في المقدور في المفعول في مفعولات الله يعني المخلوقات ، والشر يكون نسبي يعني لمن أصابه ولا يصيب الإنسان شر إلا من جراء عمله يعني جزاء له والله يعفو عن الكثير { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ }[الشورى:30] { وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ }[النحل:61] يعني يهلك كل شيء ولكن عفو الله أوسع وأعظم فهو يعفو ويتجاوز جل وعلا والشر إذا جاء في النصوص لا يضاف إلى الله جل وعلا لأن فعله كله جميل وبحكمة وخير فلا يضاف إليه تعالى وتقدس وإنما هذا في المقدور في القدر الذي قدره جل وعلا وهو المفعولات التي يفعلها تعالى وتقدس ، ولهذا يقول العلماء الشر في القرآن جاء على ثلاثة أنواع :

النوع الأول : إما أن يدخل في العمومات كقوله جل وعلا : { اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}[الزمر:62] .

النوع الثاني : يحذف فاعله { وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا }[الجن:10] جاء الشر حذف فاعله تأدبا مع الله جل وعلا ، وإذا جاء الخير أضيف إليه ، ويقول الخليل فيما ذكره الله جل وعلا عنه { وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ }[الشعراء:80] فأضاف المرض إلى نفسه ، وأضاف الشفاء إلى ربه جل وعلا .

النوع الثالث : يأتي في المفعول في المخلوق كما قال جل وعلا : { مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ }[الفلق:2] الشر في المخلوق والخير كله من الله والإنسان ليس عنده خير إلا من الله فإن أبتدئه الله بالخير وإلا ليس عنه شيء من ذلك ولا يستطيع ، فخير القدر وشره بالنسبة للمخلوق وإلا كل ما قدره الله جل وعلا خير،والإنسان الذي يصيبه الشر كل ما أصابه فهو من جراء عمله وبما كسبت يده ، فإذا قيل إنه شر فهو بالنسبة إليه ومن جزاء العمل وسبق أن الإيمان بالقدر أنه ركن من أركان الإيمان وأنه لا يصح إيمان إنسان إلا بالإيمان به ، وهذا الذي روى الحديث ابن عمر من أجله وقد تبرء من الذين أنكروا علم الله جل وعلا وقال : إني منهم بريء وهم مني برئاء ، وأخبر أنهم لو أنفقوا من المال مثل أحد ما قبل منهم حتى يؤمنوا بالقدر خيره وشره ، فهذا يدل على كفرهم أنهم ليسوا مسلمين الذي ينكر علم الله الأزلي يكون كافرا لهذا قال إنهم يقولون إن الأمور مستأنفة يعني لم يعلمها الله في ما سبق وإنما يعلمها في المستقبل هذا معنى الاستئناف ، فالإيمان بالقدر كما سبق على أحد أمرين؛ احدهما علم الله الأزلي (…)، وإن شئت تقول بأربعة أمور : علم الله الذي هو محيط بكل شيء ولا يوجد شيء إلا وقد علمه الله في القدم ، ثم كتابته لعلمه في الكائنات كلها فقد كتبها قبل وجودها لتمام علمه وإحاطته فكتب أهل الخير وأهل الشر يعني أهل السعادة وأهل الشقاوة من يكون في الجنة بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم قبل وجودهم بمئات الآلاف من السنين ولا يمكن أنهم يخالفوا هذه الكتابة وهذا العلم الذي علمه الله، علم الله جل وعلا أنهم سيجدون وأنهم سيعملون أعمالهم باختيارهم وقدرتهم وأنهم يجازون على ذلك أهل الخير وأهل الشر فكل كائن يقع بعلم الله وبكتابته الأزلية فهذا شيئين علم وكتابة ، وقد أخبر جل وعلا أن كل شيء عنده بكتاب مكتوب في آيات عدة، الأمر الثاني مشيئته الشاملة فلا يقع شيء إلا ما شاءه فما شاء كان وما لا يشاء لا يكون وكذلك خلقه للأشياء فهو الخالق وحده وما سواه مخلوق هذا الذي يجب أن يعتقده الإنسان ويؤمن به فإذا أعتقد ذلك وآمن به فقد آمن بالقدر ومن ترك شيئا من هذه الأمور الأربع فإنه خلل بإيمانه إن لم يكن كفر.

أما العلم والكتابة فقد كان في السابق كما جاء في سبب هذا الحديث من ينكر العلم الأزلي فلما علموا أن هذا كفر رجعوا عن ذلك وصار المنكر اليوم قليل جدا لظهور ذلك ، وبقي المشيئة والخلق عموم المشيئة والخلق فقد أخل بها طوائف من أهل البدع منهم من يقول أن العبد هو الذي يخلق أفعاله هو الذي يؤمن استقلالا ويكفر استقلالا بدون ان يجعله الله مؤمنا أوكافرا والتبس الأمر عليهم بهذا لأنهم قالوا لو قلنا إن الله جل وعلا هو الذي شاء له الإيمان وشاء له الكفر والمعاصي ثم أخذه بذلك لكن هذا ظلما وهذا في الواقع شبهة ولكنها شبهة داحضة وباطلة فالله هو الذي خلق الإنسان وخلق له القدرة وخلق له الاختيار وإذا كان عنده الاختيار والقدرة مع كونه ايضا مستطيعا بذلك فإنه يقدم على الشيء باختياره وقدرته فعلم الله جل وعلا أن هذا العبد يكفر أو يفسق عن اختياره وبفعله الذي هو قادر عليه ما أحد يجبره ويرغمه على ذلك، والإنسان لا يخلق له قدرة لو كان الإنسان يخلق قدرتهما رضي أن يكون أحد أقدر منه وأقوى منه فهو مخلوق لله يتصرف الله جل وعلا فيه كيف يشاء ، فقدرة الله جل وعلا مشيئة الله جل وعلا شاملة عامة ولهذا يقول جل وعلا : { وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ }[الإنسان:30] فأثبت لنا مشيئة ولكنها بعد مشيئة الله فإذا كان لنا مشيئة فنحن نفعل أفعالنا باختيارنا وهذا شيء يجده الإنسان من نفسه كل أحد يجد ذلك فنحن مثلا جئنا إلى هذا المكان باختيارنا ولا أحد أرغمنا على هذا وقد كتب هذا وعلم في الأزل وقد شاءه الله جل وعلا ولولا مشيئة الله ما وقع، وهكذا في كون الإنسان يؤمن فإن الله جل وعلا علم ذلك قبل وجوده أنه يؤمن باختياره وقدرته فيكون مستحقا للثواب والآخر مثلا الذي لا يؤمن قد علم الله انه لا يقبل الإيمان وأنه يتركه باختياره ومقدوره لا أحد يرغمه على ذلك لهذا يشكل مثلا على هؤلاء قول الله جل وعلا في بعض الكافرين الذين يخاطبون وهم احياء كقوله جل وعلا : { تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ *سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ }[سورة المسد] قالوا إنه كلف أن يؤمن بأنه لا يؤمن؛ هذا غير صحيح ولكن هذا أخبر عن علم الله في هذا المخلوق أنه لا يقبل الإيمان وأنه يستمر على محاربة الدين حتى يموت فيكون جزاءه ذلك أما أنه كلف بأنه يؤمن بأنه لا يؤمن فهذا غير صحيح بل دعي إلى الإيمان وجعل له من القدرة على ذلك ما جعل لغيره.

ولكن هناك شيء وراء هذا وهو هداية الله منة الله على العبد كونه يخلق الهدى في قلبه ويزين الإيمان في قلبه ويكره إليه الكفر والفسوق والعصيان هذا فضل الله يعطيه من يشاء وليس في ذلك ايضا استحقاق للإنسان على الله بأنه يجعله هكذا بل الله جل وعلا خلقه تام الخلقة عنده القدرة وعنده الاختيار وبين له الحق من الباطل، فقال له هذا طريق الحق إذا سلكته واتبعته فلك الجزاء الأوفى ، وإن امتنعت وأبيت فلك العذاب والأمر إليك كما قال جل وعلا : { قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا }[الإسراء:107] يعني أن الاختيار إليكم ولا أحد يحول بينكم وبين الإيمان ولهذا تجد مثلا الكافر يأبى الإيمان ويقاتل الذي يدعوه إليه ويتخذه عدوا وهو يعلم أن المؤمنين عاقبتهم الجنة والكافرين عاقبتهم النار ومع ذلك يرضى ما هو فيه ، فهذا نقول أن الأمر إلى الله فيه ولكن هو جل وعلا يتفضل على من يشاء فيخلق في قلبه الهدى ويجعل الإيمان محببا إليه ويزينه في قلبه ويكره أضاده ولهذا أمرنا أن نسأله الهداية دائما ، فالهداية بيده { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ }[الفاتحة:6] ومن لا بهده الله فلا هادي له أما أن يكون أنه يجب عليه أنه يفعل شيء فهذا لا يجب على الله شيء فمن الذي يوجب عليه ، فهو الذي يخلق ويرزق ويوجد ويتصرف في الكون كله والكون كله ملكه جل وعلا.

الأمر الثاني : الذي هو خلقه ومشيئته فلا يقع في الكون إلا ما شاءه جل وعلا فالإنسان له مشيئة وله قدرة ولكن لا يقع شيء إلا إذا كان الله جل وعلا أراد وقوعه كونا وقدرا ، والإنسان ما يدري ما الذي يقع حتى يقع الشيء، فلهذا هو مأمور بالاجتهاد مأمور بأن يعمل الأسباب التي فيها صلاحه وفيها سعادته ولا يدري ماذا يكون فهو مجتهد ولهذا لما قال صلى الله عليه وسلم  : ( ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده في الجنة أو في النار قال قائل : ألا نتكل على الكتابة قال :لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له ) فلا بد من العمل وسيأتي الحديث الذي فيه حديث ابن مسعود حدثنا الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه إلى أن قال : ( وان أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا شبر أو ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ، وان أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا شبر أو ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها ) ما في أحد يدخل النار أو يدخل الجنة إلا بعمله ليس مجرد الكتابة،الكتابة عبارة عن علم الله في هذا المخلوق أنه سيوجد وسيعمل كذا وكذا فهو علم الله الذي أحاط بكل شيء، أما استحقاق العذاب واستحقاق الثواب فهو بالعمل بعمل الإنسان وعمله الاختياري الذي يختاره ومع هذا جعل الله جل وعلا له عقلا وفكرا وجعل حوله آيات تدله على وجوب عبادة ربه من الآيات في نفسه والآيات في الآفاق فوقه وتحته ويمينه ومع ذلك أرسل إليه رسولا وأنزل عليه كتابا كل ذلك للأعذار وللإنذار حتى ما يكون للناس على الله حجة، فمن كفر فهو كفر باختياره واستحق العذاب ومن آمن فالفضل لله جل وعلا حيث وفقه لذلك فيجب أن يشكر الله جل وعلا فما شاء كان وهو الخالق لكل شيء ودخل في كونه الخالق لكل شيء أفعال العباد فهي مخلوقة لله جل وعلا وليس العباد هم الذين يخلقون أفعالهم ولكنهم يفعلونها باختيارهم وكل إنسان يجد من نفسه أنه هو الذي يمشي وهو الذي يجلس باختياره وهو الذي يأكل وهو الذي يشرب وهو الذي ينام وهو كذلك الذي يؤمن ويكفر ويعمل المعاصي حقيقة فالذي يخالف هذا يكون إما عنده شبه تلبس عليه الأمر وزين له الشيطان باطلا أو انه يكون جاهلا .

قوله : أخبرني ما الإحسان فقال : الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك جعل الإحسان على درجتين :

 إحداهما أعلى من الأخرى ، فالإحسان معناه هو أن يأتي بالعمل على أعلى ما يكون وأحسن ما يكون فهو لخواص المؤمنين ولا يصل إليه كل أحد، ومعلوم أن الذي يعبد ربه جل وعلا وهو يشاهده وينظر إليه أنه ما يترك جهدا من إحسان العمل إلا وجاء به ولهذا قال : أن تعبد الله كأنك تراه، يعني تشاهد ربك والله جل وعلا له المثل الأعلى، لو أن مثلا إنسان مثلا كان مثلا في ملك رئيس مثلا عنده من البطش وعنده من القوة وعنده من الجنود المحيطين به فيأتي رجل على بساطه وفي مجلسه هل يمكن أن يعصيه في هذا المكان أو يأتي بشيء يخالف ما يريد لا بد أنه يكون في أعلى ما يمكنه من طاعته والتقرب إليه حتى يسلم والله جل وعلا أعلا وأجل وأعظم، فإذا مثلا كان الإنسان عبادته على المشاهدة أنه يشاهد ربه والله لا يخفى عليه شيء فإنه لا يدخر شيئا من احسان العمل هذه درجة .

الدرجة الثانية : ان لم تكن تراه فإنه يراك يعني إذا لم تستطع أن تصل إلى هذه الدرجة فتعبده على أنه يشاهدك ويسمع كلامك ويرى ما في ضميرك، فإذا أيضا عبده على هذه الصفة لا يمكن أن يقدم على معصية والله يشاهده وينظر إليه، لهذا قيل لأحد الوعاظ: عظنا فقال : إذا أردتم ان تعصوا الله فلا تدعوه ان ينظر إليكم، قالوا هذا شيء ما يمكن الله ما يخفى عليه شيء قال : إذا يحسن منكم انكم تعصون الله وهو ينظر إليكم! هذا لا يحصل أبدا قالوا زدنا قال : إن أبيتم إلا أن تعصوه فلا تعصوه وتأكلوا رزقه قالوا كيف كل شيء رزق الله ما في رزق إلا من الله جل وعلا قال : أيحسن يعني أن تعصوا الله وتأكلوا رزقه تتقووا على معصيته برزقه هذا ما يجوز قالوا : وهو كذلك قالوا زدنا قال : إن أبيتم إلا هذا إلا أنكم تعصون الله وهو يشاهدكم وتأكلون رزقه فإذا عصيتموه فلا تسكنوا في أرضه وبلاده، طيب هذه مثل الأولى أين يذهبون! فقالوا: زدنا قال: إذا أبيتم إلا هذه الأمور فإذا كان يوم القيامة وجمعكم في الموقف فقولوا ما ندخل النار نروح للجنة هذه أشد من الأولى .

فعلى كل حال المقصود أن الخلق بعين الله جل وعلا وبنظره وبسمعه وببصره لا يخفي عليه شيء ولهذا يقول جل وعلا : { هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }[الحديد:4]فأخبر أنه مستوي على عرشه وهو معنا يشاهدنا ويسمع كلامنا ويعلم ما في ضمائرنا ولا يخفى عليه شيء ، ولهذا يقال هذه يعني تعطي المراقبة والخوف كون الإنسان يخاف من ربه دائما ويكون دائما على علم بأن الله يراقبه ويسمع كلامه ويسمع تصرفاته فيجب ألا يعصي ربه جل وعلا وهو يشاهده وهو كذلك يرزقه وهو كذلك في حفظه وكلاءته هو الذي يحفظه ويكلؤه وينعم عليه ، فالإحسان هو أعلى الدرجات درجات الإيمان.

قوله : أخبرني عن الساعة يعني عن مجيئها الساعة هي النفخ في الصور والنفخ في الصور جاء أنه مرتين كما قال جل وعلا : { وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ }[الزمر:68] وفي الصحيحين عن أبي هريرة  عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: (بين النفختين أربعون..)

فالساعة هي التي بها نهاية الكون كله والحياة كلها ، فيبدأ حياة جديدة الآخرة تبدأ من هناك وهي أمر قد أكثر الله جل وعلا من ذكره حتى نخاف ونجتهد ونعمل وأخبر أنها قريبة { اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ }[القمر:1] والرسول صلى الله عليه وسلم هو رسول الساعة ويقول : ( بعثت أنا والساعة كهاتين ويشير بأصبعيه ) يعني أنها ملاصقة له تأتي بعده مباشرة ، فقال له ما المسئول بأعلم من السائل يعني أنه خفي عني وعنك عن المسئول وعن السائل ، أخفيت علمها عند الله كما قال الله جل وعلا : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا }[النازعات:42] يعني متى وقتها { قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ }[الأعراف:187] يعني خفيت ما أحد يعرفها يعرف مجيئها، عند ذلك عدل إلى شيئا آخر قال : أخبرني عن أماراتها والأمارات العلامات الدلائل التي تدل على القرب فقط ما هي تدل على الوقت وإنما تدل على قربها فذكر له هذه العلامات التي ذكر قال: أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان .

العلامة الأولى : أن تلد الأمة ربتها يقول العلماء معناه عبارة عن كثرة الفتوح وكثرة الجواري يعني المملوكات وأن الإنسان يملك مثلا جارية ثم يطأها وتلد له ولد فيعتقها الولد لأنها إذا ولدت أعتقها ولدها فلا يجوز بيعها ولا يجوز ، فكأنه هو سيدها ولدها لأنها اعتقت بسببه ، فيكون هذا معنى أن تلد الأمة ربتها ، وفي رواية ربها يعني جعل المولد كأنه سيد لها لأنها عتقت بسببه .

العلامة الثانية: فهي أخباره بأن رعاء الشاء يعني البدو الذين في البراري يرعون شياههم وأنهم يسكنون المدن ويتطاولون في البنيان يعني يتفاخرون كل واحد يقول بنائي أحسن من بنائك وسواء قالوا أو ما قالوا المهم أنهم يفعلون هذا ، وكل هاتين العلامتين قد وقعتا ، فبقيت العلامات الأخرى التي أخبر بها صلى الله عليه وسلم  في غير هذا الحديث وهي كثيرة، والعلماء قسموا علامات الساعة إلى ثلاثة أقسام : 

 القسم الأول : بعيد نسبيا .

القسم الثاني : متوسط  .

القسم الثالث : قريب يليها .

فالأقسام القريبة التي يسمونها العلامات الكبيرة : مثل الدجال ومثل المهدي ومثل يأجوج ومأجوج ونزول عيسى عليه السلام وطلوع الشمس من مغربها والريح التي تقبض كل مؤمن وخروج الدابة التي تميز بين الناس بين المؤمن والكافر وكذلك الخسوفات التي ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم  في الأرض واحد في المشرق وواحد في المغرب وواحد في جزيرة العرب، وهذه لم تأتي بعد وستأتي والساعة التي يعني : الإنسان ينتظرها كما قال العلماء الساعة ساعتان : ساعة خاصة وساعة عامة ، فالخاصة موت الإنسان إذا جاء أجله خلاص قامت قيامته فأصبح ختم على عمله وجوزي بعمله ولا يستطيع أن يستزيد حسنة ولا أن ينقص من سيئاته سيئة فانتهت حياته وانتهى عمله، أما العامة فهي التي هي تعم الخلق كلهم وهي النفخ في الصور. 

الحديث الثالث 

 (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  يَقُولُ: ” بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ

الشرح

تقدم الحديث الذي قبل هذا أن الإسلام فسر بهذه الأمور فسر بالشهادتين وبإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج ، وهنا يقول :بُنِيَ الْإِسْلَامُ فهذا له معنى غير الأول فالبناء كأن هذا البناء له دعائم له أعمدة لا يقوم إلا عليها وهي هذه الأمور الخمسة ، فإذا لم تتم فمعنى ذلك أن البناء لا يتم ولا يستقيم فيسقط فأما الشهادتين شهادة ألا إله إلا الله وأن محمد رسول الله فهذا أساس الإسلام وأوله ولا بد للإنسان أن يكون متحلا بذلك وعاملا به وفاهما له وباتفاق العلماء أنه إذا أخل بها يعني ترك الشهادتين أو جاء بما يناقضها أنه لا يكون مسلما والمناقض للشهادتين هو الشرك أن يشرك بالله جل وعلا أو يصرف شيئا من العبادة لمخلوق يجعل لمخلوق من المخلوقات عبادة من أنواع العبادة ولا يلزم أن تكون العبادة كلها لهذا المخلوق لأن المشركين كانوا يعبدون الله ولكن كانوا يعبدون معه غيره وهذا هو معنى الشرك، الاشتراك في الشيء يكون بين اثنين فأكثر فهم جعلوا العبادة بين الله وبين بعض مخلوقاته فاستحقوا بذلك العذاب وصاروا هم الظالمين، يعني استحقوا النار بذلك الظلم اعظمه الشرك جعل العبادة في غير موضعها وجعلها في مخلوق هذا هو أظلم الظلم ولهذا لما نزل قول الله جل وعلا : { الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ }[الأنعام:82] خاف الصحابة أن معنى لبس الظلم بالإيمان أنه المعاصي مجرد المعصية فقالوا يا رسول الله أينا لا يعصي كلنا يقع في المعاصي فقال : ليس ذاكم ألم تسمعوا قول الرجل الصالح : { يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }[لقمان:13] فالشرك هو الذي لا يحصل معه أمن أصلا لا في الدنيا ولا في الآخرة يعني في الدنيا العذاب المعجل وفي الآخرة العذاب الذي أعده الله جل وعلا للمشركين أما الذنوب فالذنوب لا تهدم الإسلام وإن كانت تنقصه ولكنها لا تهدمه فيبقى مستقيم مع الذنوب وأن كان ناقصا، والمسلم إذا بقي على أصل الإسلام فمآله إلى الجنة وإن أصابه ما أصابه ولكن هذه الدعائم التي ذكرت هنا معناها أن الإسلام بني عليها والبناء إذا بني على شيء فهو أساس إذا فقد بعضها يعيب يكون معايب (والا) ساقط ما يستقيم ،فالشهادتان سبق معناهما وأنه لا بد للإنسان أن يتشهد بهما وأن يعرف معناهما ويعمل بمقتضاهما وهما عبارة عن شيء واحد لأن شهادة ألا إله إلا الله لا تقبل بدون شهادة أن محمد رسول الله وكذلك بالعكس فلا بد أن يتشهد الإنسان هاتين الشهادتين بصدق ويقين وعمل يعني مع العلم عمل يعمل بهما والعمل بهما هو الثمرة التي قصدت ، ولهذا يقول جل وعلا : { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ }[محمد:19] فقوله : “وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ” هذا هو العمل يعني أنك لا بد أن تقدم العلم بالشهادتين ثم العمل يتبع ذلك ، أما الصلاة فتقدم أنها ايضا إقامتها وهي أحد أركان الإسلام ، وهنا جعلها عماد جعلها ركن من أركان الإسلام لأن الشيء الذي يبنى على أمور هذه المبني عليها هي أركان له ويعتمد عليها ولهذا تسمى هذه أركان الإسلام وركن الشيء لا يستقيم الشيء إلا به فكأن مثلا الإسلام كأنه مثل للشجرة أو مثل بناء فالذي يعتمد عليه هذه الأمور الخمسة أما مثلا الفروع التي تكون فيه من أماكن ينتفع بها أو مثلا ثمرة أو غصون أو ما أشبه ذلك فهذه فروع إذا ذهبت صار ناقصا ولكنه يبقى على ما هو عليه ناقص بخلاف ما إذا ذهب الركن وإقامة الصلاة كما سبق لا بد أن يأتي بها الإنسان بشروطها وأركانها التي جعلت لها وأن يقيمها ومن أعظم إقامتها وأهمها أن يأتي بها بقلب حاضر،أن يصلي صلاة يحضر قلبه ويعلم ماذا يعمل فيها وماذا يقول ويعلم أنه قائم بين يدي رب العالمين فلا يلتفت يمين وشمال بقلبه ويذهب يشتغل في الدنيا وغيرها ثم يخرج وهو ما درى ماذا قال ، وما درى ماذا فعل !،فمثل هذه صلاة تكون يعني ميتة فلا بد أن تكون الصلاة مقامة وإقامتها على الوجه الذي أمر الشارع به ، وقد قال صلى الله عليه وسلم  : ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) وأكثر العلماء على أن تارك الصلاة يكون كافرا لهذا الحديث وغيره فإنه جعل الصلاة ركنا من أركان الإسلام وكذلك بقية الأركان ولكن هذه جاءت في أحاديث كثيرة كالحديث الذي في صحيح مسلم ( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن ترك الصلاة فقد كفر أو أشرك ) في أحاديث غيره ، وأما الزكاة فسبق أن الزكاة ايضا مرتبطة بالصلاة ولهذا تقرن بها كثيرا وكثير من العلماء يقولون لا تقبل الصلاة إلا بإداء الزكاة ، بل هذه كلها مرتبط بعضها ببعض فلا بد من إتينها ومثل ذلك الحج وقد قال الله جل وعلا : {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ }[ال عمران:97] فمفهوم الآية أن الذي لا يحج أنه لا يكون مسلما، وهذا المفهوم جاء صريحا عن أمير المؤمنين عمررضي الله عنه  فإنه قال : الذين يملكون الزاد والراحلة ويملكون الاستطاعة أنه هم أن يضرب عليهم الجزية فليسوا بمسلمين، فهذا ظاهره ايضا أن من ترك الحج عمدا مع الاستطاعة أنه قد انهدم اسلامه ، ومثل ذلك الصوم ايضا صوم شهر رمضان فإنه كُتب ولكن هذه البقية فيها خلاف بين العلماء هل يكون التارك لها عمدا كافرا أو أنه يكون من أهل الوعيد ، وعلى كل حال فهذه هي التي سبق أن دخول الجنة رتب على الإتيان بها فإذا أتى بها فالجنة مضمونة له أما إذا اختل منها شيء فليست مضمونة يجوز أن لا يكون من أهل الجنة لأنه لم يأتي بالأسباب التي أمر بها .

الحديث الرابع

 عَنْ ابن مَسْعُودٍ رضي الله عنه  قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم -وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ-: “إنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسل الله إلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِوَعَمَلِهِوَأَجَلِهِ وَشَقِيٍّ أَمْ سَعِيدٍ؛ فَوَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ إنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا. وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا”. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. 

الشرح 

هذا الحديث حديث عظيم ، وقد دل على أحكام من الأمور التي لابد منها للناس ، ودل على قدرة الله جل وعلا وعلى سبق القدر بالإنسان وأن أهل الجنة قد علموا من أهل النار ، ودل كذلك على الخوف من الخواتيم أن الإنسان يحتاط ويجتهد ..

وقوله : حدثنا الصادق المصدوق ، الصادق هو رسول الله صلى الله عليه وسلم   فكل ما يقوله صدق وحق .

وقوله : المصدوق يعني الذي تأتيه الأخبار الصادقة مصدوق فيما يخبر به لأنه ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى .

وقوله: إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة.. ، ذكر هذه الأطوار الثلاثة النطفة ثم العلقة ثم المضغة ثم ذكر بعد ذلك النفخ والروح وكتابة الرزق والأجل والعمل والشقاوة والسعادة أربعة أشياء ، أما الحلف الذي قال فوالله الذي لا إله ..إلخ فقد قيل إن هذا مدرج ان هذا من كلام ابن مسعود وليس من كلام رسول اللهصلى الله عليه وسلم  والظاهر أنه من كلام رسول اللهصلى الله عليه وسلم  لأنه جاء في أحاديث أخرى ما يدل على هذا والعلم عند الله جل وعلا ، ولكن المقصود في هذا أنه جاء في حديث آخر ايضا في صحيح مسلم عن حذيفة أنه قال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  ( إن النطفة إذا وضعت في الرحم ومضى عليها اثنين وأربعين يوما أرسل إليها الملك فنفخ فيه الروح وكتب رزقه وأجله وعمله إلخ ) فهذا يعني أنه بأول الطور الثاني تنفخ فيه الروح ، وهذا في الواقع يترتب عليه أحكام كما أن أكثر الفقهاء ولا سيما الحنابلة يرون أن المرأة مثلا لو اسقطت قبل إحدى وثمانين يوم أنها لا تعتد بهذا الإسقاط ولا تترك الصلاة ، وأن هذا السقط ليس بشيء لا يصلى عليه ولا…. لأنه لم ينفخ فيه الروح بعد فهذه أحكام ومثل ذلك لو كنت الأمة مثلا أنها لا تعتق وإن كان الإماء الآن لا وجود لها لأن الإماء والعبيد وجودهم بوجود الجهاد جهاد الكفار وإذا ترك الجهاد فلا إماء ولا عبيد لأن أصل العبودية أصل كون الإنسان عبد أصله الكفر إذا قاتل المسلمون الكفار واستولوا عليهم فالله جل وعلا خيرهم بين أن يستعبدوهم فيسترقوهم أو يقتلوهم أو يمنوا عليهم ، فإذا تُرك الجهاد فليس هناك عبيد هذا هو الأصل ، وليس أن بعض الناس أنهم هكذا أنهم عبيد هذا اعتقاد سيء من بعض الناس (…) والعبودية سببها الكفر ، ولا تكون إلا بالجهاد فالمقصود أنه لو قدر أن هناك أمة يعني مملوكة ووطئها سيدها ثم أسقطت قبل هذه المدة أنها لا تعتبر أم ولد يجوز بيعها وأم الولد لا يجوز بيعها لا تباع لأنها أبنها اعتقها كما سبق في الحديث الثاني في قول الرسول صلى الله عليه وسلم  في أشراط الساعة وأن تلد الأمة ربتها وفي روية ربها، يعني أن الأمة المملوكة إذا ولدت صارت عتيقة اعتقها ولدها ولا يجوز بيعها ولا التصرف فيها وإنما إذا أراد سيدها أن يتزوجها فلا بأس.

فالمقصود أن هذا فيه اختلاف بين الفقهاء فالذي مثلا مفهوم الحديث حديث الذي في مسلم حديث حذيفة أن المرأة لو أسقطت مثلا بعد الأربعين أنها تعتد بهذا الإسقاط ولكن لا بد أن يتبين فيه شيء من الخلق هذا الإسقاط أما إذا كان دم وما أشبه ذلك فلا عبرة فيه ، ولكن الآن قالوا في الطب الحديث : أنه يمكن أن يتخلق المخلوق يعني في خلال خمسة أسابيع يعني في هذه المدة تقريبا يمكن أن يُرى خلقه يعني واضحا عندهم فيه ، فإذا كان كذلك فالرسول صلى الله عليه وسلم  لا يأتي بخلاف الواقع أبدا ولا يتكلم بخلاف الواقع ، فهذا تختلف الأحكام إذا فلا بد أن يكون إذا أسقطت المرأة عند هذه المدة أنها تعتد بذلك وأنها لا تصلي حتى تطهر (…) يكون (…) هذا شيء .

الشيء الثاني: يعني أنه لا يجوز إسقاط الجنين في هذه المدة إذا تعد أربعين يوما فإنه يكون إذا اثنين وأربعين يوما انه نفخ فيه الروح وإذا نفخ فيه الروح فهو مخلوق لا يجوز أنه يتعدى عليه التعدي عليه تعد على نفس خلقها الله جل وعلا بخلاف القول الأول الذي يرون أن التخليق يكون في الأربعين الأخيرة ونفخ الروح فيه في الأربعين الأخيرة، فإنه عند بعضهم يجوز قبل هذه المدة لو احتيج إلى إسقاط الجنين (…) وفي أحكام أخرى ذكرها العلماء غير هذا ، وهذه ليست مقصودة من سياق الحديث هنا وإنما هي واضحة في هذا الشيء يتكلم فيها الفقهاء أهل العلم ولكن المقصود العقيدة في هذا الذي تشتمل عليه :

 أن الله علام الغيوب ، وأن الله هو الخالق لكل شيء ، وأنه جل وعلا وكل ملائكته بالأرحام وغيرها ، وأنه جل وعلا سبق علمه بالأشياء وكتابته الأزلية وكذلك علم جل وعلا أهل الجنة من أهل النار قبل وجودهم ، وهذا سبق أيضا الإشارة إليه ، وكذلك كون الإنسان أنه مربوب يتصرف الله فيه كيف يشاء بخلقه وحياته وعمره ورزقه وشقاوته وسعادته فيقتدي هذا فقره افتقاره إلى الله ربه ولجؤه إليه وتضرعه دائما بين يديه لطلب الهداية وطلب التوفيق وطلب السعادة وطلب كل خيرا يترتب على وجوده ، ويسأل ربه جل وعلا أن يجنبه الشرور وأسبابها يعني أنه يدل على وجوب العبادة عبادة الله جل وعلا وهذا واضح .

وهذا المقصود الذي سيق الحديث من أجله ثم هذه الأطوار قد ذكرت في القرآن في آيات عده أن الله خلق الإنسان في أطوار وذكر أنه هذا قرنه الله جل وعلا في عدة آيات بأحياء الأرض كما ذكر ذلك في سورة الحج وفي سورة المؤمنين وفي سورة البقرة وفي سائر السور يذكر ذلك أنه (يكون وهذا) وأحيانا إذا ذكر الله خلق الإنسان ذكر خلق السماوات والأرض والسبب في هذا أن يعتبر الإنسان العاقل فإن خلق الإنسان سهل وصغير وخلق السماوات والأرض كبير جدا فالذي خلق الكبير العظيم ما يعجزه الصغير الحقير فكل هذا تنبيه لنا من ربنا جل وعلا حتى نفكر في خلق أنفسنا ثم يكون ذلك دليلا لنا على وجوب عبادة ربنا جل وعلا ثم الافتقار إليه وسؤاله جل وعلا الهداية ، فالهداية بيده لن يهتدي الإنسان إلا إذا هداه الله فلا بد أن تطلب الهداية ممن هي بيده جل وعلا ثم العبرة التي تدل على أن الله على كل شيء قدير يجعل الإنسان عالما ببعض صفات الله التي اشتمل على هذه ثم يتحلى بالخوف والخشية من الله جل وعلا لأن العلم يدعوا إلى ذلك كما قال الله جل وعلا : { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ }[فاطر:28] وهذا يختلف اختلاف الشيء الذي علم وان كان مسائل أو مسألة فلا بد أن يكون لها أثر.

قوله : إن خلق أحدكم يجمع ، كلمة يجمع تكلم عليه العلماء قالوا إنه جاءت آثار تدل على أن النطفة إذا وقعت في الرحم أنها تتفرق في العروق والأجزاء وتبقى هذه ثم تجمع وذكروا أشيئا من هذا القبيل والله اعلم لأن هذه أمور لا يجوز التكلم بها إلا عن معرفة وعلم حتى لا يكون الإنسان يتكلم بالجهل ولكن كلمة يُجمع خلق أحدكم يجوز أن يكون هذا وغيره ، وقوله : أربعين يوما نطفة يعني أنها بهذه الصفة تبقى هذه المدة ثم تتغير فالنطفة لها صفات والعلقة لها صفات والمضغة لها صفات ، فالعلقة قطعة دم يعني أن النطفة تنقلب إلى دم بعد هذه المدة النطفة تكون دما ثم الدم يصبح لحم كما جاء ذلك في كتاب الله جل وعلا وهي المضغة وقيل مضغة لأنها تكون صغيرة يقولون على قدر ما يضع الإنسان في فمه شيء يمضغه فهذه تسمى مضغة يعني صغيرة ، ثم بعد ذلك المضغة كما جاء في القرآن أنها تخلق عظاما ثم تكسا العظام لحما وقد جاء في سورة المؤمنين ، كما قال جل وعلا :ﭐﱡﭐ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ  ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ  ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ  ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ  ﲤﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﱠ  [المؤمنون : 11-14] تطور الإنسان سبع مرات كما ذكر ذلك في الآية وابن عباس كان يقول هذا أن خلق ابن آدم بني على سبع ابن آدم،أما آدم عليه السلام أبوهم فقد خلقه الله جل وعلا من تراب وقد ذكر الله جل وعلا أنواع الخلق متنوع حتى يبين قدرته وأنه على كل شيئا قدير فذكر أن الشيطان أنه خلق من شواظ من نار وذكر أن الملائكة خلقت كما قال في الحديث خلقت من النور ، وآدم خلق من تراب ومن طين لازب ثم خلقت زوجته منه وهذا أيضا عجيب امرأة خلقت من ذكر وخلقت من جزء منه وجاء أنه من ضلعه أخذت من ضلعه وخلقت يعني في لحظة في وقت محدد نام فلم قام فإذا هي بجواره زوجة له يسكن إليها وخلق الله جل وعلا عيسى عليه السلام من أنثى بلا ذكر، أما سائر بني آدم فمن ذكر وأنثى كما أخبر الله جل وعلا ، وكل ذلك ليبين جل وعلا أنه قادر على كل شيء تعالى وتقدس فكذلك إحياء الموت يتبين بهذا (مثل) قول ابن مسعود أو قوله في آخر الحديث بناء على قوله :كُتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد؛ هذه أمور الأربعة هذه الكتابة سبق أنها كتبت قبل وجوده وقبل وجود أمه وأبيه كما ثبت ذلك في آيات كثيرة  يقول الله جل وعلا : { مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا }[الحديد:22] يقول العلماء هذا الضمير نبرأها يعود على النفوس هذه قبل أن توجد النفوس قبل الخلق وثبت في صحيح مسلم قوله صلى الله عليه وسلم حديث عبد الله ابن عمرو : (إن الله كتب مقادير كل الأشياء قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء) وكذلك في الحديث الذي في السنن حديث عبادة ابن الصامت يقول : (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن أول ما خلق الله القلم قال له اكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة) يعني كل شيء كتب وهذا يدل على كمال علم الله وإحاطته بكل شيء بالكائنات كلها وأنه علم الأشياء قبل وجودها وكتبها فهي تقع على وفق علمه بدون زيادة ولا نقص ولا تقدم في الوقت ولا تأخر فإذا الأعمار والأرزاق والآجال والأعمال مكتوبة قبل وجود الإنسان ولكن الإنسان لا يدري وكذلك المصير والنهاية مكتوبة هل هو في الجنة أو في النار قد علم باسمه واسم أبيه واسم قبيلته ولا يزاد عليهم ولا ينقص فقد كتبوا قبل وجودهم،فإذا انتهى الخلق صار آخر مولود قامت القيامة وانتهت الدنيا لأن الله حدد لهم أوقاتا وآجالا مسمات ، والأجل المسمى هو المحدد المكتوب المعلوم، فالإنسان(…) في هذا ، ولما ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم  للصحابة هذا قالوا ألا نتكل على كتابتنا قال:(لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له) وهذا يقتضي أن الإنسان يجتهد في العمل ويجتهد في عبادة الله لأنه مأمور بذلك ولا يتخلى عن العمل كمن يقول أعتمد على الكتابة ليس صحيح لأن الكتابة كتبت للشيء الذي يصدر من الإنسان كتب لا بد أنه يعمله بإرادته وبقدرته إذا وجدت القدرة مع الإرادة فلا بد أن يوجد المراد والله خلق للإنسان قدرة وإرادة وأمره أن يعمل صالحا ونهاه أن يأتي بالذنوب التي تكون سبب العذاب في الدنيا والآخرة ولكن جعل الاختيار إليه بأنه عاقل ويعرف الضار من النافع بعقله الذي أعطاه الله جل وعلا وبالأمثال التي ضربت له فإذا عمل باختياره استحق على الطاعة الثواب والجزاء والله يعطيه بالحسنة عشر أمثالها إلى أضعاف كثيرة، وإذا عمل بالمعصية فإنه يكون مستحقا للعذاب لعذاب الله جل وعلا وقد أقيمت عليه الحجج ومع هذا مع الخلق والعقل والقدرة والاختيار ما كفى هذا جعل الله جل وعلا له رسلا أرسلهم إليه وكتب أنزلها عليهم حتى يبقى الإنسان ليس له أيعذر على الله أي حجة، لقد قامت الحجة على الخلق كلهم بإرسال الرسل بل في الأمور العامة بالعقل وبالخلق الأمور العامة يعني الواضحة مثل عبادة الله لا عذر لأحد في كونه يعبد حجر أو يعبد شجرة أو يعبد مخلوقا مثله لأن هذا ما يدل عليه لا عقل ولا يدل عليه أيضا وضع ولا يدل عليه أي شيء وإنما هي عادة تتابع عليه الناس فقط بدون تفكير ولهذا ذكر الله جل وعلا في الأمم إذا صار يوم القيامة؛كلما دخلت النار الذين، قال النار مثواكم خالدين فيها .إلخ فذكر أنه { كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ } –النار- { لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا} يعني للأولين الآخرين هكذا يقولون{هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآَتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ }يعني ما سبب يقول هؤلاء أضلونا ؟! يعني أن كنا متأخرين فاقتدينا بهم فردوا عليهم قالوا إنكم أنتم ضالون بلا ضللنا (…) وأي عمل لكم يعني بهذا (…) وإنما هذا جزائكم والله جل وعلا قال:{لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ }[الأعراف:38]، كل واحد (…) وكذلك الصغار الذين يتبعون الكبار يعتذرون عند الله يقولون : { رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا }[الأحزاب :68:67] يعني ما يفيد أنتم عندكم عقول وأفكار وجاءكم رسول وأنزل عليكم كتاب لماذا تتبعون هؤلاء ما المبرر لكم أن تتبعوهم وتتركوا طاعة الله وطاعة رسوله مع الأدلة الكثيرة ؟!

فلا عذر لأحد في ذلك، الأعذار كلها (…) ولكن هذا معناه زيادة الحسرات ، والحسرات التي تكون عذابا على عذاب وكلها تجتمع في النار يعني الحسرات والعذاب على الأبدان وعذاب النفوس ومثل ذلك تبري الشيطان منهم الذي هو أصل الشر ودعاهم ، يتبرأ منهم إذا كانوا في النار حتى قال بعض العلماء أنه ينصب له كرسي ويخطب في أهل النار يقول لهم {إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ}يعني ما عندي حجة ما عندي دليل وإنما مجرد الدعوة {دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ}يعني ما أنا بمغني عنكم ومغيثكم بشيء وأنتم كذلك ثم يقول: {كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ}[إبراهيم:22] كفر بطاعتهم وكفر بـ (…) فهكذا بعضهم يكفر ببعض كما ذكر الله جل وعلا : {يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا}[العنكبوت:25] فكل هذا الذي ذكر هنا هو من أجل تنبيه الإنسان حتى يرعوي ويعبد ربه جل وعلا ويعلم أنه مخلوق تصرف الله فيه كيف يشاء وأنه لا غنى له عن ربه فيجب أن يرجع إليه ويعبده ولا خلاص له إلا بهذا إلا بعبادته وافتقاره إليه ، نسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يهدينا ويجعلنا من أهل الحق وأن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه ، ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه  . 

الحديث الخامس 

(عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  “مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ”). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ.

وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ:”مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ” .

الشرح

هذا الحديث الذي هو ميزان للأعمال الظاهرة إذا لم تكن متفقة على ذلك فهي مردودة وهو من جوامع الكلم التي أوتيها الرسول صلى الله عليه وسلم  مع اختصار لفظه فهو يدل على أمور عظيمة،ذلك أن الإنسان عبد لله جل وعلا يجب أن يكون ممتثلا لأمره فالعبادة التي يأتي بها معناها هي طاعة الأمر واجتناب النهي فلا بد أن يكون عارفا الأمر الذي يطيعه إذا أتى بالعبادة وهذا معنى قول العلماء العبادة توقيفية يعني تتوقف على الأمر بها وكل عبادة لا تكون قد جاء بها الرسول فهي مردودة على صاحبها يعني غير مقبولة ولا معتبرة، وكذلك صاحبها يكون اثما إذا كان قصد ذلك وهذا الحديث كقوله جل وعلا : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ }[المائدة:67] فكل شيء لم يبلغه الرسول صلى الله عليه وسلم  فليس من الدين والتعبد به ضلالة ، ولهذا يقول العلماء هذا الحديث مع الذي قبله حديث عمر إنما الأعمال بالنيات يكفي في النظر في أمور الإنسان كلها فإذا لم تكن أموره متفقة مع هاذين الحديثين فهي ضلالة ، فالأول : يوزن به النيات والمقاصد والأعمال الباطنة؛إنما الأعمال بالنيات، يعني في مقاصدها ، وهذا في الأعمال الظاهرة التي يفعلها الإنسان.

وقوله : “أمرنا” الذي يقول : كل أمرا ليس عليه أمرنا ، أمر الرسول صلى الله عليه وسلم  هو الشرع هو شرعه الذي جاء به والدين الذي أمر أن نتدين به، فإذا لم يكن التعبد موافقا لذلك فهو مردود فليس معتبرا والبدع كلها تبطل بهذا الحديث، كل بدعة ضلالة وسيأتي الحديث الذي فيه ذكر ضلالات البدع والأمثلة على هذا كثيرة ولكن يكفي الإنسان القاعدة التي قالها صلى الله عليه وسلم ،فإذا لم يكن التعبد الذي يتعبد به سواء كان من الأقوال أو الأفعال أو غيرها ومعلوم أن أفعال الإنسان تنقسم إلى عبادات وإلى معاملات؛ فالعبادات أصلها أن يأتي به الرسول صلى الله عليه وسلم  ويأمر بها فإذا لم يأت بها ولم يأمر بها فهي ليست عبادة والتعبد بها ضلالة ، أما المعاملات فالأصل فيها الإباحة لقول الله جل وعلا : { خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا }[البقرة:29] فكل ما في الأرض مخلوق لنا إلا إذا جاء النص بأن هذا محرم وإلا فالأصل فيه الإباحة ولهذا يقول الله جل وعلا لما ذكر فعل المشركين الجهلة الذين حرموا بعض الأشياء حرموا بعض الحرث وبعض الأنعام وبعض الأشياء حرموها بآرائهم ذكر أن هذا ضلال ثم أمر نبيه صلى الله عليه وسلم  ليقول : { قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ }[الأنعام:145] هذه التي نص الله جل وعلا عليها أنها محرمة والباقي يكون حلال.

فإذا المعاملات بعكس العبادات ، المعاملات الأصل فيها الإباحة وكذلك الأطعمة الأصل فيها الإباحة حتى يأتي النص بأن هذا محرم بخلاف العبادة العبادة الأصل أنها لا تفعل أن الإنسان يتوقف حتى يأتيه الأمر من الرسول صلى الله عليه وسلم  فيتعبد به، ولهذا ذكر العلماء أن كل عبادة لا تقبل إلا بشرطين :

 الشرط الأول : ما تضمنه الحديث السابق إنما الأعمال بالنيات .

الشرط الثاني : ما تضمنه هذا الحديث يعني لابد أن تكون العبادة خالصة لوجه الله جل وعلا وهذه النية، النية معناها عمل القلب وعمل القلب ينبني عليه كل عمل الإنسان كل أعمال الجوارح يبعثها القلب .

وأما الشرط الثاني: أن يكون المتعبد به مشروعا قد شرعه الله جل وعلا على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم  وإلا تكون العبادة باطلة فهذان أصلان عظيمان يجب على المسلم أن يعتبرهما دائما ، أما إخلاص النية فهذا إليه يجب أن يكون عمله خالصا لربه جل وعلا ليس فيه مقاصد أخرى لا لحظوظ النفس ولا مرادات الدنيا ولا غير ذلك .

فيجب أن يكون التعبد على وفق ما جاء به المصطفى صلى الله عليه وسلم  . 

الحديث السادس 

 (عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  يَقُولُ: “إنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَّا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، أَلَّا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ”.) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ.

الشرح 

في هذا الحديث جعل الأمور ثلاثة أشياء : محرم وحلال وأمر بين هذا وهذا مشتبه .

قال:الْحَلَالَ بَيِّنٌ والْحَرَامَ بَيِّنٌ ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ ، ثم نبه على أمر يجب أن يكون معتبرا عند المسلم أنه يعمل على تنقية دينه وعلى الحرص على أنه لا يقع فيما يخدشه أو يفسده أو يبطله فهذه المشتبهات إذا اجتنبها فقد اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ يعني كان على بينة وعلى أمر واضح وعلى حق واضح أما إذا وقع فيها فهو على خطر أنه يقع في المحرمات .

وهذه الأمور المشتبهة أخبر أنها لا يعلمها كثير من الناس ومعنى ذلك أن بعض الناس يعلمونها مثل العلماء يعلمون أنها إما محرمة وإما مباحة.

فالحلال يدخل فيه العبادات ويدخل فيه المباحات التي (…) المطعومات والمعاملات وغيره فهي بينة وواضحة ، أما المحرمات فكذلك؛ المحرم الذي حرمه الله جل وعلا يكون واضح وحرمه الرسول صلى الله عليه وسلم  ، أما في المطعومات فهي واضحة جدا لأنها منصوص عليها ولكن يبقى أشياء فيها اشتباه تشتبه على الإنسان فإذا استبرأ، إذا تركها واجتنبها فكان هذا أمر مطلوب حتى يكون دينه نقيا سالما من الوقوع فيما ينقصه أو يذهب بكماله،وهذه قد تكون في المعاملات وقد تكون في المأكولات وقد تكون في الزواج وفي غير ذلك، وهي كثيرة جدا والرسول صلى الله عليه وسلم  بهذا يتكلم بقواعد جوامع كل كلمة تجمع معاني كبيرة كثيرة جدا وتفصيلها يحتاج إلى مجلدات وإلى وقت طويل مثل هذا الحديث، فكون أن الإنسان مثلا يستعرض مثلا الأمور التي أباحها الله جل وعلا وأحلها هذا فيها ما هو واضح جلي يعرفه الكثير من الناس ولا يحتاج إلى أنه يذكر لهم، ولكن من وراء ذلك أشياء قد تخفى وهذه هي المشتبهات وكذلك القسم الثاني فإنه أيضا واضح ولكن يكون وراءه ايضا شيء قد يخفى على الإنسان.

فمعلوم أنه إذا رجع إلى أهل العلم وسألهم يتبين له إذا كان قصده الحق فإذا لم يكن يمكن الرجوع إليهم وسؤالهم فيعمل بما قاله هنا صلى الله عليه وسلم  هذه الكلمة: يتقي المشتبهات يعني يجتنبها،وبذلك براءة دينه وكذلك عرضه وهذا معناه أن الإنسان مطلوب منه ايضا أن يعمل على استبراء عرضه لئلا يقع فيه الناس ويقولون أنه يفعل كذا ويفعل كذا .

لهذا قال : فقد استبرأ لدينه وعرضه،فيكون هذا أمر مطلوب ثم أخبر أن الأمور أنها مبنية على فعل القلب: ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد بعد قوله : ألا وإن لكل ملك حمى، الحمى هو الشيء الذي منع أن يقتحم فيحميه حتى لا أحد يدخل فيه ، ومعروف هذا.

ثم قال: ألا وإن حمى الله محارمه يعني الأمور التي حرمها قد حماها من عباده بالوحي الذي أوحاه إلى أنبيائه وبينوه ووضحوه ولكن لا يكون واضحا عند كل أحد، فالمحارم الواضحة هي الحدود حدود الله الحدود التي حدها وقد قال جل وعلا : { تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا }[البقرة:229] لما ذكر الطلاق وذكر النكاح وكذلك عندما ذكر الوصية والإرث بين أن هذه حدود الله جل وعلا التي بينها وتوعد من تجاوزها ولم يعمل بها، وهكذا يقال في كل أمر أمر الله جل وعلا به وحد حده يجب أن يوقف عنده ولا يتجاوز فإن تجاوزه هو الوقوع في حدود الله، فحدود الله قسمان :

 القسم الأول : ترك .

القسم الثاني : فعل  .

والترك أعظم من الفعل في هذا لأن الترك معناه تترك الواجب الذي أوجبه الله جل وعلا عليك والفعل هو فعل شيء محرم حرمه الله جل وعلا عليك وفعل الواجبات أهم وألزم وتركها أعظم من ارتكاب شيء محرم، لأن المحرم قد يكون لوقت محدد أو لغرض ما أما هذا فيه التجاوز وفيه التساهل ثم (…) بصلاح القلب، يدعوا إلى الورع وإلى التحري ، تحري الحق فيكون بذلك صلاح البدن كله وصلاح الأعمال كلها: ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر البدن وإذا فسدت فسد لها سائر البدن ألا وهي القلب ، فهذا تمثيل أن القلب كالملك وأنه الأعضاء كلها تتبعه ، ولهذا جاء مثال في ذلك أنها كلها تبع له أنه تطيعه وذلك أن أصل الأعمال الإرادة ، الإرادات إرادة الإنسان والإرادة مبعثها في القلب فإذا كان القلب فيه خوف من الله فيه رجاء لثوابه وأن هذا عنده مقدم فإن أعماله كلها تكون صالحة،ثم الأمور المشتبهة يعني كثيرة جدا في المعاملات في غيرها من المأكولات وغيرها والناس يقعون فيها كثيرا فإذا أشتبه على الإنسان شيء من ذلك فيجب أن يتوقف أو يبتعد عنه حتى يتبين له الأمر، فلا يقدم على شيء وهو لا يدري هل هو حرام أو محرم ؟ وفي الحلال في المعاملات وغيرها غُنْية عن هذا لأن الله جل وعلا قد وسع لعباده ، ولكن المحرم قد يكون يخفى على بعض الناس لعدم اعتناءه بهذا الأمر وإن كان واضحا فلا يكون من المشتبهات، بل يكون من الأمور الواضحة غير أنه خفي عليه للتقصير فمثل هذا يعني من باب تقصير الإنسان نفسه الأمثلة على هذا كثيرة جدا ، ولهذا يقول العلماء في نفس المحرمات أنها ممنوعة فإذا اختلط المحرم بالحلال فيجتنب الإنسان الأمر كله، حتى قالوا لو مثلا كان في بلد من البلاد أخت له من الرضاعة فجهلها ما يدري عينها فإنه يحرم أن يتزوج من هذا البلد كله يذهب إلى بلد آخر لئلا يقع في المحرم، وهذا من الأمور التي قد تقع للإنسان ، كذلك المأكولات إذا اختلط المحرم المعروف الذي هو محرم صريح بالحلال يجتنب ذلك لأن الأمر فيه سعة ،قد وسع الله جل وعلا على الإنسان، ثم إن المحرم له أثر في العبادة أكله ولبسه قد لا تقبل عبادة الإنسان من أجل ذلك، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه  قال : (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول : إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال :{يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ }[المؤمنون:51] وقال جل وعلا يعني بالنسبة للمؤمنين : {  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ }[البقرة:172] ثم ذكر الرجل الذي يطيل السفر أشعث رأسه مغبرة قدماه يمد يديه إلى السماء يقول يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له ) فذكر المسافر لأن المسافر هو مظنة إجابة الدعاء ، وقد جاء أن دعوة المسافر مستجابة وذلك لانكسار قلبه ولبعده عن أهله ولأنه قد يكون غريبا والغريب الغالب أنه يلجأ إلى ربه وينكسر له ويسأله العون .

فالمقصود أنه ذكر في هذا الحديث أسباب الإجابة أسباب كثيرة فيه منها هذا ، ومنها مد يديه إلى السماء فقد جاء في الحديث الذي في الترمذي ( إن الله حيي كريم يستحي من عبده المؤمن أن يمد يديه إليه ثم يردهما صفرا ) يعني بدون إجابة ، فكرمه واسع جل وعلا ، فهذا أيضا من أسباب الإجابة وكذلك كون الإنسان يكون متبذلا أشعث رأسه مغبرة قدماه يكون أقرب لخضوعه وذله وانكساره ولهذا كان يقول العلماء إذا جاء وقت الاستسقاء يسن أنهم يخرجون متبذلين وخاضعين خاشعين لله لأنه أقرب أن يجابوا فهذا ايضا من اسباب الإجابة هذه ثلاثة أمور .

الأمر الرابع من أسباب الإجابة ترديد هذا الاسم الكريم “يا رب يا رب” وقد جاء أيضا أن من دعا به وردده ان الله يستجيب له ولهذا جاءت ادعيت الرسل في القرآن كلها تقريبا بهذا “ربنا ربنا” وقد قيل أن هذا هو الاسم الأعظم ، ومع هذا كله يقول : أنّى يستجاب له لماذا ؟ لأنه يأكل حراما ويلبس حراما ، فإذا أكل الحرام ولبسه وكذلك شربه يمنع قبول العبادة، فلهذا يكون هذا الحديث أصل عظيم ينبغي للإنسان أن يعتني به ، فيأكل الحلال البين ويجتنب الحرام البين وكذلك في المعاملات وغيرها أما امر العبادة فهو واضح كما تبين في الحديث الأول لأنه لا بد أن يكون مأمور بها أما إذا لم يأتي الأمر فلا يجوز للإنسان أن يقدم على أمر من الأمور فالعبادة محرمة على الإنسان حتى يتبين أن الله أمر بها أما أن يقدم على شيء وهو لا يدري فهذا لا يجوز له لأن مثل ما سمعنا العبادة امتثال الأمر فكيف تعمل شيء لا تدري أنه أمر الله أو لا ؟

ما يجوز للإنسان (…) أما هذا فهو غير ذلك .

ثم صلاح القلب وكون الأعضاء كلها تصلح يجب أن يعتنى به ولهذا نبه عليه الرسول صلى الله عليه وسلم  وصلاحه يكون يعني بالتنبيه هنا؛ يكون بأكل الحلال واجتناب المحرم أنه يصلح القلب بذلك لهذا قال : ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت، وصلاحها بذلك وكذلك بالتباع الأمر واجتناب النهي، اتباع الأمر واجتناب النهي داخل في ذلك. 

الحديث السابع

عَنْ تَمِيمِ الدَّارِيِّ رضي الله عنه  أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم  قَالَ: “الدِّينُ النَّصِيحَةُ “ثلاثا”. قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ” . رَوَاهُ مُسْلِمٌ .

الشرح 

هذه الكلمة ” الدين النصيحة “ جمعت الدين كله ، والنصيحة مأخوذة من النصح وهو في الأصل تنظيف الشيء وتنقيته ولهذا سمي الغاسل الذي يغسل الثياب ناصح لأنه ينقيها وينظفها فالنصيحة هي أن ينبعث القلب بالصدق والإخلاص والمحبة ثم بين النصيحة لمن ؟،وترديده لها ثلاثا؛ الدين النصيحة ،الدين النصيحة ،الدين النصيحة، تأكيد لهذا وتدليلا على أن هذا شيء عظيم يجب أن يفهم ويعلم بذلك ولذلك قالوا لمن ؟ النصيحة لمن؟ لأن النصيحة شيء يتعدى الإنسان وقد يكون النصيحة له للإنسان نفسه أنه يعمل على ضبط جوارحه وعلى ضبط أفعاله وأعماله فبين قال : النصيحة لله، كيف الإنسان ينصح لله ؟ لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ، فدخلت الأمور كلها في كلمة النصيحة.

أما النصيحة لله فأن يؤمن به ويؤمن بما تعرف به إلى عباده بأسمائه وصفاته على ما يليق بعظمة الله جل وعلا وكذلك يتبع أمره ويجتنب نهيه ، والنصيحة لكتاب الله أن يعظمه ويعلم أنه كلام الله وأنه صفته بعد الإيمان به ويتبع أوامره ويجتنب نواهيه ويعظمه ايضا ومن تعظيمه تعظيم المصحف .. وقد أجمع العلماء على تعظيم المصحف وتعظيمه غير مثلا كون الإنسان يقرأه أو كونه مثلا ، يجب أن يكون تعظيمه ظاهرا فمثلا كون الإنسان يضع المصحف أمامه في الأرض أو يمد رجله إليه هذا خلاف التعظيم فيكون مثل هذا مرتكب محرم ، وكذلك كونه يضعه خلف ظهره ، وما أشبه ذلك هذا ليس تعظيما ، فالتعظيم أن يكرمه تعظيما لله جل وعلا لأنه كلام الله وكتابه ، فهذا من النصيحة لكتاب الله جل وعلا ثم من النصيحة أن يعلم أن الخير فيه واتباعه فلا بد أن يحكمه فإذا لم يحكمه فإنه لم ينصح له إذا حكم القوانين وحكم الأوضاع فمعنى ذلك أنه ترك كتاب الله ولم يستفد منه ولم يكن مُعَظَّما لديه ولم ينصح له .

 والنصيحة لأئمة المسلمين يعني أمرائهم وملوكهم فالمسلمون لا بد لهم من ملوك لا بد لهم من أمراء فينصحوا لهم والنصيحة التي ينصح لهم؛ الطاعة بالمعروف واتباع الأمر والمعاونة على الحق في هذا وعدم الخروج عليهم بأي لا في كلام ولا في فعل ، وإن كان منهم ظلم ومنهم ايضا ضرب لأن في الخروج عليهم وعدم الطاعة فوضى كبيرة جدا وفساد عظيم ولا بد للناس من أمير يأتمرون بأمره وينفذ فيهم مثلا يؤدي الحق إلى مستحقه ويمنع الظلم ولهذا يقولون : ليلة بحاكم ظالم أفضل من كذا وكذا بلا حاكم لأن الفوضى معروفة.

فالنصيحة له أن يقدم له النصيحة بالسر إذا كانت في كلام وإلا تكون بالطاعة والاتباع وعدم الخروج .

النصيحة لعامة المسلمين فارشادهم إلى الحق ومحبة الخير لهم وكذلك كونه مثلا يؤدي الحقوق التي لهم ، فحق المسلم على المسلم أنه إذا مرض زاره وإذا مات حضر جنازته ، وإذا عطس شمته وإذا دعاه أجابه إلى غير ذلك فهذه أمور واجبة وهي من النصيحة، ولا بد ايضا أن يود له ما يود لنفسه ، ولهذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم  وهو يقسم: ( والله لا تدخلوا الجنة حتى تحابوا ، ثم قال : ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام فيما بينكم ) “أفشو السلام” يعني أنك إذا لقيت أخاك المسلم تسلم عليه ومعنى السلام أنك تخبره أنك سِلم له وأنك تتطلب له السلامة هذا معنى السلام عليكم، فيه دعاء وفيه إخبار؛ دعاء له أنك مسالم لا يناله من قبلك أذى وأنك تدعوا له بأن يَسْلم وقد قال صلى الله عليه وسلم  في الحديث الصحيح ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ) فإذا لم يسلم الإنسان من الآخر لا من لسانه ولا من يده فإسلامه فيه نظر فلا بد ان يعتني الإنسان بهذا الأمر أيضا ويعرف معنى كلام الرسول صلى الله عليه وسلم  في هذا وهو كلام جامع ، نسأل الله جل وعلا التوفيق والسداد والهداية .

 الحديث الثامن 

وعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  قَالَ: “أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ؛ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى”.رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ  وَمُسْلِمٌ.

الشرح 

في هذا الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم  : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة.. إلخ ، في هذا الحديث ذكر أركان الإسلام ، وقوله : حتى يشهدوا ألا إله إلا الله في رواية حتى يقولوا: لا إله إلا الله ، ولهذا استدل أهل السنة بهذا الحديث ونحوه على أن الإيمان يكون قولا وعملا وعقيدة يعني يكون في القلب ويكون في الجوارح، والجوارح يدخل فيها اللسان وعمل الأركان،العمل بالأعضاء الأخرى.

ومعلوم أن الأصل في تحريك أعضاء الإنسان واتجاهاته القلب قلبه ، فالقلب هو أمير الأعضاء ،بل هو ملك الأعضاء إذا دبرها سارت ولهذا صار الأصل ما يكون في القلب وهو الإيمان الذي يقر به ، والإيمان الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم  يحتاج إلى أن يكون قبول أن يقبل منه ويستسلم لما قال وينقاد وليس مجرد قول فقط ولا عمل ولهذا اتفق العلماء على أن الإنسان لو اعتقد صحة الإسلام وجزم بذلك ولم يقل أشهد ألا إله إلا الله، أنه لا يكون مسلما وإذا مات فهو في النار فلا بد أن يتشهد، والشهادة لفظ الشهادة هي التي يدخل بها الإنسان الكافر في الإسلام وبدون ذلك اختلف العلماء هل لو مثلا صلى أو توضأ أو عمل عملا من الأعمال التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم  هل يكون بذلك مسلما ؟

خلاف بينهم لأن الذي يقول أنه يدخل في ذلك يقول أنه هذا من الدلائل على أنه قبل الإسلام و (قال) فيه، وإلا المعروف والمتفق عليه أنه لا بد من القول ولهذا يقول الله جل وعلا : { قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ } [البقرة:136] إلخ، فأمرنا بالقول أمرنا أن نقول آمنا وهذا هو معنى كون الإنسان يتشهد يقول: أشهد ألا إله إلا الله.

ولفظ الشهادة يتضمن العلم والإقرار والانقياد والرضا بذلك والمحبة له وإلا شهادة بلا علم لا تجدي ولا تنفع ، ولهذا ذكر الله جل وعلا عن المنافقين أنهم إذا جاءوا إليه قالوا نشهد إنك رسول الله ، ولن تعتبر هذه الشهادة شيء قال الله جل وعلا : { وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ }[المنافقون:1] لأنه لم يستقر هذا القول في قلوبهم ولم يقبلوه ولم يرضوه ويحبوه بل قالوا به بألسنتهم فقط، فهم كاذبون في قرارة نفوسهم في ذلك فإذاً لا بد بالشهادة أن يتيقن الإنسان ذلك أن يعلم، والعلم الذي يفيد ويجدي ما يقر في القلوب وتعمل به الجوارح، لهذا قال : من شهد ألا إله إلا الله .

 قوله: أمرت أن أقاتل الناس الآمر هو الله جل وعلا ففيه أن القتال مأمور به من الله جل وعلا ، وأن القتال ليس للدفاع عن البلاد أو عن النفوس أو عن الدين بل مأمور به أبتداً لهذا قال : أمرت أن أقاتل الناس،خلاف الذين يقولون إن القتال في الإسلام لا يكون إلا لأجل المدافعة أو لأجل من يحول بين الناس وبين الإسلام، من حال بينهم وبين الإسلام يقاتل أو مثلا قاتل المسلمين يقاتل هذا كله خلاف الأدلة وخلاف سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومعلوم أن هذا كان في آخر الوقت يعني بعدما هاجر صلوات الله وسلامه عليه وإلا قبل أن يهاجر لما لم يكن له قوة ولم يكن له أنصار ودولة كان يؤمر بالصبر والتحمل (…) ما يصدر من الكافرين الله جل وعلا يقول : { وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ }[النحل:127] { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }[المؤمنون:96] وفي الآيات التي نزلت في مكة كلها فيها الأمر بالتحمل والصبر والمدافعة بدون قتال ، ولهذا كثير من المفسرين الذين يفسرون كتاب الله جل وعلا ، كثير منهم إذا جاء مثل هذه الآيات التي فيها الأمر بالصبر والتحمل قال إنها منسوخة بآية السيف فذكروا ما يقرب من خمسين آية بعضهم يقول خمسمائة آية كلها يقولون: إنها منسوخة وهذا غير صحيح ،لأن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم  التي جاء بها جاءت بأمرين :

أحدهما : وقت الضعف في مقابلة القوة لما كان في مكة فهو مأمور بالتحمل والصبر والمدافعة ولم يؤمر بالقتال .

الثاني : لما هاجر إلى المدينة وصار له انصار وصار له قوة أُمر بالقتال والأمر بالقتال وقد جاء تدرجي : أولا: أذن فيه إذن { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ }[الحج:39] ثم جاء ايضا بأنه من قاتلهم أنه من قاتلهم يقاتلونه { فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ }[البقرة:191] ثم جاء الأمر به مطلقا وهذا هو آخر الأمر فقال : { قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً }[التوبة:123] وقال : { فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ }[التوبة:5] في آيات كثيرة ، وقال : { قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ }[الفتح:16] فهذه الغاية من القتال يقاتل الكافر إلى أن يسلم أو ينقاد للأمر ويذعن ويدفع الجزية أو يسبى ويقتل (…) ولهذا صارت هذه السنة التي يفعلها الصحابة رضوان الله عليهم فذهبوا الى البلاد البعيدة يقاتلون ينشرون الإسلام وليس مقصدهم الدنيا بل كانوا إذا أتوا إلى قومٍ خيروهم بين أمورٍ ثلاثة قالوا لهم إما أن تسلموا فيكون لكم ما لنا وعليكم ما علينا ونتركم وبلادكم وإما أن تدفعوا الجزية و أنتم صاغرون أذله وإما القتال بيننا وبينكم والنصر بيد الله ينصر من يشاء، هكذا كانوا يقولون للناس وهذه سنة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه ولهذا في هذا الحديث قال (أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله) ثم كلمة الناس هنا عموم يدخل فيها كل أحد الوثني واليهودي والنصراني وغيره ، فكل من لم يقبل الإسلام يقاتل حتى يشهد ألا إله إلا الله، هذا إذا كان المسلمون عندهم قوة يستطيعون القتال فإن لم يستطيعوا صاروا إلى الحكم الأول الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم  لما كان في مكة.

وبهذا يتبين أن قول الذين يقولون أن آيات المدافعة والتحمل أنها منسوخة بآيات السيف ليس صحيح بل هي في حالة وهذه في حالة.

ثم رتب ذلك أيضا ليس على الشهادتين فقط قال : ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة إلى أخره، فذكر أركان الاسلام التي هي الأركان الخمسة وبدأ بأعظمها وأصلها الذي تدور عليه ولكنه ذكر الصلاة بالإقامة كما سبق وهكذا جاءت النصوص في كتاب الله وفي أحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم  بلفظ الإقامة إقامة الصلاة ولم تأتي حتى صلوا إلا إذا كان هناك حديثاً يروى بالمعنى حتى يصلوا، وإنما جاءت بالإقامة وهكذا في كتاب الله ” يقيموا الصلاة” ومعلومٌ أن الإقامة تدل على الإتيان بها كاملة غير ناقصة لأن الإقامة معناها أن تكون مستقيمة تامةٌ جاء بها على الوجه الذي أُمر بهِ كما قال صلى الله عليه وسلم : (صلوا كما رأيتموني أُصلي) فلابد أن يأتي بأركانها وشروطها وواجباتها ومن ذلك حضور القلب فيها وأن يعلم الإنسان ماذا يقول وماذا يفعل فيها ومن يقوم بين يديه فلابد من هذا وإلا تكون غير قائمة تكون ناقصة.

قوله : ويؤتوا الزكاة فالزكاة ليست على كل أحد كما هو معلوم وإنما هي الزكاة الواجبة التي تكون على الأغنياء ويؤتوها يؤتوا الزكاة إما إلى الإمام الذي يضعها في مواضعها وإما أن يؤتوها بأنفسهم إلي الفقراء وقد عين الله جل وعلا محلها فجعلهم ثمانية أقسام ، فلا يجوز أن توضع في غير هذه الأقسام كما قال جل وعلا :{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا…..الآية}[التوبة:60] وإتائها لابد أن يكون عن رضا واغتباط بها يطلب بذلك مرضاة الله ويخاف لو منعها عقاب الله فهو يدفعها خائفا راجيا وهكذا تكون الأعمال كلها.

وأما الصوم فهو كذلك ليس على كل أحد،بخلاف الشهادتين فإنها علي كل مكلف،والصوم يكون علي القادر الحاضر الصحيح أما إذا كان مسافراً أو كان مريضاً أو كان لم يبلغ فإنه لا يجب عليه وإنما على المريض والمسافر أياما أخر عدة الأيام التي أفطرها وهذا من فضل الله ومن تخفيف الله جل وعلا.

وأما الحج فهو في العمر مرة ، فهذه الأركان التي ذكرها وأنه يقاتل عليها ولم تأتي الأمور الأخرى لم تذكر مثل الوضوء فالصلاة لا تصح إلا بالوضوء والغسل من الجنابة والصدق والأمانة وما أشبه ذلك ، نقول أن هذه موكولة إلى الإنسان نفسه وهي بينه وبين ربه إذا كان قبِل هذه الأشياء عن اقتناع وإيمان فإنه سوف يؤديها راضيا راغبا ، وأما إذا كان يفعل ذلك حتى يدفع عن نفسه القتل فهذا أمره إلى الله وسوف يحاسبه ولهذا قال في آخر الحديث في غير هذه الرواية ( وحسابهم على الله ) ومعنى ذلك يقول : أنهم إذا فعلوا ذلك في الظاهر فهذا المطلوب الذي طلب مني،أما ما في قلوبهم من الرضا بذلك وقبوله أو عدمه فهذا إلى الله وهو الذي يحاسبهم عليه وهذا عام إذا أتى الإنسان بالشيء الظاهر الذي جاء به الشرع ظاهرا فإنه يُحكَم له بالإسلام ظاهر وإن كان في الباطن في باطنه على خلاف ذلك فهذا المنافق الذي توعده الله جل وعلا بأن يكون في الأسفل من طبقات النار تحت الكافرين ولكنه حكمه في الدنيا أنه مسلم في الظاهر.

 الحديث التاسع  

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه  قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  يَقُولُ: “مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ.

الشرح 

هذه قاعدة شرعية يمكن يرجع إليها في أمور كثيرة جدا وسبق أن الرسول صلى الله عليه وسلم  اعطي جوامع الكلم يعني يتكلم بالكلمات القليلة يكون فيها المعاني الكثيرة ، فهذا الحديث على قلة حروفه تحته معانٍ كثيرة جدا من الأحكام التي لو أن الإنسان مثلا كتب فيها لكتب مجلداً على هذه الكلمتين، وأيضا هذه القاعدة الشرعية الدينية من فضل الله جل وعلا أنها علقت الأوامر بالاستطاعة، وقسم الأمور إلى قسمين :

القسم الأول : أمر أمروا به فهذا قال : أأتوا منه ما استطعتم لأن الأمور التي يأمر الله جل وعلا بها ويحبها كثيرة جدا والإنسان استطاعته تكون محدودة فصار من فضل الله جل وعلا أن يكون الأمر على حسب الاستطاعة وهذا يدخل فيه الفرض الذي لا بد منه ويدخل فيه المستحب الذي يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، فالفرض مثلا : الصلاة التي هي فريضة لا بد منها أُمر الإنسان أن يأتي بها على الوجه الشرعي بان يأتي بها قائما وراكعا وساجدا فإذا ما استطاع القيام لمرض أو علة به فإنه عليه أن يصلي جالسا ولا إثم عليه فإن لم يستطع أن يأتي بها جالسا صلى على جنبه وهكذا غيرها من جميع الأوامر،ولهذا قال: إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم.

القسم الثاني : النواهي والنواهي أمرها أسهل ولهذا لم يأتي تعليقها بالاستطاعة ، قال : فاجتنبوه،  وما نهيتكم عنه فاجتنبوه، فالاجتناب سهل تتركه بخلاف الفعل الذي تؤمر به فلم يستثني من النواهي شيء، وبهذا استدل بعض العلماء على أن جانب النهي أشد وأرجح من جانب الأمر وبنواعلى هذا أمور كثيرة صار فيها خلاف وفيها مسائل تعود إلى الفقه ، ثم قالوا : أن هذا لا يجوز أن يعارض بأمور أخرى .

ثم ذكر بعد هذا أن الاختلاف هو سبب الهلاك ، والمقصود بالاختلاف الاختلاف في الدين بعدما يتبين وتأتي الأدلة لهذا قال : إنما أهلك من كان قبلكم خلافهم على أنبيائهم، وهذا والله أعلم يدل على أن الهلاك يكون بعد ما قبلوا من أنبيائهم وعرفوا كما ذكر الله ذلك في كتابه في آيات كثيرة أنهم اختلفوا بعدما جاءهم العلم ، اختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات ، فهذا الاختلاف الذي يكون بعد العلم وبعد البينات هو الذي يهلك أما إذا لم يقبلوا فهذا لا كلام فيهأنهم إذا لم يقبلوا من الرسول صلى الله عليه وسلم  أنهم كفار فلا يعتبر خلافهم لأن الكفر هو أعظم الذنوب ، فلهذا نقول أن هذه الكلمات التي قالها صلى الله عليه وسلم  قد بني عليها أحكام كثيرة من أحكام الإسلام والقواعد الفقهية التي دونها العلماء تؤخذ من مثل هذه الأحاديث.

الحديث العاشر 

 (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه  قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  “إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا}، وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلَى السَّمَاءِ: يَا رَب! يَا رَب! وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لذلك؟) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

الشرح 

هذا الحديث ايضا حديث عظيم من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم  وفيه قواعد عظيمة يجب أن يتنبه لها : فأولا قوله صلى الله عليه وسلم  ( إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا ) طيب المقصود هنا الطاهر النقي المقدس الذي لا يتطرق إليه عيب أو نقص ، وهذا يدخل فيه كل ما يضاف إلى الله من أسماء وصفات وأفعال وأحكام فهو طيب لا يضاف إليه إلا طيب .

وفيه أن هذا يكون من أسمائه يعني يوصف بأنه طيب كما وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك .

وقوله :  ( لا يقبل إلا طيبا ) يعني يدخل فيه الأعيان والصفات لا يقبل من الصدقات إلا ما هو طيب يعني حلال ولا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصا له طيبا نقيا من الشرك والرياء وغيره ، وقد اتفق العلماء على أن الأعمال لا بد فيها من شرطين :

 الشرط الأول : أن تكون موافقة للشرع .

 الشرط الثاني: أن تكون خالصة لله جل وعلا ليس فيها حظوظ النفوس ومقاصد الدنيا ومراعاة الناس يجب أن تكون عُملت لله خالصة وبدون ذلك تكون غير طيبة وغير مقبولة .

قوله : إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فذكر أمر المرسلين بقوله جل وعلا : { يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ }[المؤمنون:51] فأمرهم أولا بأكل الطيب وأكل الطيب هو الحلال الذي أحله الله جل وعلا وأكله إما يكون بالكسب أو بالطرق التي أمر الله جل وعلا بها وما عدا ذلك يكون خبيث،فأكل الخبيث المحرم يكون له أثر سيء جدا في الأعمال كلها بحيث لا تقبل أعماله وهذا من أمر الله جل وعلا: { يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا } فأمرهم أولا بالأكل من الطيب ثم امرهم بالعمل الصالح، وكذلك قال في المؤمنين : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } [البقرة 172] فأمرهم أولاً بالأكل الطيب ثم الشكر والشكر يدخل فيه العمل كله مثل ما في الآية التي وجهت إلى الرسل لهذا قال صلى الله عليه وسلم  : (إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بمثل ما أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ ) ثم ذكر الرجل الذي.. وهذا مثال ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم  لعدم قبول العمل لكونه تخلف الأكل من الطيب أو اللبس من الطيب أو الشراب من الطيب .

قوله : فذكر الرجل الذي يطيل السفر.. والفائدة من ذكر الرجل الذي يطيل السفر لأن  إطالة السفر فيه انكسار القلب وفيه الغربة وفيه كون الإنسان يرجع إلى ربه ويسأله صادقا ملحا ومع ذلك لا تقبل دعوته لأنه يأكل حراما ويلبس حراما ويشرب حراما، وذكر كذلك مد اليدين قال: يمد يديه إلى السماء ومد اليدين إلى السماء ورفعهما من أسباب الإجابة ومع ذلك تتخلف الإجابة بسبب أكل الحرام،قال يمد يديه إلى السماء،وذكر كذلك التعلق بهذا الاسم الكريم “يا رب يا رب” فإن هذا الاسم يقتضي الاجابة إذا دعا العبد ربه بهذا الاسم فقال : “يا رب يا رب” فإنه من مقتضى الربوبية التي هي القيام على العبد بما يصلحه وما يحتاج إليه تقتضي أن يجاب ومع ذلك تخلفت الاجابة بسبب أكل الحرام ولبس الحرام وشرابه.

ولهذا قال صلى الله عليه وسلم :(فأنى يستجاب له) لماذا ؟ لأنه يأكل حراما ويلبس حراما ويشرب حراما وغذي بالحرام فإنى يستجاب له يعني بعيد أن يستجاب له بعيد من الاجابة مع ذكر هذه الاسباب.

ولهذا يجب على العبد ان يعتني بمأكله وبملبسه وألا يدخل الخلل عليه في أكله ولبسه فيكون مؤثرا على قبول عمله لأن الله طيب لا يقبل إلا طيب.

الحديث الحادي عشر

  (عَنْ الْحَسَنِ بْنِ علي سِبْطِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  وَرَيْحَانَتِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: حَفِظْت مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  “دَعْ مَا يرِيبُك إلَى مَا لَا يرِيبُك”).رَوَاهُ النَّسَائِيّ والتِّرْمِذِيُّ ،، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.

الشرح

هذا الحديث من جوامع كلم الرسول صلى الله عليه وسلم  التي تجمع المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة ، معنى “دع”: يعني أترك جانب ، ويُريب ويَريب بالضم والفتح يعني يكون شكا للإنسان وفي تردد ، ومعنى هذا أن أمور الإسلام مبنية على اليقين وعلى العلم والمسلم يكون مأمورا بأن يجتنب الشيء الذي فيه شكوك وفيه شيء يحوك في النفس وهذا يبنى عليه أشياء كثيرة من قواعد الدين والفقه فإذا شك الإنسان في شيء من الأمور التي أمر بها أو الأمور التي منع منها فإنه يصير إلى الشيء الذي لا ريب فيه،يعني أن هذه قاعدة دينية أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فمثلا إذا ارتاب الإنسان في وضوئه هل كان متوضئ ولا غير متوضئ يترك هذا الريب ويتوضأ ويأتي باليقين هذا إذا كان قبل العبادة أو في اثنائها أماإذا كان بعدها فلا يلتفت إلى الشك في مثل هذه الأمور فمثلا إنسان طاف بالبيت بعد ما انتهى من الطواف شك هل طاف ست أو سبع ؟(معناه أنه) ما ينظر إلى هذا الشك ،اليقين أنه سبع (وخلاص) ينتهي ، كذلك إذا انتهى من الصلاة وفرغ منها جاءه شك هل هو صلى أربع والا ثلاث ؟ لا يلتفت لهذا بخلاف ما إذا كان في نفسها فإنه يترك هذا الشك يعني معناه أنه يأتي باليقين الرابعة ويسجد للسهو، ومثل ذلك الأمور التي نهي عنها؛فمثلا شك أن هذا المال أنه حلال ولا حرام وهذا المعاملة يجتنبها ويبني دينه على يقين وهذا لا حصر له في الأمثلة كثيرة جدا في هذا ولهذا جعل هذا قاعدة أخذا من هذا الحديث الذي هو جامع لأنواع كثيرة من أنواع العلم .

 الحديث الثاني عشر

  (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه  عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ). حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ،وغيره.

الشرح

قوله : مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ ، هذا أولا يدلنا على أن المسلم قد يكون إسلامه حسن جميل كامل وقد يكون أقل من ذلك والذي يعني هو الأمر الذي يهمه في نفسه أو في ما يلزمه والذي لا يعني الأمور التي لا تهمه ولا يسأل عنها ليس مسئولا عنها دينا ، فمن حسن إسلامه أنه يعتني بما كلف به ويأتي به على الوجه المطلوب، والذي لم يكلف به ولم يسأل عنه أنه لا يسأل عنه ولا يهتم به وهذا ايضا مثل ما سبق من جوامع الكلم هو يجمع معاني كثيرة ويدخل فيه العمل ويدخل فيه القول،الأقوال التي قد تكون فيه ضرر عليه ومعلوم أن أقوال الإنسان كما يأتي إما له وأما عليه فإذا كان مثلا يتكلم في الناس أو يتكلم في المسائل التي لم يكلف بها فمعنى ذلك  أنه دخل فيما لا يعنيه، وهذا دليل على أن إسلامه ليس كاملا فإذا كان يهتم بما أمر به وكلف به يقتصر على ذلك ، فمعنى ذلك أنه يراقب ربه وأنه أيضا يحفظ أن تكون في صحائفه الأمور التي تسوءه، فيظهر ذلك في الأعمال وفي الأقوال وفي غيرها والأمثلة على هذا لا حصر لها .

 الحديث الثالث عشر

 عَنْ أَبِي حَمْزَةَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه  عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم  قَالَ: “لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ”. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ.

الشرح

 قوله : لا يؤمن هذا نفي الإيمان أن يكون للإنسان حتى يصير بهذه الصفة ، والنفي لا يمكن أن يكون يُنفى الشيء المستحب ينفى ما هو فرض وعين على الإنسان لترك أمور مستحبة كما يقوله بعض شراح الحديث ، فمعنى ذلك أنه لا يؤمن الإيمان الواجب الذي يمنعه من العذاب حتى يكون بهذه الصفة حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه .

قوله : “حتى” هنا غاية ومعنى هذا أن المسلم أخوه المسلم يجب أن يكون ناصحا له وجالبا للخير إليه ودافعا عنه كل ما يستطيع دفعه من الشرور، فإذا كان لم يصل إلى هذه الحالة فإن إيمانه غير كامل وليس معنى  ذلك أنه لا يحصل له الإيمان أنه نفي عنه الإيمان بالكلية ولكن نفي عنه كمال الإيمان الواجب.

لأن هنا شراح الحديث منهم من يقول المنفي هو الكمال المستحب ، ومنهم من يقول المنفي هو الكمال الواجب الذي لا بد منه ، والقول الأول غير صحيح لأنه ما عهد في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم ولا في كلام الله جل وعلا أنه ينفى ما هو واجب لانتفاء شيء مستحب وإنما ينفى الواجب لأنه إما لأن ركنه أو جانبه او شرط فيه أو الصفة المعتبرة فيه قد انتفت فينفى لأجل هذا ، ثم هذا النفي لا يدل على أن الإنسان يكون خاليا من الإيمان بل يكون عنده إيمان ولكنه إيمان ضعيف يحتاج إلى تكميل وقد يقول لك القائل : كيف يكون الإنسان يحب لأخيه مثل ما يحبه لنفسه ؟ الإنسان يحب أن يكون له مثلا يكون عالم ويكون تقي ويكون في الجنة ويكون كذا ، نقول: نعم ينبغي أن يكون أيضا محبته لأخيه كذلك أن يكون بهذه الصفة ، ولهذا جاء في الحديث قول الرسول صلى الله عليه وسلم  : (لا تؤمنوا حتى تحابوا ولا تحابوا حتى تؤمنوا ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام فيما بينكم)، يقول: (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا )، فلهذا يقول جل وعلا : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ }[الحجرات:10] فالمؤمن أخو المؤمن ومن شأن الأخ أنه يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فإذا مثلا صار الإنسان مثلا إلى أمر فيه مخالفة لله جل وعلا قد يقول مثلا : أنا أكرهه لأجل ذلك ، فهذا يكون تبعا لأمر الله جل وعلا ، ولهذا كل ما كان الإنسان أكثر طاعة لله جل وعلا يجب أن يكون حبه وموالاته أتم وأكمل وإذا مثلا صار عنده شيء من المعاصي يبغض على قدر ما عنده من المعاصي ولكن أخوة الإسلام يجب أن تكون موجودة يعني أن تحب له أن يكون في الصفة الكاملة ولهذا سبق الحديث الذي هو قريب من هذا وهو قوله صلى الله عليه وسلم  (إنما الدين النصيحة) كررها ثلاثا والنصيحة أن يكون الإنسان ناصحا لأخيه جالبا له الخير دافعا عنه الشر فيكون كالمرآة له، فالمحبة هذه محبة إيمانية وليست محبة طبيعية أو محبة لأجل منافع متبادلة أو غير ذلك ، وعلامة ذلك أن هذه المحبة التي تحبه لأخيك ما تتأثر بالجفاء والبعد والانقطاع ولا تزيد بالقرب والصلة وغير ذلك بل هي باقية لأنها محبة لله جل وعلا من أجل الإيمان أنه مؤمن تحبه لله جل وعلا.

فعلى كل حال نقول : أن قوله صلى الله عليه وسلم  : لا يؤمن أحدكم هنا أول عموم يعم المسلمين جميعا وفيه نفي الإيمان حتى يكون الإنسان بهذه الصفة ، وهذا المنفي هو الإيمان الكامل وإذا قدر أن الإنسان لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه ليس معنى ذلك أنه غير مؤمن ولكنه إيمانه ضعيف ناقص يعني قد يعذب على فقد كمال هذا الإيمان، وإنما الذي يمنعه من العذاب يكون بهذه الصفة أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ومقتضى هذا أنه يسعى في حصول الخير له فيأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر وإن كان يكره ذلك فإن هذا مقتضى المحبة لأن المقصود بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يحميه من العذاب من عذاب الله جل وعلا .

 الحديث الرابع عشر

 عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه  قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : (لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ(. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ

 الشرح

 قوله :لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ ، وفي هذا معناه أن دماء المسلمين محمية وأنها لا يجوز سفكها والمقصود بهذا القتل يعني لا يحل قتل مسلم إلا أن يكون اتصف بإحدى هذه الصفات الثلاث .

الأمر الأول : الثيب الزاني : هو الذي تزوج زواجا صحيح وواطئ بهذا الزواج وطأ زوجته فإذا زنى بعد ذلك فإنه يقتل ، وصفة قتله أنه يوقف ويرجم بالحجارة حتى يموت والحجارة التي يرجم بها ليست كبيرة ولا صغيرة حتى يذوق الألم بدنه كله ، ولكن متى يثبت هذا ؟ هذا قد لا يثبت ، ثبوته عسير جداً ولهذا قل أن يرجم أحد وإنما يثبت بإحدى أمرين :

الأمر الأول : أن يشهد له أربعة شهود عدول بأنهم رأوا ذكره في فرج المرأة وبدون ذلك لا تثبت الشهادة وهذا عسر جداً ، لو رأوه مثلا فوقها أو ما أشبه ذلك ما يكفي لابد ان يروا هذا الأمر.

الأمر الثاني : أن يقر على نفسه بأنه قد زنى ، والإقرار اختلف العلماء فيه هل يكفي إقراره مرة ؟ لأنه ثبت أن ماعز رضي الله عنه  الذي وقعت منه هذه القضية أنه أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم  فقال : يا رسول الله إني زنيت فطهرني فأعرض عنه ثم أتى إليه مرة ثانية وقال : هذه المقالة فأعرض عنه ، ثم أتاه ثالثة فأعرض عنه ، ثم أتاه الرابعة فقال : أمجنون أنت ؟ قال : لا ، فأمر رجل أن يقوم يشم فمه هل هو قد شرب الخمر فلم يجد شيء فأرسل صلى الله عليه وسلم  إلى قومه هل رأيتم على ماعز جنون ؟  فقالوا : لا، بل هو بعقله وفكره فأمر به فرجم .

احتج بعض العلماء على أنه لا بد من إقرار الإنسان أربع مرات والصحيح أنه لا يلزم إلا إذا كان هناك شك وارتياب فهنا لا بد من التثبت لأنه ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم  لما جاءه الرجل الذي زنى ابنه بامرأة من استأجره ، الذي يسمى عسيفا ، عسيف يعني الأجير كان أجير عند رجل فزنى بزوجته فاشتهر هذا عند الناس فقيل للرجل ابنك يُرجم وكان هذا غير صحيح لأنه لم يكن متزوجا فافتدى ابنه بأربعين شاة وبوليده يعني مملوكة ، فأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم  فقال له: (الشياه والوليدة رد عليك وعلى ابنك جلد مائة جلدة وتغريب عام ، واغدو يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) فذهب أنيس إلى المرأة فاعترفت فرجمها .

هذا لم يذكر أنه قال حتى تعترف أربعا ولم يقل أنها(…) قال : فإن اعترفت فارجمها فلما اعترفت رجمها،فإذاً الثبوت يكون بالإقرار على القول الصحيح مرة واحدة ولكن بشرط ألا يكون هناك ارتياب أو شك في عقله أو في فكره أما إذا كان هناك ريب فلا بد من التأكد لذلك ، هذا الثيب الزاني الذي يحل دمه حق لله جل وعلا وللمجتمع لأن أعراض المسلمين يجب أن تحمى وهذا صيانة للأعراض والأنساب أن تختلط وهو من محاسن الشرع .

الأمر الثاني : قوله : النفس بالنفس يعني : القتل ، أن يقتل الإنسان مسلماً عمداً بأن يقصده بالقتل وبما يقتل عادة ، فإن مثلا ضربه بيده أو ضربه بعصا أو بشيء لا يقتل عادة فمات فهذا معناه القتل الخطأ ،والقتل الخطأ ليس فيه قصاص و إنما فيه الدية كما هو معروف في كتب الفقه وغيرها فإذا وقع القتل عمداً يعني يعرف أنه معصوم الدم ثم قتله متعمدا بشيء يقتل بسلاح سكين أو سيف أو بندقية  أو ما أشبه ذلك، فإنه يقتل به قصاصاً فيكون دمه حلال في هذا ، ولكن الذي يقتله هو الأمام أو من ينيبه الأمام كما في الحديث الذي سبق وهو قوله صلى الله عليه وسلم  : واغدوا يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها . فالذي يعينه الأمام هو الذي يقتل أو الأمام نفسه كذلك من الأمور التي ايضا تمنع القتل أن يكون المقتول مسلماً معصوم الدم وكذلك إذا كان ذميا أو كان معاهدا أو مستأمنا هذ الأمور الثلاثة.

أما الذمي:  فهو الكافر الذي يكون في بلادنا ويدفع الجزية ويحمى تحميه المسلمون بذلك فهذا لا يجوز أن يتعرض له لأنه معصوم الدم بذلك، والمستأمن الكافر: الذي يأتي إما لتجارة وإما لأمر ما ، فقد أمن على نفسه والذي يؤمنه ما يلزم أن يكون الإمام ، لأن المسلمين يسعى في ذمتهم أدناهم كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم  وكذلك المعاهد كما صار بين الرسول صلى الله عليه وسلم  وبين قريش في معاهدة الحديبية صار قتالهم حرام، فهؤلاء الثلاثة لا يجوز أن يتعرض لهم وقد جاء الوعيد الشديد لمن تعرض لهم؛ المستأمن الذي طلب الأمان وأمن والذمي الكافر يهودي أو نصراني أو غيرهما له ذمة الله وذمة رسوله وذمة المسلمين أعطوه شيء من ذلك فلا يجوز أن يتعرض له بحال إلا أن يأتي بما هو قدح في الدين الإسلامي فهناك ينتقض عهده وكذلك المعاهد الذي صار بينه وبين المسلمين عهد بأن لا يكون بينهم قتال.

أما ما عد ذلك من الكافر فليس معصوم ، ثم الذي يقتل يجب أن يكون المقتول مسلم معصوم الدم ولا يجوز قتل مسلم بكافر كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم  من حديث علي ، أما الأمور التي قد تكون كما يذكرها بعض العلماء ففيها تردد أو فيها خلاف كقتل الأصل بالفرع مثلاً فهذا فيه حديث ضعيف رواه النسائي (لا يقتل والد بولده) والأحاديث الضعيفة لا يثبت فيها أحكام ، والنصوص التي جاءت في كتاب الله وفي أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم  في هذا واضحة وصحيحة، (وإن) مسألة خلاف ولكن الراجح في هذا أن النصوص عامة في هذا ، وأنه إذا تعمد القتل أنه يقتل أما التعليلات التي يذكرها بعض الفقهاء بأنه كيف يقتل الأصل بالفرع وهو سبب وجوده فكيف يكون سبب عدمه فهذا غير صحيح تعليل عليل لأنه ليس هو الذي قتله وإنما هو الذي سبب القتل لنفسه حينما قتل متعمداً .

الأمر الثالث : التارك لدينه يعني المرتد المسلم الذي كفر بعد إسلامه فإن هذا إما أن يرجع إلى الإسلام أو يقتل، وهل يجب أن يستتاب ؟ فيه خلاف بين العلماء ، من العلماء من يقول يحبس ثلاثة أيام ويمنع الطعام والشراب ويقال له إن رجعت إلى دينك وإلا قتلناك ، لك ثلاثة أيام إما أن ترجع وتتوب وإلا سوف نقتلك ، ومنهم من يقول : لا يشترط ذلك ، يقول يقتل ولكن إذا لم يتب أما إذا تاب فإنه إذا كان مثلا ذنبه يتاب منه فإنه لا يقتل لأن المقصود رجوعه وقد أخبر الله جل وعلا أنه يقبل التوبة من الذنوب جميعا كما قال جل وعلا: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}[الزمر:53] وقد ذكر العلماء بعض الذنوب أنه لو تاب لا تقبل توبته ظاهرا يعني عند الحكم الدنيوي أما بينه وبين الله فلا أحد يحول بينه وبين التوبة،مثل : إذا سب النبي صلى الله عليه وسلم إذا شتم الرسول وسبه ، فهذا يقتل على كل حال سواء تاب أو لم يتب ، ومثل ذلك مسبة الله جل وعلا وهي أعظم من مسبة الرسول ولكن في هذه خلاف بين العلماء ، منهم من يقول: ما يقتل لأن الله أخبرنا أنه يتوب على من تاب من الذنوب كلها فالله جل وعلا أخبرنا بذلك فمعنى ذلك أنه جل وعلا عفا عن حقه بهذا الخبر بخلاف الرسول صلى الله عليه وسلم  فإنه لا يمكن أننا نقول إنه عفا، بخلاف ما كان في حياته صلى الله عليه وسلم  فإن الأمر إليه ولهذا عفا عن بعض الذين كانوا يسبونه ويشببون بنسائه عفا عنهم بعدما أمر بقتلهم.

فإذا عفا فالأمر إليه ، أما بعد وفاته فهذا لا يمكن، هذا الخلاف،ثم الحصر في هذه الأشياء يعني التارك لدينه ، كيف يكون تاركا لدينه مفارقا للجماعة لا بد أن يظهر ذلك وأن يكفر بعد الإسلام ولكن جاءت أحاديث في غير هذه الثلاثة كقتل الساحر فإنه جاء أن حده ضربه بالسيف فيموت وكذلك الذي يفعل فعل قوم لوط وقد اتفق الصحابة على قتله أنه يجب أن يقتل الفاعل والمفعول به، إذا كانا بالغين عاقلين ومتطاوعين وقد اختلفوا كيف يقتلون ؟ منهم من قال يحرقون في النار وقد فعل ذلك أبو بكر رضي الله عنه  بمن فعل هذا،وخالد ابن الوليد والصحابة اتفقوا على قتلهما ولكن كيفية القتل إما رجم وأما أن ينظر إلى أعلى بناء في البلد ثم يلقيا منه ويتبعا بالحجارة كما فعل بقوم لوط ، وعلى كل حال هو الذي اتفق عليه قتلهما فهذا قد يلحقان بالزنا ولكنهما أخبث من ذلك، وكذلك من الأمور التي جاءت غير هذه الثلاثة قتل من وقع على أحد محارمه على أخته أو بنته أو خالته أو ما أشبه ذلك فإنه ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم  أمر بقتل من وقع على زوجة أبيه لأنه كان في الجاهلية كانوا إذا مات الرجل وله زوجة فابنه الكبير يتصرف بزوجته يعني غير أمه زوجته التي ليست هي أمه.

وقد يتخذها له زوجة وهذه من أمور الجاهلية التي جاء الإسلام بخلافها ولهذا قال جل وعلا : { وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ }[النساء :22] يعني ما قد سلف ما مضى في الجاهلية فإن هذا عفو لمن أسلم .

فالمقصود أن من حصل منه ذلك فإنه يجب أن يقتل أيضا وهناك أمور كثيرة تبعت هذا الشيء وعلى وكل حال نقول : هذه قاعدة ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم  وفيها تحريم الدماء ، وقد جاء قول الله جل وعلا : {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا }[النساء:93] هذا وعيد عظيم ما جاء مثله في ذنب من الذنوب نسأل الله العافية، ومع ذلك لو تاب صادقا تاب الله عليه ، نسأل الله جل وعلا أن يحمينا وإخواننا من المخالفات ومن موجبات غضب الله وسخطه .

 الحديث الخامس عشر

 وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه  أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  قَالَ: “مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ”.

رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ.

الشرح

هذا الحديث هو من جوامع الكلم للنبي صلى الله عليه وسلم يقول:(مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ) ،فإذاً ثلاثة ذكرها في هذا وجعلها من أعمال الإيمان ، وقوله صلى الله عليه وسلم  من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ..إلخ يعني: أن هذا من عمل المؤمن الذي يجب ألا يخل به وفي هذا دليل على أن الأعمال تدخل في الإيمان والأدلة على هذا كثيرة جدا وقد تقدم في الأحاديث السابقة ايضا ذكر ذلك وفي هذا الرد على الذين يجعلون الإيمان مجرد التصديق الذي يكون في القلب أو يكون يضاف إليه القول في اللسان ، وقد سبق قوله صلى الله عليه وسلم :(أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ  فإذا هم قالوها عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّها وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ)، والله جل وعلا ايضا يقول :{قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا}[البقرة:136] إلخ.

فجعل القول من الإيمان وكذلك الأعمال فقوله في هذا (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت) ، فالقول الذي أمر به أن يكون خير والخير أما أن يكون ذكر الله أو تلاوة كتابه أو الأمر بالمعروف أوالنهي عن المنكر أو ما أشبه ذلك من الخير الذي يعود على القائل وعلى كذلك الموجه إليه القول فيدل على أن عمل المؤمن أنه أيضا لا يقتصر على نفسه يتعدى إليه من تعليم الجاهل أمر جاهل ايضا بمعروف أوغيره ونصح وإرشاد وغير ذلك، فإذا حصل هذا فهذا مقتضى الإيمان فإذا لم يحصل فلا أقل من السلامة يسلم ، يعني : يسكت أو ليصمت ، فالصمت يكون عن الذي يضر وهو مأمور به هنا عن الأمور التي تضر التي تعود على القائل بالضرر في دينه وفي آخرته وكذلك في دنياه وهذا ايضا يدلنا على أن القول مهم جدا وأن الإنسان المؤمن يجب أن يكون له عناية بما يقوله وما يتلفظ به وقد جاءت أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم  في الحث على قول الخير وعلى النصح والارشاد وجعل ذلك من شروط الإيمان والله جل وعلا يقول بسم الله الرحمن الرحيم {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}[سورة العصر] فاستثنى من الخاسرين هؤلاء الذين من صفاتهم التواصي بالحق يعني يوصي بعضهم بعضا والوصية الأمر المهم الذي يجب أن يعتنى به ، وكذلك بالصبر والصبر يكون على الطاعة ويكون عن المعصية ويكون على الأمر الذي يقدره الله جل وعلا ولا بد أن يصيب الإنسان ما يكره في الدنيا لأنها هذه الدنيا ليست دار مستقر وأمن وسلامة دائما لا بد أن يحصل للإنسان الأمور التي تؤلمه ويكرهها من مصائب وغيرها فيجب عليه أن يصبر لأقدار الله جل وعلا ويعلم أنها من عند الله ويسلم لذلك فهذا من الصبر من الإيمان الصبر على ذلك.

وأما الصبر على الطاعة فهو أمر ظاهر وواضح لا بد منه وكذلك الصبر عن المعاصي فهذا من التواصي الذي هو من مقتضى قول الخير “يقل خيرا”

أما إذا لم يستطع ذلك فيصمت لا يتكلم بالكلام الذي يعود عليه بالضرر ومعنى هذا ايضا أنه يجب أن يتحفظ من كلامه وقد جاء الأمر بحفظ اللسان النص على ذلك والوعد على حفظه بالجنة كما قال صلى الله عليه وسلم  ( من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة ) يعني يحفظ لسانه أن يتكلم فيه بالكلام الذي يكون مخالف لأمر الله جل وعلا أو فيه ايضا أذية للناس وسب وشتم أو فيه ايضا تنقص لدين الله جل وعلا أو أذية للرسول صلى الله عليه وسلم  في أهله أو في غير ذلك فهذا قد يكون مخرجا للإنسان من الدين ، وقد جاءت نصوص كثيرة أن الإنسان قد يتكلم بالكلمة يكتب الله بها سخطه إلى يوم يلقاه الكلمة الواحدة ، وفيه كما في البخاري : أن الإنسان قد يتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار ، فاللسان خطره عظيم وقد قال الله جل وعلا : {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}[ق:16:18] فهنا فيه قعيد عن اليمين يعني قاعد مستعد ، عتيد يعني مستعد متهيء لكتابة ما يتلفظ به الإنسان، وأجمع السلف على أن الذي على اليمين هو الذي يكتب الحسنات والذي عن الشمال يكتب السيئات، فالآية تدل على أنه ما يتلفظ من شيء إلا يُكتب {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} فهنا يقول: “ما يلفظ” فأي لفظا يتلفظ به داخل في هذا وقوله :{مِنْ قَوْلٍ} يؤكد ذلك ، {إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} يعني يترقب مستعد يكتب ما يتكلم به فإذا الكلام محفوظ ولا بد أن يعرض على العبد يوم القيامة فإن كان خيرا حمد ربه جل وعلا وجوزي أفضل الجزاء وإن كان خلاف ذلك فسوف يأخذ جزائه ، قال يحي بن أبي كثير رحمه الله : ركب رجل حمارا فعثر الحمار فقال تعس الحمار فقال صاحب السيئات ليست سيئة فأكتبها وقال صاحب الحسنات الذي يكتب الحسنات ليست حسنة فأكتبها فأوحى الله جل وعلا إلى الذي يكتب السيئات ما ترك صاحب الحسنات فاكتبه ، فعلى هذا تكون تعس الحمار في قسم السيئات ولا يلزم هذا أن يكون الأنسان معاقب على هذا ولكن أقل ما يصيبه أنه ضاع عليه وقت بدون فائدة.

والإنسان تعرض عليه ساعات عمره فأي ساعة لم يستفد بها خيراً تكون عليه كِره وحسرة يتحسر فهذا نوعٌ من العقاب، فالمقصود أن اللسان يجب أن يحفظ إلا عن الخير.

وقوله:(او ليصمت) المقصود به يصمت عن المضر عن الذي ليس فيه خير وإلا الصمت مطلقا لا يشرع ولهذا جاء أنه حرام كون الإنسان يصوم صمتاً يصمت يوماً أو ليلة أو غير ذلك، فقيل لأبي بكر رضي الله عنه في حجة حجها أن امرأة حجة صامتة فأمرها أن تتكلم وقال إن هذا حرام لا يجوز ليس هذا من الشرع هذا من أمور الجاهلية، وكذلك روي عن غيره أنه قال هذا من الأمور المحرمة، ولكن يصمت عن الخنا عن الذي لا يجوز ومعلوم أن الإنسان مأمور أن يتكلم بالشيء الذي يجب عليه فهو من الواجبات داخل في هذا.

أما قوله صلى الله عليه وسلم  : ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، في رواية في صحيح مسلم (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره)، فالإكرام هو ضد الأذى ومعنى هذا أن الجار له حق الجوار حق الإكرام وأن إكرامه أمر ديني يطلب من الإنسان ويعاقب على تركه ولهذا جعل ذلك من أمور الإيمان وأن المؤمن لا يُخل به وقد جاء قول الله جل وعلا : { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا }[النساء:36] إلخ، فذكر جل وعلا حقه ثم ذكر حقوق عباده في هذه الآية وجعل حقوق العباد في هذه الآية مقسمة إلى عدة أقسام : والجار ذي القربى والجار غير القريب والصاحب القريب للرحم وبدأ بالوالدين ويدخل في ذلك ذوي الأرحام كلهم، وكذلك غيرهم ممن له حق على الإنسان فيجب ان يعتني بهذا فإكرام الجار من الدين الذي يثاب عليه الإنسان ويعاقب على تركه ولهذا قال : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومعلوم أن الإكرام إكرام الإنسان أنه الأمور التي ترضيه ولكن يجب أن يكون على مقتضى الشرع لأن بعض الناس لا يرضيه أمر الله وأمر رسوله وإنما يرضى بالمعاصي ، فالذي مثلا هذه صفته إكرامه أن يُؤمر بالمعروف ويُنهى عن المنكر وينصح وإن غضب وإن تأذى بذلك، فهذا من إكرامه أما الأمور التي تتعلق بالأعراض وتتعلق بالأموال وتتعلق كذلك الأخلاق فهذا أمرها أيضا واضح ، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أنه لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه،والبوائق هي الغوائل والشرور التي قد مثلا يأتي بها الإنسان في غفلة أو في أمر مثلا يتحين الفرص فيه ، وفي حديث ابن مسعود المتفق عليه الذي يقول فيه سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم قال : (أن تجعل لله ندا وهو خلقك، قلت ثم أي قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قلت ثم أي قال : أن تزاني بحليلة جارك) والحليلة هي الزوجة فهذا ايضا من أعظم الأمور..ولهذا ذكر هذه الجرائم الأنواع الثلاث ، فبدأ بالشرك بين أن هذا أعظم الذنوب أن تجعل لله ندا وهو خلقك لأن من مقتضى الخلق أن تعبد الخالق ، ولهذا جعل الله جل وعلا الخلق دليلا على وجوب عبادته { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ }[البقرة:21] ولهذا يذكر الله جل وعلا في الاحتجاج على المشركين أنه ما فيه خالق معه أنه هو الخالق وحده فكيف يعبدون من لا يخلق ولا يرزق ولا ينفع ولا يضر، فالمقصود أن الخلق من الدلائل على وجوب عبادته فلهذا قال : أن تجعل لله ندا وهو خلقك ، ثم ذكر أنواع القتل والتعدي وإزهاق النفوس، فذكر أشنعها وأعظمها وهو قتل الولد خوفا من أن يأكل معه يعني خوفا من الفقر كما كان يفعله بعض جاهلية العرب، كانوا يقتلون أولادهم وبعضهم كان يقتل الذكور والإناث خوفا من الفقر ولهذا جاء النهي عن ذلك أن قتل الأولاد خشية الإملاق وأخبر جل وعلا أنه هو الذي يتولى رزقهم ورزق والديهم ورزق الخلق كلهم فالرزق عند الله جل وعلا، ومنهم من يقتل الإناث خوفا من العار الذي قد مثلا تشتهر به وما أشبه ذلك ولهذا أخبر جل وعلا عن بعضهم أنه إذا بشر بالأنثى أنه يظل وجهه مسودا وهو كظيم لأجل هذا،وبعضهم إذا ولدت له أنثى دفنها حية في التراب كما قال الله جل وعلا :{ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ }[التكوير:8.9] ، ثم ذكر جريمة التعدي على الأعراض الزنا فبين أنه أبشع ذلك وأعظمه أن يصنع ذلك مع حليلة الجار يعني مع زوجة الجار لأن الجار له حق الجوار وله حق الأخوة والنصيحة والحماية أن يحميه وقد يتضاعف الأمر بزيادة الحقوق كما قال صلى الله عليه وسلم  في المجاهد في سبيل الله الذي يخرج في سبيل الله أن الذي يخلفه في أهله بمثل هذا يقول أنه يوقف له يوم القيامة فيقال له خذ من حسناته ما شئت، ثم ينظر صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه ويقول: (ما ترون؛ هل يترك له شيئا!)يعني أنه لا يترك له شيئا من حسناته فكذلك إذا كان الجار ذا رحم وقرابة يتضاعف الحق ويتأكد .

فالمقصود أنه يجب أن يراعي هذه الأمور فهذا من الحقوق التي يجب أن الإنسان لا يجهلها وأنه يقوم بها ويؤديها، ثم في مقابل ذلك الصبر على الأذى لو صدر منه شيء ولا بد أن يكون هناك شيء يكون هناك أولاد والأولاد قد يخرجون عن طاعة والديهم أو قد مثلا يفعلون أفعالا بدون علمه فيكون في ذلك أذى فيجب أن يصبر على أذى الجار ويحتسب ذلك والصبر في هذا ايضا من الإيمان الصبر على ذلك واحتراما له، وهذا بالنظر ايضا إلى أنه أخ لك يجب أن تحب له ما تحب لنفسك فتُقدم النصيحة له ولمن تحت يده من أولاد وغيرهم وقد يصدر من ذلك أمور ايضا قد يتأذى الإنسان من غير هذا وهي كثيرة فيصبر على الأذى بعدما يمكن يذكر له الشيء الذي إذا علم به قد يكفه ويمنعه، لأن المسلم متقرر عنده أن نفع الجار أنه أمر ديني وأنه لا يجوز أذيته فله الحق في هذا ولكن بعض الناس قد لا يبالي بهذا.

ثم بعد هذا يذكر النوع الثالث في هذه الأنواع التي ذكرها صلى الله عليه وسلم  بقوله : وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ  وهو إكرام الضيف والضيف هو ابن السبيل الذي يستضيفك لإطعام أو لغير ذلك والكرماء يفرحون بالأضياف وكان خليل الرحمن لا يأكل إلا مع غيره وكان يتعرض للضيوف ولهذا جاءته الملائكة بصورة أضياف { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ }[الذاريات:24] فجاءوا بصورة رجالا أبناء سبيل فذكر جل وعلا أنه قدم لهم الطعام بسرعة {فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ}[هود:69]،يعني مشوي ومعد وهو من أحسن ما يقدم فأثنى الله جل وعلا عليه بذلك، وكذلك الإيمان مقتضاه إكرام الضيف والضيافة جاء تحديدها بالشرع فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم  ( الضيافة ثلاثة أيام ) هذا حق الضيف ثلاثة أن يضاف ويكرم ثم بعدها لا يجوز له أن يضايق أخاه في هذا إذا كان يرحل ويتركه، وإلا يبقى ايضا حق المسلم والمقصود أن إكرام الضيف بأن يقدم له ما يحتاجه وقد اعتاد العرب أن الضيف أول ما ينزل يقدم له شيء يكرم به فعند أول نزوله يقدمون له الشيء الجاهز إكراما له ويلاقونه بالبشاشة وبالترحيب وما يؤَنِّسه فهذا من اكرامه وهذا يسمى النزل ، يعني أول ما ينزل يقدم له هذا ولهذا ذكر الله جل وعلا عند تقسيمه للناس عند الاحتضار وكذلك عند غيره قسمهم أنه ثلاثة أقسام : قسم هم أعلى طبقات الذين يستقبلون بالروح والريحان ، وقسم يستقبلون بالسلام { وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ  فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ }[الواقعة:91] وقسم يستقبلون بالعذاب نسأل الله العافية { وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ  فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ }[الواقعة:93] “فنزلٌ من حميم” يعني أول ما يقدم له الحميم نسأل الله العافية  ، فالنزل هو أول ما يقدم للضيف .

والمقصود في هذا الحديث الأمر منه صلى الله عليه وسلم  أن يكرم الضيف وأن إكرامه من أمور الإيمان التي إذا كان الإنسان مؤمن فهو لايخل بها وهذا معنى قوله : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليفعل كذا وكذا ، القول وإكرام الجار وإكرام الضيف فهو من أمور الإيمان التي لا يجوز الإخلال بها فمن أخل بها فهو إما ليس عنده إيمان وإما أن إيمانه ناقص النقص الذي يعاقب عليه وليس هذا فقط فهناك أمور أخرى ايضا كما مر معنى في الأحاديث السابقة وسيأتي ايضا ومن ذلك كون الإنسان يؤمن بما يستقبله يستعد له فمعنى قوله : من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليقل خيرا أو ليصمت يعني أنك تؤمن بوعد الله وما يجزيك به على أقوالك واعمالك فينبغي أن تستعد لذلك وتكتسب الخير الذي سوف تجزى عليه وتجتنب الأمور التي قد تكون سببا للعذاب .

 الحديث السادس عشر

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه  أَنْ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم  أَوْصِنِي. قَالَ: لَا تَغْضَبْ، فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: لَا تَغْضَبْ”. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

ا

هذا ايضا من جوامع الكلم التي أعطيها رسول الله صلى الله عليه وسلم  وهو له معاني كثيرة وذلك أن كون الإنسان لا يغضب يقتضي أنه يصبر ويقتضي أنه لا ينفذ الأمور التي قد مثلا يزينها له الشيطان ونفسه وغير ذلك من الأمور التي تكون على آثار الغضب،وإن كان الغضب قد مثلا لا يملك الإنسان دفعه ومنعه ولكنه بالتدرب وبمراعاة أمر الله ، ومراعاة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم  والإيمان فإنه يتخلق بذلك، لأن بعض الناس قد يقول: هذا خلق والخلق يكون الإنسان مجبول عليه ما يستطيع أن يغيره ، نقول: يستطيع أن يغيره عندما يستحضر أمر الله وأمر رسوله ويقدم أمر الله وأمر رسوله وكذلك جزاء الله ما يجزيه به على ذلك لهذا كان أهل التقى إذا ذكر لهم ذلك زال الغضب كما جاء في الصحيح أن عمر رضي الله عنه  لما كان يقدم أهل العلم وأهل القرآن للاستشارة وأخذ الرأي وكان من أحد الذين يقدمهم (…) يعني في الاستشارات مثل ابن عباس وإن كان صغيرا يعني كانوا صغار السن وإن كانوا يكون من أعلم منهم ، فجاء رجل من الأعراب قريبا لأحدهم فقال استأذن لي عليه ، استأذن له دخل، كان ما يمنع أحد فلما دخل تكلم كلاما باطل ، فقال له إنك لا تعدل وإنك تمنع كذا وإنك تفعل و قابله (بالشين) فغضب،عند ذلك ذكر له الذي كان يستشيره قول الله جل وعلا {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}[الأعراف:199] فهذا جاهل فسكت ذهب غضبه نهائيا لما سمع هذه الآية،فهكذا ينبغي أن يكون العبد إذا استحضر كلام الله وكلام رسوله وكذلك جزاءه أن يزول غضبه، والغضب قد يحدو الإنسان إلى أن يفعل أفعالا يندم عليها فيما إذا زال الغضب بسرعة،فعدم الغضب يكون نافعا للإنسان في دينه وفي دنياه (وآخرته) فينبغي أن يعتني به ولا يوصي الرسول صلى الله عليه وسلم  بشيء إلا وله أهمية كبرى فلهذا ردد هذا الكلام ، قال : أوصني .

الوصية هي طلب الأمر المهم الذي يعتنى به ويكون له أثر لهذا ردد هذا ، قال : أوصني فما زاد عليه، قال:  لا تغضب،وذلك أن الإنسان لا بد في هذه الحياة أن يتعرض لأمور تغضبه لأن الناس لهم تصورات ولهم إرادات ولهم منافع فإذا لم توافقهم على تصورهم ولا على إرادتهم لا بد أن يغضبوك فلا بد أنك تصبر، ومعالجة الأمور بالتفاهم والكلام الطيب تنتج الخير الكثير بخلاف الغضب فإنه يأتي بعكس ما يراد  .

فالمقصود أن الغضب يضر في الدنيا وفي الآخرة فلهذا أوصى صلى الله عليه وسلم  أن الإنسان أنه لا يغضب ومعلوم أن وصية الرسول صلى الله عليه وسلم  يجب امتثالها ، فأول شيء أنه صلى الله عليه وسلم  يبلغنا الشيء الذي ينفعنا في ديننا وفي دنيانا ويحرص على ذلك فهو حريص على نفعنا،والذي يشق علينا يشق عليه وإذا قال قول لأحد لواحد من الأمة فكأنما قاله للأمة كلها ، فلهذا صار هذا من أنفع ما ينبغي للإنسان أن يعتني به ويعالج نفسه من الغضب،فقد يغضبك مثلا قريب كالولد أوالزوجة وغير ذلك ، وقد يكون بعيد وغير ذلك فإذا نفذت ما يقتضيه غضبك سوف تندم في حالة ما يزول الغضب.

ولهذا نشاهد الأمور الآن التي تحدث بين الزوجين وبين الأولاد والأقارب وغيرها فمثلا قد يقول ، قول أو يفعل فعل في حالة الغضب ثم يندم على ذلك غاية الندم وقد لا يستطيع أن يستدرك ذلك فلو مثلا يراعي الإنسان وصية الرسول صلى الله عليه وسلم في مثل هذا فإنه يبتعد الشيطان عنه والشيطان يقرب من الغاضب كما في الصحيح (أن الرسول صلى الله عليه وسلم  شاهد رجلا قد أحمر وجهه –يعني كان يكلمه واحد- وانتفخت أوداجه واحمر وجهه فقال : أني أعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ذلك “أعوذ بالله من الشيطان الرجيم” ) فالغضب من آثار الشيطان هو الذي يوقع الإنسان في الأمور التي يترتب عليها عذابه في الدنيا والآخرة والشيطان حريص على ذلك فلهذا يجب أن يكون الإنسان مراعي ذلك ولا بد كما قلنا أن الناس كل له تصور وكل له إرادة يريد أنه تصوره هو الذي ينفذ وإرادته هي التي تكون فإذا لم توافقهم يغضبون،فالغضب في أسبابه التي تكون في الحياة كثيرة جدا فلهذا الوصية بهذا من أهم ما ينبغي يراعي الإنسان ذلك حتى بينه وبين أهله لا بد أن يكون (…) ولهذا الغضب لا يأتي إلا بالشر.

ويعتبر الإنسان بقصص الأنبياء وقصص الصالحين؛ أنظر مثلا قصة يعقوب عليه السلام مع ابناءه كيف لم أخذوا يوسف عليه السلام وقالوا له إنا له لناصحون وإنا له لحافظون ، كما قال الله جل وعلا : { قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [ يوسف : 11-12 ] ثم ألقوه في البئر ظلما وانتظار أنه يؤخذ ويذهب به هذا أقل التدبير الذي دبروه وإلا كانوا يريدون قتله ثم جاءوا إلى أبيهم يبكون البكاء الكاذب وجاءوا ايضا بثوبه الملطخ بالدم الكاذب، وقد عَلِم، قالوا أكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا آخر غير هذا،{فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ}[يوسف:18]،ما قابلهم بالشتم، بل قال:{وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} ثم لما ايضا رجعوا إليه بعدما أخذوا أخاه مرة أخرى وإن كان ذلك ليس بأيديهم ولكن المقصود خُلق يعقوب عليه السلام ، قالوا ابنك سرق قال لقد سولت لكم أنفسكم أمرا فكذلك قال:{فَصَبْرٌ جَمِيلٌ}[يوسف:83]، صبر، ولما أنه صار يتذكر ما كان من يوسف قال{يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ}[يوسف:84]، فصاروا يقولون له إنك إذا تذكرته سوف تموت كمدا قال يخاطبهم {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ}[يوسف:87] أنظر كيف يخاطبهم هذا الخطاب مع ما فعلوه من فعلهم تلك الأفعال ؟!،لأن الغضب ما يجدي ما يأتي بشيء لا يأتي إلا بالشر وكذلك يوسف عليه السلام لما أنه جاءه إخوته دخلوا عليه وقالوا: إنا مسنا الضر وأهلنا فتصدق علينا {فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ * قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ}،  عند ذلك تبين أنه يوسف {قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ}قال: نعم،{أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا}، قالوا {لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ}، ماذا صار {قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ}يعني لا أقابلكم بشيء من الجزاء بل أقابلكم بأن اسمح عن لحقي وأراعي حق الأخوة كذلك ، {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ}[يوسف:88:91].

ومثل ذلك ما كان لرسولنا صلى الله عليه وسلم كما في حديث أنس الذي في الصحيحين يقول ( أتاه أعرابي -والأعراب عندهم شيء من الجفاء ومن الغلظة ومن عدم مراعاة الأخلاق الطيبة كثير منهم-يقول أمسك بردائه فجبذه جبذة شديدة حتى أثر ذلك في رقبته صلى الله عليه وسلم  فقال أعطني كذا وكذا ، فأمر بعطيته صلى الله عليه وسلم  ) ولم يقابله بالشيء الذي قد يكون من مقتضى أفعاله.

المقصود أن الغضب لا يأتي الإنسان إلا بما يضره ولهذا وصى صلى الله عليه وسلم  بأن الإنسان لا يغضب وإذا كان هذا خلق فيمكن أنه يتدرب عليه ويتخلق به شيئا فشيئا وعندما يتذكر وصية النبي صلى الله عليه وسلم  ويجب أن يتذكر الآثار التي تترتب على ما إذا نفذ غضبه يتذكر ذلك ، وإن كان بعض الناس قد لا يتذكر هذا الشيء ولكن العاقل يجب أن يكون عقله غالبا عليه.

والعلماء قسموا الغضب إلى قسمين:

القسم الأول : غضب مطبق يعني يسمى إغلاق يعني يكون الإنسان مغلق عليه بمعنى أنه يتكلم ويفعل شيء لا يشعر به وإذا انتهى الغضب قيل له إنك قلت كذا أو فعلت كذا لا يصدق يقول: لم يحدث مني ذلك، فهذا صار بمنزلة المجنون ولهذا أعمال مثل هذا لا تنفذ من طلاق وغيره ، ولهذا جاء (لا طلاق في إغلاق ) والإغلاق هو أن يغلق على الإنسان فكره وعقله في مثل هذا وهذا قد يوصل الشيطان الإنسان إلى هذا الحد.

القسم الثاني : غضب ولكنه يعرف ماذا يقول يشعر بما يفعل فهذا لا ، يعاقب على أفعاله وعلى أقواله وهذا الذي يجب أن يقف عند ذلك ، نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات والذين يمتثلون وصية المصطفى صلى الله عليه وسلم  وينتفعون بذلك .

 لحديث السابع عشر

عَنْ أَبِي يَعْلَى شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ  عَنْ النبي صلى الله عليه وسلم  قَالَ: “إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ”. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

الشرح

في هذا الحديث النبي صلى الله عليه وسلم  قال:(إِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ،وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ،وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ) القتل يكون في بني آدم والذبح في البهائم ، والقتل سبق أن المسلم محترم الدم معصوم الدم لا يجوز أن يتعرض له لا بقتل ولا بأذى ، وإنما قد يخرج عن هذا الأمور التي مرت معنا وهي إحدى ثلاث أمور:

الأمر الأول : إما أن يرتد عن دينه ويخرج ويفارق الجماعة جماعة المسلمين هذا يقتل إن لم يتب ويرجع كما سبق .

الأمر الثاني : الزاني المحصن فإنه ايضا يقتل بالرجم حتى يموت .

الأمرالثالث : من قتل معصوما فإنه يقتل به ومع عدا ذلك فلا يجوز قتل المسلم بحال من الأحوال ، وإنما يصبح القتل في غير المسلمين في الكفار إذا قاتلهم المسلمون فلا يجوز أن يساء في القتل لأن المقصود إنهاءه وكونه إما عبد الشيطان ووقف في وجه الدعوة فالموت يريح منه ، فلا يجوز أن يمثل به أو يعذب قبل القتل ، ولهذا قال يحسن القتلة ، وإحسان القتلة أن يقتل قتلة تكون تقضي عليه بوقت وجيز فلا يعذب .

ولهذا كان صلى الله عليه وسلم  إذا أرسل جيشا أو سرية أوصى الأمير بالتقوى وكذلك من معه ثم يقول لهم: أغزوا باسم الله في سبيل الله أغزوا ولا تغلوا ولا تمثلوا، فكان هذا شأنه صلى الله عليه وسلم  في وصيته للجيش الذي يرسله في سبيل الله.

وقوله : لا تمثلوا التمثيل هو أن يقطع أطراف الإنسان أو تشوه صورته فنهاهم عن ذلك وأن كانوا كافرين فلا يمثل بهم ولا يعذبوا وإنما يقتلوا قتلة تريحهم وتريح الناس منهم فهذا من الإسلام ، ولهذا قال هنا إذا قتلتم فأحسنوا القتلة وسواء الذين مثلا أمر الله بقتالهم أو الذين وجب عليهم القتل من المسلمين فيجب أن يحسن القتل ولهذا يقول العلماء لا يجوز القتل إلا بالسيف فتضرب عنقه من اعلاه لأن هذا الموضع هو أسرع الأماكن في كون الإنسان يموت بسرعة، فهذا أمر أجمع عليه المسلمون لهذا الحديث وغيره ، وقد اختلفوا في ما إذا مثلا مثل الكفار بالمسلمين أو مثلا إنسان قتل معصوما ومثل به هل يصنع به مثل ما صنع لقول الله جل وعلا : {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ}[النحل:126] ولأنه ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم  لما فعل العرنيون ما فعلوا سمل أعينهم وقطع أيديهم وأرجلهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا ، هل يصنع هذا ؟  (…) لأنهم صنعوا ذلك بالرعاة ، وسمل العين يعني أنهم لما صحوا لأنهم جاءوا مسلمين فاجتووا المدينة يعني لم يناسبهم جوها فأمرهم صلى الله عليه وسلم  أن يذهبوا إلى إبل الصدقة وإبل الرسول صلى الله عليه وسلم  ويشربوا من ألبانها وأبوالها فذهبوا حتى صحوا فلما صحوا قتلوا الرعاة وسملوا أعينهم واستاقوا الإبل هاربين فأرسل خلفهم صلى الله عليه وسلم  من أتى بهم فصُنع بهم كما صنعوا في الرعاة، فهذا من الجزاء من جنس العمل العقاب بمثل ما فعلوا، ولكن قول الرسول صلى الله عليه وسلم  في وصيته لمن يقاتل في سبيل الله أنه لا يمثل هذا ما كان يفعله عند كل ما يرسل سرية أو جيش يقول لهم:(أغزوا بسم الله وفي سبيل الله قاتلوا من كفر بالله ولا تقتلوا وليدا ولا امرأة ولا تمثلوا ولا تغلوا) لهذا كان يكرره صلى الله عليه وسلم .

وفي هذا الحديث يقول إذا قتلتم فأحسنوا القتلة وهذا عام ما استثنُي شيء من ذلك وهذا من محاسن الإسلام بخلاف الذين لم يتمكن الإسلام من قلوبهم فإنهم يصنعون صنائع تخالف أمر الرسول صلى الله عليه وسلم  وأمر الله جل وعلا من التعذيب ، أولاً يعذبون الناس ثم يقتلونهم، فهذا ليس من أمر الإسلام في شيء ، وأما الذبح فالله جل وعلا منّ على بني آدم بأن سخر لهم بهيمة الأنعام وغيرها من الصيد فإذا تمكنوا من ذلك وأرادوا الذبح فيجب أن يكون الذبح بالإحسان .

قوله: أحسنوا القتلة وأحسنوا الذبحة يعني أن يفعل الإنسان غاية ما يمكنه من إراحة المقتول أو المذبوح، فلا يجوز أنه يسيء إلى الذبيحة قبل أن يذبحها .

وقوله : وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ،  يعني يجعلها حديدة شاطرة بحيث أنها تمضي بسرعة وتقطع الاوداج تريح الذبيحة ولا يجوز أن يكون إحداد الشفرة أمامها كما يصنعه بعض قساة القلوب ولا يجوز أن يسئ إليها بأن يجرها برجلها أو يضربها أو ما أشبه ذلك، بل يسوقها برفق ويقودها برقبتها ثم يضجعها برفق ثم تكون الشفرة ليست مرئية لها يعني لاتكون أمامها لأنها تعرف الموت ،وتعرف ربها جل وعلا ،فيكون هذا المأمور به من ارحتها وأما الإساءة إليها بأن تجر أو تضرب كما يصنعه كثير من الذين يتولون الذبح من القصابين وغيرهم فهذه ذنوب بل هي مخالفات وقد يكون بعضهم جاهلا في هذا وبعضهم لا يبالي، فهو مخالف لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم  لأن هذا من نعم الله جل وعلا التي أنعم بها على عباده حيث سخر لهم هذه البهائم يذبحون ويأكلون ويشربون منها وغير ذلك، فلا يجوز أن يسيؤوا إليها لا في وقت الذبح ولا في غيره ، فهذا من جهة ما إذا صار الذبح لازما للإنسان، ومعلوم أن الذبح يكون قربة لله جل وعلا ويكون أمر مباح للأكل وغيره وسواء كان هذا أو هذا يجب أن يكون الذبح بهذه الطريقة بالإحسان أن يحسن الذبحة .

 الحديث الثامن عشر

 عَنْ أبي جندب بن جنادة وأبي عبدالرحمن مُعَاذ بْن جَبَلٍ رضي الله عنه  وأَبِي ذَرٍّ، أن رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  قَالَ: “اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْت، وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقْ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ”.رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. 

الشرح

هذا الحديث من جوامع الكلم ايضا وهذه الوصية هي وصية الله للأولين والآخرين، وهي الوصية بالتقوى .

قوله : اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْت يعني في أي مكان كنت سواء كنت مع الناس تشاهَد أو كنت خاليا لا يراك إلا رب العالمين فاتق الله في أي مكان كنت ولهذا قال اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْت ، وتقوى الله جاء الأمر با في كتاب الله كثيرا جدا فأحيانا تقرن باسم الجلالة {اتَّقُوا اللَّهَ}، وأحيانا تقرن بالعذاب {وَاتَّقُوا النَّارَ}[آل عمران:131]،واحيانا بالمكان {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ}[البقرة:281]، فإذا قرنت باسم الله جل وعلا فمعنى ذلك أن المقصود اتقاء عذابه وعقابه جل وعلا ، والتقوى معناها أن يجعل بينه وبين المخوف واقيا يقيه.

وهذا لا يكون إلا بطاعة الله جل وعلا وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم  فيكون معنى تقوى الله امتثال أمره واجتناب نهيه، ولا بد أن يكون هذا على علم وبصيرة يعني يفعل ما أمر به خوفا من الله ورجاء لثوابه خوفا فيما لو ترك الأمر أن الله يعاقبه ويرجو ثواب الله إذا فعل ما أمر به فيكون الخوف والرجاء دائما عند الفعل عند العمل عمل التقوى فهو من الأركان من ركن العمل،وكذلك الذي مثلا الذي نهي عنه ارتكاب المنهي يجب أن يكون تركه خوفا من الله وكذلك رجاء أن الله يثيبه فإن الله يثيب من ترك المنهي عنه خوفا من الله جل وعلا خلاف الذي يتركه إما عاجزا أنه لا يقدر عليه أو أنه صده عنه مخلوق أو غير ذلك، هذا قد يعاقب على نيته لأنه جاء في الحديث الصحيح قول الرسول صلى الله عليه وسلم  ( إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقتل والمقتول في النار ) قالوا يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول ، قال : (كان حريصا على قتل صاحبه) فالحرص في الأعمال النيات والإرادات ، فإذا كانت ارادة الإنسان فعل السيء وصد عنه بالقوة بالقهر الشيء الذي خرج عن إرادته وعن قدرته فهو على ما هو عليه يعاقب على ذلك نسأل الله العافية.

والمقصود أن العبد يراقب ربه ويستحي منه حيث ما كان ويعلم أن الله يراه في أي مكان كان ويسمع كلامه ولا يخفى عليه من الله شيء فلا يجوز أن يكون نظر المخلوقين عنده أعظم من نظر رب العالمين تعالى وتقدس فمن كان كذلك فهو لم يتق الله جل وعلا حق التقوى .

نقول : إن هذه الوصية وصية عظيمة جامعة ” اتق الله حيثما كنت ” يعني في أي وقت وفي أي مكان تكون تقوى الله ملازمة لك لا تنفك عنها فأنت تراقب ربك دائما ويكون خوفك من ربك ورجائك له هو المقدم على كل شيء على خوف الناس وعلى الاستحياء منهم وغير ذلك . 

جاءت امرأة إلى أحد المتقين تريد منه ما يراد من النساء فعرضت نفسها عليه فقال ما هو الآن ليس مناسب وكان في مكة ثم مر عليها وقال اتبعيني فلما دخلت في الحرم قال هنا اجلسي فقالت هنا الناس كلهم ينظرون إلينا، فقال والله ينظر إلينا أعظم من نظر الناس هنا أو في الخلاء كل سواء،فتابت عند ذلك وأقلعت عما كانت عليه، فيجب أن يكون نظر الله عند العبد هو الذي يقدمه على كل نظر ، نظر الناس وخوفه من الله هو الذي يكون يمنعه من ارتكاب المعاصي ويحدوه إلى فعل ما أمر الله جل وعلا به فيكون من المتقين والمتقون لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وهم الذين استقاموا على أمر الله، فالخوف يكون في الأمور المستقبلة والحزن يكون على الأمور الفائتة فهم إذا جاءتهم ملائكة الرحمن لقبض أرواحهم تبشرهم بهذا كما قال الله جل وعلا : { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ }[فصلت:30] إلى آخر الآيات،  فقوله تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا يعني قائلين لهم لا تخافوا ولا تحزنوا فهم يقولون لهم قولا يسمعونه ويشاهدونهم وإن كان الحاضر عنده لا يسمع شيء ولا يشاهد شيء لأن الملائكة ليست منظورة للبشر ولهذا لما اقترح الكفار اقترحوا أن يكون الرسول ملك أو أن ينزل معه ملك قال الله جل وعلا : { وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا–بشرا- وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ }[الأنعام:9] يعني أنهم لا يستطيعون أنهم يأخذوا من الملك على صورته وعلى هيئته فلا بد أن يكون بشر ولهذا كان جبريل عليه السلام في بعض الأحيان إذا جاء للنبي صلى الله عليه وسلم  يأتيه بصورة بشر كما في حديث عمر وكذلك في حديث عائشة ، حديث عمر الذي يقول فيه : (كنا جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم  فطلع علينا رجل شديد بياض الثياب ..إلخ) ، وقد تقدم ، فجاءهم بصورة رجل فصار يسأل ثم أخبرهم صلى الله عليه وسلم  أنه جبريل، وهذا أحد أنواع الوحي الذي يأتي بها الرسول ، وكذلك لما جاءوا إلى عذاب بعض الأمم عذاب قوم لوط جاءت الملائكة لتعذبهم جاءوا بصورة بشر فأضفوا إبراهيم عليه السلام ثم جاءوا إلى لوط بهذه الصورة صورة أضياف،فلما جاءوه ضاق بهم زرعا لأنه يعرف فعل قومه وحاول معهم كما ذكر الله جل وعلا وفي الآخر قالوا له لا تخف لن يصلوا إليك نحن رسل الله، فأمروه بأن يخرج من البلد هو وبناته ولا يلتفت منهم أحد ويكون خلفهم ووعدوه أنه عند شروق الشمس سوف يعذبونهم فحصل عذاب الله جل وعلا.

المقصود أن الملائكة تتولى قبض روح العباد أرواح العباد فإذا كان متقي (تتطمأنه) وتبشره بما يسره وتأمنه أنه لا خوف عليه وهذا معناه أنه لا يخاف في جميع أحواله المستقبلة لا في القبر ولا في بعد خروجه من القبر مبعوثا ولا في وقوفه ولا في المحاسبة وغيرها فإذاً التقوى هي رأس مال المسلم فينبغي أن يعتني بها فتقوى الله جل وعلا أن تفعل ما أمرك الله جل وعلا به خوفا من الله ورجاء لثوابه وتترك ما نهاك عنه وتبتعد عنه ومعلوم أن هذا يلزم منه أن يكون الإنسان عالما بأوامر الله وبما نهى عنه لا بد أن يكون عارفا لذلك حتى ما يقع في المخالفات وهو لا يدري ولا يقع في ترك الواجبات وهو لا يدري ، ولهذا اتفق العلماء على وجوب العلم في مثل هذا،فالعلم يكون منه ما هو واجب حتم على كل مسلم ومسلمة وهو أن تعرف ما أمرك الله جل وعلا به وما أمرك به الرسول صلى الله عليه وسلم  من الواجبات وتعرف ما نهاك عنه من المحرمات هذا لا بد منه حتى إذا عرفت ذلك تتقي ربك في كونك تترك مأمورا أو تفعل محظورا.

قوله: اتق الله حيثما كنت وإن كانت الوصية لرجل فالوصية للأمة كلها يجب أن يكونوا هكذا وهذا من نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم  لأمته ومن تبليغه لهم ما أمره الله جل وعلا بإبلاغه ثم زاده على هذا الأمر وإن كان هذا جامع هذه الكلمة هذه الوصية جامعة لا تترك شيء ولكن هكذا عادته صلى الله عليه وسلم  أنه يزيد كل ما يمكن أن ينتفع به السامع وإن كان ما سأل عنه .

قوله : وأتبع السيئة الحسنة تمحها، والمعنى أنك إذا فعلت السيئة ففعل بعدها حسنة لأن الحسنة تمحو السيئة ، واتبع السيئة الحسنة تمحها ، وظاهر هذا الخطاب أن الحسنة تمحو سيئة وليس هذا مراد فإن الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها ولكن للمقابلة قال هذا ، يدل على هذا الحديث الصحيح الذي فيه الأمر بالتسبيح والتكبير والتحميد بعد الصلاة ، يقول إذا صليت فسبح عشرا وكبر عشرا وأحمد عشرا بعد كل صلاة والصلوات كم هي ؟ خمس ، فثلاثون في خمس  ؛ مائة وخمسون ، يقول فهذه مائة وخمسون باللسان وألف وخمسمائة بالكتاب يعني لأن الحسنة بعشر امثالها ، إذا ضربت مائة وخمسون بعشر ؛ ألف وخمسمائة، ثم قال صلى الله عليه وسلم  أيكم يعمل في اليوم ألف وخمسمائة سيئة! فهذا يدل على أن الحسنة تكون مقابل عشر سيئات ، ولكن قد يكون هناك سيئات كبيرة وفواحش فلا تقوى عليها الحسنة الواحدة ، ولهذا قال بعض شراح الحديث في هذا قوله : اتبع السيئة الحسنة تمحها يعني المقصود بالحسنة هنا التوبة أن تتوب فهذا يكون سواء كانت (الحسنة) كبيرة أو صغيرة تكون ماحية لها، وإن كان هذا شيء قد يكون الإنسان لا يثق بنفسه يعني أمر مظنون كما قال بعض العلماء السيئات أمر محقق والخروج منها أمر مظنون، لأن الإنسان لا يعرف هل جاء بالشروط التي تقبل معها الحسنة أو التوبة أو أنه لم يأتي فيبقى خائف، وهذا من حكمة الله جل وعلا حتى يزداد المسلم خيرا دائما فتجده مثلا يعمل السيئة ثم تجد هذه السيئة أمامه دائما يستغفر ويتوب فقد يكون تيب عليه من أول مرة فيكون هذا كله خير ولهذا جاء في حديث : أن الإنسان يعمل السيئة يدخل بها الجنة، ففسر هذا بهذا المعنى ، أنه يعمل السيئة ثم لا يزال وجلا خائفا يستغفر ويتوب ويسترجع إلى ربه وكلما تذكرها وجل قلبه وخاف واستغفر فتكون في حقه بهذا المعنى خير، فتكون أحسن من الذي عمل حسنة فصار يمن بها على ربه وصار مثلا يعدها كأنه يعني صار له أمان من المخاوف ، هذه قد تكون في حقه ضرر.

فالمقصود أن اتباع (الحسنة السيئة) يشمل التوبة والاستغفار وغيرها ولهذا ثبت في الصحيح أن أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه توضأ ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول بعدما توضأ:(من توضأ مثل وضوء هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه ) فهذا عام وهذه حسنة في الوضوء وصلاة الركعتين فليست هي التوبة من الذنب الذي عمله وجعلها كفارة للذنوب السابقة وهكذا ايضا الحسنات الأخرى مثل الذكر وتلاوة القرآن والصدقة والأمر بالمعروف والإحسان إلى الناس بأي نوع كان يكون من الحسنات ، فكلام الرسول صلى الله عليه وسلم  عام .

فقوله : اتبعوا السيئات الحسنة تمحها فهو كلما عمل الإنسان سيئة يجب عليه أن يعمل حسنة حتى تمحى سيئته وهذا فضل الله جل وعلا ولهذا وصف الله جل وعلا المتقين الذين تعد لهم الجنان بأنهم{الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا}[الأنفال:2] والذين ينفقون مما رزقهم الله في طلب مرضاة الله جل وعلا، وأمر كذلك بالمسارعة إلى الجنة التي كما قال جل وعلا {عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ}ثم قال {أُعِدَّتْ} لمن ؟!{لِلْمُتَّقِينَ} (133) {الَّذِينَ} منهم ؟ يعني هذه وصفهم التقوى وكونهم إذا عملوا {فَاحِشَةً}{ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ}، وهنا قوله : {فَاحِشَةً}يدل على أن المتقي قد يقع في الكبائر، لأن الفواحش هي كبائر الذنوب، تكون فاحشة في نفسها وفاحشة في الفطر وفي خلق المؤمنين  ، ومعنى قوله:{ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ}يعني خافوا الله ذكروا عظمته وذكروا بطشه وذكروا عذابه فوجلوا وخافوا فاستغفروا لذنوبهم {وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ}[آل عمران:133:135] جل وعلا فهو يغفر الذنوب فوعدهم مع هذا ، وكذلك العافين عن الناس الذين يعفون عمن ظلمهم فإن هذا ايضا من أعظم الحسنات التي تمحوا السيئات .

فالمقصود أن الحسنة هنا عامة ولا تقتصر على التوبة فقط كما قال ذلك بعض شراح الحديث، أن المقصود بالحسنة هي التوبة من الذنب الخاص الذي فعله ، بل الحسنة هنا عامة يدل على هذا ايضا الحديث الذي في الصحيح فإن رجلا أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم  فقال: يا رسول الله أني أصبت من امرأة قبلة (…) وكذا عملت أعمالا إلا أني لم أجامعها فقال أقم حد الله علي ؟، فتركه وأعرض عنه حتى حضرة الصلاة فصلى وصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم  ثم قال له ذلك بعد الصلاة قال: (أحضرت الصلاة معنا) قال : نعم قال: (قد غفر الله لك) ، فالصلاة غُفر بها هذه الفاحشة التي عملها هذا الرجل فهذا ايضا يدل على أن الحسنة عامة.

وقوله صلى الله عليه وسلم  : وخالق الناس بخلق حسن، الإنسان لا بد له من مخالطة الناس ولا بد له من كلامهم والاجتماع معهم ولا بد أن يكون ايضا هناك مبادلات بيع وشراء وما أشبه ذلك فيجب أن يكون خلقه معهم الخلق الذي يكون خلق المؤمن بالتسامح والتفاهم التي تكون بالأحسن .

قوله : وخالقهم بخلق حسن ومعنى ذلك أنه إذا أسيء إليه لم يقابل الإساءة بالإساءة بل يسمح ويعفو وهذا ايضا من إرشاداته صلى الله عليه وسلم ، فالإنسان إذا قوي على هذا الأمر فهذا من اعظم الحسنات ولهذا جاء في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم  ( أثقل ما يوضع في الميزان يوم القيامة الخلق الحسن ) وقال (إن أقربكم إلي مجلسا أحسنكم أخلاقا) والمؤمن الذي يكون خلقه حسن يتحصل بهذا على المنزلة الرفيعة، والسبب في هذا أنه لا يقابل المسيء بالإساءة ، وإنما يعفو أو يقابله بالإحسان إما أن يعفو أو يقابله بالإحسان وهذا المقصود في الأمر هنا وخالق الناس بخلق حسن ، وهنا قال الناس عموما ، ومعلوم أن أول ما يجب على المرء أن يقابل من يقابله بالخلق الحسن؛ الأقرباء منه أولاده إخوانه جيرانه ثم سائر الناس ومن ذلك ايضا كذلك زوجته ، فقد جاءت الأحاديث أنه يقول صلى الله عليه وسلم  ( خيركم خيركم لأهله وأن خيركم لأهله ) ومعروف خلق الرسول صلى الله عليه وسلم  في هذا.

فإذاً هذه ثلاث وصايا :

الوصية الأولى: الوصية بتقوى الله .

الوصية الثانية : أن الإنسان لا ينفك من سيئة فوصّاه بأنه إذا عمل السيئة أن يعمل الحسنة بعدها حتى تمحها .

الوصية الثالثة: مخالقة الناس بالخلق الحسن، فإذا امتثل الإنسان هذه الأمور الثلاث صار من الكُمَّل من الذين تحصلوا على خيري الدنيا والآخرة ،نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم منهم .

 الحديث التاسع عشر

 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: “كُنْت خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  يَوْمًا، فَقَالَ: يَا غُلَامِ! إنِّي أُعَلِّمُك كَلِمَاتٍ: احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْك، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَك، إذَا سَأَلْت فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْت فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوك بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوك إلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَك، وَإِنْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوك بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوك إلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْك؛ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ، وَجَفَّتْ الصُّحُفُ” . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ التِّرْمِذِيِّ: “احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ أمامك، تَعَرَّفْ إلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفُك فِي الشِّدَّةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَخْطَأَك لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَك، وَمَا أَصَابَك لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَك، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنْ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا”.

الشرح

 هذا الحديث من جوامع الكلم التي اعطيها رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، جوامع الكلم أنها يجمع بالألفاظ القليلة المعاني الكثيرة ولهذا الحديث قال بعض العلماء:تأملت هذا الحديث فكدت أن اطيش لأعراض الناس عنه ففيه السعادة في الدنيا والآخرة لمن عمل به.

ابن عباس ” رضي الله عنه ”  هو حبر الأمة وقد دعا له رسول صلى الله عليه وسلم  أن يفهمه الله جل وعلا ويعلمه التأويل فكان كذلك فلهذا يقال له ترجمان القرآن وقد اعتمد البخاري رحمه الله في صحيحه على تفسير مجاهد حيث إن مجاهد هو تلميذه وقال إني عرضت المصحف من أوله إلى آخره مرتين اوقفه عند كل آية وأسأله فيما نزلت وعن معناها ، وهذا ظهر جليا في آثاره يعني في آثار ابن عباس رضي الله عنه .

وقوله : كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم  الظاهر أنه كان راكبا خلفه .

وقوله : يا غلام والغلام هوالذي لم يبلغ فكان ابن عباس لما توفي الرسول صلى الله عليه وسلم  وهو مقارب للاحتلام كما قال هو عن نفسه فكان غلاما فحفظ هذه الوصية العظيمة .

وقوله : احفظ الله يحفظك، حفظ الله بأن يحفظ أوامره ونواهيه يحفظ أوامره أن يضيعها ويحفظ نواهيه أن يرتكبها والله غني عن خلقه، ولكنه يجزيهم من جنس أعمالهم فلهذا قال يحفظك يعني إذا حفظت أوامر الله فإن الله يحفظك جزاء لما عملت والله جل وعلا قد أمر بحفظ أشياء معينة تأكيدا وإلا كل أمرا أمر الله جل وعلا به يجب أن يحفظ فيعمل به ولا يترك وينسى فإن الإنسان إذا نسي أوامر الله أنساه الله نفسه كما قال جل وعلا : {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ}[الحشر:19]، والله كما هو معلوم غني عن خلقه وعن طاعاتهم وإنما الإنسان يطيع لنفسه من عمل خيرا فلنفسه ومن أساء فعليها وهو الذي جل وعلا بيده كل شيء فأوصى جل وعلا بحفظ أشياء معينة منها الصلاة كما قال جل وعلا : {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى}[البقرة:238] فيجب أن تحفظ كما أمر الله جل وعلا ، وقول الله جل وعلا : {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ}”حافظوا” من المحافظة وهي عدم الاهمال والاهتمام بذلك ، ثم عطف على هذا الصلاة الوسطى تأكيدا والصلاة الوسطى الصحيح من أقوال العلماء أنها العصر ولهذا جاء في الأحاديث أن من حافظ على البردين دخل الجنة، والبردان هما العصر والفجر ، وكذلك أمر جل وعلا بحفظ الأيمان {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ}[المائدة:89] وذلك أن الأيمان يتساهل بها كثير من الناس وحفظها إما أنك لا تحلف وإما أنك إذا حلفت لا تتركها إذا حلفت بلا تكفير، فإذا وقع الحلف تكفر ،يعني وقع الحلف والحنث يعني المخالفة فتكفيرها من حفظها، وقد أمر الله جل وعلا بذلك ، ومن الأمور التي أمر الله جل وعلا أن تحفظ وأن يحافظ عليها الفروج { وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا}[الأحزاب:35] وقال”واحفظوا فروجكم” وكذلك جاءت الأحاديث في هذا كثيرة كقول الرسول صلى الله عليه وسلم  (من حفظ ما بين رجليه وما بين لحييه دخل الجنة )، ما بين رجليه وما بين لحيه، فإذا ايضا من المحافظة حفظ اللسان وحفظ اللسان أن يتكلم الإنسان بالشيء الذي لا يجوز أو يكون وبالا عليه وهذا كثير جدا في الناس ، وقد جاء أن أعظم ما يُهلك الناس اللسان.

وجاء أن ايضا من أعظم ما يهلكهم شهوات الفروج والبطون فعلى هذا يجب أن يحفظ ايضا البطن أن يدخل فيه شيء لا يحل وسيأتي الحديث في هذا إن شاء الله، واللسان أمره خطر جدا وقد تقدم الاشارة إلى هذا وأن الإنسان قد يتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالا يدخل بها النار نسأل الله العافية ، اللسان يشتمل على القذف وعلى اللعن والشتم وعلى النميمة وعلى الغيبة وعلى القذف وغير ذلك وهو كثير الحركة ، فهو إذا تكلم الإنسان لا يسلم إلا إذا كان محافظا على أمره محافظا على كلامه أن يتكلم بالشيء الذي ينفع وإلا فهو عليه ، ولهذا جاء (كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا ذكر الله وما والاه).وإلا فهو عليه، ولهذا كان صلى الله عليه وسلم  يوصي بحفظ اللسان جاءه رجل فقال أوصني قال : (هل تملك لسانك)؟ قال : ماذا أملك إن لم أملك لساني قال: (أحفظ لسانك)، فمعنى ذلك أن اللسان أنه أكثر الأعضاء عملا فيجب أن يحفظ،وقد قال جل وعلا {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ  إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ  مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}[ق:18:16]،وقال جل وعلا{وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ *  كِرَامًا كَاتِبِينَ}[الانفطار:11:10] تنبيها لنا على أن نكرمهم ولا تلقي لهم الشيء الذي يكرهونه أو تقابلهم بالشيء الذي يكرهونه فهم لا يفارقونك فاستحي مهم والحياء يجب أن يكون كما سيأتي يكون من الله ايضا يستحي الإنسان من ربه جل وعلا فمن أطلق لسانه في كل ما يعن له تكثر ذنوبه وتكثر سقطاته وهي مسجلة عليه وسوف تعرض عليه ، يوم القيامة يخرج له كتابه {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ} الطائر هو عمله {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء:14:13]، في آية أخرى يقول الله جل وعلا عن هؤلاء الذين يهملون أمره {وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا}أي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة  إلا مكتوبة[الكهف:49].

فالمقصود أن الكلام أنه عمل فلهذا أمر بحفظ اللسان إلا من الشيء الذي ينفع ذكر الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم الجاهل وكذلك تلاوة كتاب الله وغير ذلك من الأمور التي تكون لك ما تكون عليك أما بقية الكلام في الناس وفي غير ذلك فهو داء عضال في الواقع، والكلام في الناس ما يسلم منه إلا نادرا وهو ايضا صعب لأنه لا بد أن يعفو صاحبه عنك وإلا سوف تعاقب على ذلك وتسأل عنه ولهذا يقول جل وعلا :{وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا}[الحجرات:12] فكيف مثلا أن يتصور الإنسان انه يأكل لحم أخيه بعد ممات وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم  عن الغيبة فقال (هي ذكرك أخاك بما يكره في غيبته، فقيل له أرأيت إن كان فيه ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته) والبهت : هو اشد الكذب فإذاً المقصود أن اللسان أنه خطر فيجب أن يحفظ.

وكذلك يحفظ كما قال ابن مسعود : تقوى الله جل وعلا أن تحفظ البطن وما حوى والرأس وما وعى، البطن وما حوى يعني لا تدخل فيه الشيء المحرم والرأس وما وعى يعني تحفظ سمعك أن تستمع إلى محرم وتحف بصرك أن تنظر إلى محرم وتحفظ ايضا لسانك وتحفظ ايضا قلبك أن ينطوي أو يفكر في الشيء المحرم الذي لا يجوز، وقد قال الله جل وعلا {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}[الإسراء:36]،فمعنى ذلك أننا سنسأل عن أسماعنا وأبصارنا وعن ما نتكلم به وعن ما يجول في أفكارنا {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ}[البقرة:248] لأننا عبيد لله جل وعلا قد تعبدنا بطاعته بأمره ونهيه فهو رقيب علينا لا يخفى عليه شيء من أعمالنا وهذا التسجيل والحفظ والكتابة حتى يعذر الله جل وعلا من الناس وإلا فهو حافظ لكل شيء ولا يخفى عليه شيء فهو يحب العذر ولهذا أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعذر لئلا يكون للناس على الله حجة يوم القيامة، فالملائكة الذين جعلهم يحفظون أعمال بني آدم أخبر أنهم كرام عند الله جل وعلا فالمقصود أن حفظ الله جل وعلا الذي أرشد إليه الرسول في وصيته “احفظ الله يحفظك ” هو أن تحفظ أوامره أن تضيعها وتتركها وتتساهل بها وتحفظ نواهيه أن ترتكبها، فإذا حفظتها صار جزائك من جنس عملك حفظك الله ، وحفظ الله لعبده نوعان :

النوع الأول : أن يُحفظ في بدنه وفي نفسه وفي أهله وفي ماله وفي ولده وهذا أمر ظاهر فإن الذي يحفظ ربه جل وعلا بأوامره ونواهيه يكون محفوظا بإذن الله جل وعلا، ولهذا جاء في قصة موسى مع الخضر في قصة الجدار لما أقامه حين استضافوا أهل القرية فلم يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه الخضر وبناه، قال في تفسيره {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا}[الكهف:82]،فبصلاح أبيهم حفظ مالهم وحفظوا به ، وقد جاء في بعض التفاسير أن هذا الأب هو الجد السابع ومعنى ذلك أن الطاعة لها اثر كبير في حفظ الولد وحفظ المال فكيف في الرجل نفسه صاحب الطاعة يكون محفوظا بذلك بإذن الله.

ولهذا كان سعيد ابن المسيب رحمه الله يقول لولده يا بني إني أزيد في صلاتي من أجلك حتى تُحفظ ، فالمقصود أن هذا نوع من أنواع الحفظ الذي يكون للعبد الحافظ لربه جل وعلا في أمره ونهيه ، ويُحفظ كذلك كونه في نفسه بأن تحفظ جوارحه في قواه في سمعه في بصره في قوته فلا يسقط للناس ويصبح يحتاج إلى من يحمله ويحتاج إلى (…) فإن الذي يحافظ على طاعة الله من صغره قلّ أن يصاب بشيء ، وهذا من الجزاء جزاء العمل ولهذا كان أحد الصالحين بلغ مائة وعشرين سنة فكان قوي فوثب وثبة شديدة فعوتب قيل: أربع على نفسك، فقال هذه جوارح حفظتها عن معاصي الله فحفظها الله لي، بخلاف الذي شاهده بعض العلماء كبيرا يستجدي الناس ويسألهم وهو شائب كبير فقال هذا ضيع أوامر الله في صغره فأضاعه الله في كبره.وهذا قد لا يكون مهما كثيرا .

النوع الثاني : أهم من هذا وأعظم وهو حفظ الله جل وعلا لعبده في دينه يُحفظ عن الفتن يُحفظ عن الانحرافات يحفظه الله جل وعلا في عقيدته حتى يوافيه سالما فيكون هذا أعظم من الأول كما قال جل وعلا : {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ}[الرعد:27]، قيل  في الآخرة يعني في القبر عند السؤال والامتحان والفتن فيحفظ، ولهذا قال احفظ الله يحفظك.

قوله :  تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة ومعنى تعرف إلى الله في الرخاء يعني أجتهد في عبادة ربك ما دمت صحيحا ما دمت سالما لأن السلامة والصحة لا تدوم، لا بد أن تقع في شدائد ومن أعظم الشدائد التي تنتظرنا الموت ولا بد لنا منه فإذا كان الإنسان قلبه دائما معلق بالله جل وعلا وهو يدعوه ويكون عبدا له في الرخاء وفي الصحة لا يكون شاردا عن عبودية الله جل وعلا فإنه في الكرب يكون الله معه.

ولهذا يقول الله جل وعلا في قصة نبيه يونس {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ  لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}[الصافات:144:143] يعني في بطن الحوت”لَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ  لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ” فالمسبحين الذين يعبدون الله جل وعلا في حياتهم ، ولهذا قال : تعرف إلى الله في الرخاء .. والتعرف إلى الله هو عبادته ودعاءه ، وقد أمر الله جل وعلا بدعائه وبسؤاله {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ}[النساء:32]، وفي الترمذي (من لم يسأل الله يغضب عليه) فسؤال الله جل وعلا يجب أن يكون عند العبد دائما وعبادته دائما ، وعبادة الله جل وعلا على وفق ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم  لا بد كما سبق، العبادة لها شرطان لا بد منهما :

الشرط الأول : أن تكون بالوحي بأمر الله ونهيه الذي جاء به المصطفى صلى الله عليه وسلم  الشرط الثاني : أن تكون خالصة لرب العالمين لا يقصد بها أمر آخر يقصد بها الخالق الجليل جل وعلا الذي خلقنا ورزقنا وأمرنا بعبادته، والمسألة ليست اختيارية فقد أعد لنا جزاء عظيم أو عذاب أليم هذا ينتظر معد وموجود، فالإنسان يجب أن ينظر لنفسه.

فالمقصود أنه إذا تعرف الإنسان إلى ربه بطاعته وسؤاله وعبادته وقت صحته وعافيته فإنه إذا وقع في الشدة وسأل الله أجابه يستجيب له بخلاف ما إذا كان غافلا ولا يلتفت لربه حتى يقع في الشدائد فهذا ربما ينسى كما ذكر الله جل وعلا ذلك عن المشركين لأن هذه طريقتهم؛ إذا كانوا في العافية وفي الرخاء كانوا يعبدون الأصنام وإذا ركبوا في الفلك وعصفت بهم الريح ورأوا الهلاك بأعينهم اخلصوا لله دعوا الله مخلصين له الدين وقالوا:{لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ}[الأنعام:63]، فإذا نجاهم عادوا إلى شركهم هكذا قد يكون بعض الناس بهذه الصفة إذا وقع في الشدة صار يلهج ويدعوا ربه وإذا عوفي نسي كأن لم ينله شيء {فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا}[الزمر:49]، إذا خُول النعمة خلاص أعرض ونسي ربه وهذا طبيعة الإنسان إن لم يتداركه ربه جل وعلا برحمته ويجعله متصل بربه عابدا له في الرخاء وفي الشدة،والحياة كلها قليلة لو أن الإنسان أفنى عمره كله بطاعة الله ما كان كثيرا بل قليل جدا، مع أن الله جل وعلا أعطاه نعم كبيرة جدا أعطاه السمع والبصر وأعطاه الكلام وأعطاه القوى وأعطاه نعم كبيرة وسوف يسأل عنها سوف يحاسب عن هذه.

قوله : إذا سألت فسأل الله، يعني أجعل فقرك وحاجتك بربك جل وعلا واستغن عن الناس بربك جل وعلا ، والسؤال كما سبق أن الله أمر به وهو عبادة لله جل وعلا وأما سؤال المخلوق فهو ذل يصيب الإنسان وقادح في عبادته،ولهذا كان محرم ولا يجوز أن يُسأل مخلوق إلا في حالات ضيقة في ثلاث حالات فقط كما في صحيح مسلم حديث قبيصة يقول: أتيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم  فسألته ثم جئت إليه وسألته فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم قال:(يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لإحدى ثلاثة : رجل أصيب بجائحة..) والجائحة هي الشيء العام الذي يعم المال مثل الحريق ومثل ظالم يستولي على ماله وما اشبه ذلك، فتحل له المسألة حتى يجد سدادا من عيش أو قوام من عيش ما هي دائما .

الثاني:(رجل أصيب بفاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه فيشهدوا أنه أصيب بفاقة فتحل له المسألة حتى يجد سدادا من عيش) .

الثالث:(رجل تحمل حمالات في سبيل الإصلاح بين الناس)كأن مثلا يحصل خلاف وشجار و قتال بين طائفتين فيتحمل في سبيل الإصلاح أموال يعطي بعضهم فمثل هذا يجوز له أن يسأل الناس ولو كان غنيا، لأن هذا أمر جميل جدا ولو مثلا تُرك أهل الإصلاح أن يكون ذلك من اموالهم ربما أحجموا فكان من محاسن الإسلام إباحة السؤال في مثل هذا ، ثم قال:(وما عدا هذا فسحت)، فالمسألة سُحت، والسحت هو الحرام ، والسائل الذي يسأل الناس يأتي يوم القيامة وليس على وجهه مزعة لحم قد ذهبت المسألة بلحم وجهه ، فلهذا قال: إذا سألت فسأل الله يعني، لا تسأل الناس ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، وهذا مأخوذ من قوله تعالى : {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}[الفاتحة:5] فنعبد يعني نسأل السؤال هو العبادة ، والاستعانة كذلك عبادة ، إذا استعنت فاستعن بالله، ثم إذا لم يعن الرب جل وعلا عبده فلا عون له ، كونه يستعين بالخلق قد مثلا ينال شيئا مما يقصد ولكنه يكون عليه فيما بعد ضرر، والله يتخلى عن من أعرض عنه.

قوله : وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوك بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوك إلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَك، وَإِنْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوك بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوك إلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْك، والأمة المقصود الخلق كلهم ، ولهذا جاء في رواية: الخلق كلهم ، وذلك أن نواصيهم بيد الله ، وأنهم لا يملكون شيئا إلا ما ملكهم الله جل وعلا، وقد يقول الإنسان مثلا: أنا أسألهم مما ملكهم الله! نقول: قلوبهم ونواصيهم بيد الله جل وعلا يصرفها كيف يشاء فإذا سألت الله ثم حصل لك على أيديهم شيء فهو في الحقيقة من الله وهم سبب وكذلك في المنع ، ولهذا لا يجوز للإنسان أن يلوم الناس لو مثلا قدر أنه احتاج شيء وأنه ما حصل له على أيديهم أو الذين يتحرى أنه يحصل (…) أن يلومهم لأن الأمر بيد الله جل وعلا ، وكذلك بالعكس لو مُنع فالأمر كله لله جل وعلا (إذا سألت فسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله) فهذا حقيقة العبادة التي أمر الله جل وعلا بها أن تكون لله وحده السؤال له والاستعانة به تعالى وتقدس ، لهذا يقول : {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فتقديم المعمول الذي هو المفعول “إياك”، وإن كان التعبير بالمفعول هنا لا يسوغ تأدبا مع الله جل علا لأن الضمير ضمير لله جل وعلا، {إياك نعبد} فالعامل نعبد تأخر فتقديمه لأجل الاختصاص يعني أن تقصر العبادة عليه وكذلك الاستعانة عليه هذا (هو) الفائدة في ذلك،والمعني يقول لا تعبد إلا الله ولا تستعن إلا بالله هذا معناه فعلى هذا تكون الاستعانة أيضا عبادة، عبادة لله جل وعلا.

قوله : وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوك بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوك إلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَك، وَإِنْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوك بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوك إلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْك لو أن الناس لو اجتمعوا على أن ينفعوه بشيء لم يكتبه الله له ما حصل شيء ما استطاعوا ذلك وبالعكس لو اجتمعوا على أن يضروه بشيء لم يكتبه الله عليه لم يحصل له ذلك، والمعنى أن كل حادث يقع أنه مكتوب و مقضي قبل وجود الخلق قبل وجودك وقبل وجود الناس، ولهذا قال: رفعت الاقلام وجفت الصحف، وفي رواية رفعت الاقلام وطويت الصحف بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة، وهذا قبل وجود الناس بأزمان طويلة كما في صحيح مسلم عن عبد الله ابن عمرو ابن العاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : (إن الله كتب مقادير الأشياء قبل خلق السماوات والأرض بخمسين الف سنة) وخلق السماوات والأرض مقدم على خلق بني آدم، فآدم هو آخر المخلوقات فمعنى ذلك أن كل شيء حركة وسكون من اي إنسان أو حيوان أو شجر أو غيرها كله مكتوب ومفروغ منه قد علمه الله قبل وجوده فكتبه.

وهذا من تعليم النبي صلى الله عليه وسلم  لنا حتى أن الإنسان يكون كل اتجاهه وطلبه من ربه جل وعلا وإذا وقع شيئا عليه أن يسلم ويرضى وينقاد ويقول هذا أمر قد فرغ منه وانتهى ولا حيلة في تغيره ، فيكون بهذا سالما من اللوم ومن التحسر الذي قد يحصل لكثير من الناس ، إذا حصل شيء لو فعلت كذا لكان كذا وكذا لو صار كذا لصار كذا وكذا ، وهذا غير صحيح هذا الذي وقع لا يمكن يستدرك .

المهم أن هذا من أهم الأمور التي ينبغي للإنسان أن يعرفها ولهذا علمنا اياها رسول الله صلى الله عليه وسلم  الذي لا ينطق عن الهوى وهو الناصح الأمين الذي ما ترك خيرا إلا أمرنا به ودلنا عليه ولا شر إلا حذرنا منه صلوات الله وسلامه عليه .

وقوله : واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، المقصود بهذا اثبات القدر الذي هو داخل في اسماء الله وصفاته، لأن القدر عبارة عن علم الله وعن مشيئته وخلقه وكتابته للأشياء هذا حقيقته، وفائدته أن الإنسان ما يتأسف على الشيء الذي وقع بل يجب عليه أن يسلم لذلك وإذا أمكن أنه يرضى فهذا درجة عالية وإذا لم يرضى لا بد أن يسلم ولا يعترض، ولا يقول : لو فعلت كذا لكان كذا وكذا ، لأن لو كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم  تفتح عمل الشيطان ، عمل الشيطان من التعسف والاعتراض على الأقدار، وقد جاء رجل يطلب الوصية من النبي صلى الله عليه وسلم  (فقال له لا تتهم الله في قدره)يعني انك يجب أن تسلم لما هو واقع وسواء رضي الإنسان أم لم يرضى أمر الله نافذ ولا بد.

ولهذا من رضي فله الرضا ومن سخط فعليه السخط والعبد عبد لله جل وعلا تجري عليه أحكامه بل كل من في الكون عبيد لله {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا}[مريم:93] يعني ذليلا تجري عليه أحكام الله جل وعلا.

وعلى هذا الأمور التي تجري في الكون بين العباد لها أسباب لأن الله جل وعلا جعل لكل شيء سبب والسبب مخلوق لله جل وعلا ولكن الأسباب تنقسم إلى قسمين :

القسم الأول : أسباب مشروعة .

القسم الثاني : أسباب محرمة .

فالأسباب المشروعة يلام الإنسان إذا لم يفعلها بل عليه أن يفعلها يجتهد فيها ، وأما الأسباب المحرمة فلا يجوز له أن يدخل فيها وإن كان قد يكون فيها نفع كما قال الله جل وعلا {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ}[البقرة:219] ففيهما منافع ولكن الاثم أكبر وهكذا غيرهما من الأمور التي (…)

والله جل وعلا يحرم علينا الأمور التي تضرنا في عقولنا وفي أبداننا وفي عاقبة أمرنا وفي عاجله وهو علام الغيوب لا يخفى عليه شيء،فعلى هذا يجب على العبد أن ينقاد لله جل وعلا ولأمره والقدر ركن من أركان الإيمان كما مر معنا في الحديث الثاني الذي فيه أن جبريل أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم  يسأله عن الإيمان فقال الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره ، فالقدر فيه خير وشر بالنسبة للمخلوق، أما بالنسبة لكونه من صفات الله فهو كله خير لأن الله لا يفعل إلا الخير وهو حكيم عليم يضع الأشياء في موضعها جل وعلا، وليس كونه شر يعني أنه ولكن شر نسبي، فمثلا الأمطار قد تأتي تضر بعض الناس فيكون ذلك هذه المضرة كأنه شر بالنسبة (له) ولكن الخير أكثر خيرها أكثر، فهذا معنى كونه خيره وشره يعني الشيء الذي لا يرضيك ولا يناسبك يجب أن تسلم وترضى ولذلك فلا تعترض عليها.

والأسباب التي ذكرت هنا يعني الناس يقول : لو اجتمعوا على أن ينفعوك هم بأيديهم أشياء يتصرفون فيها ولكن لا يمكن أن يقع إلا ما شاءه الله وكتبه في الأزل ، ومثله الشيء الذي يضر، وهذا فيه الحث على :

أولاً: على الإيمان بقدر الله .

الثاني على التوكل على الله والاعتماد عليه وأن الخلق كلهم نواصيهم بيد الله يصرفها كيف يشاء فالأمور المكتوبة على العبد لا بد من وقوعها .

وقوله في الرواية الأولى ” احفظ الله يحفظك ” وهذه ” احفظ الله تجده أمامك ” والمعنى واحد لا يختلف، ولكن الأمام هذه ظرف مكان وهو يدل على المعية؛ معية الله جل وعلا لعبده ومن كان الله معه فإنه يحفظه والمعية؛ معية الله لعباده جاء في القرآن أنها قسمان :

 القسم الأول : معية عامة كما قال الله جل وعلا:{هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ}[الحديد:4]”وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ” فهذه معية عامة لكل أحد وقال جل وعلا في آية أخرى{مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ}[المجادلة:7] إلى آخر الآية، فهذه عامة للخلق كلهم ومقتضاها يعني ما دلت عليه التخويف والمراقبة يعني راقبوا ربكم خافوه فإنه لا يخفى عليه شيء من أعمالكم فهو يشاهدكم ويسمع كلامكم ويرى ما في ضمائركم فخافوه ، ولهذا يقول في آية أخرى{وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ}[ال عمران:28] فاحذروه فإنه سيعاقب من يخالف أمره إذا شاء .

القسم الثاني: لمثل هذا الحديث ، هذه معية خاصة وهي كثيرة في كتاب الله {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}[النحل:128] ويقول جل وعلا في أمره لعبده ورسوله وكليمه موسى {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} لما قال {إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى}، يعني فرعون {قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى}[طه:45.46]، فهو مع موسى وهارون دون فرعون فليس مع فرعون، ولكن معهما بالنصر والتأييد والحفظ والكلاءة، وليست المعية معناها الاختلاط والامتزاج كما قد يتصوره بعض الجاهلين فالمعية معناها المصاحبة ولهذا سمع في كلام العرب سرنا مع القمر سرينا مع القمر ، فالقمر في السماء والساري في الأرض ، وهو كلام صحيح والمصاحبة قد تكون حسب ما أضيفت إليه فيجب أن يصان كلام الله ومعاني أسمائه وصفاته عن الظنون الكاذبة والظنون السيئة، كما أنه (…) فهو على عرشه جل وعلا وهو مع المتقين ومع المحسنين ومع خلقه كلهم بالاطلاع والعلم والمراقبة لا يخفى عليه شيء.

فإذا اختلاف المعنى للمعيتين يدل على أن هذه غير هذه وتدل كذلك على أنه ليس معناها الاختلاط في الشيء حتى بالنسبة للمخلوق لما قال الله جل وعلا {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ}[الفتح:29] هل معناه أنهم يداخلون بدنه وجسمه ؟!! لكن معه في الجهاد في الإيمان في العمل في طاعة الله معه في هذا وهكذا في جميع مواردها.

وقوله : واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك ، هذا معنى ايضا في الرواية الأولى قوله: لو أن الأمة لو اجتمعت.. إلخ يعني أن الشيء الذي سيصيبك ما يمكن يخطئك المقدر فلا بد الأسباب أنها تجتمع في هذا ويقع وسواء حذر الإنسان أو لم يحذر ، ولهذا لما قال المنافقون لإخوانهم الذين قتلوا في أحد {لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا}[ال عمران:156] قال جل وعلا {قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ}[آل عمران:154] يعني الشيء الذي قدره الله لا بد أن ينفذ قدر الإنسان أو لم يقدر .

وقوله : واعلم ان النصر مع الصبر ، الصبر معناه الحبس حبس النفس على الشيء الذي يعمله فإن كان في جهاد يحبسها عن أنها تهرب أو تنتكس بل يصابر ويقابل العدو بالثبات وإن كان في أمر وقع له فإنه يحبس نفسه يعني يحبس لسانه أن يتكلم بشيء يخالف الشرع ويحبس جوارحه من خمش أو شق أو ما أشبه ذلك وكذلك إذا أمكن أنه ايضا قلبه يحبسه أن يتحسر ويندم على شيء من هذه الأمور فهذا الذي يطلب، والنصر العاقبة للصابر يأتي فيما بعد أنه يحمد هذا الأمر ويكون عاقبته خير إذا صبر لله، أما إذا صبر لأمر آخر فله نيته ومراده .

وقوله : أن الفرج مع الكرب ، لا بد للمخلوق في هذه الدنيا من كروب ومن شدائد ومن أمور يصيبها ولكنها تنفرج بإذن الله جل وعلا، والرخاء والخير أكثر من الشدة وكذلك العافية والصحة أكثر من المرض، وإذا وقع في كرب فإنه يزول بإذن الله جل وعلا عن قرب وإنما على الإنسان أن يصبر .

وقوله : وان مع العسر يسرا ، وان مع العسر يسرا لم يأتي تكراره كما جاء في الآية {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}[الشرح:6:5] ولهذا قال العلماء أنه لا يغلب عسر يسريين ، لماذا؟ لأن العسر جاء معرف بأل في الثانية فصار هو الأول العسر واحد ، أما اليسر فجاء منَكّر :إنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا”فدل على أن اليسر إثنان ، والعسر واحد، ولهذا قال العلماء أنه لا يغلب عسر يسريين ، وهذا الذي تقتضيه أسماء الله وصفاته جل وعلا وكرمه وجوده في عباده .

والكلام في هذا الحديث يطول في الواقع لأنه اشتمل على أمور كثيرة .

 

الحديث العشرون

 

عَنْ أبي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ رضي الله عنه  قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  “إنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى: إذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْت” .رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

 

الشرح

قوله:(إنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى: إذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْت)، هذه الجملة هي حكمة وموروثة عن الأنبياء السابقين وصار الناس يتداولونها فجاء رسولنا صلى الله عليه وسلم وأقرها “إذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْت” وقد اختلف العلماء في معناها هل هذا من باب التهديد أو من باب الإباحة ، يعني واحد ضد الثاني فإذا كان من باب التهديد فيكون كقوله تعالى {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}[فصلت:40] يعني أنه قد جاءتكم الأنبياء بأمر الله ونهيه وتبين لكم أمر الله من نهيه والأمر إليكم أن اتبعتم الأمر واطعتموه فلكم الجزاء الأوفى وإن عصيتموه فلن تعجزوا الله وسوف يكون مرجعكم إليه فيعاقبكم بما تستحقون (…) يكون هذا المعنى، وهذا يعني معناه أن الإنسان يجب أن يستح من ربه ثم يستح من عباده من الملائكة وغيرهم فإذا لم يكن عنده الحياء فإنه يقدم على المخالفات والمعاصي والله رقيب عليه وسوف يجد جزاءه.

 والحياء يقول العلماء أنه ينقسم إلى قسمين :

القسم الأول : وهو خلق يمنع من فعل الأمور التي تخالف الأدب وتخالف المروءة خلق يكون في الإنسان يمنعه أن يرتكب الشيء الذي يخالف المروءة والأدب وهو إما أن يكون جبلي قد جبل عليه العبد .

القسم الثاني : إما أن يكون مكتسب .

فقسم منه جبلي ، جُبل العبد عليه وصار خلقا تجده منذ ولد وهو يستحي ثم  يتنمى معه حتى يمنعه أن يفعل الأشياء وهو يُرى ، وقد وصى الرسول صلى الله عليه وسلم  رجلا لما قدم له الوصية، قال : (استح من الله كما تستح من رجلين من عشيرتك يشاهدونك من أفاضلهم)، فمعنى ذلك أن الإنسان لا بد أن يلاحظ هذا الشيء فإذا أراد أن يفعل الشيء ينظر هل هو موافق لأمر الله  ؟ فإن كان موافق له فعله لأنه لا يُستحيى منه وإن كان غير موافق احجم عنه لأنه يستحيى منه، هذا معنى .

المعنى الثاني : يقول إذا لم تستح فاصنع ما شئت يعني إذا كان الأمر لا يستحيا منه فهو مباح لك افعل ما شئت ولا تبالي بأحد من الناس فيكون من باب الإباحة (النظر)، وكلا المعنيين صحيح هذا وهذا ، وذكر هذا الحديث في هذه الأحاديث الجوامع لأنه يدخل فيه الدين كله في مثل هذا، فإن العبد يجب أن يستح من ربه أن يترك مأمورا أمر به ويجب أن يستح من ربه أن يفعل محظورا حُظر عليه فإذا كان كذلك فمعنى ذلك أن هذا دخل فيه الدين كله ، كل الدين دخل في هذا، وهذا سبب ذكر هذا الحديث في هذه المجموعة التي تشتمل على جوامع الكلم كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم  وقَلّ أن يكون تكلم بكلمة إلا وهي جامعة لمعاني كثيرة صلوات الله وسلامه عليه، وقد قال : أوتيت جوامع الكلم ، اختصر له الكلام وجمعت المعاني في الألفاظ ومع ذلك كان صلى الله عليه وسلم  إذا تكلم أعاد الكلمة ثلاث حتى تفهم وتحفظ ويتكلم بكلام وجيز الذين يسمعونه يحفظون كلامه لا يفوتهم شيء، ولهذا حفظت أحاديثه كلها صلوات الله وسلامه عليه مع أن أصحابه كانوا جبلة إذا سمعوا شيء يحفظونه .

 الحديث الحادي والعشرون

عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه  قَالَ: “قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا غَيْرَك؛ قَالَ: قُلْ: آمَنْت بِاَللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ” . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

الشرح

 وهذا ايضا حديث مختصر ولكنه جمع معاني كبيرة جدا وهذا يدلنا أولا على حرص الصحابة على الخير وأنهم يأخذون عن النبي صلى الله عليه وسلم  الأمور التي يحتاجون إليها ويحرصون عليها، ولهذا قال: قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بعدك وفي رواية غَيْرَك ، فقال له هذا القول: قُلْ آمَنْت بِاَللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ .

قوله : آمَنْت بِاَللَّهِ؛ الإيمان يدخل فيه تصديق القلب وعمله وكذلك قول اللسان وعمل الجوارح أما أن يكون مجرد قول أو مجرد عمل (…) يعني شيء يكون في القلب يصدق فهذا لا يكفي لأنه لو كان كذلك ما صار بين الرسول صلى الله عليه وسلم  وبين المشركين خلاف، قالوا نصدق بما جاءت نؤمن به لكن نبقى على ما نحن عليه لأن العمل غير مطلوب من فيبقون على الشرك !!، فهذا لا يمكن ، ولا يمكن أن الإنسان مثلا يصدق في الشيء ثم لا يعمل به إلا إذا كان ليس له إرادة.

فإذاً الإيمان معناه يدخل فيه الإقرار والقبول والتسليم أن يقر بما جاء به الرسول ويقبله ويسلم له وينقاد وإن لم يكن كذلك فليس بمؤمن لا يكون مؤمنا ولهذا قال صلى الله عليه وسلم :(أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَإِذَا قالوها منعوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّها، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ) ، فقوله : إلا بحقها يعني أنهم إذا تركوا ما دلت عليه أنهم يقاتلون، إذا تركوا ما دلت عليه هذه الكلمة يقاتلهم، وهذا الذي فهمه أبو بكر رضي الله عنه  في قتال المرتدين وأجمع عليه الصحابة فيما بعد على ذلك وهذا جاء صريحا في أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا معنى قوله : قُلْ: آمَنْت بِاَللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ يعني اقبل ما جئتك به وأقر به وأعمل به ثم استقم عليه لا تحيد عنه يمين أو شمال استمر عليه إلى الموت، فدل هذا على أن هذا أمر مهم جدا وأنه يدخل فيه الدين كله ولا حاجة مع ذلك أن تقول أعبدوا الله ولا تشركوا به شيء وتقيموا الصلاة .. إلخ لأن الإيمان بالله يقتضي ذلك ، وهذا مأخوذ أو منتزع من قوله جل وعلا {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ}[فصلت:30]”قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا”فقوله جل وعلا:{الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ} يساوي قوله آمنت بالله ، وفي آية أخرى ايضا {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}[الأحقاف:13] فالاستقامة معناه أنه يستقيم على الأمر يأتي به ويستمر عليه ولا يحيد عنه يمين أو شمالا فيستمر إلى أن يأتيه الموت وهو على ذلك ، ولكن في رواية لهذا الحديث أنه قال: ( قل ربي الله ثم استقم ) وقد جاء في حديث آخر في غيره بهذا اللفظ أيضا، فيكون موافقا للآية تماما في لفظها ، ويحتاج بهذا أن قوله ربي الله يعني أنك اقتنعت بما أمرك الله جل وعلا به وأنك اتبعت أمر ربك حيث أن الذي يقول ربي الله معناه أنه لا يكون له رب آخر أو اتجاه آخر أو غرض يخالف أمر ربه من هوى أو غير ذلك، فيعود المعنى إلى الماضي إلى هذا .

والاستقامة أن يكون الإنسان قائما بالشيء أتى به وقام به وإقامة الشيء أن يأتي به على الوجه المطلوب، ولهذا إذا تأملنا مثلا الأوامر التي تأتي في القرآن مثل الأمر بالصلاة وإذا كلها بهذا اللفظ “أقيموا الصلاة” ما تجد في صلوا ، أدوا الصلاة وما أشبه ذلك بل جاءت بهذا اللفظ أقيموا، فإقامة الشيء أن تأتي به على الوجه المطلوب على الوجه الذي أمرت به، أما إذا كانت معوجة أو ناقصة فليست مقامة لم تأتي بها قائمة إذا جاء بها على غير الوجه الذي أمر به فلم تكن قائمة،فهذا مثله القول والعمل يجب أن يكون قائما مستقيما.

وإذا استقام القول والعمل فصاحبه مستقيم لأن الإنسان عبارة عن عمله الذي يعمله وهو مرتهن به مرتهن بعمله ، وقد جاءت هذا الرواية فيها زيادة كما في مسند الأمام أحمد أنه لما قال له هذا القول قل آمنت بالله ثم استقم ،قال : ما لذي تخاف علي؟ فأشار إلى لسانه، يعني أن اللسان يُخاف منه وكما سبق أنه خطر جدا ، لهذا يجب أن يستقيم اللسان إذا لم يستقم اللسان فمعنى ذلك أن القلب ما استقام لأن اللسان هو ترجمان القلب هو ترجمانه الذي يترجم عما فيه ، فكل إنسان يتكلم عما في نفسه وما في قلبه فيجب أن يكون لسانه محفوظا ألا يقع في المخالفات وفي غيرها كما سبق الكلام في هذا.

فيتبين بهذا أنه هذه الكلمة الوجيزة أنه يدخل فيها الدين كله كل الدين الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم  إذا قال : آمنت بالله ثم استقام على هذا لأن قول آمنت بالله يقتضي أنك تقبل ما جاء به الرسول وتسلم له وتقوم به كما أمرت ثم تستمر على هذا تستمر عليه مستقيما عليه حتى يأتيك أمر الله وأنت على هذا، فإذا كان كذلك فهو مع النبين والصدقين والشهداء والصالحين ، وقد جاءت أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم  أنه قال : لن تستطيعوا كل ما أمرتم به ولكن سددوا وقاربوا  ، وقد جاء في كتاب الله آيات كثيرة تشير إلى هذا المعنى، والأمر كذلك بالاستقامة والسير على صراط الله المستقيم ثم الاستغفار ، وهذا يدلنا على أن الإنسان لا بد أن يقع في مخالفات فلهذا أمره الله بالاستغفار والاستغفار يقتضي التوبة أن يتوب الإنسان ، ولهذا أُمر الرسول صلى الله عليه وسلم  بالتوبة، والتوبة هي الرجوع إلى الله يعني الرجوع إلى أمره والرجوع من نهيه إلى امتثال أمره ، وهذا من فضل الله جل وعلا وباب التوبة مفتوح دائما ، التوبة مقبولة من الإنسان حتى يأتيه الموت ويصبح قد أُيس منه يعاين ملائكة الله التي تقبض الروح وهذا لا يعاينه إلا من خرج من الدنيا ، وسواء عاين أو وصلت الروح إلى الحلقوم لأن الروح أول ما تخرج من الأقدام ، ولهذا تجد الإنسان عند الموت أول ما يبرد منه رجليه لأن الروح تخرج من الأسفل حتى تخرج من فمه فإذا وصلت الروح إلى الحلقوم هناك لا تقبل التوبة ولا يقبل عمل لأنه اصبح في عداد الموتى،ومن كان في عداد الموتى فلا يقبل منه شيء.

أما كونه مثلا كون التوبة لا تقبل إذا طلعت الشمس من مغربها . إلخ هذا شيء يشاهده الناس كلهم ولكن هذا الذي يُهِم بالعبد ، ثم الشيطان قد يحرص على بعض الناس أو أكثرهم أو كلهم فيضلهم فتجد بعض الناس مثلا يقع في ذنوب كثيرة،يتوب ثم يرجع يتوب ثم يرجع فيأتي الشيطان يقول: ما في فائدة في التوبة ، (خلاص) انت لن تتوب  (خلاص) !! استمر على عملك، فيضحك عليه الشيطان في هذا والواجب عليه أن يتوب لو فعل المعصية في اليوم عشر مرات أن يتوب.

ولكن التوبة من شروطها :

أولاً : الإقلاع عن الذنب يعني تركه أول شيء تترك الذنب أما أن تقول استغفر الله واتوب إليه وأنت مقيم على الذنب فهذه يقولون توبة الكذابين ما تنفع،لا بد ان يترك الذنب الذي وقع فيه فإن كان الذنب بينه وبين ربه إما فعل محرم يترك المحرم ، وإن كان ترك واجب يفعل الواجب .

ثانياً : إن كان بينه وبين العباد فلا بد من استحلالهم إن كان حقا يرده عليهم ، وإن كان أمر آخر يطلب منهم الحل، يتقدم يقول أنا فعلت كذا وكذا وأنا نادم فاجعلني في حل ، فإنه جاء في الحديث (من كان عنده لأخيه مظلمة فليتحلله قبل ألا يكون درهم ولا دينار وإنما هي الحسنات والسيئات)، وفي حديث آخر يقول (تدرون ما المفلس ؟ المفلس من يأتي بحسنات أمثال الجبال ولكنه يأتي وقد شتم هذا ولطم هذا (واستعرض) عرض هذا وأخذ مال هذا، فيؤخذ لهذا من حسناته ولهذا من حسناته فإذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم وطرحت عليه ثم طرح في النار)، أي إنسان يرضى أن تكون حسناته للناس ؟ موزعة على الناس ؟

لا يجوز مثل هذا ، ومن هذا مثل الكلام في الناس، تجدا لإنسان يقول : فلان فيه كذا وفلان فيه كذا، وكثير من الناس نسأل الله السلامة همه الكلام في أعراض الناس،وتجده يصنف الناس فلان فيه كذا وفلان فيه كذا ، وبئس الحالة هذه ، مثل هذا يرثى له نسأل الله السلامة ، وقد يزين له هذا الأمر ويقال هذا من الدين حتى يتمادى فيه إلى أن يموت.

هذا مثل ما مضى أن الرسول بينه ووضحه صلى الله عليه وسلم  قال الغيبة ذكرك أخاك في غيبته بما يكره، قيل: أرأيت إن كان فيه ما أقول؟ قال:(إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته)، والبهت غير الغيبة؛ الكذب الصريح الواضح الذي إن بلغ صاحبه انبهت، لأنه ما فعل شيء من هذا ولا قريب منه.

فالمقصود أن اللسان يجب أن يستقيم، إذا استقام اللسان فهذا دليل على أن العبد مستقيم وقد جاء في حديث أن الأعضاء كلها تكفر اللسان تقول له اتق الله فينا فإنك إذا استقمت استقمنا ، وإذا اعوججت اعوججنا ، ومعنى تكفره أنها تلومه وتضع الشيء المسئولية عليه .

فعلى كل حال العاقل يجب أن يكون ذا بصيرة ويجب أن يعرف أنه سوف يحاسب على أعماله وأن هذا الشيء قريب وليس بعيدا ولا ينسى هذا الأمر

الحديث الثاني والعشرون

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: “أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  فَقَالَ: أَرَأَيْت إذَا صَلَّيْت الْمَكْتُوبَاتِ، وَصُمْت رَمَضَانَ، وَأَحْلَلْت الْحَلَالَ، وَحَرَّمْت الْحَرَامَ، وَلَمْ أَزِدْ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا؛ أَأَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: نَعَمْ”. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

الشرح

في هذا الحديث الذي هو من جوامع الكلم ، كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  فَقَالَ: أَرَأَيْت إذَا صَلَّيْت الْمَكْتُوبَاتِ، وَصُمْت رَمَضَانَ، وَأَحْلَلْت الْحَلَالَ، وَحَرَّمْت الْحَرَامَ، وَلَمْ أَزِدْ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا؛ أَأَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: (نَعَمْ) ، دخول الجنة أمر مهم جداً ولهذا كان الصحابة يهتمون لذلك ويسألون الرسول صلى الله عليه وسلم  ، وقد جاءت أسئلة كثيرة في هذا وكلها أجوبتها واحدة وقد تختلف بزيادة ونقص حسب الحالة التي يكون عليها السائل ، والنووي ” رحمه الله ” يقول هنا ومعنى حرمت الحرام اجتنبته ومعنى أحللت الحلال فعلته معتقدا حله، فقوله : أرأيت يعني أخبرني عن هذا السؤال الذي..، والمكتوبات هي الفرائض الصلوات الخمس التي كتبها الله على عباده والكتابة تأتي بمعني الإلزام والإيجاب كما قال جل وعلا :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ}[البقرة:183] فالمكتوب معناه أنهم ملزمون به ألزمهم الله جل وعلا به ، والظاهر أنه يقصد بذلك أنه يقتصر على الفرائض ولا يأتي بالنوافل هذا هو ظاهر الكلام .

قوله : صليت المكتوبات يعني ولم أزد عليها من الصلوات .

قوله : صوم رمضان أمره واضح .

 قوله : وأحللت الحلال؛ أكثر الشراح يقولون: اعتقدت حله، اعتقدت أنه حلال،لأنه لا يلزم أن يأتي به كله الحلال كثير لا حصر له فلهذا حصروه بالاعتقاد اعتقدت أنه حلال ، وذلك أن تحريم الحلال من الكبائر من كبائر الذنوب وقد يخرج الإنسان عن كونه مسلما ولهذا نهى الله جل وعلا عن ذلك {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ}[المائدة:87] ، وقد جاء أن سبب نزول هذه الآية أن جماعة من الصحابة اجتنبوا كثيرا من الأشياء أبيحت لهم تقشفا وتزهدا وحملا على الأنفس على الزهد والجد ، فأنزل جل وعلا هذه الآية بعد قول الرسول صلى الله عليه وسلم   والسبب أن جماعة أتوا وسألوا، أتوا إلى بيوته وسألوا عن عبادته فأخبروا بها فكأنهم تقالوها، فقال لهم:(إني أصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني) ، فلا بد للعبد أن يتبع ما شرعه الله جل وعلا ولا يجوز أن يتنطع ويترك الشيء الذي أباحه الله له فإنه قد يخرجه ذلك عن كونه مسلما ، فيكون هذا المعنى أحللت الحلال يعني فعلت ما استطيع فعله واعتقدت أنه حلالا لا يحرم شيئا، لأن التحريم والتحليل من خصائص الله جل وعلا لا يجوز أن يكون لمخلوق أصلا لأنه هو من مقتضى الربوبية فالرب هو الذي يأمر وينهى والأمر والنهي هو التحليل والتحريم.

لم يذكر هنا الحج وكذلك الزكاة ما ذكرت وهو أمر من الفروض اللازمة ولكن ربما تدخل في قوله أحللت الحلال يعني أنه يفعل ذلك معتقدا أنه لازم له أو بقوله حرمت الحرام إذا اعتبرت المنع فالمنع حرام ، وربما يكون من الذين لا تجب عليهم الزكاة وهو الظاهر لأنه ليس عنده مال ولهذا لم يسأل عن ذلك ، فيكون هذا على حسب الحال ، والرسول صلى الله عليه وسلم  أجابه على حسب سؤاله ومثل ذلك يقال في الحج، وقد قيل أن هذا قبل فرض الحج وفرض الحج على القول الصحيح أنه في السنة التاسعة من الهجرة يعني لما نزل قول الله جل وعلا {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا}[ال عمران:97]،هذه الآية هي التي وجب بها الحج على المسلمين أما قوله جل وعلا {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}[البقرة:196]، في سورة البقرة ، فإن سورة البقرة من أول ما نزل بالمدينة هذا ليس فيه الفرض وإنما فيه وجوب الإتمام إذا دخل الإنسان بالحج والعمرة وجب عليه أن يتمهما، ما يكون الاختيار إليه يقول (خلاص) أنا بدا لي أمر فأترك وأبطل مثلا الإحرام كما يفعله بعض الناس، فهذا جهل، الله أمر بإتمام الحج والعمرة لمن دخل بهما فمن دخل بهما لزمه أن يتمهما ، فلا تكون الآية دالة على الوجوب ، وجوب الفرضية على أن الحج والعمرة فرض ، ولهذا (…) وأول سورة آل عمران نزلت متأخرة في وفد نجران الذين جاءوا ليبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم  إلى اثنين وثمانين آية، (يقولون) نزلت في هذه القضية، ومن ذلك ايضا مسألة الحج فإنه متأخر نزوله ولهذا حج الرسول صلى الله عليه وسلم  في السنة العاشرة ولم يبقى بعد حجه إلا ثلاث وثمانين يوم فتوفاه الله جل وعلا.

وذلك لأن السنة التاسعة وافقت ما كان يفعله المشركون من النسيء فلم تكن متفقة مع الوقت والزمن الذي فرضه الله وخلق الله عليه السماوات والأرض ولهذا لما صارت السنة العاشرة وخطب صلى الله عليه وسلم  في عرفات قال : (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض ، السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاثة متوالية ورجب)، فهذا من الأدلة على أن تلك السنة أمر أبا بكر أن يحج بالناس أنها ليست متفقة في الوقت لأنهم كانوا يؤخرون المحرم سنة ويقدمونه سنة ثم تدور السنة على هذا الشيء.

فقوله : وحرمت الحرام يعني اعتقدت أنه حرام مع اجتنابه ، فلماذا يقول اجتناب ما يستطيع اجتنابه! والحرام يلزم أن يجتنبه كله ليس مثل الحلال الذي يفعل لأن الاجتناب سهل ليس كالفعل ، ولهذا يقول صلى الله عليه وسلم  كما في صحيح مسلم: (إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم)، فجعل الشيء الذي يفعل متعلقا بالاستطاعة أما المنهي عنه يجب أن يجتنب كله ولا يجوز أن يقتحم منه شيء أو يفعل منه شيء ، ولهذا قال في هذا وحرمت الحرام يعني اعتقدت حرمته مع اجتنابه ، فهذا الظاهر ظاهره أن من فعل هذا الشيء كما هو واضح من جواب الرسول أنه يكون في الجنة، ولكن هل يدخل الجنة من أول وهلة أو انه يناله شيء من العذاب ومن الجزاء؟

هذا لم يتعرض له، فالله جل وعلا إذا الإنسان قصر في أوامره أو ارتكب نواهيه فالأمر إليه إن شاء عذبه ، وإن شاء عفا عنه ثم إذا كان مات على الإسلام يدخل الجنة فدخول الجنة قد يكون قبله أشياء كثيرة وعظيمة ما هي سهلة ، والله جعل لكل شيء كفارات ، ولكن الشيء الذي عرف في الشرع أسباب التكفير قد يكون محصور،لأنه لا بد من معرفة الإنسان لا يجوز أن يتكلم بدون علم في مثل هذه الأشياء.

فجاء مثلا أن المصائب أنها تكفِّر التي يصاب بها الإنسان تكفَّر عنه بها،وهذه جاءت في أحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم  كما جاءت الآيات في ذلك ، هذا قسم .

القسم الثاني: أن التوبة والاستغفار تكفر وهذه قد تكون عامة كما قال الله جل وعلا:{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}[الزمر:53]، هنا قال: يغفر الذنوب جميعا،ما خرج عن هذا شيء حتى الشرك يدخل في هذا فإذا تاب الإنسان فإن الله جل وعلا إذا شاء قبل توبته وكفر عنه سيئاته وأصبح كأنه ولد اليوم ما عليه ذنب، وكذلك جاء أن الأعمال ايضا تكفِّر الأعمال الصالحة ، فالوضوء يكفر السيئات كما سيأتي والصلاة إلى الصلاة والجمعة إلى الجمعة إلخ ، وكذلك صلاة المسلمين على الميت ايضا تكون سببا لتكفير ذنوبه ولمغفرة الله له هذا رحمة من الله فدعاء المسلمين لأخيهم قد تنفعه فتقبل لأنها شفاعة كما جاءت الأحاديث: (ما من ميت يقوم عليه أربعون لا يشركون بالله شيئا يشفعون له إلا شفعهم الله فيه).

فكذلك إذا قدر أن هذه كلها لا تكفي فقد يكفر عنه في قبره ما يناله من الامتحان والعذاب فإن لم يكفي هذا فالمواقف الموقف يوم القيامة والشدائد التي تصيبه تكون كذلك من كفارات الذنوب فإن لم تكفي هذه، فالشفاعة قد يدخل فيها بأمر الله جل وعلا شفاعة الشافعين فإن لم يكفي هذا فالنار،وقد ثبتت أحاديث كثيرة بل متواترة أن جماعات من المسلمين يدخلون النار بذنوبهم ثم يخرجون منها، ورحمة الله جل وعلا من وراء هذا كله فهو أرحم الراحمين جل وعلا.

فيجوز أن هذا كله يقع لرجل ثم بعد ذلك كونه يصدق عليه أنه دخل الجنة فالذي مضى كله يكون قبل هذا فدخول الجنة هنا لم يشرط أنه لا يناله شيء وإنما يقول يدخل الجنة  إذا مات مسلما بلا شك أنه سيدخل الجنة، والمهم أن يموت مسلم على الإسلام لأن إذا جاءت الفتن يُخشى على الإنسان أنه لا يموت مسلما يخاف عليه، وأيامنا هذه أيام فتن حتى دخلت الفتن في كل بيت بواسطة القنوات الخبيثة التي تشكك الناس في دينهم وتدعوهم إلى الانخلاع من عقائدهم ومن أخلاقهم فهي فرصة لليهود والنصارى في دعوتهم إلى ضلالهم فهذا الآن مشاهد،ولا يقتصر الأمر على هذا ايضا صارت المجالات واسعة في ذلك فيخشى على الإنسان أنه لا يستقيم على دينه يُخاف أنه (…) ولا سيما إذا كان ليس عنده يقين وعلم في ذلك فقد يتشكك ، حتى صار الآن الشعوذة والسحر لها قنوات تدعوا الناس إلى ذلك !!.

فعلى كل حال المقصود حديث الرسول صلى الله عليه وسلم  فهذه جاءت أحاديث تدل على أن الإنسان يؤاخذ ويمنع من دخول الجنة بأمور أخرى، فجاء في الحديث الذي في الصحيح أنه من شهد ألا إله إلا الله وأقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان وحج البيت دخل الجنة، إلا أن يكون قاطعا، وفي حديث آخر إلا أن يكون عاقا لوالديه، وفي حديث في الصحيح : لا يدخل الجنة عاق ، وفيها : لا يدخل الجنة مدمن خمر، وأحاديث كثيرة في هذا جدا.

ولهذا نقول هذه اسباب ، هذه الفروض يعني أسباب تقتضي دخول الجنة بشرط أن تجتمع الشروط في ذلك وتتخلف الموانع، لأن لها شروط وهناك موانع، إذا اجتمعت الشروط وتخلفت الموانع فلا شك في دخول الجنة، ولهذا في مسند الإمام أحمد عن بشير ابن الخصاصية قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم  قلت ابسط يدك لأبايعك على الإسلام، فاشترط علي أن أشهد ألا إله إلا الله وأن محمد رسول الله وأقيم الصلاة وأوتي الزكاة وأصوم رمضان وأحج البيت وأجاهد في سبيل الله ، فقلت يا رسول الله اثنتان والله لا أستطيعهما: الجهاد والصدقة، فقبض يده فقال: (لا جهاد ولا صدقة ! بم تدخل الجنة!) فقلت أبايعك عليهن كلهن، فبايعه، فمعنى هذا أن هذه أيضا من مقتضيات دخول الجنة؛ الجهاد في سبيل الله وكذلك الصدقة، والأحاديث في هذا كثيرة جدا وكذلك الأحاديث التي جاءت تدل على أفعال معينة أن من فعلها لا يدخل الجنة، كما قال صلى الله عليه وسلم  : (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا..)  وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم : (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)، هذا مصيبة ايضا والمقصود بالكبر التكبر على الله وعلى دينه وعلى أمره، ولهذا لما قال رجل: ان الرجل يجب أن يكون ثوبه حسن ونعله حسن قال: (ليس هذا الكبر، ان الله جميل يحب الجمال ولكن الكبر بطر الحق وغمط الناس) فبطر الحق هو  التكبر على الحق الذي جاء به، وهذا كثير جدا في الأحاديث.

وبهذا يتبين أن الاقتصار على حديث وحديثين في هذه الأشياء أنه لا يجوز الإنسان يعتقد ذلك فلا بد أن يفعل ما وجب عليه ويجتنب ما حرم عليه، نقول هذا: لأنه اغتر كثير من الناس بالأحاديث الذي جاء فيها: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة) نعم ؛ من قال لا إله إلا الله وأتى بما تضمنته دخل الجنة، وقد جاءت أحاديث فيها أن من قال لا إله إلا الله صادقا موقنا أنه تحرم عليه النار، هذا نوع آخر ولكن مثل هذه جاءت مقيدة بأنه يكون صادقا،وفي بعضها مبتغيا بذلك وجه الله، وهذا يدل على الإخلاص والصدق، والمخلص يأت بذلك بأنه قد امتلأ قلبه من محبة الله وخوفه ورجائه وكذلك محبة ما يحبه وبغض ما يبغضه، فيعادي أعداء الله ويوالي أولياء الله تبعا لأمر الله جل وعلا، من كان كذلك فهو الذي لا يحجب عن الجنة .

 الحديث الثالث والعشرون

 عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه  قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  “الطَّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآنِ -أَوْ: تَمْلَأُ- مَا بَيْنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَك أَوْ عَلَيْك، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا”. رَوَاهُ مُسْلِمٌ

الشرح

 هذا الحديث عن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري رضي الله عنه  عن النبي صلى الله عليه وسلم  فيه خير كثير وفضل كثير ولكنه يدلنا على الحث على أعمال الخير وطرق الخير كثيرة، وهذا من فضل الله جل وعلا، ففيه هذه التي ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم  أن الطهور شطر الإيمان : شطر الشيء نصفه هذا المعروف، الشطر هو نصف الشيء أو أنه قسيمه ولا يلزم أنت يكون مساويا له يكون قسيما له، قسيم الشيء قد يقال أنه شطره وهذا معروف في لغة العرب، وقد يقصد بالنصف أيضا الجزء الذي يقابل جزءا آخر ولا يلزم التساوي هذا ايضا معروف في اللغة، قيل لشريح القاضي رحمه الله : كيف حالك؟ قال: أصبحت نصف الناس غضبان علي، وقصده بذلك أنه أن المقضي عليه يغضبون، والذين يُقضى لهم يقابلون هؤلاء، وليس ذلك أن الناس نصفهم مقضي عليهم .

والطُهور هنا بضم الطاء، “الطُّهور” هكذا قال يعني الفعل، أما إذا قلت الطَهور بفتح الطاء فهو الوضوء الماء الذي يُتوضأ به “الطَّهور”ومثل ذلك “الوُضوء” و “الوَضوء” فإذا ضممت فالمقصود به الفعل، فعل الإنسان ذلكن وقد جاء تقييد هذا بإحسانه أن يكون الإنسان محسنا له، والاحسان أن يتوضأ مثل ما كان الرسول صلى الله عليه وسلم  يتوضأ، بلا إسراف وبلا تقصير وبالمبالغة وعدم المبالغة من التقصير بلا شك، وشطر الشيء نصفه، والإيمان اختلف فيه؛ ما المقصود به ؟ هل هو الإيمان بالله وبرسله ؟

هذا يكون فيه إشكال لأن الطهور جزء من الواجبات، أو أن الإيمان المقصود به الصلاة كما قال جل وعلا: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}[البقرة:143]، يعني صلاتكم فالصلاة تسمى إيمان فإذا كان كذلك فهذا ظاهر لأن الطهور شرط للصلاة فكأنه نصف وهي نصف، وفي هذا كلام كثير لشراح الحديث واختلاف كثير، وهذا يدلنا على أن هذا ليس من الأمور الواضحة لأنها تحتمل أشياء كثيرة فلهذا يُقال: الله أعلم بمراد رسوله صلى الله عليه وسلم  في هذا، ولكن لنا الشيء الظاهر الذي يظهر وهذا الذي ذكرته هو الظاهر هو الذي يظهر من هذا الكلام، فهو ترغيب في الطهارة وإخبار بالفضل الذي يترتب على ذلك لأن الطهارة هي مفتاح الصلاة وقد جاء أنه لا يحافظ عليها إلا مؤمن يعني : على الوضوء، فهي تقتضي الإيمان فإذا كان كذلك فهذا يصح بأن تكون شطر الإيمان.

المقصود أن في هذا الحديث جمل متعددة، كل جملةٍ تكفي الإنسان إذا تأملها في أمر دينه، وقوله صلى الله عليه وسلم: (الطهور شطر الإيمان).

الشطر: هو النصف  كما سبق، نصف الشيء، ولا يلزم التساوي.

وقد اختلف العلماء في معنى هذا:

منهم من يقول: أن المقصود بالإيمان هنا: الصلاة، والطهور مفتاحها وشرطها، ولا تصح بدونه، وصح بهذا الاعتبار أن يكون هو شطرها، يعني نصفها، ولا يلزم أن يكون مساويًا لها في الثواب، وفي غير ذلك.

وهذا على طريقة العرب كما كانوا يقولون: الزمن شطران: شطرٌ سفر، وشطرٌ إقامة، ولا يلزم التساوي.

وكلامهم في هذا واضح، أنهم يجعلون الشيئين المتقابلين أحدهما شطر الآخر، يعني: جزءه، أو نصفه، أو أنه يساويه في العمل، ولا يلزم ذلك أن يكون مساويًا له في النتائج.

ولكن بعض العلماء يقول: المقصود بالطهور هنا: التنزه من الذنوب، سواءً كانت ظاهرةً تُعمل بالجوارح ومشاهدة، أو كانت من أعمال القلوب، مثل: الحسد، والغل، والحقد، وما أشبه ذلك، فطهارة القلب من هذه الأشياء شطر إيمان الإنسان.

ولكن جاء في رواية: (الوضوء شطر الإيمان)، وهذه ترد هذا التأويل.

والصحيح أن المقصود به: الطهور: يعني الطهارة.

ويظهر أن التطهر أنه وُكل للإنسان فصار أمانة، فإذا أتى به فهو قد تحلى بالإيمان، بقيت الأعمال الأخرى التي يلزم أن يأتي بها.

وقد جاء فضل الطهارة في أحاديث كثيرة، يعني الوضوء، وأن كل عضوٍ من أعضاء الإنسان إذا غسله بالماء أنها تخر الخطايا مع آخر قطر الماء، إذا غسل وجهه، وإذا غسل يديه، وإذا غسل رجليه، يعني الوجه الذي فيه السمع وفيه البصر وفيه الشم، وهذه جوارح قد تكتسب خطايا، ولكن هذا هل هذا يلزم أن يكون جميع الخطايا أو أنها الصغائر؟ كما جاء ذلك في كتاب الله وفي أحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم بشرط اجتناب الكبائر، قال الله جل وعلا : {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ}[النساء:31].

وفي الأحاديث التي فيها أن: (الصلاة إلى الصلاة، والصوم إلى الصوم، والجمعة إلى الجمعة مكفراتٌ لما بينهن ما لم تغشى الكبائر).

يعني أن الكبائر لابد من التوبة فيها، أما الصغائر فتُكفر بفعل الفرائض، بشرط أن لا يكون العبد مصرًا على الصغائر، مقيمًا عليها، وعازمًا على الإقامة عليها .

قوله: والحمد لله تملأ الميزان، فروايات الحديث جاءت كثيرة متعددة وكلها متفقة في هذه الجملة “والحمد لله تملأ الميزان” بخلاف الذي بعده ففيها اختلاف فهذا يدلنا على الحمد أنه افضل من التسبيح، الحمد لله أفضل من قولك سبحان الله ، لأن الميزان كبير جدا، وهذا إما أن يكون على سبيل التمثيل، يقول: لو قدر أنها تكون أجساما ملأت الميزان، لأن “الحمد لله” كلام لا يشاهد ولا يُرى، وكذلك سبحان الله وغيرها ولكن الله على كل شيء قدير يجوز أنها تُرى، وقد جاء قول الله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ }[الزلزلة:6]، فهل يروها مشاهدة بارزة أو يروا كتاباتها؟ الظاهر أنها تكون بارزة مشاهدة، ولهذا قال: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}[الزلزلة:7.8]، وجاء أيضا أنه يؤتى بالرجل السمين الكبير فلا يزن عند الله جناح بعوضة، يعني في الميزان يوضع فيها، وحديث البطاقة مشهور الذي فيه أنه (يصاح برجل من أمتي -كما في الترمذي- يعني في الموقف، فيؤتى به فينشر له تسع وتسعون سجل كل سجل مد البصر كلها سيئات، فيقال له تنكر من هذا شيء؟ فيقول: لا أنكر شيء، هذه أعمالي، فيقول الله:لك حجة لك عذر؟ فيقول: لا، فيقول: لك حسنة؟ فيهاب ويقول: لا، فيقول الله: بلى إن لك عندنا حسنة وإنك لا تظلم شيئا، فيؤتى ببطاقة مكتوب فيها “أشهد ألا إله إلا الله.. إلخ” فتوضع فيقول: يا رب ما هذه البطاقة أمام هذه السجلات؟ فيقول الله: إنك لا تظلم شيئا، فتوضع البطاقة في كفة والسجلات في كفة فتطيش السجلات وتثقل البطاقة) فهذا واضح ظاهر أنها توضع في الميزان الصحف، ولكن في حديث آخر أن صاحبها يوزن أيضا الإنسان يوزن، وهذه كلها من أمور الآخرة التي قد لا يدركها العقل وإنما ستكون يوم القيامة واضحة وهذا مثلها، يجوز أن التكبير والتحميد والتسبيح أنه يكون شيئا مشاهد أجسام تشاهد فتملأ هذا المذكور، تملأ الميزان وتملأ ما بين السماء والأرض، ويجوز أن يكون هذا تمثيل؛ يقول لو قدر أنها كذلك لملأت هذا الشيء.

 المقصود ان قوله صلى الله عليه وسلم: (والحمد لله تملأ الميزان) هذا يدلنا على أن هذه الكلمة أنها فضيلةٌ جدًا، وأن لها ثوابٌ عظيم، وسواءٌ قيل أن هذا توضع يوم القيامة وتشاهد، كما جاءت النصوص في ذلك التي تدل على هذا، أو أنها تقلب أجسامًا ترى.

وقد تكاثرت النصوص في كتاب الله جل وعلا على ذكر الميزان، والوزن، وأنه يكون يوم القيامة توزن الأعمال، وقد يوزن صاحبها، ولهذا ينص العلماء عليه في العقائد، يقولون: والميزان حق، وأنه سيكون يوم القيامة توزن به الأعمال ، قال الله جل وعلا {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ* وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ} [المؤمنون:102-103].

ولكنه في كتاب الله جاء مجموعًا، موازين ، فهل هذا لأن لكل عملٍ ميزان، أو لأن الناس لكلٍ إنسان مثلا ميزان، الله أعلم، واختلف ما الذي يوضع في الميزان، جاءت أحاديث تدل على أن الأعمال توضع في الميزان، وأحاديث بأن صاحبها يوضع، ويجوز أن يكون صاحبها وهي، لا مانع من هذا وهذا.

فمما يدل على أن صاحب الأعمال يوزن ، الرجل مثلاً  ، أنه جاء في الحديث: (أن الرجل الكبير العظيم السمين يؤتى به فلا يزن عند الله جناح بعوضة). يعني من أهل الفساد والمعاصي.

وجاء أن بن مسعود رضي الله عنه كان يجني مرةً من (الكبات) في شجرة، ونظر الصحابة إلى ساقيه فعجبوا من دقتهما، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لهما في الميزان أثقل من أحد)، فهذا يدل على أن الشخص نفسه يوزن.

وأما الأعمال فمثل حديث البطاقة وغيره، وقد صحت النصوص في ذلك، فيجوز أن يكون هذا وهذا، أو أنه الرجل وعمله كلاهما يوزن، والله أعلم.

والميزان : هو الذي توزن به الأعمال أعمال بني آدم يوم القيامة وهذا مبالغة في العدل فلا أحد يدخل الجنة أو يدخل النار إلا وقد تبين له أنه عمل أسبابا لذلك، وفضل الله من وراء هذا فإنه جل وعلا يقول: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا}[النساء:40]،يعني إذا بقي للإنسان مثقال ذرة من الحسنات زائدا على سيئاته ضاعفها الله وأدخله بها الجنة، وهذا من فضل الله جل وعلا.

المقصود أن الميزان حقٌ يكون يوم القيامة توزن به الأعمال، والميزان يميل بالشعرة، ولهذا يقول جل وعلا: {إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً}[النساء:40].

فالميزان يميل بمثقال الذرة، ووضع الميزان لأجل أن يعذر كل إنسانٍ إلى نفسه، ويعلم أن الله حكمٌ عدل، وأنه جل وعلا لا يظلم أحدًا شيئًا، ولهذا أخبر جل وعلا عند نهاية الحساب والحكم بين الخلق أن كل أحدٍ يحمد الله، حتى أهل النار، فيقول جل وعلا: {وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[الزمر:75].

هذا آخر شيء، لأنه ذكر هذا بعدما أدخل أهل النار النار، وأهل الجنة الجنة، لأنه قال: “وقيل”، وقيل يعني كلٌ قال الحمد لله رب العالمين، أنه حكم بين خلقه بالعدل وبالحق، فهو حكمٌ عدلٌ جل وعلا.

والسبب في كون أهل السنة ينصون على أن الميزان حق، وأنه واقعٌ يوم القيامة أن أهل البدع ينكرون ذلك، ويقولون الميزان عبارة عن العدل، وليس هناك ميزانٌ توزن به الأعمال، كعادتهم في إنكار الأمور التي لا تستسيغها عقولها، لأن الميزان عندهم في هذا؛ العقول، العقل، فما أقرت به عقولهم قالوا به، وما أنكرته عقولهم ردوه وتأولوه، فلهذا ينص أهل السنة على الأشياء التي ينكرونها حتى لا يغتر المسلم فيهم، ويعلم أنهم على باطل.

قوله : وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض، هذا شك من الراوي، هل قال: تملآن أو أنها قال: تملأ، وسبق أن الحمد تملأ الميزان، ولكن هنا يقول: ما بين السماء والأرض، فيؤخذ من هذا أن ما بين السماء والأرض أنه أكبر من الميزان، أوسع من الميزان لأن الحمد كما سبق أنها تملأ الميزان .

قوله : (وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ، ما بين السماوات والأرض).

فإذا كانت الكلمة تملآن، يكون ذلك مجتمع، وإن كان تملأ: يعني واحدة.

وهذه شك من الراوي، هل قال الرسول تملآن أو قال تملأ. والله أعلم، إن كانت تملآن يعني كل واحدةٍ منهما تملأ ما بين السماء والأرض.

ولكن يترجح أن الحمد أفضل، كلمة الحمد أكثر ثوابًا وأفضل، لأن كلمة الحمد تدل على الكمالات المطلقة، وفي ظمنها إثبات التوحيد، وأن الله جل وعلا واحدٌ له الحمد، يجب أن يعبد ويوحد ويفرد في ذلك.

بخلاف كلمة سبحان: فإنها كلمة تنزيه.

وقد جاء في حديثٍ: (أن الله جل وعلا اصطفى أربع كلمات: الحمد لله، سبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر).

في صحيح البخاري، في آخر حديثٍ ذكره في الصحيح قوله: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن ثقيلتان في الميزان خفيفتان في اللسان: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم).

وجاء أن: (من قال الحمد لله كتب له ثلاثون حسنة، ومن قال سبحان الله كتب له عشرون حسنة)، إلى آخره.

والأحاديث في هذا كثيرة، في فضل هذه الكلمات، وقد قيل أنها هي الباقيات الصالحات التي أخبر الله جل وعلا أنها خيرٌ من الدنيا، وأنها (مؤولة) عند الله جل وعلا، جاء عن بن العباس أنها هي: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والله أكبر، يعني خمس كلمات، زاد فيها لا حول ولا قوة إلا بالله، وأن هذه هي الباقيات الصالحات.

وفي روايةٍ أخرى عن بن عباس أن الباقيات الصالحات: الأعمال الصالحة، يدخل فيها هذا وغيره.

وهذا أرجح، فالأعمال الصالحة هي الباقيات التي يجدها الإنسان أمامه يوم ينتهي عمره ويقدم على ربه جل وعلا، وهذا أمرٌ قريب، ليس بعيدًا، أن الموت لابد منه، والعمر قصير، عمر الإنسان قصيرٌ جدًا، ولهذا ينتهي وهو كأنه لم يمر عليه، كأنه حلم ليل، فلهذا يجب عليه أن يجتهد في بقية عمره لعل الله جل وعلا أن ينجيه من عذابه، وأن يسعده بثوابه.

وقوله: والصلاة نور، يعني تكون نورا لصاحبها في قبره وفي نشره وكذلك هي دليل على إيمانه فهي نور في ذلك، الصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء، هذه كلها أنوار، الصلاة والصدقة والصوم لأن البرهان المقصود به الشعاع الذي ينطلق من الشمس فهو لها برهان يعني (…) ولهذا قال: والصبر ضياء وفي رواية: والصوم بدل الصبر، والصوم ضياء، والسبب في هذا أن الضياء فيه إشراق وإحراق ولهذا وُصفت الشمس بأنها ضياء والقمر نور، فالقمر ليس فيه إحراق وإنما هو نور فقط، أما الشمس لما كان فيها إحراق فقيل ضياء، {جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً}[يونس:5]، فالصبر يحتاج إلى تحمل ويحتاج إلى حبس النفس والجوارح وغيرها ولهذا قيل ضياء، وأما الصدقة فهي برهان يعني دليل، والنور يسمى برهان فهو دليل على المحل، كما أن الشعاع الذي ينطلق من الشمس يسمى برهان عليها، فهي دليل على صدق المتصدق ولهذا سميت صدقة لأنها عمل يصدق قوله أو يصدق فعله، فهذه كلها أنوار تكون للإنسان في قبره وفي نشره وفي الظلمة يوم القيامة، لأن الناس يلقى عليهم الظلم وليس لهم نور إلا بأعمالهم.

قوله : (والصلاة نور)، يعني أنها نورٌ للعبد في دنياه، وفي أخراه، وفي قبره، وهي في الواقع نور، والصلاة صلةٌ بين العبد وبين ربه.

ورسولنا صلى الله عليه وسلم حث عليها كثيرًا وبين فضلها وعظمها، وجعلها عماد الدين، كما في حديث معاذ: (ألا أخبرك برأس الأمر وعماده وذروة سنامه، فقلت: بلى، قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله).

فهي العماد الذي يعتمد عليه، فالخيمة لها أعمدةٌ تعتمد عليها إذا سقط سقطت، والصلاة هي عماد الدين فمن حافظ عليها وحفظها كان له عند الله عهدٌ أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له عهد، وهي كما قال صلى الله عليه وسلم قرة عينه.

يقول صلى الله عليه وسلم يقول: (حبب إلي من الدنيا النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة).

فقرة عينه في الصلاة، فكان ما يشبع منها، صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا جاء في حديث أنه قال: (أرحنا يا بلال بالصلاة).

والله أمر أن نفزع إليها، وأن نستعين بها: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ}[البقرة:45].

فأمر أن نستعين على أمورنا بالصلاة، فهي يجب أن يكون الإنسان له نصيبٌ من إرث رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني أن يكون محبًا للصلاة كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم كذلك. ثم هي أيضًا نورٌ للعبد في قبره كما جاء الأثر في ذلك، ونورٌ له يوم يبعث، ونورٌ له على الصراط، ولهذا قال: (الصلاة نورٌ)، فجعلها نورٌ مطلق.

قوله : (والصدقة برهان) البرهان: هو الدليل الواضح القاطع، ولهذا يسمى شعاع الشمس برهان، ويطلق على النور برهان.

وأما الصدقة فهي برهانٌ: يعني دليل على إيمان صاحبها، وذلك أن الأموال حببت إلى النفوس، فمن أخرج الزكاة طيبةً نفسه بها دل على إيمانه ورغبته بما عند الله وإيمانه بثوابه ورجاء ذلك، فتكون دليلًا على إيمانه، برهانٌ على ذلك مع ما فيها من الفضل الذي وعد به العبد في ذلك.

قوله : الصبر ضياء : ففرق بين الضياء والنور: وذلك أن الضياء يكون فيه شيءٌ من الحرارة، فالصبر يحتاج إلى أن يكون فيه ضياء وفيه إحراق، إشراقٌ وإحراق، يعني فيه حرارة، ولهذا وصفت الشمس بأنها ضياء ، قال الله جل وعلا : {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً}[يونس:5].

فالقمر نورٌ والشمس ضياءٌ لأن فيها إشراقٌ وإحراق، ولهذا وصف الله جل وعلا شريعة موسى بأنها ضياء، وشريعة محمدٍ صلى الله عليه وسلم بأنها نور، وذلك لأن شريعة موسى فيها شيءٌ من الآصار ومن الثقل ومن الأمور الشديدة، أما شريعة محمدٍ صلى الله عليه وسلم فهي سمحةٌ سهلةٌ ميسورةٌ ميسرةٌ بفضل الله جل وعلا، فهي نور.

وهذا جاء في آياتٍ عدة في كتاب الله جل وعلا، كما أن التوراة جاء أيضًا نصها بأنها فيها نور، وهذا لا ينافي أنها ضياء.

وفي روايةٍ في صحيح مسلم بهذه اللفظة: (والصوم ضياء)، بدل الصبر، جعل بدل الصبر الصوم، والصوم (…) يحتاج إلى صبر، صبرٌ على تحمل وحمل النفس على ما التزم به الإنسان من ترك الطعام والشراب والشهوات وغيرها، يحتاج إلى أن يصبر في هذا، وكذلك الصبر على القدر الذي قدره الله جل وعلا، فصبرٌ على الطاعة، وصبرٌ على المعصية، وصبرٌ على القدر.

لأن الصبر أقسامٌ ثلاثة ولابد منها:

الأول: الصبر على طاعة الله جل وعلا.

الثاني: الصبر عن معصية الله.

الثالث: الصبر على الأقدار التي تجري على العبد.

ولابد من شيءٍ مكروهٍ في هذه الدنيا، لا تأتي بالصفاء، لابد أن ينال الإنسانٌ مرض، أن يناله فقر، أن يناله حاجة، يناله مصائبٌ تصيبه ولابد لأنها ليست هذه دار إقامة، دار ممرٍ وعبور، ولهذا جعل الله ذلك من فضله حتى يتذكر الإنسان، حتى أعلى الناس ما تصفي له، فالملوك والكبراء لا تصفي لهم الدنيا، لابد فيها من المنكدات والمكدرات، لابد، فلهذا يحتاج العبد إلى الصبر، أن يصبر.

والصبر إن لم يصبر محتسبًا صبر كصبر البهائم، وسارت الأمور بلا أجرٍ له، وربما يأثم، فإذن الحزم بأن يكون الإنسان مطيعًا لربه في هذا وفي غيره، أن يكون صابرًا على أقدار الله، وصابرًا على طاعاته حاملًا نفسه على ذلك، وصابرًا عن المعاصي، وهذه أيامٌ قليلة، اصبروا وصابروا ورابطوا، يومٌ وليلة وهي منتهية.

ثم يحمد الإنسان عمله بأمر الله، وكل هذا بتوفيق الله، إذا وفق الله عبده ويسر له الأمر فإنه يصبر، وإلا إذا وكل إلى نفسه فهو مخذول، فأفضل الخلق محمدٌ صلى الله عليه وسلم كان يسأل ربه العون دائمًا، ويقول: (اللهم لا تكلني إلى نفسي ولا إلى أحدٍ غيرك طرفة عين، فإنك إن وكلتني إلى نفسي وكلتني إلى عورةٍ وضيعة).

فهكذا ينبغي للعبد أن يسأل ربه جل وعلا أن يتولاه وأن يعينه على كل شيء صغيرٍ وكبير، وإن لم يعنه على ذلك فأول ما يجني عليه عمله، فلابد من الخضوع لله والذل له والاعتراف بأنه جل وعلا هو المحسن المنعم في كل وقتٍ وآن، ولكل ما يحصل للعبد من الأمور المحمودة المرغوب فيها، ومن الأمور التي تدفع عنه أو تقع فيه.

لأن حتى المصائب إذا وجد الصبر والاحتساب صارت حسنات تكفر عنه، وإذا لم يكن ذلك، وهذا لابد منه، ما في أحدٌ يسلم من الذنوب أبدًا، {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}[الشورى:30] جل وعلا.

ففيها الكفارات، ولهذا جاء في الحديث: (إذا أحب الله قومًا أصاب منهم، وإذا أبغض قومًا أمسك عنهم بذنوبهم)، حتى يوافي يوم القيامة سيئاتهم كاملة، ما كفر منها شيء، فإذن الإنسان لا يكره إذا أصيب بمرضٍ أو شيء، يحتسب أن هذا يكفر ذنوبه، ويكسبه خيرًا، فهو من فضل الله جل وعلا.

فالحقيقة  أن هذه الثلاثة التي ذكرها كلها أنوار: الصلاة، والصدقة، والصبر، كلها أنوار، وهي تكون أنوارًا حقيقية كما في الصلاة، حتى أن الصلاة يظهر أثر فعلها على وجه الإنسان، ولاسيما إذا كان يصلي في الليل فإنه يكتسب نورًا في وجهه، وجاء أن صلاة المرء في الليل تكون نورًا له في قبره، تنور عليه في قبره.

فينبغي للإنسان أن يكون له نصيبٌ من ذلك بعد المحافظة على الصلاة المفروضة، لأن الله جل وعلا لا يقبل النوافل حتى تؤدى الفرائض، الفرائض هي أهم شيء، هي المهمة.

قوله : والقرآن حجة لك أو عليك، يعني أن صاحب القرآن إما غانم أو آثم ولا بد، ما فيه سلامة إلا إما أنه يكون متبعا للقرآن قائما به فيكون حجة له يحاج دونه أو يحتج عليه حتى يقال شأنك به، كما جاء في الحديث، ولا يتركه حتى (…) على وجهه في النار، ومعنى هذا أن المسلم ينبغي له أن يكون عنده القرآن ولو لم يكن كله، فإن لم يكن كله فإنه يراجعه ويقرأه فيكون حجة له أو عليه.

قوله : (وقرآن حجةٌ لك أو عليك)، حجةٌ لك أو عليك، فرقٌ بين كونه لك وكون عليك.

القرآن المقصود به: العمل به، العمل بالقرآن.

وهو حجة الله على عباده، وسواءً حفظه الإنسان أو لم يحفظه، لأنه مكلفٌ باتباعه والنظر فيه واستماعه إذا تلي، حتى يتبعه، الله جل وعلا يقول: {وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً}[الإسراء:82].

فلهذا يقول بعض السلف ما جالس القرآن أحدًا فسلم، إما أن يغنم، وإما أن يأثم. فلهذا يقول: (والقرآن حجةٌ لك أو عليك)، فحجةٌ لمن اتبعه، لمن تلاه حق تلاوته واتبعه، يعني اتبع الحلال الذي فيه، وعمل وأحل واجتنب الحرام الذي ذكره ووضحه وبينه، وعلم أنه كلام ربه وعظمه وعرف قدره.

فيجب أن يعظّم القرآن، ويعظّم المصحف، فالمصحف يجب أن يعظم ويكرم بإجماع العلماء لأنه كلام الله، ولا يجوز أن يضعه عند رجله، أو يمد رجله إليه، أو يضعه خلف ظهره، أو يضعه على الأرض التي يدوسها بقدميه وإن كانت طاهرة، وإن كانت فراش، لأن هذا ليس من تعظيم القرآن، وإن لم يكن استهانة ولكنه ليس تعظيمًا، فالواجب التعظيم، أن يعظم، ويشاهد كثيرٌ من المسلمين وللأسف يتساهل في هذا الأمر ويتهاون به، فتجده يضع المصحف خلفه، أو يضعه أمامه، أو يضعه على الأرض، وقد يضعه خلف ظهره يتسند عليه، وما أشبه ذلك، كل هذا يدل على عدم التقدير، فهذا كلام الله يجب أن يعظم ، ثم العمل، يجب أن يعمل به، وإن لم يعمل به فسوف يندم، ولهذا بين ذلك يقول: (حجةٌ لك أو عليك)، وقد جاءت النصوص والآثار في هذا توضح ذلك، أنه إذا كان يوم القيامة، إذا كان الإنسان قد حمل القرآن وضيع حدوده ولم يراعي ما فيه، أنه يحتج عليه عند الله، يقول يا ربي هذا حملني وبئس الحامل، ضيع حدودي وأضاع فرائضي، فلا يزال يحتج عليه حتى يقال شأنك به، فيأخذه ويكزه في جهنم.

وإن كان من أهله الذين يقومون به يكون حجةً له، لا يزال يحتج له حتى يقول شأنك به فلا يتركه حتى يلبسه تاج الفضل والخير ويسكنه أعلى الجنان بأمر الله جل وعلا.

وهذا ما يقال أن هذا القرآن هو الذي يتكلم، وأنه هو الذي يقول يا رب وكذا، ولكن هذا آثاره، هذا العمل، عمل الإنسان نفسه، كما جاء في سورة البقرة، وآل عمران، أنها تأتي كالغمامتان أو كالغيايتان يوم القيامة، وأنها تتكلم بهذا وكذا إلى آخره، يعني ثوابها، لأن القرآن صفة الله جل وعلا، والصفة تكون ثابتةٌ للموصوف جل وعلا.

ثم أخبر بالشيء العام الذي لا بد أن يكون لكن فرد، لهذا قال: كل الناس يغدو، يغدو يعني يروح أول النهار، كل الناس يموتون هذا معناه، كل الناس يموتون إما أول النهار أو آخره أو في الليل أو في أي ساعة، والغدو هو الذهاب .

قوله : فبائع نفسه فمعتقها، البيع يقال للشراء والبيع كلاهما يسمى بيع، باع يعني اشترى نفسه، وهذا ولا يكون إلا بالإيمان ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فالإنسان ما يعتق نفسه إلا بهذا .

قوله : أو موبقها يعني يبيعها في سبيل الشيطان ومحاربة الله جل وعلا ورسوله فيكون قرينا للشيطان في جهنم، وهذا هو إيباقها نسأل الله السلامة.

قوله : (كل الناس يغدو فبائعٌ نفسهٌ فمعتقها أو معتقها).

يغدو: يعني يترك هذه الحياة، يتركها ولكن تركه إياها إما أنه اشترى نفسه من ربه بطاعاته وتُرْك مناهيه، فسلم من عذابه وغنم في ثوابه فكانت نفسه معتقة.

أو بالعكس، لهذا يقول جل وعلا: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}[الشمس:7:10].

تزكيتها: بالعمل في طاعة الله جل وعلا.

ودساها: يعني دسها في التراب، أهانها، صارت حقيرةً ذليلة، كأنها مدسوسةٌ في التراب.

وهذا يكون أيضًا بالمعاصي، والأمر إلى العبد، لأن الله جل وعلا بين له ووضح له وأعطاه عقلًا وفكرًا وأحاطه بالآيات الدالة على وجوب عبادة الله جل وعلا، وقال له الأمر إليك، إن عملت بما أمرت سعدت في الدنيا والآخرة، وإن جانبته وتركته فلن تفوت الله، فمرجعك إلى الله وسوف يجازيك بما تستحق.

فالحزم أن الإنسان يعمل لنفسه، ولا تكون نفسه عنده مهملة، فاتباع الشهوات وترك أوامر الله هذا إهمال، بل هذا في الواقع ضلال وعملٌ بالهلاك، وسوف يُنسى كله، كل هذه الأمور ستنسى، يعني الدنيا كلها تمر كأنها ليست شيء.

ولهذا أخبرنا الله جل وعلا عن الناس يوم القيامة أنهم إذا تساءلوا قالوا: {كَمْ لَبِثْتُمْ}[الكهف:19]، قالوا لبثنا ساعةً أو بعض ساعة، وبعضهم يقول: {لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}[الكهف:10]، هل هذا كذب؟، هذا الحقيقة، كأنها ساعةٌ يتعارفون فيها فقط وانتهت، صارت بهذا بالنسبة للآخرة، الآخرة لا نهاية لها، فمن يصبر على النار!، من يصبر!، والأمر فيه شديدٌ جدًا.

ولهذا يجب على العبد أن يتنبه لنفسه، وليس للعبد نفسان، نفسٌ واحدةٌ إذا خسرها فهي الخسارة الكبرة.

نسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يرزقنا التقى والهدى وأن يجنبنا الضلال والردى إنه جوادٌ كريم .

 الحديث الرابع والعشرون

عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ رضي الله عنه  عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم  فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَنَّهُ قَالَ: “يَا عِبَادِي: إنِّي حَرَّمْت الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْته بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا؛ فَلَا تَظَالَمُوا. يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلَّا مَنْ هَدَيْته، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ. يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلَّا مَنْ أَطْعَمْته، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ. يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ عَارٍ إلَّا مَنْ كَسَوْته، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ. يَا عِبَادِي! إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا؛ فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ. يَا عِبَادِي! إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي. يَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا. يَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا. يَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْت كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَته، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ. يَا عِبَادِي! إنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا؛ فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَن إلَّا نَفْسَهُ”.

رَوَاهُ مُسْلِمٌ

الشرح

في هذا الحديث الذي يرويه المصطفى صلى الله عليه وسلم عن رب العالمين، تحريم الظلم وبيان فقر العباد إلى الله جل وعلا، وأن كل خيرٍ ينالهم ويتحصلون عليه هو من الله، وما يدفع الله جل وعلا عنهم أكثر وأعظم.

ومثل هذا يقال أنه الحديث القدسي، والفرق بين الحديث القدسي والحديث النبوي:

أن الحديث القدسي منسوب إلى القدس، يعني إلى الطهارة، أنه كلام الله، ألفاظه ومعانيه، وأما الحديث النبوي فألفاظه من الرسول صلى الله عليه وسلم، ومعانيه من الله، قول الله جل وعلا: { وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى}[النجم:3،4]، فكل ما يتكلم به فهو وحي، في أمور الدين، والإخبار عن الله، والإخبار عن الجزاء، والأحكام، وغيرها، فهو محيٌ من الله جل وعلا.

وهذه الأحاديث القدسية لها خصوصية، لأنها تضاف إلى الله قولًا، يقولها، وهذا يدلنا على أن كلام الله جل وعلا أنه غير محصور في الكتب المنزلة، وأن منها ما هو غير متَحدًا بألفاظه، ولا متحدًا بمعانيه، وأنه غير متعبدٌ بتلاوته، وغير ذلك من الفروق التي تكون بينه وبين القرآن.

فقوله صلى الله عليه وسلم عن الله جل وعلا: (يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا).

الظلم جاء ذكره في كتاب الله كثيرًا نفيه عن رب العالمين، وعن إرادة الظلم، أنه لا يريده، وأن الله لا يريد ظلمًا بالعالمين، وتحريم الشيء، التحريم هو المنع، ولا يمكن أن يكون التحريم إلا لشيءٍ مقدورٍ عليه، شيءٌ يمكن وقوعه، وقد اختلف الناس في هذا المعنى :

القول الأول : منهم من زعم أن الظلم مستحيلٌ على الله، وهذا زعمٌ غير صحيح، لأن المستحيل ما يقال فيه حرمت، لأن المستحيل مستحيل، لا يمكن وقوعه، وإنما هذا في الشيء الذي يمكن وقوعه.

الله جل وعلا يملك كل شيء، وهو خالق كل شيء، وهو جل وعلا الذي بيده تصريف الأشياء كلها، ومن هنا قالوا إنه ممتنع عن الظلم، لأن الله جل وعلا كل شيءٍ ملك له، فكيف يكون الظلم وهو يتصرف في ملكه، لأن الظلم عندهم يقولون هو التصرف بملك الغير بغير حق، والله إذا تصرف في شيء فهو ملكه، فإذن لا يقع الظلم منه.

واستدلوا على هذا المعنى بما رواه الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لو أن الله جل وعلا عذب أهل سماواته وأهل أراضيه لعذبهم وهو غير ظالمٍ لهم)،  قالوا : هذا يدلنا على أن الظلم لا يقع من الله .

القول الثاني: هذا قولٌ مردود في الواقع، ترده النصوص الكثيرة، أن الظلم يمكن، وهو أن يوضع على الإنسان جزاء الذنب الذي لم يعمله، أو يهضم من حقه .

كما في الآية التي يقول جل وعلا: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ}[النساء:124]، {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً[طه:112]، فالظلم أن يوضع عليه ما ليس من عمله، والهضم أن يؤخذ من جزاء حسناته فلا يوفاها، فهذا الذي نفاه الله جل وعلا أنه لا يقع منه، وهذا جاء ذكره كثيرًا.

فعلى هذا كيف نُعرف الظلم ؟ هل التعريف الذي ذكر أنه التصرف في ملك الغير بغير حق أن هذا حق! تعريفٌ صحيح، قد يكون هذا في بعض الأشياء، وليس في كل شيء، أما التعريف الصحيح فهو: أن يقال الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، وقد يأتي الظلم بغير هذا المعنى، كما قال الله جل وعلا: {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً}[الكهف:33]، لم تظلم منه شيئًا يعني لم تخرج، تترك شيء لم تخرجه، فهذا أيضًا يسمى ظلم، عدم إخراج الشيء، ويقال أنه: من شابه أباه في المثل الذي تقوله العرب ، فما ظلم، يعني أن خروج الشيء على ما هو عليه، أو ما عليه نمطه وسنته، أنه إذا خالف ذلك يكون ظلمًا في اللغة فقط، وليس في المعنى.

وعلى كل حال، المقصود بالتحريم هنا: المنع، والله جل وعلا ليس فوقه أحدٌ يمنعه أن يعمل شيء، فهو الذي حرم على نفسه هذا، تعالى وتقدس، كما أنه جل وعلا هو الذي كتب على نفسه الرحمة، فضلًا منه، وإحسانًا إلى عباده، {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}[الأنعام:54].

وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله كتب كتابًا ووضعه عنده على العرش، فهو وضعٌ على العرش ، إن رحمتي تغلب غضبي)، فهذه الكتابة، وهذا التحريم، وهذا الذي أخبر جل وعلا أنه منع نفسه منه فهو فضله، وإحسانه، وكرمه.

ثم الظلم بين العباد جاء ذكره كثيرًا والتحذير منه، وهو ينقسم إلى قسمين:

القسم الأول: التعدي على الله في حقه، وعبادة غيره معه، وهو أعظم الظلم بالنسبة لما يقع من العبد، ولهذا حُرم صاحبه على الجنة، {يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}[لقمان:13]، فهو أعظم الظلم، ومن وضع العبادة في مخلوق فقد وضعها في غير موضعها، وقد وقع في الشرك العظيم، في الظلم العظيم، فهذا أيضًا أخبر جل وعلا أنه لا يغفر لصاحبه.

{إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}[النساء:48]، فكل ذنبٍ ما عدا الشرك لمن يؤمن بالله واليوم الآخر، ويؤمن برسله، يكون تحت مشيئة الله، إذا شاء أن يغفره بدون عقاب غفره ، وإن شاء عاقب صاحبه ثم جعل مآله إلى الجنة، قل هذا خاص بالمؤمنين الذين يؤمنون بالله، ويؤمنون برسله، والعبد لا ينفك عن الظلم، هذا الظلم في ما بين العبد وبين ربه جل وعلا أعظمه الشرك، أما ترك الواجبات وفعل المحرمات فهو ظلمٌ يظلم العبد نفسه به، ولكنه أقل من هذا.

والقسم الثاني: ظلم العباد بعضهم لبعض. وهذا جاء ذكره عن النبي صلى الله عليه وسلم كثيرًا، يحذر منه، وكانت خطبته صلى الله عليه وسلم في عرفات في حجة الوداع، وفقد خطب يوم عرفة، وخطب يوم العيد، وخطب في اليوم الحادي عشر، وفي كل خطبه هذه يقول: (إن الله حرم عليكم الظلم فلا تظالموا) ويقول: (إن الله حرم الظلم كما حرم هذا البلد في هذا الشهر في هذا اليوم، فلا يظلم بعضكم بعضًا).

حتى سأله سائل قال: أرأيت إن كان شيئًا قليل، لأنه قال: (من ظلم قيد شبرٍ من الأرض طوقه من سبع أراضين)، هذا بخصوص الأرض، من يطيق هذا ؟ من يحمل سبع أراضين في عنقه؟، فقال فيه: (من أخذ حق غيره بغير حقٍ لقي الله وهو عليه غضبان، قال رجل: وإن كان شيئًا يسيرا، قال: وإن كان قضيبًا من أراك).

فالظلم بين العباد ممنوع، دقيقه وجليله، كله، وكان يقول: (من كان له مظلمةٌ على أخيه فليتحلله قبل أن لا يكون درهم ولا دينار، وإنما هي الحسنات والسيئات، يؤخذ من حسناته ويوفى صاحب الحق، فإن فنيت حسناته أخذ من سيئات المظلوم فوضعت عليه ثم يطرح في النار).

فالظلم الذي بين العباد لا يعفى عنه، قليله ولا كثيره، فهو مبني على المشاحة، ولابد من استيفائه، العباد يطلبون حقوقهم، حتى انه إذا كان يوم القيامة يفرح الإنسان أن يكون له حقٌ على غيره، حتى وإن كان على أبيه وأمه.

ولهذا يقول الله جل وعلا: { يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ}[عبس:34:36]، لماذا يفر منهم؟، كيف يفر من أمه، ومن أبيه، ومن زوجته، ومن صاحبه؟، ما السبب؟، السبب هو هذا، خوف المطالبة بالحقوق، يخاف أن يطالبه بحقه، وليس في ذلك اليوم إلا الحسنات والسيئات، ما في شيءٌ من أمور الدنيا،فكيف بالأجانب؟! كيف البعيد؟! وكل واحدٍ يأتي يوم القيامة يتعلق بمن ظلمه، يقول : يا ربي خذ حقي من هذا، حتى القليل والكثير.

فلهذا الظلم في ذلك ظلمات يوم القيامة، فلابد من استيفاء الحقوق، حتى الذين لا عقول لهم تستوفى الحقوق منهم، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر أنه حتى البهائم التي لم تكلف أنها سوف يؤخذ الحق من القرناء للجلحاء عندما تتناطح، ويؤخذ حقها من هذه، وتوفى به (…) ثم بعد ذلك يقال لها كوني ترابًا، عند ذلك يقول الكافر يا ليتني كنت ترابًا، يعني مثل البهائم.

فالله جل وعلا أخبر أنه لا يظلم الناس شيئًا، وأنه لا يظلم مثقال ذرة، {وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا}[النساء:40]، يعني أن الله جل وعلا يوفي العباد حقوقهم كاملةً، لا ينقصهم مثقال ذرة، وإن فضل للإنسان زائدًا على سيئاته مثقال ذرة ضاعف الله ذلك فضلًا منه حتى يدخله به الجنة، {إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً}[النساء:40].

وهذا من فضل الله جل وعلا، وهذا الذي بين العبد وبين ربه، ولكن المصيبة الذي بين العباد، بعضهم من بعض، هذا لابد من استيفائه، فلهذا قال: (لا تظالموا)، فبين أنه هو حرم الظلم على نفسه، فكيف فيما بيننا ؟ يكون أعظم، فلا تتظالموا، يعني لا يظلم بعضكم بعضًا، فإن من ظلم غيره فإنه وقع في القيد الذي لابد أن يأتي يوم القيامة مقيدًا بذلك حتى يفكه العدل، أو يوبقه في النار، في نار جهنم، فهذا من الأمور التي يجب أن يتنبه لها العبد، قال: (لا تظالموا)، لا يظلم بعضهم بعضًا.

فإذاً الظلم نقول أنه ينقسم إلى قسمين:

القسم الأول : ظلمٌ بين العبد وبين ربه، وأكبره وأعظمه الشرك، ثم يتبع ذلك ترك الواجبات وفعل المحرمات، وهذا أقل جرمًا من الذي قبله، وهو يكون بين العبد وبين ربه.

القسم الثاني: ما يكون بين العباد، ظلم بعضهم بعض، هذا لابد من استيفائه حتى من الأقرباء، من الوالد لولده، ومن الولد لوالده، وما بعد ذلك، فلابد من استيفاء ذلك، أو يعفو، أو (يستعفي) في الدنيا، إن لم (يستعفي) في الدنيا فلابد من توفيته يوم القيامة، ولهذا قال” (فلا تظالموا) .

قوله : (وجعلته بينكم محرمًا)، يعني أن الله حرم الظلم، وهذا في كل شريعة، كل شريعة أنزلها الله جل وعلا فإن الظلم فيها قد بين أنه حرامٌ ومحرم، والظلم يكون أنواع، ليس الظلم أخذ المال فقط، أو أخذ الشيء الذي يكون مملوكًا، الظلم قد يكون بالقول، وقد يكون بالاستطالة، استطالة الأعراض، وقد يكون بأمورٍ كثيرة جدًا، الكلام الذي يقع من الناس كثيرًا يجب أن يكون بالعدل وبالصدق، فإن كان بالكذب وبالزور فهو ظلم، سيستاف من الظالم للمظلوم في ذلك، وهو كثيرٌ جدًا يقع بين الناس، فيجب أن يتنبه العبد لذلك، فالله جعله بيننا محرما، والمحرم لا يجوز أن نقربه، فإن الإنسان مثلًا انتهك المحرم فإنه معرضٌ لعقاب الله جل وعلا في الدنيا والآخرة، ولهذا قال: (فلا تظالموا)، يعني لا يظلم بعضكم بعضًا، فإنه إذا ظلم بعضكم بعض، فإنه وقع في ما يكون سببًا للعقاب، سواءً كان العقاب في الدنيا أو في الآخرة، وإن كان في الدنيا فهو أسهل، ولكن إذا كان في الآخرة فهو الشديد.

ثم قال ما يبين جل وعلا فقرنا إليه جل وعلا، وأننا لا نملك لأنفسنا ضرًا ولا نفعًا: (يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم).

كلكم ضال إلا من هديته، يعني أن الإنسان خلقه الله جل وعلا، وخلق أفعاله، فأفعاله مخلوقةٌ لله جل وعلا، وموكولٌ إليه القيام بأمر الله، والانتهاء عما نهاه الله باتباع الرسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يتأتى إلا بتوفيق الله جل وعلا، فلابد من فضل الله جل وعلا على العبد حتى يقوم بما أوجب الله عليه، وينكَفّ عما حرمه الله عليه، فإن هداه الله ووفقه فهو فضل الله، فضله.

ولهذا أمرنا أن نطلب الهداية منه، (فاستهدوني)، يعني أطلبوا الهدى مني، وما أمرنا بهذا إلا ليعطينا، البخيل ما يقول للناس اطلبوا مني كذا، ولكن الكريم الجواد، وهو الكرم كله لله جل وعلا، فأمرنا أن نطلب منه الهداية، (فاستهدوني أهدكم).

 قوله: أهدكم هذا جزاء، فإذا أقبلت على ربك، وطلبت الهدى منه هداك الله، وهكذا ما بعده.

وكل هذه تدلنا على كرم الله وجوده جل وعلا، وفضله الذي يتفضل به على عباده من غير استحقاق، من غير أن يستحقوا عليه شيء، بل هو محض الفضل، فضله تعالى وتقدس، (فاستهدوني أهدكم)، ولهذا من فضله علينا جل وعلا، وكونه جل وعلا كريمٌ جواد، أوجب علينا أن نقول لذلك في كل ركعةٍ من ركعات الصلاة: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}[الفاتحة:6]، اهدنا، والهدى هنا يختلف، لأن له مراتب :

المرتبة الأولى: الهداية العامة لما خلق له الإنسان، وكلٌ هداه الله لما خلق له، ولهذا الطفل الصغير إذا وضع صار يطلب ثدي أمه ليلتقمه، من هداية الله جل وعلا، وكذلك البهائم هديت بما فيه مصالحها، والطير وغيره، فهذا هدىً عام عدى الله جل وعلا كل مخلوقٍ لما يصلحه، ويقوم بحياته، فأعطى كل شيءٍ هداه، تعالى وتقدس، الهداية التي بها الحياة.

المرتبة الثانية: الهداية التي هي أخص من هذا، أن يهدى الإنسان للإسلام، وهذا فضلٌ من الله جل وعلا، {فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ}[الأنعام:125]، فإذا قبل الإنسان الحق وأحبه فهذا فضلٌ من الله تفضل به عليه، فيجب أن يحمد ربه على ذلك حتى يزيده هدى.

ثم الهدى التفصيلي على ذلك، وهو الذي يطلب في الصلاة، الهدى المفصل، وهذا كثيرٌ جدًا، فأنت في حاجة في كل وقت للهداية، في ما تفعله، في ما يستقبلك، إلى أن تستقر في الجنة، هناك يكمل الهدى، وقد هدى الله جل وعلا أهل الجنة إلى منازلهم، فهم يعرفونها كما يعرفون (…) أو أكثر من معرفتهم لمنازلهم في الدنيا، بهداية الله، ولهذا صار طلب الهدى في كل ركعةٍ من ركعات الصلاة للهدى المفصل، الذي نحتاجه في كل شيء، في كل عملٍ نعمله، في كل شيءٍ يستقبلنا.

والذي يقول مثلًا إن معنى قوله: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}[الفاتحة:6]، ثبتنا على الصراط، يعني هذا فيه قصور في الواقع، وإن كان حق ، صحيح المطلوبٌ التثبيت على الصراط، ولكن المقصود أكثر من هذا، أن تُهدى بعد هذا الهدى، هدىً بعد هدى في كل شيء، وإذا لم يهدى الإنسان في أعماله التي يستقبلها لا يأتي بها كما أوجب الله جل وعلا، فلابد من هداية الله في ذلك.

فهذا من رحمة الله جل وعلا، وما أمرنا بذلك إلا وهو سيجيبنا عندما نطلب منه، إذا كان سيد الخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب الهدى ويتوب إلى ربه في المجلس الواحد أكثر من مائة مرة، فكيف بالمقصرين ؟ يجب أن يكون طلبهم أشد.

ثم الطلب من الله لا يجوز أن يكون الإنسان متساهلًا به أو أنه يطلب الشيء الدنيء، لأن الله عظيم، وعطاؤه عظيم، ولا ينظر كون الإنسان بعمله، يقول أنا عملي مقصر، وأنا ما أستحق هذا الشيء، لأنه يمكن ما نستحق الجنة أصلًا، إنما بالنظر إلى المطلوب منه جل وعلا فإنه يعطي الجزيل والعظيم بدون منة، تعالى وتقدس .

والمنة لله على عباده دائمًا، والمنة فضله، إذا لم يكن الإنسان يطالع منة الله عليه فهو لم يعرف ربه، فيجب أن تكون مطالعته لمنته دائمًا في كل وقت، في كل حال، سواءً كانت حالة الصحة، أو حالة المرض، حالة الفقر، حالة الغنا، حالة البؤس، حالة الرخاء، في كل حالة يجب أن تكون منة الله عليه هي التي يطالعها ويشاهدها، ويتحلى بها، ويسأل الله جل وعلا المزيد دائمًا، لأن الإنسان فقيرٌ إلى الله في كل لحظة.

لهذا السبب كون الإنسان أنه يجب أنه يكون يُعْظِم الرغبة ويُعْظِم المسألة ولا يكون دنيء، جاء حديث الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: (إذا سألتم الله فاسألوه (الفردوس الأعلى من الجنة)، فإنها أعلى الجنة، وسقفها عرش الرحمن، ومنها تفجر أنهار الجنة، يعني يسأل أعلى الجنة، وأعلى المنازل، والله كريم، إذا أعطى فإنه يعطي الجزيل، تعالى وتقدس.

قوله : (يا عبادي كلكم جائعٌ إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكن)، يعني هذا من التفصيل، تفصيل الأشياء التي نحتاجها، فكل شيءٍ نحتاج إليه يجب أن نطلبه من الله جل وعلا، ولهذا كان السلف يسألون من ربهم كل شيء، حتى شسع النعل إذا انقطع سأل ربه، حتى الملح الذي يضعه في طعامه إذا احتاج إليه يسأل ربه، كل شيءٍ يسأله من الله جل وعلا.

ولا يستحي، يقول مثل ما روي عن بعض المتقدمين أنه قال أنا أستحي أن أسأل أمور الدنيا من الله، هذا على خلاف السنة، خلاف ما أمرنا الله جل وعلا، فإن الله يأمرنا أن نستطعمه، والاستطعام يعني طلب الطعام، طلب كل ما تحتاج إليه تسأل ربك إياه، ولا تسأل الناس، اسأل الله جل وعلا، وهو الذي يهيئ الأسباب لك، وييسر لك الأمر الذي يصل إليك ما سألته من ربك.

قوله : (كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم)، يعني أطلبوا مني الطعام، وهذا معناه اسألوني أمور دنياكم التي تحتاجون إليها، الطعام، والشراب، والكساء، وغيره مما يحتاج الإنسان يسأله من رب جل وعلا، وكله داخلٌ في قوله: (استطعموني).

وقوله: (أطعمكم) هذا جزاء، يعني أنه إذا وقع السؤال وقعت الإجابة، إن الله سيجيب السائل إذا صدق في سؤاله.

قوله : (يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم)، فهذا من التفصيل، يعني أن كل شيءٍ نحن فقراء فيه إلى ربنا، فلا يستطيع الإنسان يقول أنا أتحصل هذا بقوتي، أو بفكري، أو بعملي، أو بعلمي، فإنه إذا قال كذلك حرمه الله جل وعلا، ووكله إلى نفسه وضاع، من وكل إلى نفسه استولى عليه الشيطان وضيعه.

فيجب أن يكون العبد صلته بربه دائمًا صلة الفرق إلى الغني الكريم، يقول أنا الفقير المسكين المحتاج إلى ربي جل وعلا، وهو الغني، إن لم ينلني ما أطلب وما أسأل أكن خاسرًا.

ولهذا رسل الله جل وعلا يعترفون بذلك، كما قال نوح وكل رسولٍ بعده، {وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنْ الْخَاسِرِينَ}[هود:47]، وآدم: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ}[الأعراف:23]، وهكذا كل رسولٍ يظهر فقره لربه جل وعلا ويسأله، وخاتمهم صلواته وسلامه عليه كما سمعنا، يسأل ربه المغفرة والتوبة في المجلس الواحد أكثر من مائة مرة، وكان يطلع على أصحابه ويقول لهم: (والله إني لأتوب إلى الله وأرجع إليه في اليوم أكثر من مائة مرة)، وهو يقول لنا هذا حتى نقتدي به، لأنه هو قدوتنا، صلوات الله وسلامه عليه.

قوله : يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ عَارٍ إلَّا مَنْ كَسَوْته، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ  يعني الكسوة تنقسم إلى قسمين، كما أن الطعام ينقسم إلى قسمين :

 القسم الأول : طعامٌ جسمي، جسدي، يتغذى به الجسد، هذا يشترك به كل الخلق، وكل الخلق طعامهم على الله، فهو الرازق لهم.

القسم الثاني : طعامٌ هو طعام الروح، طعام القلب، وهو معرفة الله جل وعلا بأسمائه وصفاته، والإيمان بذلك، والافتقار إليه، فهذا هو الذي يجب أن يُعتنى به أكثر.

كما أن الكسوة كذلك، كسوةٌ تكون للبدن، وكسوةٌ تكون أيضًا بالمعنى، للمعنى، لهذا لما ذكر الله جل وعلا هذا في قصة آدم: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ}[الأعراف:26]، فلباس التقوى هو الذي يجب أن يعتنى به أكثر.

قوله : (يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم)، فهذه صفتنا، نخطئ بالليل والنهار، خطؤنا مستمر دائمًا، وقد أمرنا ربنا جل وعلا أن نستغفره، ووعدنا بأنه سيغفر بنا، فلا يجوز أن نغفل عن هذا، هذه دعوة، دعوة من ربنا جل وعلا لنا، وإخبارٌ منه بما نفعله، ونصنعه، ويقع منا في الليل والنهار، فالذنوب مستمرة، فالأخطاء تقع لما بين الإنسان وبين ربه، وما بين الإنسان وبين خلق الله، من الأقرباء والبعداء.

فالخصام تجده كثيرًا بين الزوج والزوجة، بين الولد والوالد، بين الأخ والأخ، وهو لا يخلو من الظلم، الظلم فيه كثير، وكذلك الحقوق التي أوجبها الله على العبد، فهو ينسى ذكره، ويشتغل في أمورٍ قد لا تنفع، تضر ولا تنفع، أمورٌ ظاهرة، وإذا جاء إلى عبادةٍ من عبادات الله مثل الصلاة يأتي وقلبه مشغول في أمورٍ لا تنفع، تجد قلبه يشتغل وهو في الصف، يشتغل في إما فلان أو فلانة، أو بأمورٍ قد لا تجدي عليه شيئًا، ويخرج من الصلاة وهو لم يعقل إلا القليل، وقد لا يعقل شيء، يعني ما حضر قلبه، يخرج ما يدري ماذا قال، وماذا قيل فيها.

فهذه كلها ذنوب يجب أن نستغفر منها، فلهذا يقول: (إنكم تخطئون بالليل والنهار)، فالاستغفار طلب المغفرة، فقول الإنسان أستغفر الله، يعني يا رب أسألك أن تغفر لي، والمغفرة هي الستر والوقاية، أن يسترك الله جل وعلا ويقيك شر ذنبك، ويمحوه عنك.

والتوبة هي الرجوع، أن ترجع إلى الله، أستغفر الله وأتوب إليه، فلا تكون بقولك أستغفر الله وأتوب إليه باللسان فقط، وأما في القلب وفي الفعل لا تكون كذلك، فهذا يكون أثره ضعيف جدًا، هو له أثر، صحيح له أثر ولكن ضعيف، فالاستغفار يجب أن يكون اللسان مطابقًا للقلب، يعني ترجع إلى ربك حقيقةً، تفر إلى الله، وليس إلى الله عن الله مفر، أبدًا، المرجع إليه.

الإنسان إذا خاف من مخلوق هرب إليه، ولكن إذا خاف من الله إلى أين المهرب؟، لابد أن يكون الهروب إليه، {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ}[الذاريات:50]، الفرار (إلى) الله يجب أن يكون إلى الله جل وعلا في أنه يعفو ويغفر، وهو كريمٌ جواد، إذا طلب منه ذلك فإنه يغفر، وما أمرنا بهذا إلا أنه سيغفر لنا، وهو جل وعلا بكرمه وجوده يحب التوابين، الذين يكثرون التوبة، يحبهم.

فهو يحب أن يسأل، وإذا لم يسأل فإنه يغضب تعالى وتقدس، فلا تبخل على نفسك، وكل هذا يكون لك، الله لا ينتفع به بشيء، كله لك، نفعه لك، الله لا تضره معصية، ولا تنفعه طاعة تعالى وتقدس، فهو الغني بذاته عن كل ما سواه.

قوله جل وعلا: (يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني)، يعني أن الطاعات لا تنفع الله جل وعلا، والمعاصي لا تضره، وإنما تضر أصحابها، {وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا}[آل عمران:176]، وإنما يضرون أنفسهم، {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا}[آل عمران:178] حتى يزيد عذابهم، ويشتد، ويعظم.

فالمقصود أن الخلق مرجعهم إلى الله، وهم عبيده، خلقهم لعبادته، فمن قام بأمره واجتنب نهيه فسوف يفلح، ويلقى أفضل الجزاء، ومن خالف وشرد على الله، وبارزه بالمعصية وبالإباء، فلن يفوت الله فمرجعه إليه، وإذا كان مخالفًا فضرر ذلك على نفسه، وعذاب الله أشد وأبقى، ومن كان طائعًا فإنه يسعى لنفسه، فكلنا أسراء، ولا يفكنا إلا طاعة الله إذا أطعناه، وإلا أوبقتنا المعاصي.

ولهذا نحن بحاجةٍ ضرورية إلى أن نطلب من ربنا المغفرة والهداية، وأن يعفو عنا، ولهذا أمرنا بهذا، وهذا حديثٌ عظيم، يعني يجب أن يكون الإنسان ممتثلًا لما يذكره الله لنا جل وعلا على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.

قوله: (يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني). الله جل وعلا هو القهار، الواحد الذي قهر كل شيء، وبيده ملكوت كل شيء، فالعباد يتصرف فيهم كيف يشاء، ولا يضره أحد كما أنه لا ينفعه أحد، تعالى وتقدس.

ولكن ابن آدم قد يؤذي الله، لأن الأذى يكون للشيء الذي يخف أثره، ويضعف، أما الضرر فلا يلحق الله جل وعلا ضرر، فالخلق كلهم لا يضرون الله، ولكنهم يؤذونه إذا نسبوه إلى ما يتقدس ويتعالى عنه، الذين يجعلون له ولد، ويجعلون له زوجة، أو يصفونه بصفات العدم، أو يعطلونه عن صفاته، فهذا أذى يؤذي الله.

ولهذا ثبت في الصحيح قول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه أنه قال: (يؤذيني بن آدم، وما كان له ذلك، يسب الدهر وأنا الدهر، أقلب ليله ونهاره)، ومسبة المخلوقات مما يؤذي الله جل وعلا، ولهذا قال جل وعلا: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ}[الأحزاب:57]، فالأذى في لغة العرب للشيء الخفيف الذي لا يؤثر، كالكلام الذي يكون على غير حق، بباطل، والكذب فيه، والبهت، وغير ذلك، فلهذا لما ذكر الله جل وعلا الكفار : {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى}[آل عمران، 111]، فهم لا يضرون المؤمنين ولكن يؤذونهم في السب والشتم وغير ذلك، كما هو الواقع الآن، فالأذية تحدث من بني آدم لرب العالمين، وكذلك لرسله وملائكته، ولكن الذي يؤذي الله ويؤذي رسوله متوعدٌ بأنه ملعون، ويعذب في الدنيا والآخرة، فهو جرمٌ كبير، أما الضرر فالله لا يلحقه ضرر، تعالى وتقدس.

قوله : (لن تبلغوا ضري)، يعني لا تستطيعوا، مهما لو اجتمع الخلق كلهم ليضروا الله ما استطاعوا، ليس هذا باستطاعتهم ولا بقدرتهم، ولهذا قال: (لن تبلغوا)، ولن يبلغوا، لن يبلغ المخلوق أنه يضر الله جل وعلا.

وكذلك مقابل الضر الذي هو النفع، ما يحصل شيء، إذن الخلق فقراء إلى الله في كل لحظةٍ وفي كل وقت، والله غنيٌ عنهم وعن أعمالهم، فإذا عملوا على وفق أمر الله جل وعلا فإنهم يعملون لأنفسهم، وإذا لم يعملوا ذلك فإنهم لا يضرون إلا أنفسهم، لا يضرون الله شيئًا، وسوف يكون مآلهم ومرجعهم إلى الله جل وعلا فيحاسبهم على أعمالهم ولابد.

قوله : (يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحدٍ منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا)، فالله لا يضره الخلق ولا ينفعونه، ولم يخلق الخلق للتعزز بهم، أو للتكثر بهم، أو لينفعوه، وإنما خلقهم ليبتليهم هل يطيعون أو يعصون، وبين لهم طريق الهدى من طريق الضلال، وسهل الأمر عليهم، فمن أطاع فإنه أعد له الفضل العظيم، والخير الكثير، ومن عصاه فإنه لا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئًا تعالى وتقدس.

ومع ذلك هو جل وعلا جعل فيهم عقولًا وأفكارًا، وجل لهم آياتٍ تحيط بهم في الأرض وفي السماء وفي أنفسهم وفي جميع ما يكون محيطًا بهم، ومع هذا أيضًا أرسل لهم الرسول، وأنزل عليه كتاب، وكتابه محفوظٌ يقرأ ويتلى، فيجب أن يكون الإنسان متبعًا لهذا، وإلا ما له حجة، فالحجة لله جل وعلا، وسوف يندم غاية الندم.

قوله : (لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا). يعني لو أن الخلق، كل هذا على سبيل التقدير وإلا حكمة الله جل وعلا أنهم لا يكونون كذلك، بل لابد أن يكون فيهم الكافر، وفيهم المنافق، وفيهم الزنديق، وفيهم وفيهم من يطيع الشيطان ويكون من جنده، لأن الله خلق الجنة والنار، وأعدها للثقلين، للجنة والإنس.

وحكمته اقتضت هذا، ولكن هذا تقديرًا، لو قدر أن هذا يكون فلا ينفع رب العالمين جل وعلا، ولا يزيد في ملكه شيئًا، فله الملك كله سواءً وجد الخلق أم لم يوجدوا، فوجودهم وعدمهم سيان، ولهذا أخبر جل وعلا أنه لو شاء ذهب بهم وأتى بغيرهم، ولا يتغير شيء من ملك الله جل وعلا، ولا مما بيده جل وعلا، فالملك كله له، والأمر كله له، والحمد كله له.

فيجب أن تكون العبادة كلها له، ولكن أكثر الناس يأبون هذا، بل لابد أن يعبدوا الشياطين، لأنهم خلقوا للنار، خلقوا لجهنم، وهم يتحصلون النار ويسعون إليها بأفعالهم واختيارهم، لا أحد يرغمهم على هذا، بل يختارون ذلك، وهذا حكمةٌ من الله جل وعلا.

ولهذا أخبر الله جل وعلا أن أهل النار الكفار إذا وقفوا عليها وشاهدوها قالوا: {يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ} يقول: {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ}، فإذا الذي يخفونه من قبل هو التكذيب، تكذيب الرسل، وإلا هم يعلمون أنهم صادقين، بدا لهم الصدق والحق الذي تخبر به الرسل عيانًا.

ثم قال جل وعلا: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}[الأنعام:27،28]، يعني بعد معاينتهم النار، ومعاينتهم العذاب لو قدر أنهم يرجعون إلى الدنيا لعادوا إلى أعمالهم الكفرية، وكفروا بالله جل وعلا، فهم كاذبون في إخبارهم، فلله جل وعلا الحجة البالغة على عباده، وليس لأحدٍ حجةٌ على الله جل وعلا، فهو لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.

قد يتكبر الإنسان ويتجبر على ربه جل وعلا كما تكبر الشيطان، عندما أمره الله جل وعلا أن يسجد لآدم، قال أنا خيرٌ منه، خلقتني من نارٍ وخلقته من طين، معنى هذا أن هذا ليس هو العدل وليس هو الحكمة أنك تأمرني أن أسجد له، فهو اعتراضٌ على الله، وتكبرٌ على الله، جعل نفسه في موقفٍ يعترض على رب العالمين، ويقول إن هذا، حكمك هذا ليس عدلًا، وليس صحيحًا، الصحيح العكس، عكس ذلك.

قد يقول الإنسان مثل هذا، وهذا كثير، ولهذا السبب تجد بني آدم يخترعون من عند أنفسهم شرائع تضاهي شريعة الله، بل يبطلون شريعة الله ويجعلونها وراءهم، ويحكمون بشرعهم الذي توجده أفكارهم القاصرة، وأعمالهم التي هي تليق بهم، هذا تكبرٌ على الله، تجبرٌ على الله، وإيباء، إباء أن ينقادوا لحكم الله ولشرعه.

فما يكون جزاء مثل هؤلاء ؟! فالأمر الذي ذكره الله جل وعلا هنا، يقول لو قدر هذا الشيء أنه يكون فلا يكون ذلك ناقصًا مما عند الله، ولا يكون زائدًا مما عنده شيء، هذا كان أو لم يكن.

وكذلك عكس ذلك، لو كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحد ما نقص ذلك من ملك الله شيء، لأنه غنيٌ عنهم، وعن إيمانهم، وعن أعمالهم، وإنما خلقهم ليبتليهم فيجازي من يطيع ويتبع الرسل أفضل الجزاء، ومن أبى وتكبر وعاند فإنه لن يفلت الله جل وعلا، وسوف يكون مرجعه إليه، ويلقى جزاءه، وجزاؤه قد بينه جل وعلا له وحذره منه، ولكن لابد أن يرجع كل إنسانٍ لما خلق له.

قوله : (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيدٍ واحدٍ فسألوني فأعطيت كل واحدٍ مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر)، وهذا أيضًا يبين غنى الله جل وعلا، وأنه جل وعلا لو أعطى الخلق كلهم مسائلهم التي يسألون في آنٍ واحد، وفي مكانٍ واحد ما نقص ذلك شيئًا مما عنده إلا كما مثل.

ومعلومٌ أن الإبرة إذا أدخلت في البحر ثم رفعت انها ما تنقصه شيء، وذلك لأن الله جل وعلا إذا أراد شيئا قال له كن فيكون، ولهذا جاء في روايةٍ في هذا المكان: (إنما عطائي كلام)، وكذلك أمره بالكلام، فيقول للشيء كن فيكون، تعالى الله وتقدس.

وكل هذا لتعليمنا شيئًا من صفات الله جل وعلا حتى نعلم أننا الفقراء إلى ربنا، فنسأله بإلحاحٍ، وبفقرٍ، وبحاجةٍ ملحة تكون من باب الضرورة، فسؤالنا إياه المغفرة والتجاوز أشد من كوننا نحتاج إلى الأكل والشرب، الضرورة لنا فيه أعظم من ذلك.

لأن الإنسان إذا منع الأكل والشرب، قصارى الأمر أنه يموت، والموت لابد منه، ولكن إذا منع مغفرة الله ورحمته فالعذاب يكون ملازمًا له، فكل هذا لبيان هذا الأمر، حتى يعرف الإنسان فقره وحاجته إلى ربه جل وعلا فيسأله، ويطيعه، ويتبع أمره وشرعه.

قوله : (يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه). فالعباد يُجزون بأعمالهم، فالله يحصي أعمالهم عليهم، إحصاءٌ دقيق، وقد بين ذلك لهم وحذرهم أن يقعوا فيما يكون سببًا للعذاب، وأمرهم باكتساب الحسنات، وأخبرهم أنهم سوف يحتاجون إلى ذلك أمس الحاجة.

فإذا خالفوا فلا يخلو الأمر إما أن يكونوا غير مصدقين لخبر الله ولرسل الله ولوعده، أو أنهم في شك وتردد، أو أنهم معرضين، وهذا هو الغالب، الإعراض: يعني عدم الاهتمام، عدم الالتفات إلى هذا والاشتغال بالدنيا، في دنياهم إعراضًا عما سيرجعون إليه، فإذا حضر الموت تنبهوا، وقالوا يا ليت ويا ليت، وقد فات الوقت، وانتهى العمر، فلا يجوز أن يكون المؤمن بهذه الصفة، يجب أن يتنبه.

وكل هذا الكلام من أول الحديث إلى آخره كله لأجل ذلك، حتى نتنبه، ونعمل، ونجتنب الأمر الذي يكون سببًا لعذابنا، والأمر في هذا سهلٌ ميسورٌ، ولكن ليس لكل أحد، لمن يسره الله جل وعلا عليه، وهداه إليه، فالهدى بيد الله، ولهذا قال: (من وجد خيرًا فليحمد الله)، يعني أن الخير كله من الله، ليس منك شيء، وإنما الله جل وعلا هو الذي وفقك، وهو الذي هداك، وهو الذي حبب إليك الدخول في الإسلام، دخلت فيه، وهو الذي يتم عليك نعمته، فالخير كله له يجب أن يحمد على هذا.

والحمد معناه: الثناء عليه بصفاته الجميلة مع الحب والخضوع والذل، أن تحبه حب تأله، وتخضع له، وتذل له، أما إذا وجد الإنسان غير ذلك، يعني غير ما يكون لأهل الصلاح فإن الأمر يكون آيلًا إليه هو السبب، فلا يلومن إلا نفسه، هو السبب في هذا، فهو لا يجزى إلا بعمله، والعمل الذي يجزى به قد بينه الله جل وعلا لنا.

الحسنة يجزى بها عشر حسنات، عشر أمثالها، إلى ما لا حصر له، والسيئة بمثلها فقط، ما يزاد عليه، وهذا فضل الله، ليس هذا العدل، هذا الفضل، أما العدل فإن الحسنة بمثلها والسيئة بمثلها، ولكن ربنا جل وعلا لكرمه وجوده لا يعاملنا بعدله، وإنما يعاملنا بفضله وإحسانه، تعالى وتقدس، أما لو كانت المعاملة بالعدل لهلك الناس.

وذلك لأن ابن آدم خطاء، وخطاء معناه: كثير الخطأ، وملازمه، ملازمة للخطأ، الأخطاء ملازمةٌ للإنسان، ولكن إذا وفق للتوبة والاستغفار فهذا هو أفضل بني آدم، ولهذا قال: (وخير الخطائين التوابون)، والتوبة الرجوع إلى الله، فالتوبة أيضًا من فضل الله جل وعلا، فإذا وفق الإنسان إليها فليحمد ربه جل وعلا فإن الفضل له فقط، وليس من عندك شيء، وإنما هو من عند الله جل وعلا وتوفيقه وهدايته.

والأمر إذا نظر العبد إليه بإنصافٍ وعقل إذا هو سهلٌ ميسور، الله كلفنا بأشياء ما تمنعنا من اكتساب الدنيا، ولا تمنعنا من الأعمال، الصلوات الخمس في أربع وعشرين ساعة، الصلوات الخمس تأخذ من الأربع وعشرين ساعة يمكن ساعة فقط، وثلاثة وعشرون ساعة لك اعمل ما تريد فيها، ولكن يجب أن يكون قلبك معلقٌ بربك دائمًا، ما تخالف في نياتك ومقاصدك ما أمرك الله جل وعلا به.

وإن أردت أن تكتسب الحسنات الزائدة فهي ميسورة، فقلنا زيادة على الصلاة أنك لا تعبد إلا الله، يجب أن تكون العبادة لله وحده دائمًا، وزيادةً على هذا صوم رمضان، لابد أن تصومه، وتحج بيت الله في العمر مرة، ما يجب عليك إلا هذا، تحج وتعتمر مرة واحدة، هذا الواجب، وإذا زدت فهو فضل، فضلٌ يدخر لك.

ومع هذا كله إذا صلحت النية وحسنت صارت أعمالك العادية تكتسب بها حسنات، النوم يكون حسنات، والأكل، والمشي، وكل عملٍ تعمله تكتسب به حسنات، ولكن بشرط النية الصالحة، أن تنوي الخير، تنوي بالنوم أنك تمنع نفسك من مشاهدة الفساد، والقنوات الفاسدة، والكلام الذي لا يصلح، وكذلك تقول أستعد لأن أقوم أؤدي الفريضة التي فرضها الله علي نشيطًا، مستقبلًا لها فرحًا بها، إذا كان نومك لأجل هذا فهو عبادة تثاب عليه، وكذلك الأكل، إذا قدم لك الأكل ونويت أنك تتقوى بهذا الأكل على طاعة الله، وتمنع نفسك على الاطلاع عما في أيدي الناس كان أكلك حسنات تثاب عليه، وهكذا جميع ما تعمله، بشرط النية الصالحة.

أما إذا كان الأمر عادي، عادة كما هو الظاهر من فعل أكثر الناس، ينام عادة، ويأكل عادة، ويمشي عادة، وهكذا، فهذا مباح، لا تثاب ولا تعاقب، إلا إذا اقترن به شيءٌ يدل على سوء العمل أو غيره.

فالمقصود أن الأمر سهل ميسور على من يسره الله عليه جل علا، ولا يتصور الإنسان يقول أنا صعب علي الوصول إلى الخير وإلى الجنة، بل هو سهل، ولكن أعد نفسك لهذا، أحسن عملك، تعلق بربك، اسأله، خلك مستسلم لله، منقادًا له، محبًا له، تتصور أنك عبد، والعبد يخضع لسيده، ويذل له، وينقاد له، ما يتأبى عليه، فإذا كنت كذلك وفقك الله جل وعلا لأن تكون أعمالك وتقلباتك كلها طاعة حتى ترفع درجاتك في الجنة.

الجنة تكتسب بالأعمال، وأمرنا الله جل وعلا بالتنافس في هذا، لا تجعل فلان أرفع منك درجة، نافسه إنك تكون معه والا فوقه، بخلاف الدنيا فإننا نهينا عن التنافس فيها، لأنها زائلة ولا خير فيها إلا ما شاء الله جل وعلا.

المقصود أن هذا الحديث  فيه تحريم الظلم، أن الله حرمه على نفسه، وجعله بين الخلائق محرمًا، وفيه بيان غنى الله عن خلقه، وأنهم يعملون لأنفسهم، فمن أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها، وأنهم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحد ما زاد ذلك في ملك الله شيئًا، وبالعكس لو كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحد ما نقص ذلك من ملك الله شيئًا، وإنما يعملون لأنفسهم، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.

 نسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يجعلنا من المهتدين الذين يرجعون إلى ربهم بالاستغفار والتوبة والرجوع والإنابة .

 الحديث الخامس والعشرون

 عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه  أَيْضًا، “أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  قَالُوا لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم  يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ؛ يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ. قَالَ: أَوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ؟ إنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٌ بالمَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ المنْكَرٍ صَدَقَةٌ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي الحَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ، كَانَ لَهُ أَجْرٌ”. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

الشرح

هذا الحديث يحسن أن يوضع له عنوان: ” كثرة طرق الخير” ، وهذا حديث عن أبي ذر رضي الله عنه، وفيه شكاية الفقراء، فقراء المهاجرين والأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن إخوانهم أهل الأموال سبقوهم، ولم ينكر ذلك عليهم، فدل على أنه ينبغي المسابقة إلى الخيرات، وأنك لا يجوز أن يكون فلان وفلان أسبق منك إليه، تحاول أن تكون مساويًا له أو فوقه، وأن هذا أمرٌ مطلوب.

ولهذا أقرهم الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك، وأرشدهم إلى الأعمال التي يسبقون بها، أو يلحقون بها إخوانهم، أهل الصدقات وبذل الأموال طوعًا وتطوعًا لله جل وعلا .

والظاهر أن أبا ذر رضي الله عنه من هؤلاء الذين اشتكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشكواهم أنهم لا يتحصلون على الفضل الكبير والخير الذي يتحصل عليه إخوانهم  من أهل الأموال،  وليس هذا حسدًا وإنما هذا من باب التنافس في الخيرات، وهذا أمر مطلوب شرعًا.

ولهذا يقول جل وعلا لما ذكر فضل الجنة وقال: {وَفِيْ ذَلِكَ فَلْيَتَنَاْفَسُ اَلْمُتَنَاْفِسُوْن}[المطففين: 26]، والتنافس في هذا هو الطريقة التي أمر الله سبحانه وتعالى بها وليس التنافس في أمور الدنيا.

وقوله: من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. الظاهر أنهم الفقراء، وغالب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من هؤلاء لأنهم جاءوا من آفاق و وأقطار متعددة من الجزيرة هجرةً إلى الله ورسوله، وتاركين أموالهم  وأهليهم رغبة لما عند الله جل وعلا.

قوله : (إن أناسًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم الفقراء، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور)، والدثور هي الأموال، يعني أصحاب الغنا ذهبوا بالأجور لأنهم يتصدقون وينفقون، يتصدقون على المحتاجين، وينفقون في سبيل الله، والفقير ما عنده شيء يتصدق بذلك ويعمل، ومعلومٌ أن هذا فضله كبيرٌ وعظيم.

والدثور: هي الأموال.

قالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور، يعني أصحاب الأموال الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله وفي هذا معرفة فضل الإنفاق في سبيل الله، والإنفاق في هذا له طرق متعددة وكثيرة قد بينها كتاب الله جل وعلا، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومنها ما يضاعف، الدرهم يكون بسبع مائة درهم، كما قال الله جل وعلا: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ}[البقرة:261].

يعني أن الله يزيد المضاعفة على ذلك أيضا لمن يشاء، وقد تكون المضاعفة بغير عدد وبغير حساب، والله جل وعلا فضله واسع.

ومن ذلك الصدقة على الفقراء، ومن ذلك حتى إذا أحسن الإنسان نيته ، كما سيأتي .

ما يأكله وما ينفقه على أهله وعلى أولاده وعلى أقاربه لكن هذا يجب أن يكون عن نية، أما إذا كان عادة أن ينفق هكذا عادة ليأكل ويؤكل غيره فهذا أمر مباح قد لا يكون فيه أجر.

ولهذا ذكروا الشيء الذي يساوونهم فيه، ثم ذكروا الشيء الذي فضلوهم به، فقالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم ولا نتصدق. هذا زائد، وهذا الذي يسبقونهم فيه، وليس عندهم مالٌ يتصدقون به، وإنما يريدون أن يلحقوا إخوانهم، ما يريدون أن يكونوا أحط منهم درجة، أما الدنيا ما كانوا يريدونها، وإنما يريدون الآخرة، ولهذا قالوا: يتصدقون ولا نتصدق، يبذلون أموالهم وليس عندنا مالٌ نبذله.

وقولهم: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم ولا نتصدق، ليس عندنا شيء نتصدق به، فهذا وجه كونهم ذهبوا بالأجور وَفَضَلوهم في ذلك، مع أنه جاءت نصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم صحيحة أن فقراء المهاجرين يدخلون قبل الأغنياء الجنة بخمس مائة سنة، بنصف يوم، واليوم كألف سنة، وذلك أن الأموال يكون عليها تبعات يحاسب الإنسان (…).

وقولهم: يصلون كما نصلي. يعني الصلوات التي يجتمعون لها، الصلوات الخمس، الجماعة، وأن لا يجوز أن يكون هناك صلوات يصلونها ولا يصليها غيرهم، من النوافل التي جعلها الله جل وعلا مجالًا للتنافس  بين عباده أيضا، في الليل والنهار، فالصلاة خير موضوع، فمن شاء أن يستزيد فليتزود وليست محصورة في أشياء محددة.

ولهذا لما قال رجل: من من يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، قال له: (سل ليجازيه عن خدمته ، قال: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: أو غير هذا؟، قال: هو ذاك، قال: إذا أعني على نفسك بكثرة السجود)، فكلما سجد العبد لله سجدة فإنه يتقرب بها إلى ربه، ويرفعه الله جل وعلا بها منزلة إذا قبلت.

وصلاة الليل والناس نيام كما قال صلى الله عليه وسلم: (تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار)، وكذلك ترفع الدرجات، وقد مر الحديث في هذا.

فالمقصود أن هذا في الظاهر فقط، كلامهم في الشيء الذي ظهر لهم، وأن لا يجوز أن يكون هناك منافسة وتفاضل غير معروف لهم، لأنه يكون في الخفاء، في البيوت، في الليل، وكذلك غيرها مما لا يكون ظاهرًا من خضوع الإنسان وذله لربه وذكره له، وأفضل الأعمال أن يكون لسان الإنسان رطبا بذكر الله في كل وقت، فالذكر من أفضل الأعمال.

فإذاً مجال التفاضل واسع، وليس الشيء المشاهد فقط، ولكنهم نظروا إلى الشيء الذي يشتركون معه فيه، والشيء الذي لا يستطيعون المشاركة، فذهبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يشتكون ذلك طلبا أن يفتح لهم من المجالات التي فيها المساواة، أن يساووا إخوانهم، أو أنهم يلحقوا بهم.

وفي هذا أن الإنسان ما ينبغي له أن يقصر في العمل، أن يجتهد حتى يكون مع المجتهدين في الدرجات الرفيعة، ومعلومٌ أن الجنة أنها جنان، كما قال صلى الله عليه وسلم، وكما ذكر الله جل وعلا لنا في كتابه، فإنه ذكر أنها مختلفة قال: {وَلِمَنْ خَاْفَ مَقَاْمَ رَبِّهِ جَنَّتَاْن* فَبِأَيِّ آْلَاْءِ رَبِكُمَا تُكَذِّبَاْن * ذَوَاْتَاْ أَفْنَاْن}[الرحمن:46:48]، وذكر من أوصافها الأوصاف العالية جدا، ثم بعد  ذلك قال: {وَمِنْ دُوْنِهِمَاْ جَنَّتَاْن}[الرحمن:62]، يعني من دونهما أقل منهما في جميع ما تشتملان عليه.

ولما قالت امرأة من الصحابة ممن قتل لها ابن في الجهاد، قالت: يا رسول الله أخبرني عن ابني إن كان في الجنة سلوت، وإن كان في غير ذلك سترى ماذا أصنع، فقال: (أو هبلتي! هو في جنان)، وليست جنة واحدة، جنان.

وفي حديث يقول صلى الله عليه وسلم: (إن أهل الجنة يتراءون أصحاب الغرف كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء). أصحاب الغرف الذين سبقوا إلى تلك الغرف بالأعمال، فضلوا غيرهم.

فالمقصود أن التفاضل مجاله واسع جدًا، وأعظم ما يكون التفاضل فيه ما يقر في القلوب من خوف الله وخشيته، وإدامة ذكره، والخضوع له، وطاعته جل وعلا، وليست الأعمال الظاهرة فقط.

لهذا يقول بعض السلف: ان أبا بكر رضي الله عنه ما سبق الصحابة بكثرة صوم وصلاة، وإنما سبقهم بشيءٍ وقر في قلبه، يعني من معرفة الله وخوفه.

فأرشدهم صلى الله عليه وسلم إلى أمرٍ سهل، ما يحتاج إلى مال، قال: (أوليس قد جعل الله لكم ما تتصدقون به!، إن لكم بكل تسبيحةٍ صدقة، وبكل تكبيرةٍ صدقة، وكل تحميدةٍ صدقة، وكل تهليلةٍ صدقة، وأمرٍ بالمعروف صدقة، ونهيٍ عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة)، فهذه أشكلت عليهم، ولكن أولًا التسبيح، والتكبير، والتحميد، والتهليل، المقصود به المثال، وليس فقط أن تقول سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا إله إلا الله، وكذلك بقية الأذكار، لا حول ولا قوة إلا بالله، والقراءة، قراءة القرآن، وأي عملٍ تعمله يدخل في هذا، من أعمال البدن أو أعمال القلوب.

فمعنى ذلك أن هذا يكون الإنسان مأجورًا عليه ومكتوبًا له به رفعة الدرجات، وهذا سهل لا يحتاج إلى رأس مال، ولا يحتاج إلى كلفة، لأنه كلامٌ باللسان، واللسان إذا ما شغلته بالحق، والخير، والفضل، شغلك هو بالباطل، إذا ما كنت تكبر وتسبح وتهلل، تكلمت في أعراض الناس، وتكلمت في ما يعود عليك ضرره، ويكون فيه حط من قدرك، وهبوطٌ في حسناتك، ففرقٌ بين هذا وهذا.

ومعنى ذلك أن الإنسان أعطي وقتًا وعمرًا وقوةً، وكذلك جوارح يكتسب بها الخير، فرأس مالك عمرك، أوقاتك، إذا وفقك الله جل وعلا استغللت الوقت بالطاعة، وإن كنت من الخاسرين ذهب وقتك بلا طاعة، والخسارة في هذا تتفاوت، فإذا كان الوقت يُستغل بالمعاصي فهذا قتلٌ للإنسان، وتدميرٌ له، وسعيٌ حثيث إلى النار، نسأل الله العافية .

فيجب أن يفكر الإنسان في هذا، فذكره للتسبيح والتحميد، يعني احفظ وقتك، احفظه بالطاعة، فأنت ما انت بحاجة إلى أن تقوم الليل، وتسهر النهار، وتكد، اشغل لسانك وقلبك بذكر الله جل وعلا، والرجوع إليه، والإنابة له، وتكون في أرفع الدرجات إذا فعلت هذا.

لما ذكر أن التسبيحة فيها صدقة، والتكبيرة فيها صدقة، والتحميدة فيها صدقة، أشار إلى أن هذا ليس خاصًا بذلك، يعني أنه يدخل في الأمور العادية التي يفعلها الإنسان بشرط أن تكون نيته طاعة الله، وامتثال أمره، وكف نفسه عما حرمه الله عليه، فإذا فعل ذلك صارت أعماله كلها طاعات.

ففرقٌ بين إنسانٍ مثلًا يعمل هذه الأشياء عادة، وإنسانٌ يعملها عبادة، فلا يجوز للإنسان أنه يغفل عن هذه الأشياء، بل يجب أن يفكر فيها ويعمل لعل الله جل وعلا يرفع درجاته يوم يقسم الدرجات بين عباده، فهناك من يكون مغبونًا، وهناك من يكون مغبوطًا، فالفرق عظيمٌ جدًا.

فمعنى ذلك ليس التقسيم تقسيم الدرجات بالصلاة والصوم والحج فقط، الشيء الذي هو فرضٌ لابد منه، بل الأمور الزائدة هي التي يكون بها الرفعة، والتوفيق بيد الله جل وعلا .

وقولهم: ويتصدفون بفضول أموالهم  يعني من الأموال التي فيها نفع الغير، سواءً كان على من يكون فقيرًا، أو النفقة في سبيل الله، والنفقة في سبيل الله هي أفضل ما ينفق فيه الأموال، ثم قال: أوليس الله قد جعل لكم ما تصدقون، فكانوا يريدون مثل هذا الذي يقوله لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم بين ذلك ، أن في  كل تسبيحةٍ صدقة، يعني أن المجال مفتوح أمامكم، التسبيح والتكبير والتهليل، وتحميد الله جل وعلا وكل راجع إلى ذكر الله جل وعلا، ومن ذلك أيضا الأمر بالمعروف فقال: إن بكل تسبيحة صدقة، تسبيحة أن تقول سبحان الله، وبكل تكبيرة صدقة، بأن تقول الله أكبر، فهي صدقة يعني فيها حسنة، يعني لك فيها حسنة مدخرة سوف يجزيك الله جل وعلا بها، والمقصود بالصدقة يعني صدقة على نفسك، صدقة تتصدق بها على نفسك، وليست على الله ولا على شيء خارج عن نفسك، وكذلك التحميد، أن تقول الحمد لله، والتهليل قولك لا إله إلا الله.

وجاء أن هذا أفضل من المال، يقول الله جل وعلا: في المفاضلة بين هذا وهذا: {اَلْمَاْلُ وَاَلْبَنُوْن زِيْنَةُ اَلْحَيَاْةُ اَلْدُنْيَاْ وَاَلْبَاْقِيَاْتُ اَلْصَاْلِحَاْتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاْبًا وَخَيْرٌ أَمَلا}[الكهف:46].

جاء عن ابن عباس أن الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.

هذه نفسها التي ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم، الله جل وعلا يقول أنها خير من المال وخير من الأولاد.

وكونها باقيات: يعني أنها أمامك مدخرة، وصالحات: إذا أتيت بها مخلصا صادقا صارت من الصالحات، فهذا يكون أفضل من المال لمن عقل ذلك وفهمه وأخلص فيه لله جل وعلا، ومعلوم أن هذا سهل وميسور ولا يحتاج إلى كد، وإنما يحتاج فقط أن يكون الإنسان قلبه معلقٌ بربه جل وعلا، وأن يكون دائما قلبه مع لسانه ذاكرًا لربه، وهذا معناه أنه يمنعه ذلك من فعل المحرمات، إذا رأى المحرم ذكر ربه فاجتنبه،  وكذلك إذا رأى خيرًا أقدم عليه راغبًا.

وقوله: وأمرٌ بالمعروف صدقة. المعروف يعني الذي جاء به الشرع، الأمر الذي أمر الله جل وعلا به فهو صدقة عليك تتصدق بها على نفسك، كما أنه صدقة على أخيك، إذا أنقذه الله جل وعلا بسبب أمرك ونهيك له وترك ما هو ضد المعروف.

لأن الأمر بالمعروف: أنك تأمر من لم يفعله أن يفعله، وهو أيضا يقترن بالنهي عن المنكر تنهاه.

والمنكر: هو كل ما جاء خلاف الشرع من قول أو فعل.

ولكن هذا يتطلب أن يكون الإنسان عالمًا بذلك، أن يكون يعرف أن هذا معروف بالشرع، وأن هذا المنكر منكر في الشرع، يعرف الدليل على هذا، ولا يكون كبعض الناس إذا كان عنده عادات وأمور عاش عليها وخولفت اشتد نكيره، ويرى أن هذا منكر وهو ليس منكرًا.

أو أنه مثلا يأمر بأمر لا يكون ثابتا وإن كان ليس من المنكر، لأن العبادة يجب أن تكون مشروعة، فالعبادات توقيفية.

ومعنى توقيفية: يعني موقوفة على مجيء الأمر بها من الرسول صلى الله عليه وسلم.

فلا يجوز للعبد أن يقدم على عبادة من العبادات وهو لا يدري أشرعت أم لا، مشروعة أو غير مشروعة، وهذا معنى كون العبد يقول: أشهد أن محمدا عبده ورسوله، يعني يؤمن بأنه رسول ويتبعه بالأوامر التي جاء بها، أما أن يكون جاهلًا بذلك فهذا تقصيرٌ منه.

وقوله: (وفي بضع أحدكم صدقة)، البضع معناه: إتيانك زوجك، ولهذا قال الصحابة: كيف أحدٌ يأتي شهوته فيكون له صدقة؟ قال: (نعم، أرأيتم لو وضعها في حرام أليس عليه وزر، قالوا: بلى، قال كذلك إذا وضعها في الحلال فله أجرٌ)، يعني أنه كف نفسه عن الحرام، والنظر إلى ما لا يحل، وفِعْلُ ما لا يحل، فإذا كف نفسه مقتصرًا على ما أحله الله له كان له بذلك أجر، واكتسب بذلك أنه كف نفسه ومنعها من الوقوع في المحرم، وتحصل على الأجر، ومثل ذلك الأكل، والشرب، وغيره، يدخل في هذا كله.

ولكن بشرط النية التي ذكرت لكم، أن ينوي بذلك طاعة الله جل وعلا، والتقرب إليه، والتقوي على ما أمره الله جل وعلا به، وكف نفسه ونظره وسمعه وبصره عما حرمه الله جل وعلا، وقد قال الله جل وعلا: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً}[الإسراء:36].

السمع لا تستمع إلى الخناء، لا تستمع إلى الأغاني، لا تستمع إلى قول الزور، وإلى ما لا ينفع، إلى الدعوات الفاسدة الخبيثة التي بها إفساد الأخلاق، وكذلك النظر، النظر نعمةٌ كبرى كالسمع، وهبك الله إياه لتنتفع به، ما هو لتكتسب به السيئات، ويكون عليك وبالًا، فإذا عكست القضية انعكس الأمر عليك تمامًا.

فاحم سمعك أن تسمع الشيء الذي لا يجوز، واحم بصرك أن تنظر إلى الشيء الذي حرمه الله عليك، واجعله في ما أحله الله جل وعلا لك، تكتسب بذلك الثواب ورفعة الدرجات.

وقوله: وفي بضع أحدكم صدقة، بضع: يعني مضاجعته لزوجته.

بأنه فيها صدقة، وصدقة على نفسه، عند ذلك تعجب الصحابة، كيف يأتي الإنسان شهوته ويكون له صدقة؟! فقال لهم: (أرأيتم لو وضعها في حرام أليس عليه وزر؟ قالوا: بلا، قال: كذلك إذا وضعها في حلال).

ومعنى ذلك أنه كف نفسه عن التطلع إلى الحرام، وقسرها على ما أحل الله جل وعلا له، وهذا مثال من رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا، وإن ليس هذا فقط.

مثل ذلك الأكل، إذا أكل طعاما مما أحله الله له فإنه له فيه صدقة، لأنه منع نفسه أن يتطلع إلى ما في أيدي الناس، أو ما هو محرم، وكفها عن ذلك، فيكون في ذلك صدقة على نفسه.

وقد جاء ما هو أبلغ من هذا، ففي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما زار سعد ابن أبي وقاص رضي الله عنه، وكان مريضًا في حجة الوداع بمكة، أصابه مرض فزاره الرسول صلى الله عليه وسلم، فشكى إليه، قال يا رسول الله، (مخلف بين أصحابي)!، فقال: (عسى الله أن يمد في عمرك -ونحو هذا- فينتفع بك قوما ويُضَرُّ بك آخرون)، وذكر له من الفضل لما قال أن بيدي مال ولا يرثني إلا بنات، هل أتصدق بنصف مالي؟، قال: لا، قال: بالثلث؟ قال: (الثلث، والثلث كثير).

ولكن المقصود أنه ذكر له فضل مال وأنها قال: حتى اللقمة التي ترفعها إلى في امرأتك لك فيها صدقة، ومعلوم أن هذا شيء واجب، يجب على الإنسان أن ينفق على زوجته وعلى أولاده، وله في ذلك صدقة، وهذا أفضل من صدقة التطوع.

ولكن هذا كما سبق لا بد فيه من النية، أن يحتسب الإنسان ذلك، يحتسب أن هذا امتثال لأمر الله، وأنه أيضا منعًا من أن يتطرق إليه الباطل والحرام من الأكل وغيره، لا له ولا لمن ينفق عليهم، وهذا مثل ذلك.

فعلى هذا نقول : إن طرق الخير كثيرة جدًا لمن وفقه الله جل وعلا، ولكن الأمور التي اعتادها الإنسان مثل: الأكل، والشرب، والمشي، والنوم، والأمور المعتادة التي تسمى عادة، هذه لا بد فيها من النية، ينوي الإنسان أنه بذلك أنه يطيع الله، ويتقوى بذلك على طاعته، ويمنع نفسه من التطلع إلى الحرام.

فمثلا النوم، يمكن أن يكون عادة ويمكن أن يكون عبادة، فإذا نام الإنسان عادة هكذا هذا أمر مباح، لا له ولا عليه، ولكن إذا نام بنية أنه يتقوى بنومه على أنه يقوم يؤدي عبادةً لله جل وعلا نشيطًا مبكرًا، ويمنع نفسه من النظر إلى ما لا يجوز النظر إليه، القنوات الفاسدة، وما أشبه ذلك،

وكذلك أن يمنع سمعه من أن يستمع لشيء لا يجوز، فإنه بهذا يكون على عبادة، يكون نومه عبادة.

وفرق كبير جدا بين من يكون نومه عبادة ومن يكون نومه عادة، فالعادة ليس فيها لا أجر ولا وزر إذا سلمت من الأمور التي تتعلق بها (…) أما إذا نام بهذه النية فإنه يكون نومه عبادة. فيمكن أن يكون تحركات الإنسان كلها وسكناته عبادة بالنية الصالحة، وهي ليست صعبة وإنما تحتاج إلى استحضار وإخلاص في قلبه.

وهكذا المشي، إذا ذهب إلى مثلا السوق التي هي معتادة،  إن كان في نيته أنه يطلب الرزق الحلال ليكف نفسه، وليقوم بما يجب عليه، كان مشيه عبادة، وهكذا الجلوس وغيره.

فالأمور المعتادة كلها تكون عبادة بالنية الصالحة إذا وفق الله جل وعلا.

ولهذا نبه صلى الله عليه وسلم بقوله: أرأيتم لو وضعها ، يعني : شهوته، في حرام أكان عليه وزر؟ قالوا: نعم، قال: كذلك ،وهذا من باب القياس ، فإذا وضعها في حلال، ولكن كما سمعنا لا بد أن يكون ذلك بنية وليس قضاءً للشهوة، والعادة التي اعتاد عليها، فإن هذه تكون مباحة فقط، لا له ولا عليه.

ولهذا كان الصالحون من أنبياء الله وأوليائه تكون هذه الأمور عبادات يرتفعون بها درجات كما جاء في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: قال سليمان عليه السلام: (لأطوفن الليلة على مئة امرأة كل واحدة تأتي بفارسٍ يقاتل في سبيل الله، فقال له الملك: قل إن شاء الله فلم يقل، فلم يأت واحدة منهن بولد إلا واحدة جاءت بشق ولد، يقول صلى الله عليه وسلم: لو قال إن شاء الله لقاتلوا كلهم في سبيل الله).

والشاهد في هذا أن طوافه عليهن ليس للشهوة وإنما حتى يكون هذا الذي ذكره، يأتي مائة ولد يقاتلون في سبيل الله، فهذا من العمل الصالح الذي يرتفع به العامل بذلك درجاتٍ عند الله جل وعلا، بخلاف ما إذا كانت الأمور التي يأتيها أمورٌ معتادة.

ففي هذا الحديث من الأحكام :

 أن العبد ينبغي له أن يسابق في الخيرات، وأن لا يكون همته دون، بل تكون همته عالية، ولا ينبغي أنه ينظر إلى العاملين فيتقاعس عن ذلك، لأن الصحابة رضوان الله عليه هذا نهجهم، وأقرهم الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك وشجعهم.

ثم نقول : ليس هذا من باب الحسد، بل هذا من باب التنافس في الخيرات، وإلا صفة المؤمن أنه يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ولكن ما ينبغي له أن يقصر (…) عنه، وهذا معناه أن الإنسان لا يحقر نفسه، وإن كان يرى غيره قد جاء بأعمالٍ كبيرة، فهو كذلك يحاول ولو في الدعاء.

ولهذا يقول صلى الله عليه وسلم: (إذا سألتم الله جل وعلا الجنة فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة ووسطها وسقفها عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة).

لا يقول الإنسان أنا لا أستحق هذا، الجنة بفضل الله ،والله يعطي بلا حساب، فينبغي للعبد أن يحسن المعاملة، وأن يعظم الرغبة عند ربه جل وعلا، ولا تكون همته قاصرة، فهذا الذي يشير إليه (أول) هذا الحديث.

ثم، إن هذا فيه تفاوت الناس في الأعمال، وإذا تفاوتوا في الأعمال فهم يتفاوتون في الدرجات، لهذا صارت الجنة درجات، درجة فوق الأخرى، ففي صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن في الجنة مائة درجة، ما بين واحدة والأخرى كما بين السماء والأرض، أعدها الله للمجاهدين في سبيله)، هذه فقط لهؤلاء.

لكن انظر كيف التفاوت ؟!، مائة درجة كل واحدة فوق الأخرى، وكل واحدةٍ بينها وبين الأخرى مثل ما بين السماء والأرض، فهذا يدلك على التفاوت في عمل الواحد فقط، فكيف إذا تفاوتت  الأعمال ؟!، ولهذا صارت الجنة درجات عالية جدًا.

مثل ما سبق أن أهل الجنة ينظرون إلى أصحاب الغرف مثل ما ننظر إلى الكوكب الذي في أفق السماء بعيد، بعيد عنا، وكل هذا لما يقوم في القلوب من معرفة الله جل وعلا وبالخضوع له والذل له وكذلك العمل.

فهذا دليل على تفاوت الناس في فضل الله جل وعلا في الدنيا والآخرة، وقد يقوم الإنسان بجوار الآخر في الصلاة، فيكون أحدهم بينه وبين من في جواره مثل ما بين السماء والأرض، هذا خاضعٌ لله وذال ويشاهد كأنه يشاهد ربه، والآخر قد يكون مفكرًا في أمور الدنيا، لا يحضر قلبه إلا قليلا، وقد لا يحضر، وكذا نبهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا الشيء، فقال: (إذا قام أحدكم في الصلاة فإنه يناجي ربه، فلا يبزقن أمامه ولا عن يمينه).

ومناجاة الله ليست أمر سهل، أمر عظيم جدا، الإنسان لو ناجى مخلوقًا من الناس الذين مثلا وزير ولا أمير وإلا لغبطه الناس، قالوا ما منزلة هذا!!، فكيف بمن يناجي الله جل وعلا ؟!، والمناجاة معناها أنك تخلو به، ففي كل الصلوات هكذا، العبد يناجي ربه، فمن يستحضر هذا بينه وبين من لا يستحضره فرق كبير جدا وهكذا يقال في جميع الأعمال، وهذا يدلك على التفاوت العظيم وينبغي للإنسان أن يجتهد في هذا ولا يقصر.

ثم فيه فضل الصدقة، وفيه أن الذي لا يجد الصدقة أن الشرع فيه أمورٌ كثيرةٌ يمكن أن تعوضه عن المال الذي ينفقه بشرط الإخلاص وبشرط المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك .

وفيه أن كل عملٍ يعمله الإنسان صدقةٌ عليه، صدقةٌ على نفسه يتصدق بها، ومعلوم أن الإنسان محتاج إلى هذا حاجةً كبيرةً جدا.

والصدقة: معناها الحسنة التي يكتسبها العبد سوف يلقاها أحوج ما كان إليها.

وفيه الإشارة إلى أن النية أبلغ من العمل وخير منه، وقد جاء هذا في لفظ حديثٍ رواه الطبراني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (نية المؤمن أبلغ من عمله).

ومعنى أبلغ: أنها يمكن أن (يبلغ بها ويصل فيها) ما لا يصل إلى العمل.

ومعلوم النية المقصود بها: ما يقوم في القلب من الإخلاص ومعرفة الله جل وعلا.

وفيه أن الموازنة بين الحسنات والسيئات عند العبد لا بد ينظر، وأن الحسنة تمحو السيئة، وقد يكون مثلًا الإنسان له حسناتٌ كثيرة، وسيئاتٌ كثيرة، فيوازن بينها وقد يكون بالعكس.

نسأل الله جل وعلا أن يرزقنا التوفيق والسداد، وأن يجعلنا من الذين يمتثلون أمر الله، ويتبعون سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، نسأله أن يقبل منا وأن يعفُ عنا.

 

الحديث السادس والعشرون

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه  قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  “كُلُّ سُلَامَى مِنْ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ تَعْدِلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَبِكُلِّ خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا إلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ”. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ.

هذا الحديث أيضا شبيه بالذي قبله .

قوله : كل سلامى؛ والسلامى المفصل أو العظم الذي يكون له نهاية في الإنسان.

والإنسان يقولون فيه أكثر من ثلاثمائة مفصل، ومعنى هذا أنه كل يومٍ يكون عليه صدقة بعدد هذه الأشياء، وقد جاء ذلك صريحًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد استكثر الصحابة ذلك  قالوا: كيف يعني علينا كل يوم الإنسان عليه ثلاثمائة أو ثلاثمائة وستون صدقة؟، فبين لهم أن الأمر سهل في هذا، فقال: كل يوم كل سلامى من الناس.. يعني من الرجل أو المرأة .

 وقوله : كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ تَعْدِلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، يعني :كل يوم يكون عليك هذا العدد من الصدقات ثلاثمائة وستون صدقة، وتصوروا أن الصدقة أنها مال يبذل المال المعروف، فبين صلى الله عليه وسلم أنه ليست الصدقة مقصورة على ذلك .

 قوله : كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ تَعْدِلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، يعني أنك إذا حكمت بين اثنين أو أصلحت بينهما أو أزلت ما بينهما من شحناء أو من خصومة أو ما أشبه ذلك أن هذا صدقة، ولو بكلمة.

وقوله : ” وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ “ يعني : كونك تعين أخاك، ولو أن مثلا تمسك له دابته التي يركب فيها أو ترفع له متاع أو تعطيه شيئًاً يحتاج إليه من عصى وما أشبه ذلك يكون صدقة.

وقوله : ” وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ “ الكلمة الطيبة هذا أمر عام كثير جدا، ذِكر الله، وأمرٍ بالمعروف، وإلقاء السلام، وكذلك دعاء، تدعو لأخيك، وما أشبه ذلك كثير جدا، وكذلك آية تتلوها، أو حرف من كلام الله تتلوه، فهو يشمل أشياء كثيرة جدا، الكلمة الطيبة تكون صدقة تتصدق بها.

وقوله : ” وَبِكُلِّ خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا إلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ “الخطوة التي تخطوها قاصدًا بيتًا من بيوت الله تؤدي عبادةً لله جل وعلا، كل خطوة يكون لك بها صدقة، فينبغي أن يكثر الإنسان الخطى إلى المساجد، و لاسيما إذا كان يوم الجمعة، فقد جاء حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من اغتسل وغسل وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب واستمع وأنست، ولم يفرق بين اثنين، ولم يتخطى رقاب الناس كان له بكل خطوة يخطوها عمل سنة ذاهبًا وراجعًا)، وهذا من الفضل العظيم الذي يفرط فيه الناس، لأنهم لا يعرفونه، أو أنهم يزهدون في أمور الآخرة، ولو قيل للإنسان إن لك في كل خطوة تخطوها إلى المكان الفلاني ريال لتزاحم الناس عليه مزاحمةً قد لا يجد الإنسان له مكانًا في هذا الطريق، أما أمور الآخرة ففيها الزهد، يزهد فيها الناس إما جاهلًا لها  وإما استبعادًا لذلك، وإما صوارف كثيرة تصرف العبد عن هذه الأمور.

قوله : ( غسل واغتسل وبكر وابتكر ..) هذه كلها من المبالغات ، من المبالغة أن تبالغ، غسِّل تبالغ في التغسيل، ولهذا قال مشى ولم يركب المشي يغني عن الركب ولكن كلها تأكيدات وكذلك استمع وأنصت فالاستماع والإنصات شيء واحد، ولكن فيها مبالغة حتى يحرص الإنسان على هذا ويأتي به تاما، وإن كان بعض العلماء فسر هذا بغير ذلك، قالوا: غسل واغتسل، يعني غسل نفسه  وغسل غيره يقصد إلى زوجته، ولكن ليس كل أحد يكون بهذه المثابة، والحديث قيل للأمة كلها عامة، ألي عنده زوجة، والي ما عنده زوجة، فمقصود هذا المبالغة أن يبالغ في هذا الشيء والتأكيد على هذه الأمور.

فكذلك الخطوات التي يخطوها إلى المسجد، وهذه تحتسب له ذهابه إلى المسجد ورجوعه إلى بيته، كل خطوة له فيها حسنة، وفي الأخرى يحط عنه سيئة، وهذا أمر ليس سهل، يعني أمر  كبير جدا ينبغي أن يستحضره الإنسان ويعمل عليه ويكثر الخطى لأن فيها تحصيل الصدقات الكثيرة.

وقوله : ” ، وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ” ، والأذى إما حجر وإما شوك، وإما شيءٌ يؤذي المار والسائر في الطريق، فهذا أيضًا فيه صدقة.

وقد جاء أنه يُجزي عن هذا كله يعني عن الصدقات كلها يجزي عنها ركعتان من الضحى يركعهما العبد، يؤدي ركعتين يجزي عن ثلاث مائة وستون صدقة،

وهي ركعتين تطوع ” الضحى”  ركعتين ليس  معناها أنك ما تزيد عن ركعتين !؛ ولكن إذا أديت الركعتين قامت مقام هذه الصدقات الكبيرة، وإن زدت فالفضل واسع.

 فهذا ينبغي للإنسان أن لا يخل به، وأن يستحضر هذه الأشياء ويخلص النية في ذلك حتى يتحصل على هذه الصدقات التي ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم.

فهو يذكر لنا ذلك حتى ينوي العبد هذا ويحتسب ذلك، فيتحصل على الفضل الكبير وهذا فضل الله جل وعلا يؤتيه من يشاء.

 

 

*********

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الحديث السابع والعشرون

عَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ رضي الله عنه  عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم  قَالَ: ” الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نفسك، وَكَرِهْت أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ”.رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ رضي الله عنه  قَالَ: أَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  فَقَالَ: “جِئْتَ تَسْأَلُ عَنْ الْبِرِّ وَالْإِثم؟ قُلْت: نَعَمْ. قَالَ: استفت قلبك، الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إلَيْهِ النَّفْسُ، وَاطْمَأَنَّ إلَيْهِ الْقَلْبُ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاك النَّاسُ وَأَفْتَوْك”.

حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَيْنَاهُ في مُسْنَدَي الْإِمَامَيْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَالدَّارِمِيّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.

الشرح

حديث النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ رضي الله عنه  عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم  قَالَ: “الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نفسك، وَكَرِهْت أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ.

هنا البر والإثم، فالإثم يُقاطع البر.

والبر: فسره صلى الله عليه وسلم بحسن الخلق، وذلك أن حسن الخلق يمنع الإنسان من اقتراف ما لا يجوز، ويحمله على الخير، ودرء ما هو من آثار الغضب، وآثار الانتصار للنفس، وهذا كله من أمر الشرع الذي جاء به،جاءت به الشريعة.

أما البر: فهو كلمة جامعة، وقد يطلق على شيء معين، على الإحسان إلى الخلق.

والإحسان أولاً يكون خاصًا ويكون عامًا .

ولهذا جاء لما سأل الصحابي من أولى الناس بحسن صحبتي ؟ قال:(أمك، ثم أبوك، ثم الأدنى فالأدنى).

إذا أطلق البر ويقصد به الإحسان إلى الخلق، فأول ما يدخل في ذلك الوالدين، وقد أمر الله جل وعلا ببرهما في نصوص متعددة وكذلك في الأحاديث.

وقد يأتي البر ويقصد به ما هو عام، بل يقصد به كل ما جاء به الشرع، فيكون بمنزلة التقوى أو بمنزلة الإيمان، كما قال: الله جل وعلا: ﭐﱡﭐ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ  ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ  ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ  ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱡ  ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨﱩ  ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯﱰ ﱱ ﱲ  ﱳﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱠ [البقرة:177] .

جعل الإيمان بالله والملائكة والكتاب وأداء الزكاة، والصبر على المكاره، والصبر في البأساء، والصبر على المرض وغيره، كله داخل في البر، فيكون كلمة جامعة يدخل فيها الخير كله .

ولكن هنا شيء خاص، وهو الظاهر أنه كما يظهر من سياق الحديث، أنه الشيء الذي يريد أن يسلكه، ويجتنب ما فيه إثم، يعني ما فيه الخير الخاص للإنسان نفسه، ولهذا قال له: حسن الخلق .

وحسن الخلق: معروف أنه يُراد به، معاملة الناس بالأخلاق الحسنة، وليس الشيء الذي يخصه من العبادات، كما في الآية: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ}[البقرة:177] إلخ، وحسن الخلق يجمع الخير كله.

ولهذا جاء في الحديث أن:(أقرب المؤمنين إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يوم القيامة أحاسنهم أخلاقا)، فيقصد به أيضًا السلوك الحسن في نفس الإنسان ومع الآخرين، وهذا هو الذي تَخَلق به رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما سئلت عائشة عن أخلاقه قالت: خلقه القرآن.

وخلقه القرآن يعني أنه يعمل به، يعمل بما أمر الله عز وجل به ويجتنب ما نهى عنه.

 الإثم يعني : ما يترتب على فعل يكون أثره عذاب وإثم، إثم يعني أنه يُعذب على ذلك، فإذا أثم الإنسان ترتب على ذلك أذاه.

ومعنى ما حاك في نفسك يعني أنه ما تأثرت النفس به، ولم تطمئن إليه، وهذا معناه إذا كان الأمر فيه اشتباه وليس فيه أمر واضح يمكن يركن إليه، فيجتنبه تخلصًا وابتعادًا عن الوقوع في الإثم .

فهذا شبيه بالحديث السابق الذي سبق وحديث النعمان بن بشير (الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، فمن أتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه)، فهذا الشبهات التي يجتنبها ويتقيها، يكون قد أمن الاحتياط الذي ينبغي ألا يقع في الآثام، يقع في الحرام.

وقوله: وكرهت أن يطلع عليه الناس يعني هذا ما كان بينك وبين ربك، فيكون أمر تفعله (وتقبل) عليه، أو يكون خاصة بالفعل الذي يخصك، فإذا كرهت إطلاع الناس عليه، لئلا ينتقدوك أو ينكروا عليك، أو ما أشبه ذلك فهذا معناه أنه فيه الإثم، وليس (…) ولكن هذا ليست قاعدة مضطردة، هذا في الأمور التي ليس فيها دليل من الشرع، لا في التحريم ولا في التحليل ، لأن بعض الناس يكره أشياء قد ثبتت الأدلة عليها، فلا دليل على ذلك.

وقد مثلا يعمل أشياء، قد ثبتت كراهتها أو تحريمها، على حسب العادة التي اعتادها، فهذا لا يُلتفت إليه وإنما هذا في الشيء الذي ليس فيه دليل، ولكنه أمر مشتبه، لا تدري هل هو داخل في الأمور التي يفعلها العبد امتثالا لأمر الله، أو الأمور التي ينبغي أن يجتنبها ويبتعد عنها، هذا من باب الشبهات المشتبهات.

فإذا الأمور تكون كأنها مقسمة إلى أقسام، أمر واضح جلي، لأنه حلال أحله الله، وأخر يقابله واضح بأنه محرم، وشيء بينهما ما يدرى هل هو من هذا أو من هذا، فهذه التي ينبغي أن يقف عندها الإنسان.

فإذا كان قلبه مطمئنا وهو قد عرف الأدلة، عرف الأدلة وعرف الأمور الظاهرة التي جاء بها الشرع، ووقف لأنه حاك في نفسه، وصار قلبه غير مطمئن به، فالأولى أنه يجتنبه ويبتعد عنه، هذا من باب الورع، والورع: أن يكون الإنسان محتاطًا لدينه، أن يحتاط لدينه، فإذا احتاط لذلك ارتاح ضميره، وارتاح بأنه لم يقع في شيء يتأثم به.

أما حديث وابصة ” رضي الله عنه “ أولاً فيه علامة من علامات نبوته، علامات النبوة لأنه أخبره عن شيء في ضميره، جاء إليه ليسأله، فأخبره به، قبل أن يسأل، فقال جئت تسأل عن كذا وكذا، وهذا من الأمور الغيبية التي يُعلمه الله جل وعلا بها، لتكون آية له.

وهذا يدلنا على أن الآيات تظهر علامة للنبي صلى الله عليه وسلم أنه نبي، تكون خاصة وعامة، لأن هذا خاص بهذا المخاطب الذي خوطب، وإن كان معناه أنه يعم عندما يظهر هذا وينتشر، يعني هذا الحديث إذا ظهر وانتشر عُرف أن هذا من الآيات.

والآيات: معناها الدلائل الدالة على نبوته صلى الله عليه وسلم، في الشرع يُسمى آيات، وبعض الناس اصطلحوا على أنها تُسمى معجزات، ولكن القرآن والحديث جاء بأنها آية، ولم يذكر أنها معجزة، والمعجزة أُخذت من المعنى.

من التحدي الذي قاله الله جل وعلا:{وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ}[البقرة:23]، فتحداهم بأن يأتوا بشيء مما أعطيه فعجزوا فصارت معجزة، هذا معنى العجز، عجزوا أن يأتوا بشيء منها فسموها معجزة، وآيات المصطفى صلى الله عليه وسلم كثيرة جدًا، منها ما هو ظاهر مثل القرآن وهو من أعظمها وأظهرها، ومنها ما هو محسوس مشاهد في وقته، ومنها ما هو أيضا عام بالنظر إلى حالته وإلى سيرته وما حصل له من إجابة دعاء أو غير ذلك، وهي كثيرة وقد ألف فيها العلماء مؤلفات خاصة، سموها دلائل النبوة، يعني أنها تدل على نبوته صلى الله عليه وسلم.

قوله : “جِئْتَ تَسْأَلُ عَنْ الْبِرِّ وَالْإِثم؟ لهذا قال: قُلْت: نَعَمْ. وقد جاء أن وابصة أنه قال:أتيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أقصد سؤاله عن البر كله، وعن الإثم كله، وهذا يدلنا على حرص الصحابة على الاستقامة، وعلى فعل الخير واجتناب ما فيه إثم.

لهذا ينبغي أن يسلم من الوقوع في المآثم التي يترتب عليها العذاب في الدنيا والآخرة، هذا أمر مطلوب لابد منه ، ولأن فيه السلامة .

قوله : استفت قلبك. وهذه الكلمة يستعملها الناس كثيرًا، استفت قلبك، وتكون في الأمور التي لم يتبين أنها لا من الخير ولا من الشر، لا من الحلال ولا من الحرام، استفت قلبك؛ والمعنى أن القلب إذا اطمأن إلى هذا الشيء ولم يكن فيه حرج ولا حزازات، أن الإنسان يسكن إليه ويفعله، وهذا يدلنا على أن الله جل وعلا فطر عباده على معرفة الخير وحبه.

وهذا جاء في نصوص كثيرة،{فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}[الروم:30]، وفي قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (كل مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَىالْفِطْرَةِ؛ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ ، أَوْيُنَصِّرَانِهِ ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ).

والمقصود بالأبوين: يعني المربي الذي يتربى على يديه، سواءً أبواه وإلا غيرهما، وهذا كثير في كتاب الله جل وعلا أنه يذكر جل وعلا أنه خلق خلقه  قابلين للحق مريدين له، ولكن التربية والتعليم تصرفهمعما خلقوا وفطروا عليه.

وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الله جل وعلا أنه قال: (خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ – حنفاء يعني مسلمين- فَاجْتَالَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ ) إلخ،.

والمعنى أنهم خلقوا قابلين للحق مريدين له، وليس المعنى أنهم خُلقوا يعرفون الحق، لأن الله جل وعلا أخبرنا أنه أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئًا، وجعل لنا السمع والبصر، حتى نستدل بالسمع والبصر والعقل على ما ينفع، ونجتنب الشيء الضار، فعلى هذا لابد أن يأتي الأمر، يأتي الرسول صلى الله عليه وسلم إلينا بما يُصلحنا، وإنما تكون الفطرة، يعني أنها أن الإنسان يكون قابلا للحق ومريدا له، ليس عنده في نفسه ما يصده ويمنعه من قبوله، حتى تأتي المؤثرات التي هي التعليم وغيره .

قوله : استفت قلبك:الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إلَيْهِ النَّفْسُ، وَاطْمَأَنَّ إلَيْهِ الْقَلْبُ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاك النَّاسُ وَأَفْتَوْك هذا يكون في أمور خاصة وليس في كل شيء، يعني في الأمور التي تتبين أنها لا من الحلال ولا من الحرام، ومعلون أن الناس تختلف أنظارهم في هذا، وتختلف ميولهم، فقد يكون المفتي مثلا يُفتي بلا دليل،  وإنما يُفتي عن رأيه، ونظره، فيكون قد تأثر بأمور تحيط به من حب أو بغض، كراهة أو غير ذلك، فيفتي بخلاف ما في ما يكون مطمئنا إليه القلب، فمثل هذا لا يؤخذ بفتواه، لأن القلب لا يطمئن إلى فتواه.

ولكن إذا كانت الفتوى مستندة على دليل فلا يجوز أنه يُعرض عنها ويقول أنظر إلى ما في قلبي، وإنما هذه في الأمور التي لا تستند إلى دليل، وإنما هي أراء وأنظار وفكر وأفكار، والشرع ليس رأي ولا نظر، وإنما الشرع نصوص، نصوص جاء بها الوحي، وقد يخفي على الإنسان شيء من ذلك، فإذا خفي بعد أن طلبه و(…) فلا لا لوم عليه في ذلك ولكن يجب على العامل الذي يعمل أن يتريث وأن يتثبت، حتى لا يقع في الإثم.

والمقصود هنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر أن الذي تطمئن إليه النفوس وتسكن إليه القلوب، أنه من الأمور المأمور بها، وأنه من البر، وأن الشيء الذي لا يطمئن إليه القلب ويصير فيه في النفس حزازًا منه وحك والحك يعني مثل الحز؛ أنه يجتنبه، لأنه إثم، وليس هذا في كل شيء، هذا في الأمور التي لا نص فيها، أما إذا كان فيه نص، فلا يجوز أن يحوك في نفس الإنسان شيء منه .

مثل ذلك إذا كان الإنسان مثلا مريضًا، ويريد أن يصوم نقول له الصوم يؤثر عليك في مرضك، فكثير من الناس يحز في نفسه إن هذا ما ينبغي، فيصوم، فهذا لا يكون هذا من الأمور التي تحز النفس، لأن هذا فيه الدليل الشرعي، لأنه إذا كان مريضًا أو على سفر فإنه يُفطر، (فيستأمن) هذا ولا ينظر إلى ما يحزه النفس، لأن هذا له عليه دليل، ومثل ذلك قصر الصلاة في السفر، أو ما أشبه ذلك من الرخص التي جاء بها الشرع، فالشيء الذي جاء به الشرع  لا يجوز أن يكون في النفس منه حزازة، بل يفعله مطمئنًا، وإنما هذا في الشيء الذي ليس فيه دليل، فالذي ليس فيه دليل يصير في مثل هذه الأمر، فإذا كان يحز في النفس، ولا يطمئن إليه القلب، فاجتنابه أولى، ولكن هل يكون هذا اجتنابه واجب ؟

لا يكون واجبًا إلا إذا كان هناك دليل يوجب هذا، وإنما هذا من باب الورع ومن باب الاحتياط، أن يحتاط الإنسان لدينه.

وحديث النواس ” رضي الله عنه “ يدلنا على أن العبد ينبغي له أن يجتنب الأمر الذي يكون فيه قدح من الناس، أو كلام من الناس، لأنه فيه يقول وكرهت أن يطلع علية الناس، فالشيء الذي ينتقدك الناس فيه، ينبغي أن تجتنبه، فهو صيانة لعرضك لئلا يقعوا فيك، وصيانة العرض مطلوبة شرعا.

أما هنا يقول: وإن أفتاك الناس وأفتوك، وفي رواية: وإن أفتاك المفتون، وليس هذا في كل شيء يُفتى فيه، وإنما هو في الشيء الذي ليس عليه دليل من الشرع، لا في كونه مباحا، أو جائزا أو حلالا، أو كونه محرمًا مكروهًا، وعلى كل حال .

والإمام النووي ” رحمه الله ” جعل هذا الحديث من الجوامع جوامع الكلم، التي تدل على معان كثيرة، فهو من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم لأن هذا يتعلق بالإنسان نفسه وبما يفعله، وبالاحتياط لعرضه، ودينه، فهو أمر مطلوب شرعا.

ثم فيه أن القلب، قلب العبد، أنه فطر على محبة الخير وإرادته، وأنه قد مثلا يصار إلى مثل هذا الأمر في بعض الأشياء، وليس في كل شيء، لأن العبد، يجب أن يتبع شرع الله جل وعلا أمرًا ونهيا، ولكن هناك فيه أمور أمتحن الناس بها تكون مشتبهة لا يدري هل هي من الأمور المباحة أو من الأمور المحظورة، فيحتاط لنفسه، فإذا الاحتياط للدين عليه مطلوب، وقد يكون الدليل عليه ضعيف، فمثل هذا، أن يصير إلى ما يحوك بالنفس، هذا ليس مثل الدليل الذي جاء به الكتاب والسُنة.

 الحديث الثامن والعشرون

 عَنْ أَبِي نَجِيحٍ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ t قَالَ: “وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ r مَوْعِظَةً وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا، قَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ”.رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَاَلتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

الشرح

 هذا الحديث كل جملة منه تحتها أمور عظيمة، فهو من الجوامع .

وقوله: وَعَظَنَا مَوْعِظَةً وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ هذه صفة المؤمنين الذين أثنى الله عليهم، بأنهم إذا ذُكرت لهم آيات الله وجلت قلوبهم، وازدادوا إيمانا، يعني عملا، ومن العمل البكاء خوفًا من الله جل وعلا، وهو المقصود هنا بذرف العيون، ذرفت دموعهم، يعني البكاء خوفا من الله جل وعلا، ومعلوم أن هذا يكون له أثر في أعمال الإنسان من الاجتهاد في طاعة الله والابتعاد عن معاصيه.

قوله: وعظنا موعظة يدل على أن الموعظة من الدين الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقدر أمر الله جل وعلا بذلك، قال تعالى:{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}[النحل:125]، بالموعظة ، وقال: {وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا}[النساء:63]، فأمره أن يعظ، فالموعظة من الأمور المهمة التي جاء بها الشرع.

والموعظة: هي ذكر ما يرقق القلوب ويخوف العبد بالمستقبل، ولا أحسن من هذا من النصوص التي جاءت في كتاب الله جل وعلا، وكذلك نصوص رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم هذا الذي ذكره يدل على أنه أمر تميز وعرفوا أن هذا، أنه توديع، ومعنى ذلك عند وفاته صلى الله عليه وسلم، لن الذي يودع أحد، يجتهد فيما يقول له ويوصيه، فتميز هذا وعرفوه.

قالوا : كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، وقد جاءت مواعظ في آخر حياته صلى الله عليه وسلم، في خطبه تدل على ذلك، ويشير فيه إلى هذا، فإنه لما خطب يوم عرفة، وكذلك يوم النحر واليوم الذي بعده، كان يشير لهذا ويقول لعلكم لا تلقوني بعد اليوم، وفي بعض الألفاظ إن هذه حجة الوداع، يعني يودعهم، وفي بعضها أيضا تصريح، بأن هذا أخر اللقاء لهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هذا معناه التوديع.

وكذلك جاء في نصوص أخرى، بعدما رجع من الحج، صلوات الله وسلامه عليه، فإنه ذهب إلى الشهداء ودعا لهم، ثم إلى البقيع يقول ثم تكلم بالكلام البليغ، الذي فيه الوصاية، ولهذا قالوا كأنه يودع الأموات والأحياء، يودعهم لأمر الله جل وعلا.

وفي هذه الوصية يقول: فَأَوْصِنَا يعني فيه طلب الوصية، أنه العبد أن يطلب ممن يكون عالما بالأمور ويكون عنده الاستطاعة على التوجيه، والإرشاد ومعرفة الأمور، طلب الوصية منه.

والوصية أمر الله جل وعلا بها للمؤمنين، فهي من الدين الذي يجب أن يمتثل، يقول: الله جل وعلا {وَالْعَصْر،إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ،إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}[سورة العصر]، فالتواصي بالحق مأمور به، وكذلك التواصي بالصبر عليه، وفي ظل هذا التواصي أيضا باجتناب الباطل، والأمور التي قد تكون سببا في هلاك الإنسان أو في تعذيبه، فهي من أمور المسلمين التي يجب أنهم يعملوا بها بأمر الله جل وعلا .

قالوا:فَأَوْصِنَا ، أوصاهم بأمور جامعة، فأول وصية، قَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ هذه كلمة جامعة تجمع الخير كله إذا امتثل الإنسان، وهي وصية الله جل وعلا للأولين والآخرين.{ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء:131]، فهي وصية الله لمن قبلنا ولنا .

ولهذا وصى بها رسول الله قَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ.

وتقوى الله حقيقتها: أن تجعل بينك وبين ما تخشاه وتخافه واقيًا يقيك ويسترك، من الوقوع فيما هو سبب للأذى، ومعنى ذلك طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، واجتناب المعاصي كلها، فهي تقوى الله ولابد أن يكون على نور من الله في هذا، يعني لابد أن تكون التقوى بدليل، ما يترك كل شيء بدون دليل، يتقي معناه أن يمتثل الأوامر، التقوى امتثال الأمر واجتناب النهي، والأمر يكون من الله جل وعلا، وكذلك النهي الأمر الذي أمر به تفعله، ومن أعظم الأوامر التي جاءتنا في هذا عبادة الله وحده والخلاص من كل ما يشوب العبادة من القوادح، أو التي تنقصها تذهب بكمالها، هذا أمر مهم جدا، ثم بعد ذلك تترتب الأمور التي يأمر الله جل وعلا بها على هذا.

ومن أعظمها بعد ذلك، إقامة الصلاة، يأتي بها على الوجه المطلوب الذي أمره الله جل وعلا بها، يقيمها بشروطها وأركانها وما يلزم لها، يعني يحسن الوضوء ثم يحسن الوقوف بين يدي الله بحضور قلبه، وخشوعه بين يدي ربه فإنه يقوم في الصلاة يناجي ربه جل وعلا، ويؤديها في أوقاتها التي أمر الله جل وعلا بها، وفي الجماعات التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني على الوجه الشرعي الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.

ثم بعد هذا الأمور التي تلي هذا مثل الزكاة، إيتاء الزكاة، الزكاة قد تكون للمال وقد تكون للنفس، ولهذا جاءت الآيات في السور المكية بالأمر بأداء الزكاة، وإلا الزكاة ما فرضت إلا في المدينة زكاة الأموال، فلابد أن يكون هذا في زكاة النفس، وزكاة التزكية عند الله جل وعلا.

ثم كذلك، الأمور الواجبة التي تترتب على هذا مثل الصوم والحج وغير ذلك، فهذه تقوى الله جل وعلا، ويدخل فيها الواجب والمستحب، كما يدخل فيها اجتناب المحرم، واجتناب المكروه، فهي من الكلم الجوامع التي تجمع الخير كله.

وقوله: وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ يعني أوصيكم أن تسمعوا وتطيعوا لمن تأمر عليكم، وهذا أمر مهم أيضا، وهو من الأصول التي جاء بها الشرع، فلابد من السمع والطاعة لمن تأمر علينا، أن نسمع له ونطيع، بغض النظر عن حاله، كونه تقي وإلا غير تقي هذا إليه، هذا أمره يتعلق بنفسه ، وإنما السمع والطاعة حتى لا يكون هناك أمور تخالف الاجتماع، لأن الاجتماع مأمور به، ومعلوم أنه لابد للمسلمين، من قائد يقودهم وأمير يتأمر عليهم، ويأخذ الحق ممن يمتنع منه، وكذلك يكونون معه على تعاون أمر الله جل وعلا وعلى أمر رسوله.

ثم لما كان من عادة العرب قديًما أنهم لا ينقادون لكل أحد، إنما ينقادون للكبراء ولمن عُرف بالشرف، فلهذا قال وإن كان عبد، يعني وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ، والعبد هو المملوك الذي يُباع ويُشترى، وإن تأمر عليكم مثل هذا يجب أن تطيعوا وتنقادوا لأمره، فهذا من القواعد العظيمة التي يجب أن يتمسك بها.

وقوله: فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بعدي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا. هذا مثل ما سبق من الآيات، التي تدل على نبوته صلى الله عليه وسلم، بأنها أمور مستقبلة، يخبر بها فوقعت كما أخبر صلوات الله وسلامه عليه.

ورتب على قوله:فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا يعني اختلاف في الدين، اختلاف في الأمور التي يجب أن تفعل أو لا تفعل، والاختلاف لا خير فيه هو شر كله، ولهذا حرمه الله جل وعلا، يعني في دينه في دين الله جل وعلا.

رُتب على هذا قوله: فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ يعني وعليكم هنا (إغراء) يعني : الزموها ولا تفرطوا بها، فعليكم بلزومها والسنة طريقته التي عرفت عنه قولا وفعلا وعملا، الأقوال التي يقولها، والأفعال التي يفعلها الأعمال، وكذلك الذي يكون في وقته ويقره عليه، فهي سنته صلى الله عليه وسلم.

أما سنة الخلفاء الراشدين، فهم الخلفاء لا يأتون بشيء جديد، وإنما تمسكوا بسنته صلى الله عليه وسلم، لأنهم أخص الناس به.

والخلفاء الراشدين قد علم منهم الخلفاء الراشدين الْمَهْدِيينَ، فهم أربعة كما عليه أهل السنة والاتفاق : أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم، وهذا بالنص وليس بالاجتهاد، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر أن الخلافة بعده ثلاثون سنة، بعد الثلاثين تكون مُلك، فأول الملوك في الإسلام معاوية رضي الله عنه، والذين قبله خلفاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

فسُنة الخلفاء يجب أن يُتمسك بها، لأنهم على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس معنى ذلك أنهم جاءوا بشيء جديد، لهذا وصفهم، بأنهم مهديون، راشدون ومهديون.

الراشد: هو الذي اتبع الحق، واهتدى إلي.

والمهدي: هو الذي هُدي إلى الصراط المستقيم، الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم حض على هذا وأكد على ذلك، فقال: عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، هذا تأكيدًا للتمسك بالسُنة.

والنواجذ: هي أطراف مؤخر الأسنان، أطراف الأضراس، وهي أقوى ما في الفم.

يعني : يكون تمسكوا بها أشد التمسك، فلا تفرطوا فيها، لأن التمسك بها يترتب عليه سعادة الدنيا والآخرة، والتفريط يترتب عليه الشقاء في الدنيا والآخرة.

قوله : إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، إياكم يعني تحذير، احذروا أن تقعوا فيما يحدث من الأمور في دين الله فإن هذا هلكة وانحراف عن السُنة التي يجب أن تتبع، فهو ضد ما قبله، الوصية بالتمسك بالسُنة وسُنة الخلفاء، هذا من باب التأكيد، قال: وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، ثم بين أن كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ.

والبدعة: هي المحدثة، يعني الشيء الحديث الذي يأتي لم يسبق له نظير في شرع الله جل وعلا.

وهذا عام سواء كان في العمليات أو في الاعتقادات، فكله شر لا خير فيه، يجب أن يُبتعد عنه، ولأن يترتب عليه عذاب الإنسان، هذه من الأمور الجوامع التي لا إشكال فيها، فهي ظاهرة وفي هذه الوصايا التي قالها صلى الله عليه وسلم، سلامة العبد في الدنيا والآخرة، من الآثام التي يترتب عليها العذاب عذاب الله جل وعلا، فهي ألزم للإنسان وأهم من كونه يتحصل على الطعام والشراب واللباس، وغير ذلك، هذه حياته الدنيوية، لأن فيها سلامته من موجبات العذاب في الدنيا والآخرة، وهذا أمر مطلوب فيجب أن يتبع .

قوله صلوات الله وسلامه عليه: (وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة)، بعدما وصى بتقوى الله جل وعلا والطاعة لولاة الأمر، وحذر بأنه سيقع في الأمة اختلافٌ كثير، ووصى بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، ثم قال: (عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور).

هذه الكلمة: (وإياكم ومحدثات الأمور) من جوامع الكلم، وهي شبيهة بالحديث الذي سبق لنا: حديث عائشة، من قوله صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد).

وهو كما قال العلماء: جامع لأمور كثيرة جداً تدل على أن الأعمال التي يعملها العبد يتقرب بها إلى الله لابد أن تكون مشروعة، لابد أن يكون جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم وإلا فهي مردودة على صاحبها.

وهذه الجملة مثل هذا الحديث، (وإياكم ومحدثات الأمور).

والمقصود بمحدثات الأمور: المحدثات في الدين.

أما المحدثات التي تحدث في أمور الدنيا من صناعات وغيرها فهذه لا تذم ولا ينهى عنها، بل النافع منها قد أمر الله جل وعلا أن يؤخذ به ويُعمل به، قال جل وعلا: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [سورة: الأنفال:60].

ولهذا لما أمر بصلاة الخوف أمر بالتجوز بها، وقال: {وَخُذُوا حِذْرَكُمْ} [سورة: النساء:102] فهو جل وعلا أعطانا قواعد كليات الأمور النافعة التي تنفع، أما أمور الدين فلابد أن تكون بأمر الله جل وعلا ونهيه، ولهذا قال: (وإياكم ومحدثات الأمور).

 ولا يعترض على هذا بأنه قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين)، لأن سنة الخلفاء الراشدين هي سنته، ولكن قد يكون فيها تفصيلاً وفيها إيضاح وبيان، ولابد أن تكون رجعت للأصول إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم وسنته .

 وكذلك قد يحتج بعض الناس بأن البدع تنقسم إلى قسمين :

  القسم الأول : بدعة ضلالة .

القسم الثاني : بدعة حسنة، بدليل أن عمر رضي الله عنه لما جمع الناس في صلاة التراويح على إمام واحد قال: “نعمة هذه البدعة”، يعني أنها بدعة حسنة، فهذه البدعة في اللغة وإلا أصلها مشروع.

فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يحض على قيام الليل، وكان كذلك في وقته الصحابة يصلون التراويح جماعات وفرادى، وإنما البدعة في جمعهم فقط على إمام واحد، وإلا الأصل موجود شرعاً، ثم هذا لما سنه عمر رضي الله عنه اتفق عليه الصحابة، وعُلم أنه مما دخل في قوله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين).

 وكذلك مثل الأذان الذي أمر به أمير المؤمنين عثمان، الآذان الأول ما كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن المصلحة اقتضته، لأنه ينبه الناس حتى يستعدوا للمجيء للصلاة، ثم أقره على ذلك علي رضي الله عنه، والصحابة رأوا أنه له أصل وهو النداء للصلاة حتى يجتمع إليها.

وكذلك كتابة المصحف، كتابة القرآن في مصحف واحد في زمن أبي بكر، فقد أولاً كره ذلك زيد بن ثابت لما أُمر، وقال: كيف تفعلان شيء لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟، ثم بعد ذلك اتفقوا على أن هذا مصلحة، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالكتابة وإن كانت الكتابة متفرقة، فجمعها لا يخالف ذلك، ثم جمعه أيضاً لصيانته وحفظه لئلا يضيع منه شيء، ثم كذلك كتابة أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه من مصحف واحد وإحراقه ما خالف ذلك، وجل الصحابة اتفقوا على هذا، بل رأوا أن هذا من الأمور المهمة التي بها يحفظ كتاب الله جل وعلا.

إلى غير ذلك من الأمور التي يكون لها مرجع في الشرع ولها أصل فيه، وإلا مثل ما يتخذ المسلمون الآن المنارات في المساجد والمحاريب ما كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنها من المصالح المرسلة التي لها أصول في الشرع.

فكثير من هذه الأمور،ولهذا العلماء في فنون الفقه يجعلون هذا يسمونه من المصالح المرسلة، وكل شيءٍ يدخل في حفظ الدين ويعود على المسلمين بالخير في دينهم، فله أصولٌ ثابتة في شرع الله جل وعلا، وإنما الذي يُنهى عنه أن يستحدث أمر ديني، من الأمور الدينية التي حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال: (وإياكم والبدع فإن كل بدعة ضلالة).

 لحديث التاسع والعشرون

عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه: قَالَ: قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ وَيُبَاعِدْنِي مِنْ النَّارِ، قَالَ: “لَقَدْ سَأَلْت عَنْ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ: تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا أَدُلُّك عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ تَلَا:{تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} حَتَّى بَلَغَ {يَعْمَلُونَ}، ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُك بِرَأْسِ الْأَمْرِ وَعَمُودِهِ وَذُرْوَةِ سَنَامِهِ؟ قُلْت: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذُرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُك بِمِلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ فقُلْت: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ وَقَالَ: كُفَّ عَلَيْك هَذَا. قُلْت: يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: ثَكِلَتْك أُمُّك وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ في النار عَلَى وُجُوهِهِمْ -أَوْ قَالَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ- إلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟!”.رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقال حديث حسن صحيح.

الشرح

 أحديث معاذ بن جبل رضي الله عنه_، يقول الشيخ ” رحمه الله ” أنه حديث صحيح، وكذلك الترمذي رحمه الله قال في آخره أنه حسن صحيح، فهذا تصحيح من الترمذي رحمه الله، وهو من أئمة المسلمين الكبار الذين لهم باعٌ طويلٌ في معرفة الحديث، ومعرفة كذلك الرجال ، كما هو معلوم ، وكذلك الإمام النووي رحمه الله وغيره وإن اعترض على هذا من اعترض، فإن بعض العلماء اعترضوا على هذا التصحيح وقالوا أنه لم يصح، ولكن له طرق كثيرة، ففي مسند الإمام أحمد ما يقرب من أربعة طرق لهذا الحديث، وفي غيره، ولهذا يقول المتأخرين أنه صحيح بطرقه، فإذا كان صحيح فهذا المطلوب سواء بطريقٍ واحد أو بالطرق كلها.

والحديث يدل على أنه من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، لأنه جوامع، وقد أُعطي جوامع الكلم صلوات الله وسلامه عليه، وهو كلامٌ عليه نور، ويدل على أنه خرج من مشكاة النبوة، ثم قوله عن معاذ بن جبل رضي الله عنه.

معاذ بن جبل كما هو معلوم من فقهاء الصحابة ومن علمائهم وكبارهم يعني قدراً وإن كان من صغارهم سناً، وقد جاء في الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (يا معاذ إني أحبك، فلا تدعن خلف كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)، فهذه وصية منه صلى الله عليه وسلم له، وكذلك تصريح بأن الرسول صلى الله عليه وسلم يحبه، ومن أحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم فله ميزة، وإن كان يحب المؤمنين عموماً، ولكن إذا نص على رجلٍ بعينه فلابد أن يكون له خصوصية ليست لغيره، إلا لمن شاركه في ذلك.

ثم فيه دلالةٌ واضحةٌ على اهتمام معاذ رضي الله عنه بهذا الأمر المهم، وهذا ليس خاصاً به، فقد جاءت أحاديث كثيرة بهذا اللفظ، بأن يأتي الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: “يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار”، وهذا أمر يجب أن يهتم به كل عاقل، كل عاقل يجب أن يهتم بالشيء الذي يدخله الجنة ويباعده من النار، فلهذا قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَقَدْ سَأَلْت عَنْ عَظِيمٍ) فهو أمر عظيم جداً.

وفي حجة الوداع اعترض له صلى الله عليه وسلم أعرابي فأمسك زمام راحلته، وقال يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، من قريب منه وقال: (لقد وُفق)، ثم قال: (كيف قلت؟)، قال: قلت دلني على عمل يدخلني الجنة، فقال: (لئن كنت أوجزت المسألة لقد أعرضت وأطلت، اسمع مني إذاً، تعبد الله لا شترك به شيئاً، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت، دع زمام الناقة)، فهذا نفس الجواب الذي أجاب به معاذ رضي الله عنه، وجاءت أحاديث كثيرة في هذا.

ولكن المقصود هنا تعظيم هذه المسألة، فهي مسألة عظيمة جداً، وقوله: دلني على ِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ وَيُبَاعِدْنِي مِنْ النَّارِ، معلومٌ أن دخول الجنة يبعد عن النار فمن دخل الجنة فقد أبعده الله جل وعلا عن النار، وهذا يدلنا على أن العمل يكون سبباً لدخول الجنة.

أما قوله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: (وأن أحداً لن يدخله عمله الجنة)، فهذا معناه أن العمل لا يكون ثمناً للجنة، ولكنه يكون سبباً لدخول الجنة، وإلا الجنة أمرها عظيم، وهي برحمة الله جل وعلا و(…) تحصل للمؤمنين بسبب أعمالهم.

ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يأمر منادياً ينادي في المجامع كما ورد ذلك في عدة أحاديث: (ألا إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة)، فيأمر المنادي أن ينادي بهذا، (ألا إنه لا يدخل الجنة إلا نفسٌ مؤمنة)، وهذا كثيراً ما ذكره الله جل وعلا في كتابه أن الإيمان هو السبب في دخول الجنة.

وجاء كثيراً، إذا ذكر الله الجنة قال: {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [سورة: الأعراف:43] {بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[سورة: الأنعام:127] فالباء هنا يقول العلماء: باء السببية، وليست كما يقول أهل البدع أنها باء العوض، المعتزلة ونحوهم يوجبون على الله أن يدخل المؤمن الجنة، ويوجبون عليه أن يدخل العاصي النار، وهي شريعة وضعوها من عند أنفسهم وعندهم الجرأة على الله ما لا يوجد عند غيرهم، لأنهم صاروا ينظرون إلى عقولهم ويجعلون العقل هو الحاكم على الشرع وعلى المستقبل حتى على رب العالمين، تعالى الله وتقدس.

ويقال إن هذه المسألة هي سبب انفصال أبي الحسن الأشعري عن هذا المذهب وتركه إياه، لأن من أصولهم أن الله جل وعلا يعمل الأصلح للإنسان (…) فكيف يكون الله جل وعلا يجب عليه أن يعمل الأصلح للإنسان ؟!.

ويقولون أن أبا الحسن تلميذ الجبائي أنه تتلمذ عليه أربعين سنة وهو زوج أمه، ومعلوم أن الجبائي كان من رؤساء المعتزلة، رؤساء بعض الطوائف، فيوماً سأله وقال: يا أستاذ أخبرني عن (أربعة) إخوة ماتوا، واحدٌ مات صغيرًا، والآخر مات كبيراً مؤمناً، والثالث مات كبيراً كافراً، أين هم؟، قال: الصغير والمؤمن كلاهما في الجنة، فقال: أخبرني عن درجتهم، هل الصغير والكبير في درجة واحدة؟ قال: لا، قال: لمَ؟، قال: لأن الكبير صلى وصام وعمل أعمالاً كثيرة، والصغير لم يصم ولم يصل، قال: ألا يحتج الصغير على ربه يقول: يا ربي لماذا ما أبقيتني حتى أبلغ فأصلي وأصوم وأعمل الأعمال حتى أصل إلى درجة أخي؟، فقال له: يقول الله له رأيت المصلحة لك أن أقبضك صغيراً، قال: إذاً ينادي ذلك الشقي من النار يقول: يا رب لماذا لم تقبضني صغيراً حتى لا أكون في النار؟، هنا وقف ما في جواب، فتبين له أن هذا القول قول باطل، ومعلوم بطلانه، أن الحكم حكم يحكم به على نصوص وعلى رب العالمين بلا شك أنه باطل، ففارق هذا المذهب والله أعلم.

والمقصود أن القول بأن الباء في قوله: {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [سورة: الأعراف:43] هي باء السبب، يعني بسبب أعمالكم ادخلوا الجنة، أما هؤلاء الذين يقولون بباء العوض فهو مذهبهم العقلي، أنه يجب على الله أن يثيب الطائع ويعاقب العاصي، ويوجبون ذلك وجوباً، ولهذا قالوا أنها باء العوض، هو مذهبٌ باطل وقولٌ باطل.

وقول الرسول الله صلى الله عليه وسلم: (واعلموا أن أحداً لن يدخله عمله الجنة) قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟، قال: (ولا أنا إلا أن يتغمدني الله جل وعلا برحمته)، يدلنا على أن العمل سبب، والله جل وعلا أخبرنا أنه ييسر من يريد هدايته وإكرامه لليسرى، {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [سورة: الليل:5:10].

فالأمور هذه لها أسباب: التصديق والقبول عن الرسول صلى الله عليه وسلم سبب لأن يكون الإنسان قابلًا لهذا الشيء ومزداداً فيه، يعني بالإيمان، فيُيسر له الطريق ويسهل له، فييسر له جل وعلا اليسرى.

 وهذا أيضاً لا ينافي ما سبق أن الأمور في حديث عبد الله بن مسعود الذي فيه: أن الملك يأتي إلى الجنين بعدما يمضي عليه مائةٌ وعشرون يومًا في بطن أمه، فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، لأن هذا تقدير بعلم الله، يعني كتابة علم الله في هذا المخلوق أنه سيعمل هذا العمل ويكون عمره كذا، ويكون عمله كذا، ويكون شقيًا بعمله، أو سعيداً بعمله الذي عمله، بسبب العمل يشقى وبسببه يسعد، وكله بتقدير الله جل وعلا.

نقول: لا ينافي هذا ما سبق، لأن الأسباب أيضاً مقدرة، وهي سابقةٌ للإنسان، كما أن العلم الذي هو علم الله جل وعلا ميحطٌ بكل شيء، فعلى هذا نقول : أن دخول الجنة لا يكون إلا بسبب العمل، والله رتب دخول الجنة على هذه الأمور التي سيذكرها في الحديث.

وقد جاء في رواية في هذا الحديث أن معاذ وجد الرسول صلى الله عليه وسلم في مسيرٍ خالياً فانتهز الفرصة، وقال: يا رسول الله أخبرني عن كلمة أمرضتني وأحزنتني، فقال: (سل عما بدا لك)، فسأل هذا السؤال، أخْبِرْنِي عن عَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ وَيُبَاعِدْنِي مِنْ النَّارِ، فهذا دليلٌ على اهتمامه بهذا الأمر وأنه مهتم به.

ومعلومٌ أن الأعمال الصالحة كلها أسباب، ولكنه أراد شيئاً يحصره له ويعينه حتى يتعين به، وإذا جاء بهذا المعين وثق بأنه يدخل الجنة، وإن ترك ما عداه من الأعمال، فقال له: (لَقَدْ سَأَلْت عَنْ عَظِيمٍ)، دخول الجنة عظيم جداً.

ولهذا جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال في وصيته: (لا تنسوا العظيمتين: الجنة، والنار)، عظيمتان الجنة والنار، فيجب أن يكون الإنسان مجتهداً غاية الاجتهاد في حصوله على الجنة، ومجتهداً غاية الاجتهاد في بعده عن النار، فإنه إذا انتهى عمره ما يمكن رجوعه مرةً أخرى، ولا يمكن الاستدراك، فليس للإنسان إلا عمرٌ واحدٌ معدود، وأنفاسٌ معينة، ووقتٌ محدد فلابد أن ينتهز هذه الأيام القليلة، أيام عمر الإنسان قليلة في الواقع، معلومٌ أنه يمضي عليه وقت وهو يلعب مع الصبيان وإن كان لا يُكتب عليه شيء، لا يُكتب عليه حتى يبلغ، ويعرف، ويكون له العقل ويكون له التمييز، فمن هنا يبدأ العمر، أما قبل ذلك فكأن لا وجود له، وهذا قصير فلا يضيعه العاقل، يجب أن يهتم، والأمر ليس صعباً.

 ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (وإنه ليسير سهل على من يسره الله عليه) ما هو على كل أحد، من يسره الله عليه، وإلا كثير من الناس يصعب عليه أن يصلي، يصعب عليه أن يعبد الله وحده، ويكون له عنده موانع وعنده أمور تصده كثيرة، وإن كانت في الواقع سهلة، لو أراد أن يجتنبها، غير أنه لا يجتنبها، وكلها تكون تزييناً من نفسه ومن هواه ومن الشيطان.

 وعلى كلٍّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال لنا في هذا الحديث: (لَقَدْ سَأَلْت عَنْ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ سَهْلٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ)، ما هو بيسير وسهل على كل أحد، لمن يسره الله عليه، فالأمور كلها بيد الله جل وعلا.

فإذاً يجب على العبد أن يلجأ إلى ربه يسأله التيسير، أن ييسر له الطريق السهل الذي يوصله إلى رضوان الله جل وعلا، ويسأله كذلك أن يجنبه الطريق الذي يكون فيه الشقاء، فالأمر بيد الله وسؤال الله جل وعلا علامةٌ على السعادة، كون الإنسان يلجأ إلى ربه ويسأله دائماً ويفتقر إليه ،علامة التوفيق في هذا.

وسؤال الله يمكن أن يكون في كل وقت: وأنت ماشي وأنت جالس وأنت على فراشك أو بين أهلك أو في أي مكان، يكون قلبك معلقٌ بربك جل وعلا، دائماً مظهراً فقرك لربك وفاقتك، فمن كان كذلك فإن الله جل وعلا ييسره لليسرى، كما هي عادته تعالى وتقدس، هذه عادة الله جل وعلا: أن العبد إذا كان دائم التعلق بربه أن هذا من علامة التوفيق.

 ثم ربنا جل وعلا كريمٌ جواد، ولهذا يدعونا إلى دار السلام، ولهذا يكثر من ذكر الجنة وذكر النار، فما تجد في كتاب الله موضعاً فيه ذكر النار إلا وتُذكر الجنة إما قبلها أو بعدها، ويُذكر فيها ما أعده الله جل وعلا لمن يدخلها، بأن فيها الخلود الدائم، وأنه لا يصيبهم لا نصب ولا هم منها بمخرجين، ولا يصيبهم لا هرم ولا مرض، فيدومون فيها ما دامت السموات والأرض، فهذا كله من الترغيب حتى يرغب العبد في ذلك.

ومن حكمته جل وعلا أن جعل هذا غيباً ليس مشاهداً، ولهذا لما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في صلاة الكسوف، رأوه يتقدم ثم تقهقر، ورأوه مد يده ثم كفها، فلما سألوه قال: أنه (عُرضت لي الجنة والنار أمام هذا الحائط)، يعني : حائط المسجد ، يقول: (فلم أرها كاليوم، ورأيت الجنة فيها كذا، ورأيت النار فيها كذا (…) بعضهم بعضًا، وقد هممت أن أتناول من الجنة قطفاً ثم بدا لي ألا أفعل، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا).

القطف: يعني عنقود عنب.

يقول: (ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا)، لأن ثمار الجنة لا تفنى كلما أُخذ منها شيء تجدد، فعلم أن هذا من أمور الغيب وتركه حتى لا يكون أمراً مشاهد.

ولهذا نقول : الإيمان الذي ينفع هو الإيمان بالغائب، بالأخبار التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخبرنا بها ربنا جل وعلا، أما شيء يُشاهد ويُرى فهذا قد يتساوى الناس فيه، كلهم يتساوون فيه، أما الشيء الغائب فهو الذي يتفاوت فيه المؤمنون، منهم من يكون إيمانه يقيناً كأنه يشاهد، ومنهم من يكون ضعيفًا، فربما يقدح في إيمانه قوادح إذا عرضت له.

ولهذا إذا شاهد الإنسان الأمور التي يُخبر بها يصبح لا يُقبل منه لا توبة ولا عمل، كما قال صلى الله عليه وسلم: (تقبل توبة التائب ما لم يعاين).

يعاين ماذا ؟ يعني الملائكة الذين يأتون لقبض روحه، وهو يعاينهم من بين الجالسين حوله، الجالسون عنده لا يرون شيئاً، وإنما يراهم هو، وهذا علامة الخروج من الدنيا ونهاية الحياة، إذا عاينهم فقد أيس من حياته وانتهى .

فالمقصود أن هذه المعاينة تجعل الإنسان يرجع ويتوب، ولكن لا يفيد، ومثل هذا إذا كان يوم القيامة وشاهد الخلق كلهم ما وُعدوا، ما فيه أحد إلاويطلب الاستعتاب يعني يا ربي أنا أتوب وأرجع وأتبع الرسل ولكن ما يفيده، لأن أمور الآخرة قد شُرحت ووضحت وبُينت غاية البيان، فلماذا لم تؤمن بها ولا تؤمن حتى تشاهد.

وعلى كل حال نحن خُلقنا لعبادة الله وجُعلت لنا الجنة والنار ، فالجنة لمن أطاع ، والنار لمن عصى، وعندنا العقول والأفكار والآيات التي جعلها الله جل وعلا دالة على وجوب عبادة الله من: خلق السماوات والأرض وخلقنا وخلق كل مخلوق، وكذلك الأمور التي تتجدد مثل الرياح ومثل المطر ومثل السحاب والنبات وغير ذلك كثير جداً، كلها آيات جعلها الله جل وعلا دالة على وجوب عبادة الله جل وعلا وأن المرجع إليه .

وبين لنا أن البعث أنه سهل وأنه سيقع لا محالة، وأخبرنا أن حياتنا بعد الموت كحياة الأرض إذا نزل عليها الماء، وكلما ذكر ذلك قال:”وكذلك تبعثون”، “وكذلك إخراج الموتى” كذلك، ولما قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: كيف يحيي الله الموتى؟ قال: (هل مررت بأرض من أرض قومك مجدبة؟) قال: نعم، قال: (ومررت بها مخصبة؟) قال: نعم، قال: (كذلك يحيي الله الموتى).

وهذا كثيراً ما يأتي: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ} [سورة: الطارق:5].

{فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا}[ عبس:26:24] إلى آخره، فهذا علامة ذلك .

ويقول جل وعلا: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ}[غافر:57] ، الذي يخلق الكبير العظيم لا يعجزه الحقير الصغير، وإحياء الموتى أسهل كما قال جل وعلا وله المثل الأعلى، فإذا كان الأمر هكذا فالناس لا يُتركون هملاً، لا يُتركون بلا أمر ولا نهي ولا جزاء، فلابد من الجزاء .

ولهذا العقلاء يستدلون بعقلهم على الجزاء يقولون ولو لم يأتينا خبر وتأتينا رسل فالجزاء معلوم بالعقل، لأننا نشاهد العقلاء بعضهم يظلم بعض وبعضهم يقتل بعض وبعضهم يأخذ مال بعض ثم يموتون بدون أن يلقى الظالم جزائه فهذا لا يمكن، لأن الله حكم عدل فلابد أن يكون وراء هذا حياة أخرى ليؤخذ الحق ممن ظلم ويُعطى جزاءه، وعلى كل حال هذا ما كفى فالله جل وعلا أرسل لنا الرسل وأنزل علينا الكتب، والحمد لله رب العالمين الأمور واضحة.

 فقوله صلى الله عليه وسلم: (لَقَدْ سَأَلْت عَنْ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ)، بين تيسيره صلى الله عليه وسلم بقوله: (تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا)، هذه واحدة : (تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا)، وهذا كثيراً ما يقوله صلى الله عليه وسلم، وهذا فيه أحاديث كثيرة جداً.

وقوله: (ولا يشرك بعباده ربه أحدا) يعني : أن يكون العمل خالصا لله جل وعلا.

وقوله: (لَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا)، يدل على أن العبادة يجب أن تكون خالصة لله جل وعلا وإذا كان فيها شرك فليست عبادة، فعلى هذا يجب أن نعرف ما هي العبادة وما هو الشرك؟، فعبادة الله جل وعلا تكون بأمره ونهيه، يعني امتثال الأمر واجتناب النهي هذه عبادته، ثم يكون فعل العبد في هذا خالصاً لله جل وعلا، ما يرجو لا دنيا ولا يخاف الناس في ذلك، ولا يفعل ذلك لأجلهم أو لأجل أموالهم أو غيرها، وهذا معنى: (لَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا).

فالشرك: هو أن يكون العمل موزع بين رب العالمين وغيره، إما حظوظ النفوس، أو جلب أنظار الناس ولفت أنظارهم إليه حتى يتحصل له شيءٌ، إما من مدح وثناء، أوما أشبه ذلك من الأمور التي لا تعود على الإنسان بالخير ولا بالنفع، بل تكون ضرراً، فالإنسان ليس له إلا لجوءه إلى ربه جل وعلا هو الذي ينفعه.

المقصود أن في هذا الحديث  الأسباب التي تُدخل العبد الجنة، وذكر أنها خمسه، أركان الإسلام أن يأتي بها، أشهد أن لا اله إلا الله وأن محمد رسول الله يعني: يعبد الله لا يشرك به شيئا، وهذا معنى شهادة أن لا اله إلا الله وان محمدًا رسول الله، ويقيم الصلاة ويؤتى الزكاة ويصوم رمضان ويحج البيت، فدخول الجنة يترتب على هذه الأمور الخمسة، من جاء بها على الوجه الذي شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم  دخل الجنة وإذا دخل الجنة فقد أبعد عن النار.

فهذان الأمران متلازمان يعني متضادان فدخول الجنة يبعد عن النار وإذا دخل النار فلم يكن يأتي بالشيء الذي يحميه منها، مع انه يدخل النار كثير من الموحدين كما هو ظاهر من الأحاديث المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن معنى هذا أن هذا لا يدخل النار بل يكون بعيداً.

 ولهذا جمع بينهم في هذا قال : دلني على عمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، ومعنى ذلك أن التقصير في هذه الأمور الخمسة أنها تكون سببا لدخول النار، ودخولها للمسلم يتفاوت تفاوت عظيم، قد يكون في لحظه في وقت قليل وقد يكون كثير ولكن مآله إلى الجنة إذا مات مسلماً وان كان مقصرا، فهو يؤخذ إذا شاء الله جل وعلا يعاقب على تقصيره ثم يدخله الله جل وعلا الجنة إذا كفرت سيئاته وطهر.

لأن الجنة لا يدخلها إلا الطاهرون الطيبون كما قالت الملائكة:{سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا}[الزمر:73]، فإذا لم يطيبوا بالعمل الصالح والإخلاص فلابد أن يطيبوا وتطيبهم تطهريهم بعذاب الله جل وعلا، ثم بعد ذلك لما ذكر له أسباب دخول الجنة التي هي فروض لابد منها لكل مسلم، بين له الطرق الكثيرة التي يتسابق بها المؤمنون إلى رفع الدرجات.

قوله : (وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ) هذه الأخرى، (وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ) وسبق أن كلما جاء ذكر الصلاة في كتاب الله وسنة رسوله غالباً أنه بهذا اللفظ، الإقامة: تقيم الصلاة، مما يدل على الاهتمام بالصلاة وأنها لابد أن تقام، لا يأتي بمجرد أن تأتي بالصلاة فقط أن تكون ميتة أو خاوية ليس فيها روح.

وروح الصلاة: حضور القلب، خشية الله، خوف الله، تعرف أنك إذا كنت بالصلاة أنك تناجي ربك وتخاطبه، وأن الله ينظر إليك ويستمع إليك، فيجب أن تستحضر هذا، وتستمر على هذا إلى نهاية الصلاة، إلى أن تنتهي ولا تشتغل بأمور الدنيا والأمور التي لا تنفع.

وإقامتها : كذلك أن تؤديها في وقتها جماعة، كما أمر بها الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن تأتي أيضاً بما يُشترط لها من طهارة وستر عورة وغير ذلك من الأمور التي لابد منها، فهذه إقامتها، أن تقيمها بما أمر الله جل وعلا وما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الأمر واضح وقد قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) فأمرنا بهذا: نصلي كما كان يصلي صلوات الله وسلامه عليه، وقد تناقلها المسلمون إلى الآن إلى اليوم، تناقلوا صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم بالفعل وبالقول، فهي من الأمور الواضحة الجلية فلابد من إقامتها.

قوله : (وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ)، وهذه لا تلزم لكل أحد ” إيتاء الزكاة “، “إيتاء الزكاة ” لمن كان عنده مال، والذي ليس عنده مال لا يلزمه شيء من ذلك، وأداؤها يعني أن تضعها في الموضع الذي أمرك الله جل وعلا به، ولابد أن تكون نفسك بها طيبة مغتبطاً بذلك، ترجو ثواب الله وتخاف عقابه لو منعتها، فهذا أداؤها على هذه الصفة.

ثم لابد أن تكون كما هو معلومٌ زكاة المال من المال نفسه، فلا يتيمم الإنسان الشيء الرديء، فيخرج الزكاة منه، مثل الثمار، معلوم أن الثمار تختلف، مثلا التمر يعني يختلف كثيراً، منه ما يكون مثلاً ثمن الكيلو عشرون ريال أو أكثر، ومنه ما يكون ريالين، فيعمد إلى الشيء الرخيص ويقول: أخرج منه الزكاة، هذا ما يصلح .

لابد أن تكون الزكاة من وسط المال لا من جيده ولا من رديّه، كما مر في الحديث الذي مر معنا في أركان الإسلام، فكذلك في حديث معاذ قوله: (إياك وكرائم أموال الناس)، لما أمره بأخذ الزكاة، يعني لا تأخذ الشيء الجيد، ولا يجوز لصاحب المال أن يدفع الشيء الرديء، لأن هذا حقٌ أوجبه الله جل وعلا في عين المال وهو متعلقٌ بالذمة.

 قوله : (وتصوم رمضان وَتَحُجَّ الْبَيْتَ)، ومعروف الصوم والحج أنه من أركان الإسلام التي فرضها الله جل وعلا وقررها الرسول صلى الله عليه وسلم وبينها.

فيجب أن يعرف الإنسان كيف يصوم، كيف يمتنع من الأمور التي تفطره وتذهب صومه وتفسده، ومن أهمها: الكلام في الناس والغيبة والنميمة والأشياء التي تقدح في صوم الإنسان، وكذلك المحرمات، لهذا يقول: (إذا صام أحدكم فلا يرفث ولا يفسق، وإن أحد سابه فليقل: إني امرؤ صائم)ـ فلا يشاتمه، (فلا يكون يوم صوم أحدكم كيوم فطره)، يعني أنه يحرص على أن يؤدي العبادة غير ناقصة.

 والحج كذلك يجب أن يعرف كيف يؤدي أركان الحج وواجباته وسننه، وما أمر الله جل وعلا به، ولا يكون ينظر إلى الناس إذا فعلوا شيئاً فعله، فقد يقع في الأخطاء وهو لا يدري.

هذه الأمور التي رتب رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها دخول الجنة، هذه الأمور الخمسة أن: (تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ).

هذه إذا التزم بها الإنسان وأداها كما ينبغي فإنه من أهل الجنة ولا يخاف أن يكون يناله عذاب النار، كما قال صلى الله عليه وسلم هذا العمل الذي يُدخل الجنة، ولكن لابد أن يأتي بها على علم، كما أمر الله جل وعلا، فإن قصر في شيءٍ منها فالأمر إلى الله إن شاء عفا وإن شاء أخذ، وهو أرحم الرحمين جل وعلا.

ثم لم يقتصر رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الشيء الذي هو الطريق إلى دخول الجنة، فدله على أبواب الخير، وينبغي للمؤمن أن لا يقتصر على الواجب المتحتم، بل يجب عليه أن يسعى إلى أن يحصل الدرجات العالية، بل ينبغي له أن ينافس إخوانه في هذا، يقول: لا يكون فلان أرفع مني درجة، فيعمل غاية ما يستطيع من العمل.

فلهذا قال له صلى الله عليه وسلم: (َألَا أَدُلُّك عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ؟)، جعلها أبواب، ليس شيئاً معين، يعني كل بابٍ تدخل معه فتأتي فيه أمور ٌكثيرة جداً، وكلها فيها اكتساب الدرجات والقرب إلى الله جل وعلا.

ولذلك جعل الله جل وعلا الجنة درجات عالية جداً، بعضها فوق بعض، على حسب ما ييسر الله جل وعلا العبد له ويعمل به، قال: (أَلَا أَدُلُّك عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ؟).

قوله : هل أدلك على أبواب الخير وأبواب الخير.يعني أنها في داخلها خير كثير متنوع وذكر أن أولها الصوم، والصوم وصفه بأنه جُنه ومعنى جُنه أنه يستتر به من عذاب الله، ولقد جاءت في النصوص انه جنه ما لم يخرقها، قالوا كيف يخرقها قال بالغيبة وهذا تمثيل.

فمعنى ذلك أن الذنوب تؤثر على الطاعات ولا تجعلها تؤتى ما وضعت له تماما .

قوله :  الصوم جنة يعني انك تستجن بها وتستر بها من عذاب الله، ثم قال والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، ثم الصدقة هنا جاءت مثل الصوم يعني ليست محدده،  والصوم أي صومٍ. ولكن عرف هذا الصوم هو صوم التطوع.

 ثم لم يذكر له حد انه يوم أو يومين أو عشره يطلق،  وقد جاءت أحاديث في أفضل الصيام كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص فانه اخُبر الرسول صلى الله عليه وسلم أنه يسرد الصوم وأنه يقوم الليل وأنه، فقال له إن لزوجك عليك حق ولزورك عليك حق ولنفسك عليك حق، فصم من كل شهر ثلاثة أيام، فقال:إنى أطيق أفضل من ذلك، إلى أن قال له صم يوم وافطر يوم، قال: أطيق أفضل من هذا، قال: لا أفضل من ذلك، وهذا صيام داود عليه السلام.

وكان عبد الله رضي الله عنه يتمنى أنه قبل رخصه رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني أنه أخذ بعض الشيء الذي قال له لأنه لما كبر ضعُفَ عن ذلك، وكانوا إذا عملوا عملا لا يتركوه يداوموا عليه وكره أن يترك شيء مما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أنه طلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك.

ومعنى قوله إن لزوجك عليك حقا ولزورك عليك حقا ولنفسك عليك حقا: يعني ان الزوجة لها حق ستطالبك به، والحق الذي أوجبه الله مقدم على الصيام الذي هو التطوع، وكذلك الزائر(…) وزورك يعني زائرك، من إخوانك وأقاربك وغيرهم، لهم حق فإذا زار، تقدم له شيئا تشاركه فيه حتى يستأنس،ويكون أديت إليه الحق وكذلك النفس يجب أن يرفق بها، لأنها هي مطيته، فإن ألزمها الأشياء التي تُضعفُها ضعُفت وعجز عن الواجبات.

ومعنى هذا أن الواجب ألزم من هذا، وهذا سيأتينا صريحا في الحديث الذي بعد هذا، وقوله إن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، قلنا ذكر الصدقة مطلقا وقد علم أن هذه الصدقة هي صدقه التطوع لان الصدقة الواجبة مضت من أسباب دخول الجنة بل من موجبات ذلك بأذن الله جل وعلا، هذه أيضا أطلقت ودخل فيها الصدقة الكثيرة والقليلة ودخل فيها السر الخفي والظاهر الجلي الذي يرى.

ولكن قد علم تقيدها بالأحاديث الأخرى أنها لابد أن تكون خالصة لوجه الله وهذا ليس في الصدقة فقط كل الإعمال يجب أن تخلص لله جل وعلا حتى تكون مقبولة، وقد علمنا فيما سبق أن كل عمل يعمله الإنسان لابد له من شرطين يعني كل عمل يتقرب به العبد إلى ربه يلزم أن يكون مشروعا ويلزم أن يكون خالصا لله جل وعلا وإلا لا يقبل.

لهذا يقول الله جل وعلا: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}[الكهف:110]،فالعمل الصالح هو ما كان موافقا للشرع على وفق ما جاء به المصطفي صلى الله عليه وسلم، وإلا لا يكون صالحا، كما سبق في الحديث الذي قبل هذا.

ثم قال: (الصَّوْمُ جُنَّةٌ)، هذا مطلق.

الصوم جنة: يعني صوم التطوع.

والجُنة هي الشيء الذي يجتن به الإنسان ويستتر به عن المؤذي والسلاح وما أشبه ذلك، يجتن بجُنة، فالأصل الجُنة هي التي توضع على الرأس وعلى الصدر عند القتال حتى لا يصل إلى رأسه وصدره السهام، يجتن بها.

فالصوم جُنة من العذاب، تجتن به، فهو جُنة مطلقة، وهذا ترغيبٌ في الصوم، وقد جاء فيه نصوص كثيرة، ومن أعظمها وأبينها ما في الصحيحين من قوله صلى الله عليه وسلم عن ربه جل وعلا أنه قال: (كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به).

قوله: (لي وأنا أجزي به)، يعني خصه من بين الأعمال أنه له.

(وأجزي به) يعني بلا مضاعفة، والله كريم جواد إذا جزا فلا نهاية لجزائه، نقول سبعمائة ولا سبعة آلاف ولا سبعة ملايين، لا، شيء لا حصر له، لهذا قال: (وأنا أجزي به) ولم يذكر العدد أنه بكم، (وأنا أجزي به) فهو يليق بعظمة الله جل وعلا.

وقوله: (الصوم لي) يقول العلماء: هذا يدل على أن الصوم يكون خالصاً لله جل وعلا، لأنه سر بين العبد وبين ربه، فهو إذا امتنع من الأكل والشرب لأنه بإمكانه أن يخلو في بيته ويأكل ويشرب ولا أحد يدري عنه، فإذا امتنع دل على أنه يراقب ربه، وأنه يرجو رحمته، وأنه يخافه، فصار لله جل وعلا بهذه الصفة.

ولهذا قال بعض العلماء: أن الصوم لا تنال منه شيءٌ الخصوم، الخصوم يوم القيامة يأخذون من الحسنات، إذا كان لك خصوم، لك من ظلمته لك من أخذت حقه ولم تستحله ولم ترده عليه فإنه سوف يأخذ منك، ويأخذ من حسناتك حتى يستافي، يقول بعض العلماء: أن الصوم لا تأخذ الخصوم منه شيء وإنما (…)، والله أعلم، ولكن هذا استنتاج ليس فيه نص أنها لا تأخذ منه.

قوله : (وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ)، هذا تمثيل، تطفئ الخطيئة يعني تمحوها وتزيلها، وهذا تمثيل يدل على أن الخطيئة أنها حارة وأنها كالنار لأنها تجلب العذاب.

فالصدقة كونها تطفئ الخطيئة: يعني تزيلها وتمحوها.

وجاء في رواية صدقة السر، قال: (صدقة السر تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار)، وذلك لأن السر أبعد من مراءاة الناس ومن جلب أنظارهم، ويقصد بذلك يرجو ثواب الله جل وعلا.

وقوله: كما يطفئ الماء النار، هذا مبالغة كما في كونها تمحو الخطايا خطايا الإنسان، ومعنى ذلك أيضا أن العبد لا يسلم من الخطيئة ينبغي أن يثابر على الصدقة وعلى الصلاة في الليل، يعني يحمل نفسه ولو بعض الشيء .

قوله : وصلاة الرجل في جوف الليل، يعني أن صلاته في جوف الليل تطفئ الخطيئة كما تطفئ الماء النار وجوف الليل وسطه ومعنى ذلك أن الصلاة بالليل الذي يكون الغالب فيه نوم الناس أن لها ميزه، ميزه عن الصلاة في أوله أو في النهار، لهذا جعلها تطفئٌ الخطايا.

قوله : ثم تلا قوله تعالى: {تَتَجَافي جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[السجدة:16،17].

تلاها إلى هنا ليبين فضل ذلك فقوله:{تَتَجَافي جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ}، يدل على أنهم  ناموا ثم (ثاروا) إلى الصلاة والتجافي هنا معناه أنهم لم يأنسوالمضاجعهم، ولم يطمئنوا فيها بل ما في قلوبهم من حب الخير وحب الدرجات أثارهم إلى التهجد والى سؤال الله جل وعلا.

فمعنى تتجافى: أنها لا تطمئن بل أنها لا تستقر على المضاجع، وهذا معناه إن ما في قلوبهم ما يحملهم على القيام من حب الله وحب العمل والقرب إليه، يدعون الله جل وعلا وهذا من أعلى ما يكون في وصف المؤمنين الذين يتقربون  إلى الله بالنوافل بعد أداء الفرائض.

وقوله جل وعلا:{فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ}، نفس هنا نكرة، يدخل فيها الملائكة والرسل وغيرهم،أنهم لا يعلمون ما في الجنة مما أعد لهم، وإذا كان هؤلاء لا يعلمونه فالخلق من باب أولى من عدا هؤلاء أنهم لا يعلمون ذلك، والجنة فيها أشياء من النعيم وقره العيون لا نتصوره ولا تصل أفكارنا إليها، وهذا من الدواعي والدوافع للمرء بأن يحرص على تحصيل الجنة.

ثم قال بعد ذلك: أيضا زيادة على ما مضى، يعني:  في أبواب الخير، ألا أدلك ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه!.

قوله : رأس الأمر: يعني الأمر الذي جاء به المصطفي صلى الله عليه وسلم، فهو الأمر الذي يجب أن يهتم به ويكون الإنسان حريص عليه.

فقال: رأس الأمر الإسلام، يعني أنه  لا يحصل للعبد شيء  من الفضل ولا يحصل له أمنٌ من العذاب لا في الدنيا ولا في الآخرة حتى يدخل في الإسلام، وأن الأمور كلها تبنى على هذا يعني قبول العمل وما يترتب على قبول العمل من الجزاء، يترتب على الإسلام، دخول الإسلام.

ولهذا يقول الله جل وعلا:{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ}[آل عمران:85]،{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ}[آل عمران:19] فأي دينٍ يتدين به الإنسان، أو قربةٍ يتقرب بها وهو لم يقبل الإسلام ويدخل فيه، فإنه ضال، ولا يقبل منه شيء مهما كان .

والآيات كثيرة بهذا المعنى، كقوله جل وعلا:{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3) تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً} [الغاشية:1:4]، وصفت بأنها ناصبه وأنها خاشعة.

والنتيجة أنها تصلى نارًا حاميه، لماذا ؟ لأن هؤلاء إما يتعبدون عبادات يجتهدون فيها ولكنهم ليسوا مسلمين، أو أنهم ضلوا و خرجوا من الإسلام فصاروا يتعبدون عبادات غير مقبولة، مردودة، لأنهم تركوا الإسلام وخرجوا منه، فإما أن يكون هذا يدخل فيه من دخل فيه وخرج منه، والذي لم يدخل فيه، وكذلك غير هذه الآيات كثير في كتاب الله جل وعلا، ولهذا قال: رأس الأمر الإسلام.

وقوله : وعموده الصلاة يعني : الصلاة المقصود بها هنا المكتوبة المفروضة، كما أن الإسلام الذي ذكره أنه هو الفرض الذي لابد منه ،اللازام .

ومعنى هذا الكلام من رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه يقول أنكم مقيدون بما تعملون، إذا أردتم النجاة والفوز بالثواب الذي أعد لمن يدخل الجنة مقيدون بهذا، لابد من دخول الإسلام، لابد أن يُسلم .

والإسلام هو: الاستسلام لله بالطاعة والانقياد له والإخلاص في العمل، هذا هو الإسلام، هو حقيقته، وهذا شيء يعرفه الناس،يقولون استسلم فلان: أصبح ليس عنده منازعه، وليس عنده مقاومه، ولابد أن يسلم العبد لربه جل وعلا، ولا يكون ذلك إلا بعد معرفه الأمر الذي طلب منه الدخول فيه.

أما العمود: فكأن الإسلام جعل شبه البيت، والبيت لا يقوم إلا على عمود، أعمدة تحمله، تحمل السقف، وهذا البيت له أركان وأسس،فالأسس هي الاسلام، والعماد التي تحمل ما فوقه من الصفوف هي: الصلاة، ثم الذروة،  ذروة السنام التي هي أرفع الأشياء، لأن السنام _سنام البعير الذي نعرفه_، ذروته أعلاه، وهذا إشارة إلى أفضل الإعمال، أفضلها، قال: الجهاد. ومن المعلوم إن الجهاد إذا أطلق الجهاد أنه يدخل فيه أشياء كثيرة، وكثير من شراح الحديث، يحصره في القتال، قتال الكفار، والواقع أنه جاء في نصوصٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم ما هو أوسع من هذا.

فيدخل فيه: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد من تحت يدك، ومن تستطيع من الفساق و من الكفار ومن غيرهم،  وقد قال الله جل وعلا: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ}[التوبة:73]،والمنافقون لا يجاهدون بالسيف (والجلاد)، وإنما يجاهدون بالحجة والبيان، وإيضاح الأمر، لأنهم مع المؤمنين يصلون كما يصلون،  ومن التزم قول لا اله إلا الله، والصلاة، لا يجوز أن يقاتل،ومع ذلك يجاهد إذا تبين منه شيئٌ على خلاف ذلك .

أما الفساق فيجاهدون بأمرهم بالمعروف وترك الفسق،وترك المعاصي، وهذا الجهاد بالقول وقد يكون بالفعل إذا لزم ذلك، كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه الذي رواه أبو سعيد الخدري وهو في صحيح مسلم: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه) إلى أخره.

ومن الجهاد الذي جاءت  النصوص تدل عليه وتوضحه: الحج، فإن أحد أمهات المؤمنين سألت النبي صلى الله عليه وسلم هل على النساء جهاد؟،  قال:(نعم جهادٌ لا قتال فيه الحج)، فالحج جهاد، وهذا إذا كان من التطوع فهو يُتحصل فيه الدرجات، أما إذا كان فرضًا على العبد _يعني الفريضة_، فهو جهاد و زيادة،يعني أحب ما يفعله العبد أن يتقرب إلى ربه بما افترضه عليه، _كما سيأتي_، أن يؤدي الفريضة أحب من أداء النوافل إلى الله جل وعلا.

وجهاد النفس أن يحملها الإنسان على الطاعة  ويمنعها من المعصية، وهذا جهاد يستديم ويدوم مع الإنسان، لابد أن يبقى معه يجاهد نفسه، لأن النفس تكون دائمًا تريد الدعة، وتريد السكون، وتريد ربما ما يلائمها من شهوات وغيرها.

وفي الحديث الصحيح فيه وصف الجنة ووصف النار، يقول صلى الله عليه وسلم:(حفت النار بالشهوات وحفت الجنة بالمكروهات)،يعني مكروهات النفس، وتفصيل ذلك يقول أنه لما خلق الله جل وعلا الجنة قال لجبريل عليه السلام: اذهب فانظر، فلما نظر قال: ظننت أن لا يسمع بها أحد إلا ودخلها.

ثم أمره أيضا أن ينظر إلى النار، قال: ظننت أن لا يسمع بها أحد إلا وهرب منها، ثم حفت الجنة بالمكارة والنار بالشهوات،  فأمره أن ينظر فقال خفت أن لا يدخل الجنة أحد وأن لا ينجو من النار أحد.

ومن هنا يتعين الجهاد جهاد الإنسان نفسه  على أنها تلتزم الطاعة وتجتنب المعصية، فهو جهاد في هذا، يعني يجاهد ذلك، وكذلك يجاهد غيره بهذه الطريقة، حسب الاستطاعة وحسب ما تقضيه الأمور والحال.

قوله : (ألا أخبرك بملاك ذلك كله) ملاك ذلك يعني الشيء الذي يكون به ملك هذا الشيء بحيث أنك تستطيع أن تعمل بهذا الشيء وتلزمه، بملاك ذلك.

وهذا يدلنا على أن هناك أصل إذا التزمه العبد دخل في هذا الأمور وسهلت عليه،  وهو الذي يخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، فقلت : بلى يا رسول الله  فاخذ بلسانه يعني بلسان نفسه وقال:(كف عليك هذا)، وهذا تفصيلٌ للجهاد يعني أنك لا يكون لسانك عليك، كفه عن نفسك اجعله لك لا عليك .

فكيف كفه ؟ كفه أن يكون محمولًا على الطاعة فقط، فتذكر ربك وتسبحه وتتلوا كتابه وتأمر بالخير وتنهى عن الشر وتبذل الشيء الذي ينتفع به غيرك، أما أنك تطلقه ولا تراقبه فربما أوردك المهالك.

ولهذا جاء في الحديث:(إن الأعضاء كلها تكفر اللسان وتقول كف عنا فانك إذا استقمت استقمنا وإن اعوججتاعوججنا)، وهذا تمثيل لا يلزم أن يكون قول تقوله ، تمثيل أن اللسان إذا استقام استقامت الجوارح كلها واستقام العمل، هذا المقصود.

معلوم أن اللسان وراءه شيء، وراءه شيء يحمله أو يطلقه، فإذا كان (قلب) الإنسان قلب المرء مشغول بذكر الله وبالخوف من الله ومراقبته، فلن ينطلق اللسان بكل شيء، لابد أن يكون مقيد، مقيدٌ بما ينفع، فيصبح اللسان لك  لا عليك.

أما إذا لم يكن كذلك فالغالب أنه على المرء أنه يتكلم ويجنى عليه،  وقد جاء التحذير أيضا نظير هذا في كتاب الله جل وعلا،_نظير قول الرسول صلى الله عليه وسلم_، فإن الله جل وعلا يقول: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً}[الإسراء:36].

وأمرنا بالمحافظة على طاعة الله جل وعلا وقال:{إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}[الذاريات:17،18].

وأخبرنا جل وعلا أن كل إنسان ألزم طائره وأنه يخرج يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا يقال له: {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفي بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً}[الإسراء:14] هذا كله غالب من اللسان فما يصدر من قول إلا هو مسجل مسطور معد لك، يوم تقف بين يدي الله أنه يعرض عليك، فما المصير؟! ليس هناك حيلة وإنما يجب أن يكون الإنسان مالك للسانه.

أتى رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلب الوصية قال: أوصني، قال:(أتملك لسانك؟)، قال: إذا لم أملك لساني فماذا أملك؟ قال:(كف عليك لسانك)، فقط، هذه الوصية،(كف عليك لسانك)، فهذه الوصية، نظير هذا القول _قول الرسول صلى الله عليه وسلم .

وقد جاءت أحاديث كثيرة في الخطر خطر اللسان ، فإن خطره عظيم جدا، فانه ثبت قوله صلى الله عليه وسلم:(أن المرء ليتكلم بالكلمة من سخط الله يهوي بها في النار سبعين خريفا)، كلمة واحدة، لها مصائب، يهوي بها في النار سبعين خريفا.

ومقابل هذا أيضا الحديث الثاني:(الرجل ليتكلم الكلمة من رضوان الله يكتب الله له بها رضاه يوم يلقاه وإنه ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يبتعد بها عن الجنة أبعد من المشرق إلى المغرب)، وفي رواية:(ليضحك بها القوم)، فيجب أن يكون العبد مراقبًا للسانه، لا يطلقه في كل شيء.

ومن الأمور العامة التي لا يسلم منها أحد إلا ما شاء الله،  الكلام في الناس فلان فيه كذا وفلان فيه كذا، وهذا من الذنوب العظيمة، ليست سهلة، ولهذا حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أخر الخطب التي كان يخطبها  لما كان في يوم عرفة، كان يسألهم، وكذلك في اليوم العاشر يوم العيد، واليوم الحادي عشر،يسألهم هذا السؤال؟ يقول:(أي بلد هذا؟) فلما سكتوا، قال: (أليس البلده؟)، قالوا: بلى، ثم  قال:(أي يوم هذا؟)،فأخبرهم أنه يوم محرم، والشهر؛ أي شهر هذا ؟!أخبرهم أنه محرم،  يعني اجتمع حرمة البلد وحرمة اليوم وحرمة الشهر، فقال:(إن إعراضكم وأموالكم ودماءكم حرام عليكم كحرمه يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا)هذا تأكيد تأكيدات للحرمة الإعراض والأموال والدماء محرمة .

قد يقول الإنسان أنا لا أتكلم كثيرا،ولكن أنا  اذكر الواقع، نقول: إذا ذكرت الواقع فأنت واقع في المحرم، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن حد الغيبة، فقال:(ذكرك أخاك بما يكره) في غيبته يعني، ثم قال: أرأيت إن كان فيه ما أقول؟. قال:(إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهتته).

والبهت: هو الظلم بالكذب الذي إذا اطلع عليه الإنسان انبهت، لأنه ما يتصور هذا، ما تصور ولا علم أنه وقع منه شيء من ذلك،هذا من أعظم الظلم.

ثم إذا كان مثلا ذكر ما يكره الإنسان كل ما يكره فهو: غيبة، يكفي هذا أن العبد يعرف حد الغيبة، ما هي، وقد قال الله جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً}[ق:12]،  هذا تمثيل، من يستسيغ أنه يأكل لحم أخيه بعد ما يموت!، من يستسيغه ؟! في عاقل أو طبيعة يمكن أن تكون مستقيمه يستسيغ مثل هذا الشيء ؟!، كل هذا تمثيل من هذا الشيء لأنه عظيم.

فكذلك الكذب فإنه من آفات اللسان، والكذب قد يتساهل فيه الإنسان كثيرا،  وقد جاء التحذير منه، حتى إن كثيرا من الناس يعلم أبناءه الصغار الكذب، يعلمهم الكذب بفعله، فمثلا يقول تعالى أعطيك كذا والا أفعل كذا،وهوما يعطيه شيئًا، ولا يفعل شيء، فيصير هذا من الكذب الذي يستساغ ويتربون عليه.

وقد كان السلف يضربون أبناءهم الصغار على الكذب يعودونهم الصدق، فالكذب ليس من أخلاق المؤمنين أصلا،  سئل النبي صلى الله عليه وسلم هل يكذب المؤمن؟  قال: لا، ولما سئل هل يزني؟ قال: نعم يزني، ولكن لا يكذب، لان الزنا يكون أسهل،والزنا يمكن أن يتوب ويرجع إلى ربه جل وعلا، أما الكذب فلا يجوز .

فالكذب لا يصلح منه شيء إلا في أمور نادرة  ومحدده في ثلاث حالات فقط :

الحالة الأولى : ما إذا أصلح الإنسان بين متخاصمين متنازعين، وليس معنى ذلك أنه كذب يحل حراما ويحلل حرامًا، يقول مثلا فلان يودك، فلان يحبك، فلان فيه كذا وكذا لكي حتى يزول ما بينهم، ما بين هذا وهذا .

الحالة الثانية : إصلاح الإنسان فيما بينه وبين زوجه، أنه قد يذكر الأشياء التي ليس فيها حراما وحلال حتى وإن كانت كذب حتى تصلح الأمور،لأن هذا أمر مطلوب، وكذلك الزوجة مع زوجها.

الحالة الثالثة : في الحرب، وقد قال بعض العلماء إن هذه كلها ليست كذبا صريح، إنما هي معاريض، مثل ما قال صلى الله عليه وسلم لما ذهب يسأل عن قريش هو وأبو بكر ولقيا رجلا من المشركين فسأله،  قال: لا أخبركما حتى تخبراني من أين أنتما، فقال له صلى الله عليه وسلم: إذا أخبرتنا أخبرناك، فقال أنهم كذا وكذا وكذا، فأخبرهم، فلما أخبرهم قال: ممن أنتم ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: نحن من ماء، والخلق كلهم مخلوقين من ماء، خلقوا من ماء، فظن أن ماء أنه بلد أو قرية .

وكذلك بالفعل إذا أراد صلى الله عليه وسلم أن يغزو جهة من الجهات صار يسأل عن الجهات الأخرى، عن مياهها ومن فيها من المشركين، فيخيل للذي يسمع أنه سيذهب إلى تلك الجهة،  هذا من المعاريض .

ومن ذلك ما ذكر عن إبراهيم عليه السلام، وقد جاء في حديث الشفاعة أنه يعتذر إلى الناس،  ويقول:إني كذبت ثلاث كذبات فلا أطلب الشفاعة، يعتذر بهذه الكذبات، وهذه جاءت كلها في ذات الله في المحاجة عن دين الله: الأولى قوله لقومه: إني سقيم، لما ذهبوا إلى عيد معين وأراد أن يكيد أصنامهم، فقال إني سقيم .

يقول العلماء: سقيم يعني: لم أقم بأمر الله كما ينبغي بل قصرت فيه، وليس السقم المرض مرض الجسد، الأخرى، قوله : فعله  كبيرهم هذا، لأنه لما حطم الأصنام وضع الفأس في رقبة الكبير حتى يقيم الحجة عليهم، لما جاءوا يسألون:{قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنْ الظَّالِمِينَ} ، قال بعضهم:{سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ}_يذكرهم يعني يذمهم ويسبهم_{ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ}، ،{قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ}، يعني يريدون إثبات، ما هو مجرد بس الأخذ بالتهمة، لابد من الإثبات، {قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمْ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ} قالوا:{لَقَدْ عَلِمْتَمَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ}[الأنبياء:59:65]، المقصود أن هذه الثانية .

أما الثالثة : أنه دخل عليه السلام بلد ظالم فيه من كبار الظالمين ومن المعاندين لله جل وعلا، فقيل لهذا الظالم إنه دخل بلدك رجل معه امرأة هيأجمل الناس لا ينبغي أن تكون لغيرك، فعلم إبراهيم أنه إذا قال أنها زوجتي أنه يأخذها، فسألوا عنها فقال أختي هذه أختي، فعلم أنه إذا قال أختي لا يتعرض له، ثم قال لها إبراهيم عليه السلام أنه سيسألك فلا تكذبيني أنا قلت أنك أختي وأنت أختي في الإسلام، ليس على الأرض اليوم مسلم غيري وغيرك فلا تكذبيني، فإذا سالك فقولي أني أخته، يعني أخته في الإسلام .

وهذه كلها مماحالة ومجادلة عن الحق دون الحق (…) الباطل، ومع ذلك يعتذر إبراهيم يقول أني كذبت ثلاث كذبات، فالمقصود أن الكذب لا يصلح منه شيء إلا ما ذكر في هذا، فحتى لا يجوز الإنسان يتساهل، يتساهل بالشيء حتى للصبي الصغير أن يقول: تعالى أعطيك كذا، أعطيك هدية، أعطيك لعبة، أعطيك كذا، وهو ما يعطيه،ما يجوز مثل هذا.

وقد جاء أن امرأه في وقت النبي صلى الله عليه وسلم دعت صبيا فقالت: تعالى أعطيك، فقال لها صلى الله عليه وسلم:(ماذا تعطينه؟، فقالت: أعطيه تمرة، فقال:أما أنك لو لم تعطه لكتبت عليك كذبة)، فلا ينبغي أن يتساهل المرء في مثل هذا.

وهذا أيضا فيه تربية وفيه تعليم، فقد ما يتربى الطفل على كون الكذب عنده سهل،أو كونه خلق يتخلق به،وهذا لا يجوز، لأن المرء مسؤول عمن تحت يده، (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)، والله جل وعلا يقول:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً}[التحريم:6].

يعني : اجعلوا وقاية بينكم وبين النار وبين أهليكم،  بين أهليكم أيضا، قوهم في أفعالكم وفي أخلاقكم وفي تعليمكم وتأديبكم لهم.

فعلى كل حال نقول أن الكذب لا يجوز أن يحدث من المسلم، فكيف الكذب في الأمور العظيمة التي قد يكون يترتب عليها ضياع حق أو أكل باطل أو غير ذلك.

ثم كذلك من خطر اللسان: أخطاره كثيرة جدا كونه مثلا قد يتكلم بشيء من الأمور التي تتعلق بدين الله، ولهذا ذكر أن الرجل يتكلم بالكلمة يهوي بها في النار إلى كذا وكذا، نسأل الله السلامة .

وقول معاذ رضي الله عنه: قلت يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟، فقال:(ثكلتك أمك يا معاذ)، ثكلتك يعني فقدتك، فالثكلى: هي التي فقدت ابنها،  المرأة الثكلى التي مات ابنها فجاة أو غير فجأة، (وهل يكب الناس في النار على وجوههم،_أو قال مناخرهم_، إلا حصائد ألسنتهم)، وهذا القول من الرسول صلى الله عليه وسلم خرج مخرج العادة التي اعتادها الخطاب والمخاطبون،ولم يقصد به الدعاء لأن لفظه لفظ دعاء ثكلتك أمك، ولكنه لا يقصد به الدعاء، فهذا مثل تربت يداه، وغير ذلك مما يتخاطبون به كثيرا ولا تقصد حقيقته، وهذا يدلنا أيضا على الخطاب المعتاد الذي اعتاد وعرف معناه، الذي لا بأس به، وإن كان قد يوجه للمرء كأنه في صورة الدعاء فانه ليس بالدعاء .

وقوله صلى الله عليه وسلم: (إلا حصائد ألسنتهم)، فقال يكبهم في النار على وجوههم، أو قال على مناخرهم، هذا أمر عظيم جدا، يدلنا على خطر اللسان كيف الكلام يكب الإنسان على وجهه في النار؟

وهذا يقول العلماء: إن هذا لا يكون للمؤمن، يكون لمن خرج من الدين الإسلامي، نسأل الله العافية ،  لأن المسلم الذي يدخل النار ما يدخل بهذه الصفة، لا يكون على صفة المجرمين الذين يقول الله جل وعلا: {فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ}[الرحمن:41]،كيف يؤخذ بالنواصي والأقدام! هذا إلقاؤهم في النار.

النواصي: برؤوسهم، يؤخذ برأسه وبأطراف قدميه ثم يرمى في النار، نسال الله العافية ، هذه صفة المجرمين،ولكن المسلم يدخل النار مثل ما يدخل المجرم السجن، يقاد ويدخل في النار على رجوله، أما المجرمون ؛ لا، بهذه الصفة ، نسال الله العافية ، ثم لا يبقون في النار إلا قدر إجرامهم فيخرجون، ولكن هنا يقول: يكبهم على وجوههم أو على مناخرهم، وهذا صفة الإجرام .

إلا حصائد ألسنتهم، والحصائد: يعني آثار الكلام ونتائجه،فهذا يجعل الإنسان يتوقى الكلام كثيرا، وإذا أراد أن يتكلم يفكر، يفكر في هذا الكلام هل هو له أو عليه، فلابد  أن يكون قلبك من وراء لسانك ، ولا يجوز أن تطلق لسانك بكل شيء ثم بعد ذلك تندم،ما تستطيع أن تستدرج ما مضى.

فعلى كل حال نقول إن خطر اللسان كبير جدا، وقد ترتب عليه أشياء (كبيرة) وعظيمة،فقد يترتب عليه خروج الإنسان من الدين الإسلامي ، نسال الله العافية .

فالحديث الذي رواه عبد الله بن عمر وغيره:(كلمة قالها قوم فخرجوا من الدين الإسلامي).

وقد ذكر ربنا جل وعلا ذلك في كتابه: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}[التوبة:65،66]، بكلمة لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم .

وقد جاء في حديث بن عمر أنه يقول: كأني أنظر إلى أحدهم متعلقا (…) بناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم والحجارة تنكب رجليه، وهو يقول: يا رسول الله، والله ما كنا نقصد الحقيقة وإنما نتحدث حديث الركب لنروح على أنفسنا، والرسول صلى الله عليه وسلم لا يلتفت إليه ولا يزيد على قوله: لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم،فهذا يدلك على خطر اللسان أيضا، فهذا يقول ما تكلمنا كلاما نقصد الحقيقة، وإنما تكلمنا من باب المزح، نمزح حتى نروح عن أنفسنا، لان المزح إذا ضحك الواحد فإنه إن كان تعبان فإنه يرتاح ويستأنس بذلك، فيكون عنده نشاط، هذا معنى كلامه نروح عن أنفسنا، ومع ذلك لم يُعذر،فقيل له إنك كفرت بعد إيمانك، فهذا دليل على أن الإنسان قد يتكلم بالكلمة  ، كلمة واحدة ، فيخرج بها من الدين الإسلامي.

وعلى كل حال أبواب الخير كثيرة وميسرة، وإنما الغبطة لمن يسر الله جل وعلا له ذلك وسهله وعمل على وفق ما أرشد إليه رسول الهدى، صلوات الله وسلامه عليه.

نسأل الله جل وعلا أن يحمينا من موجبات سخطه، وأن يرزقنا الاستقامة على دينه ، كما نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من المتقين الذين يحظون عند ربهم بالدرجات العلى وأن يتقبل منا ومن المسلمين .

الحديث الثلاثون

عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ جُرْثُومِ بن نَاشِبٍ رضي الله عنه  عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  قَال: “إنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ غَيْرَ نِسْيَانٍ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا”.حديثٌ حسنٌ رواه الدارقطني وغيره.

الشرح

الحديث المتمم للثلاثين، هذا الحديث جمع الدين كله، فهو من جوامع الكلم العظيمة التي ما تركت شيء من ما يمكن أنه يكون معمولاً به في الشرع، ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فقسم الأمور إلى أربعة أقسام:

القسم الأول : فرائض فرضها الله جل وعلا .

القسم الثاني: حدوداً حددها جلَّ وعلا .

القسم الثالث: أمورٌ محرمة .

القسم الرابع : أمورٌ سكت عنها رحمةً لنا من غير نسيان .

وقوله: فرض فرائض فلا تضيعوها يعني أنه ألزمنا أمورٌ تلزمنا فهي فرضٌ يعني لازمة، فلا يجوز أننا نتساهل بها، فيجب أن نلتزمها ونقوم بأدائها كما أمرنا ربنا جلَّ وعلا، وهذا مثل عبادة الله جلَّ وعلا وحده لا شريك، وهي الأساس في كل عملٍ يمكن أن تعمله، فلابد أن تكون العبادة خالصة له جلَّ وعلا، ولابد أن تكون على وفق ما فرض وألزم جلَّ وعلا.

وقد جاءت هذه المعاني في أحاديث متفرقة، وكذلك يجتمع بعضها، فمن الأحاديث المشهورة التي يكثر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني أنها يعلم الناس بها، قوله أنه:(أُمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله)، وفي رواية:(حتى يعبدوا الله)، فإذا قالوها حرمت دمائهم وأموالهم حقها وحسابهم على الله، وقد سبق هذا في أول هذه الأحاديث.

وعرفنا أن معنى قوله ” وحسابهم على الله “: أن هذا في الظاهر فقد، إذا قام الإنسان بما فرض الله ظاهراً، فهذا يقتضي أن يكون مسلم له أحكام المسلمين، وعليهما على المسلمين، وأما في ضميره وما في نيته فهذا إلى الله، الله يحاسبه عليه، هذا معنى قوله ” وحسابهم على الله “.

ولهذا يقول: فرض فرائض، وقد اختلف العلماء هل الفرائض هي الواجبات؟ أو أنها غيرها ؟

فعند أبي حنيفة رحمه الله وأصحابه أن الفرائض آكد من الواجب، الفرائض آكد من الواجبات، وعند غيره من العلماء يجعلون هذا سواء، وقد اختلفت أقوال الأئمة الثلاثة في هذا.

ومن الشيء الذي اتفقوا عليه أن الفرائض هو الإلزام، وأنه مؤكد، والفرض أصله مأخوذٌ من الحز، فرضت الشيء إذا حززته، وهو يدل على لزوم الشيء، أنه لازم .

وقوله: (فلا تضيعوها)، يعني أنكم يلزمكم أن تلتزموا بها وتؤدوها، فأداؤها يجب أن يكون على وفق ما أمر، فلابد من العلم قبل هذا، يعلم أن هذه فريضة، وكذلك يعلم ما يلزم لها، وما يجب لهذه الفريضة .

فمثلاً الصلاة، الصلاة لها شروط ولها أركان فلابد أن يأتي بها المصلي، مثل: الطهارة، ولهذا جاء أنها لا تقبل صلاةٌ بلا وضوء، وكذلك: السترة، وكذلك: استقبال القبلة، وكذلك: النية، وما أشبه ذلك من الأمور التي ذكرها، وقد جاء أيضاً أشياء كثيرة في هذا، فيلزم للعبد أن يعرف ذلك حتى يؤدي الفرض كما ألزم .

وكذلك الزكاة، والصوم والحج، هذه الفرائض التي تلزم كل واحد،  فلابد أن يؤديها على الوجه الذي شرعه الله جلَّ وعلا وأمر به الرسول صلى الله عليه وسلم حتى يسلم من التبعة، لأن هذا شيء ملزمٌ به، فهو متعلقٌ بهمته، إن أتى به على الوجه الذي أمر به، برئت الذمة وإلا صار عليه تبعات سوف يحاسبه الله جلَّ وعلا على ذلك، ثم الأمر إلى الله، المقصر أو التارك لبعض ما يجب عليه يكون أمره إلى الله، يوم يلقاه إن شاء أخذه وعذبه على ذلك، وإن شاء بلا عذاب .

ولكن هذا يدخل فيه كل ما هو واجب، كل ما أوجبه الله جلَّ وعلا، مثل: بر الوالدين، وصلة الأرحام، وكل ما أمر الله جلَّ وعلا به فإنه يلزم أن يأتي به، فهذه الفرائض يعني لا يقتصر بها على الشيء الذي عرف أنه ركنٌ من أركان الإسلام، أو ما أشبه ذلك، الشيء الذي أمرنا الله جلَّ وعلا به وألزمنا به فهو منها داخلٌ فيها .

قوله: (وحد حدوداً)، فأصل الحد هو الشيء الذي يمنع، المانع الذي يمنع أن تتعداه، ولهذا سمي الحديد حديداً لأنه يمنع أن يصل إلى البدن السلاح أو غير ذلك، وكذلك الذي يقوم على الأبواب مثل أبواب الرؤساء، وكذلك على السجن يسمى حداد، يعني أنه يمنع الداخل أو الخارج.

فالحدود: هي الموانع التي جعلها الله جلَّ وعلا لعباده لا يتعدونها، وتطلق الحدود على الشيء الذي ألزمنا به، وتطلق على المحرمات.

فمن ذلك قول الله جلَّ وعلا لما ذكر الفرائض، ذكر أن للوالدين، الوالدة لها الثلث، والوالد له الباقي إن لم يكن للميت ولد، وذكر أن للبنت النصف إن كانت فرداً، وحدها، وإن كانت أكثر من اثنتين فلهما الثلثان، وذكر ما للزوجة وللزوج وللأخوة وللكلالة بعد ذلك قال: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ}[النساء:13]، يعني هذه التي فرضها وحددها، هي حدودٌ لله جلَّ وعلا {فَلا تَعْتَدُوهَا}[البقرة:229]، يعني لا تتركوها وتتجاوزوها، فهذا في فعل المأمور .

وكذلك لما ذكر الطلاق، قال: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}[البقرة:229]، ثم  ذكر أنه لا يجوز أن يأخذ مما أعطاها شيئاً  إلا أن(تتأذى)، الأمر الذي حد، ثم بعد ذلك قال: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا}[البقرة:187]، تلك حدود الله: يعني هذه الأوامر التي أمر بها.

وقد تطلق الحدود على المحرمات، أو على العقوبات التي جعلت لانتهاك شيءٍ مما حرمه الله، كما يقول العلماء في كتب الفقه ” كتاب الحدود”، ثم يذكرون حد الزنا حد السرقة، حد القتل، وغيرها، وهذه كثيرة ومعروفة في كتب العلم.

فالمقصود أن الحدود هنا ليست لشيء معين فقط كما يتصور، يتصور أن الحد هو الشيء المحرم فقط، فالحدود الفرائض والمحرمات يعني الالتزام بما حده الله جلَّ وعلا وجعله واجب  الأخذ به والعمل به أومحرم (…) تركه.

ولهذا نقول : أن هذا الحديث حديثٌ عظيم جمع الدين كله، كل الدين جمعه فيه، فجمع ما يلزم أن، وما يلزم أن يجتنب ويترك.

قوله : فلا تعتدوها يعني التزموها سواءً كانت من الواجبات التي أوجبت عليكم أو من ما حرم عليكم، وهذه كما سبق يعني في الأمور التي افترضت .

كما قال جلَّ وعلا: {يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ}[الطلاق:1]، يعني هذه الأوامر التي أمر بها هي حدوده .

قوله : {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ}، فمعنى ذلك: أنه يجب عليك أن تلتزم ما أمرك الله به، وهذا بالخصوص، يعني هذه مسائل يخل بها أكثر الناس، لا يلتزمون حد الله في ذلك، حتى تعدى الأمر إلى طلبة العلم، وكل هذا تساهل بل غفلة جهل .

فتجد الإنسان مثلاً إذا صار بينه وبين زوجة منازعات أو خلاف يسرع إلى الطلاق، ثم يقول اذهبي إلى أهلك وهذا كله محرم لا يجوز أن يقع من المسلم، هذه حدود من حدود الله، فإن العدة التي أمر الله جلَّ وعلا بها أن تطلق أن تكون طاهرةً لم تمسها فيه، لم يقربها زوجها في هذا الطهر، ثم الطلاق مرة، يعني تطليقة واحدة، ثم إذا طلقها يتركها في بيتها لا يجوز أن تخرج ولا أن يخرجها، لا تخرج هي، محرم عليها الخروج، ومحرمٌ عليه أن يخرجها، فهي زوجةٌ ما دامت في العدة، في بيتها، حتى تكمل عدتها ثلاث حيض، فهذا هو الذي أمر الله جلَّ وعلا به، {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}[الطلاق:1]، هذه العدة التي أمر بها، وهي حدودٌ حددها الله جلَّ وعلا.

وقد أمر جلَّ وعلا في كتابه معالجة المسألة أكثر من هذا ،قال الله جل وعلا : ﭐﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ  ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎﱏ ﱐ  ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖﱗ ﱘ ﱙ  ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ  ﱟﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦﱧ  ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱠ [ النساء : 34]  وهي أنه إذا حصل شقاقٌ بين الزوج والزوجة، أن يعالج بالموعظة، أن يعظها، ثم إذا لم تجدي ذلك يؤدبها التأديب الذي ليس فيه تنفير وليس فيه تعدٍ عليها وظلم، فإن لم يجدي ذلك يهجرها في المضجع فقط، في المنام، فإن لم يجزي ذلك يكون هناك من ينظر في الأمر من أهلها ومن أهله، حكمان يحكمان في الأمر، فالشيء الذي (…) وهؤلاء الحكم يجب أن يكونوا ذوي خبرة ونظر وإرادة للإصلاح والصلاح، فإن لم يجدي هذا يصير إلى الطلاق بعد ذلك.

وكل هذا لأن في المسارعة إلى الطلاق يكون الندامة ، ويكون فيه أمورٌ كثيرة تتعلق بالزوج والزوجة والأطفال وغيرهم، قد يكون فيه فساد كثيرة، فالمقصود أن هذا مثالٌ لالتزام الحدود التي حدها الله جلَّ وعلا، لهذا قال: “تلك حدود الله”، يعني التزموها.

ومثل ذلك الفرائض التي ذكرت لها مثالاً، لأن الله أعطى كل وارثٍ حقه، كما قال صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع أنه قال: (لا وصية لوارث فإن الله أعطى كل ذي حقٍ حقه، فلا وصيةً لوارث)، كان أول يوصى للوارث للولد أو لولد الولد أو للأخ أو ما أشبه ذلك، فلما نزلت الفرائض وهي الحدود التي سماها ربنا جلَّ وعلا حدود، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله أعطى كل ذي حقٍ حقه فلا وصيةً لوارث).

وكذلك محاولة تغيير هذه الحدود من الجرائم، كأن مثلاً يتصدق بماله على فلان أو يوقفه على فلان حتى ما يرث فلان وفلان، وهذا الذي يسميه العلماء الوقف (…) أو الصدقة الملعونة التي تحرم الناس حقوقهم، وهذا جاء الوعيد عليها يقول إن الإنسان قد يعمل عمره الأعمال التي يتقرب بها إلى الجنة، ثم يجور في آخر حياته في وصيته أو في أعماله كذا، ثم يكون من أهل النار يدخل النار، ولهذا قال: فلا تعتدوها، حدَّ حدوداً فلا تعتدوها.

قوله: (وحرم أشياء فلا تنتهكوها) فهذا أمرٌ عام، ولكن هذا يدلنا على أن المحرمات لابد أن يكون منصوصاً عليها، ولهذا ذكر الله جلَّ وعلا المحرمات بأعيانها، كما قال جلَّ وعلا: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ}[الأنعام:145]، فحدد المحرمات.

وكذلك لما ذكر الخمر أنها من المحرمات،قال الله جل وعلا ﭧﭐﭨﭐﱡﭐ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﳄ ﳅ ﳆ ﳇ ﳈ ﳉ ﳊ ﳋ ﳌ ﳍ ﱁ ﱂ  ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ  ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱠ [ البقرة : 90-91 ]ثم قال في آخرها فهل أنتم تنتهون عن ذلك، فالمحرمات هي التي جاء النص فيها .

ولا يجوز للإنسان أن يقدم على شيءٍ ليس فيه نصٌ عن الله وعن رسوله فيقول هذا محرم، {وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ}[النحل:116]، هذا من العظائم.

ولهذا كان العلماء يتورعون كثيراً إذا سئلوا عن شيء أن يقولوا هذا حرام، ويلجأ الإمام مالك رحمه الله، والإمام أحمد وغيرهما من العلماء أهل الورع والتقى، إن سئلوا عن الشيء وليس فيه نص أنه محرم قالوا هذا لا يجوز، إن قيل لهم محرم قالوا لا يجوز أن تفعله، فالمحرم موضح ومبين قد وضحه الرسول صلى الله عليه وسلم وبينه، كما سبق لنا في حديث النعمان بن بشير:(الحلال بينٌ والحرام بين).

بين بماذا ؟ بينٌ بالوحي الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.

ثم قال: وبينهما أمورٌ مشتبهات، يعني تشتبه على كثيرٍ من الناس، فالمشتبه الطريق فيه أن الإنسان يجتنبه تبرئةً لذمته ودينه خوفاً من الوقوع في المحرم، فإذا فعل ذلك فيكون كما قال صلى الله عليه وسلم، يعني يكون قد توقى الآثام والأمور والعذاب استبرأ لدينه وعرضه.

فمن وقع في المشتبه يجوز أن يقع في الحرام، فالمشتبه الشيء الذي لم يكن فيه نصٌ وهو التبس هل هو من الحرام أو من الحلال، مثل هذا يجب أنه أن الإنسان يبتعد عنه، أما المحرمات المنصوص عليها فهي واضحة ولكن قد تختلط بغيرها، فتلتبس .

فيقول الفقهاء لو أن الإنسان مثلاً له أختٌ من الرضاعة أو من النسب ثم جهلها، وهي في بلدٍ من البلاد معروف يقولون يحرم عليه أن يتزوج من هذا البلد، لأنه كل واحدةٍ يمكن أن تكون هي أخته، فما دام ما تميزت يبحث يستبريء لدينه ويبتعد عن مواقع الحرام، هناك أشياء كثيرة من الأمور المشتبهة .

قوله: (وسكت عن أشياء رحمةً لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها) فهذا أولاً فيه أن هذا قسمٌ رابع، والحديث يعطي أن هذا المسكوت عنه أنه مباح، ولهذا قال: رحمةً لكم، غير نسيان .

فأخذ العلماء من هذا أن الذي لم يأتي تحريمه أنه يكون مباحاً، ولكن هذا في الأمور التي إما معاملات أو المأكولات والمشروبات، أما في العبادات فلا يجوز أن يقدم المرء على شيءٍ يتعبد به إلا أن يعلم أنه مشروع، أن الشرع جاء به وأمره .

يعني الأمور هنا شيئان:

الأول : في هذه الأشياء عبادة، والعبادة الأصل فيها المنع حتى يأتي الأمر.

وأمور معاملة، أو أمورٌ تؤكل وتشرب وما أشبه ذلك، فهذه الأصل فيها الإباحة حتى يأتي التحريم، لأن الله جلَّ وعلا يقول: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ}[البقرة:29]، فجعل المخلوق الذي في الأرض كله لنا، { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا}[البقرة:29]، فكل ما في الأرض من نباتٍ أو غيرها  يكون مباح الانتفاع به حتى يأتي المنع منه، ولهذا قال: (وسكت عن أشياء) وهذا من رحمة الله جلَّ وعلا، لهذا قال: (رحمة لكم غير نسيان).

الثاني : هذا يدلنا على أن الله جلَّ وعلا يوصف بالسكوت وأنه يسكت عن شيء، ومقابل هذا الكلام أن الله يتكلم جلَّ وعلا، وكلا المسألتين خالف فيها أهل البدع، فهم لا يصفون الله لا بسكوتٍ ولا بكلام، وهو من المنكرات لأن هذا خلاف النصوص، والكلام يلزم من إنكاره تعطيل الشرائع كلها، وإنكار الرسل كلهم.

لأن الرسالة: كلامٌ من المرسل يأمر الرسول بما يشاء أن يؤديه ويبلغه من أرسل إليهم .

فالرسالة : إذا سمينا الرسالة تتضمن أشياء، تتضمن مرسل، وتتضمن رسول، ورسالة ومرسلٌ إليهم، لابد من ذلك.

فالرسالة: هي الكلام الذي يتكلم به ويأمر به المرسل.

هذا مع أنها جاءت النصوص الواضحة الصريحة في ذلك، {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ}[التوبة:6].

وما أكثر النصوص في هذا كثيرة جداً، فالله يتكلم وكلامه يتعلق بمشيئته، وكذلك يسكت إذا شاء جلَّ وعلا، فكلامه وسكوته كلاهما يتعلق بمشيئته وهذا من صفاته تعلى وتقدس، فيجب أن نؤمن بهذا.

وقوله: (من غير نسيان) يعني أن الله جلَّ وعلا لا يخفى عليه شيء، ولا يذهل عن شيء تعالى وتقدس، فكل شيء عنده معلومٌ لا يمكن أن يخفى عليه شيء .

قوله : (فلا تبحثوا عنها)  يدلنا على أن الشيء الذي لم ينص على تحريمه أنه لا يبحث عنه، يسكت عنه، لأن هذا سعةٌ لنا، ورحمةٌ من الله جلَّ وعلا، فيجب أن نقبل ما رحمنا الله جلَّ وعلا به، ولا نسعى في الأمور التي قد تُحّرم عند البحث وغيره.

ولكن التحريم لابد أن يكون بالوحي، فهذا مثل ما سمعنا فيما مر، أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما قال: (إن الله كتب عليكم الحج فحجوا، قام رجل وقال: أفي كل عامٍ يا رسول الله ؟ فسكت، ثم عاد: أفي كل عام يا رسول الله؟ فسكت، ثم عاد الثالثة: أفي كل عام يا رسول الله، فقال: لا، دعوني ما تركتم لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم، – ثم تهلكوا إذا تركتم هذاهلكتم- فدعوني ما تركتم فإن ما هلك من قبلكم في تتبع كذا وكذا).

(وجاء أيضاً أن من أشد الناس عذاب من سأل عن شيءٍ لم يحرم، فحرم من أجل مسألته)، فهذه جملة جاء نظيرها جاء في كتاب الله جلَّ وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ }[المائدة:101]، فهذا المعفو عنها اسكتوا عنه، لا تسألوا عنه، فإنكم إذا سألتم ربما حرم عليكم وربما يكون في السؤال سوء كما ذكر الله جلَّ وعلا، أنها تسوء .

ولهذا ذات مرةً ألحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسألة بعضهم، فغضب صلى الله عليه وسلم، فقام فقال:(سلوني فإني والله ما من شيء تسألوني عنه في مقامي هذا إلا أخبرتكم به، فقام رجلٌ فقال: أين أبي؟ فقال أبوك في النار)، نسأل الله العافية ، لو سكت لكان أحسن له وأولى.

المقصود أن الأمر في الأشياء المسكوت عنها أنها سعة لنا ورحمة، فيجب أن نسكت عنها ولا نبحث عنها.

وفي ضمن هذا أن الأمور التي لا نص فيها أنه يجوز للإنسان أنه يفعلها، وهذا لا ينافي ما سبق من أنه يجب على الإنسان يجتنب المشتبهات، لأن هذا شيء وذاك شيء، المشتبهات اشتبهت في المحرمات أما هذا فهو لم يدخل المحرمات ولكنه مسكوتٌ عنه.

 الحديث الحادي والثلاثون

 عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيّ رضي الله عنه  قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم  فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إذَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اللَّهُ وَأَحَبَّنِي النَّاسُ؛ فَقَالَ: “ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبُّك اللَّهُ، وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبُّك النَّاسُ” .

حديث حسن، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدَ حَسَنَةٍ.

الشرح

 أبي العباس سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه، يقال أنه آخر من مات من الصحابة في المدينة، والصحيح أن آخر من مات بالمدينة جابر بن عبد الله، كما هو معروفٌ عند المحدثين ، ولكنه من صغار الصحابة فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمسة عشر سنة تقريباً، والذين ذكروا ترجمته، يقولون أنه كثرت أولاده حتى أنه حصن سبعين امرأة .

وعلى كل حال، الصحابة رضوان الله عليه أكثرهم بل جلهم القليل منهم جدًا مات في المدينة، أما أكثرهم ماتوا في بلادٍ متفرقة، لأنهم خرجوا إلى الجهاد في سبيل الله، يوجد منهم من مات في أقصى الدنيا، في الشرق والغرب، ومع ذلك لا يعلم لهم قبور .

وقد يوجد أشياء وهمية يتوهم بعض الناس ويتحرى، ثم ينتشر هذا الشيء عندهم، كما الآن يوجد في سمرقند، يقولون قبر الفضل بن عباس أوغيره، وكذلك يوجد في بلاد أخرى وهي غير مؤكدة غير معلومة، لأنها مضى عليها قرون كثيرة غير معلومة ، وإنما جاء هذا فيما بعد.

والمقصود بهذا الحديث، أن هذا فيه أنه من جوامع الكلم أيضاً، والأحاديث التي ذكرها النووي” رحمه الله ” هذه كلها من جوامع الكلم ولكنها تتفاوت كثيراً، وقد سبق قول الرسول صلى الله عليه وسلم : (أوتيت بجوامع الكلم)، وأن هذا من خصائصه صلوات الله وسلامه عليه.

وجوامع الكلم: أن تجتمع في الكلمة القليلة، قليلة الحروف، المعاني الكثيرة، التي قد يعجز المرء عن إحصاء ما تشتمل عليه من الأحكام والآداب والأمور التي ينبغي أن يعمل بها.

حتى ان أحد العلماء ألف مؤلفات ، كتاب كبير جدا، يبلغ ما يقرب من ثمان مائة صفحة على حديثٍ واحد فقط، وليس من هذا الحديث، على حديث قوله صلى الله عليه وسلم: (ما فعل النغير يا أبا عمير)، مع أنه هذا خاطب فيه ولد من باب التسلية فكيف بالأحاديث هذه ؟!

قوله: إن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، دلني على عملٍ إذا عملته أحبني الله، وأحبني الناس، فقال: (ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس)، وهذه من الجوامع، والسؤال هذا أيضاً جامع، أنه إذا قال: دلني على عملٍ إذا عملته أحبني الله، هذا يكفي في سعادة الإنسان، إذا أحبه الله جلَّ وعلا يسر له كل خير في الدنيا والآخرة، ولكن محبة الله لها أسباب، لابد من التزام فرائض الله ثم أن يؤدي الأشياء التي هي نفل، لأنه جاء في الحديث أن من هذه الأسباب أن يأتي الإنسان بالنوافل بعد أداء الفرائض، إذا تقرب العبد إلى ربه بالنوافل بعد أداء الفرائض أحبه الله جلَّ وعلا.

وهذا يدلنا أولاًً: على أن الله يحب، والمحبة أظن ما في أحد من مَن يعرف اللسان العربي إلا ويعرف أحب، لأنها من الأمور الظاهرة الجلية، فمحبة المخلوق للمخلوق أو للطعام الجائع مثلا أو غير ذلك أمر محسوس، شيء محسوس، والمحسوسات من أظهر الأشياء معانيها.

ولهذا يقول العلماء الذين يتكلموا في هذا: لا تفسر المحبة بأوضح من المحبة، أنها محبة، ولكن صفات الله جلَّ وعلا تليق به، لا نعرف حقائقها، فهي مجهولةٌ لنا.

ولهذا يقول العلماء: أن حقيقية الصفة أمرٌ لا يمكن أن يعلم، كما قال الإمام مالك لما سُئل في أنه {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}[طه:5].

كيف استوى؟ فلما سمع هذا الكلام ارتعد وصار يتصبب عرقاً خوفاً من الله جلَّ وعلا، ثم قال: الاستواء معلوم، يعني معلوم في اللغة والمعنى، معناه معلوم ظاهر، الاستواء معلوم والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعه ولا أراك إلا رجل سوء، ثم أمر به أن يُخرج من مجلسه، لأن السؤال عنه ، يعني عن الكيفية بدعة، لأنها لا يمكن أن يوصل إليها.

وهكذا يقال في كل صفةٍ من صفات الله، إذا قال لنا كيف يحب ؟ كيف المحبة؟ نقول: المحبة معلومة والكيف مجهول، والإيمان بها بالمحبة واجبة، واجب أن تؤمن، والسؤال عن ذلك من البدع.

وهكذا لو سأل عن السمع البصر وغيره، فالطريقة واحدة في هذا، والله يحب من يشاء من عباده، كما أنه يبغض من يشاء، ويلعن من يشاء جلَّ وعلا، قد أخبرنا جلَّ وعلا أنه لعن الشيطان ولعن من لعن ممن يجترئ على حدوده أو يحاده، وكذلك أخبرنا أنه يحب المحسنين، ويحب المتقين، ويحب المتطهرين، ويحب التوابين، وغير ذلك مماهو نصوصٌ في كتاب الله جلَّ وعلا، فكيف تنكر هذه ؟!، فإنكارها من أعظم المنكرات.

فقوله: (ازهد) الزهد في الشيء: هو عدم الاهتمام به، وعدم الالتفات إليه.

قوله : (ازهد في الدنيا) ما هي الدنيا؟هل الدنيا كل من تحت السماء من مخلوقات، أو أنه في أشياء معينة.

الدنيا: الشيء التي يرغب الناس فيه، من مساكن، وملابس، ومآكل، والشهوات، ومناصب، ومراتب وغيرها، هذه الدنيا.

وقد قال الله جلَّ وعلا: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ}[الحديد:20] إلى آخر الآية، وقوله : {أَنَّمَا} أنها محصورة، حصرت الدنيا في هذه الأشياء.

لهذا كان بعض الذي يعلمون الناس ويعرفون حقائق الأشياء يأخذ تلامذته ويقول هلم أريكم الدنيا، يذهب بهم إلى المزابل، يقولون انظر الدنيا هذه نتائجها، فيجب أن يُزهد فيها، فهي فانيةٌ منتهية.

وكذلك الحال ما يكون الإنسان عليه من إرادة الظهور أو العلو في الأرض أو التكبر على عباد الله أو ما أشبه ذلك، فهذا أيضاً من الأمور التي يجب أن تجتنب، وحقائقها معلومة كما جاء عن الحسن البصري رحمه الله، رأى رجلاً يتبختر بحلةٌ لبسها وينظر عليها، فقال: يا هذا اتقِ الله، وكان من أحد أبناء الأمراء، قال: ألا تعرفني!، قال: بلى، والله أعرفك جيداً، أولك نطفةٌ (…)، وآخرك جيفةٌ قذرة، وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة ! فهذه الحقيقة، هذه حقيقتك.

فيجب أن يعرف الإنسان قدره حتى يزهد، يزهد في نفسه وفي الأمور التي يعرف مصيرها، هذا إذا لم يكن من أهل النار، فإن كان من أهل النار فأي قيمةٌ له؟ مهما كان وصل إلى شيءٍ من ذلك فهو كما قال الله جلَّ وعلا: {حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ}[المجادلة:8]،ومعنى{حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ} كافيةٌ في عقابهم، وفي هلاكهم، وفي سفولهم، إذا كان مصيرهم إلى هذا، {تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ}[إبراهيم:30]، فمتاعها قليل.

فالزهادة في الدنيا جعلها سبباً في محبة الله جلَّ وعلا، ولكن حقيقة الزهد فيها ، أن تزهد في شيئين:

أحدهما: تزهد في متاعها .

الثاني : تزهد في الثناء من الناس، أن يثنوا عليك، يجب أن تكره هذا الشيء، ولا تريده.

فمن حصل له الزهدان فهو حصل له الزهد في الدنيا، لأنه مثل ما قال: لما أُثني عليه قال: أنا أعلم بنفسي منك، والله لو علمت حالتي لمقتّني، فهو يعرف أنه (…)، ولهذا مثل ما قال ابن مسعود: لا يصل أحدكم إلى حقيقة الإيمان حتى يمقت نفسه في الله، ومعنى يمقت نفسه في الله أنه يرى أنه ما أدى شيئًا من حقوق الله كما ينبغي بل هو مقصر.

فالزهد في الثناء زهدٌ في الدنيا (…) ولكن الأمور التي تجب عليه مثل نفقةٌ تلزمه وما أشبه ذلك لا يجوز أن يزهد في مثل هذه الأشياء، يجب أن يؤديها، ولكن الأمور الفاضلة التي تشغله عن الآخرة تشغله عن طلب الفضل من الله جلَّ وعلا، يجب أن يزهد فيها.

ثم معنى كلام الرسول صلى الله عليه وسلم: (ازهد في الدنيا يحبك الله) يعني أنك إذا تركت الأمور التي هي ليست لازمةٌ لك ولحياتك، وأقبلت على أمر الله وطلب الآخرة، هذا أسباب محبة الله.

وأما من محبة الناس معلوم أنه حبهم للدنيا فإنك إذا تركت الشيء الذي يحبونه الناس، واعرضت عنه ولم تطلبه ولم تشاركهم في الطلب في ذلك أحبوك، وهذا أمرٌ ظاهر، وهذا هو معنى ذلك.

وعلى كل حال هذه من آداب الإسلام، ومن الأمور التي تكون سبباً لكون الإنسان يسلم لا من منازعة الناس، ولا من موجبات غضب رب العالمين جلَّ وعلا.

أسأل الله جلَّ وعلا أن يجعلنا من الذين يستقيمون على الحق ويتبعون رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في عمله وكذلك في زهده، فإنه أزهد الخلق في الدنيا، صلوات الله وسلامه عليه .

 الحديث الثاني والثلاثون

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ سَعْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ الْخُدْرِيّ رضي الله عنه  أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  قَالَ: ” لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ” .

حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَغَيْرُهُمَا مُسْنَدًا.

وَرَوَاهُ مَالِكٌ فِي “الْمُوَطَّأ” مرسل عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم  مُرْسَلًا، فَأَسْقَطَ أَبَا سَعِيدٍ، وَلَهُ طُرُقٌ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا.

الشرح

في هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: لا ضرر ولا ضرار، هذا من جوامع الكلم الذي يجمع المعاني الكثيرة في هذا اللفظ الوجيز القليل.

والضرر والإضرار مختلفانِ:

فالضرر: يكون لمن يفعله، ولو لم يكن فيه مصلحة.

والإضرار: قد يكون له مصلحًة في ذلك، وقد يكون له شيءٌ من الحق يتعلق به، ولكنه في إضراره لا حق له فيه، وقد ذكر الله جل وعلا الضرر في أشياء في كتابه منها الإضرار في الوصية  وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن الرجل يبلغ الستين سنًة يعمل ثم يُضرُ في الوصيته فيدخل النار).

ولهذا اللهُ جل وعلا جعل لكل وارثٍ حقه، هو الذي تولى قسمة الميراث جل وعلا فأخبر بالحقوق لمن.

فالإضرار إما أنه يوصي بأكثر من الثلث حتى يضر الورثة.

وإما أنه يوصي بوارثٍ بزيادة، وإما أنه يتعمد حرمان أحد الورثة من النساء أو غيرهم.

فهذا من الإضرار الذي يدخل في ذلك فهو إضرار بلا مقابل، ولهذا الله يتولى جزاء مثل هؤلاء ولذا (توعدوا) بالنار.

ومن ذلك الإضرارُ في المراجعة يعني مراجعة الزوجة كما قال الله جل وعلا:  ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة:231].

وقد كان في الجاهلية الرجلٌ إذا أراد أن يضر زوجته طلقها، ثم إذا قاربت انتهاء العدة راجعها، ثم طلقها، وهكذا فتبقى دائمًا لا مطلقة ولا ذات زوج، وهذا من أعظم الإضرار.

لهذا نهى الله جل وعلا عباده أن يفعلوا شيئًا من ذلك، ومن ذلك كونه أيضا يضارها في غير المراجعة بأن يمنعها حقها حتى تفتدي منه، أو تعطيه ما قدم لها مع أن هذا من المحرمات.

ولهذا نهى أن يؤخذ شيء مما قُدم لها يقول: ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾[النساء:21].

الميثاق: هو بكلمة الله التي استحل بها فرجها، فلا يجوز بعد ذلك أن يأخذ شيئا منها فإن فعل ذلك فهو من الظالمين.

وما أكثر هذه الأنواع التي تقع بين الناس في الضرر وسيحكم فيها ربُ العالمين جل وعلا يوم لا يملك الإنسان إلا التسليم والانقياد، وليس له أي حيلة.

والإضرار بالضعفاء، الخصم من ؟! الخصم (…) رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يخاصم الضار، وإما رب العالمين تعالى وتقدس فمن يخاصم.

ثم كذلك من الإضرار كذلك بالوالدة، كما ذكر الله جل وعلا أنها لا تضار بولدها ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ﴾ [البقرة:233]، فقد مثلًا يحصل الخلاف بين الزوج والزوجة، فيمنع الزوج الزوجة أن تتمكن من أطفالها أو أنها ترضعهم أو أنها تربيهم، وهذا من الإضرار، وكذلك لو قدر أن العكس يحدث فالواجب أن الإنسان يتقي ربه .

والمقصود إن هذا كله داخلٌ في قوله: لا ضرر ولا ضرار، هذا بالنسبةِ للأمور التي تتعلق بالزوج والزوجة أو بالميراث أما الأمور التي فيها المعاملات، فهي كثيرةٌ جدا كلها داخلةٌ في هذا، فقد يكون بين الشركاء اشتراكٌ في أرضٍ أو في مالٍ أو في غيره فيريد أحدهما الإضرار بالأخر فيكونُ داخًل في ذلك.

ومعنى قوله : لا ضرر ولا ضرار يعني أن الشرع نفى ذلك فإذا رفع الأمرُ إلى الحكم الشرعي فإنه يزيل ذلك ويمنعه.

ولهذا جاء أحد الصحابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره أن لرجلٍ نخلةٌ في نخله، وأنه ضر به، يأتي كل يوم (يضار)، ويطأ أرضه، ويطأ ما يضع فيها، فدعاه الرسول صلى الله عليه وسلم خذ بدلها في طرف النخل، فأبى، فقال خذ قيمتها، فأبى، فعرض عليه ثم قال للآخر أعطه نخلةً في مكان كذا وامنعه أن يدخل نخلك، فإن هذا يريد الإضرار، وفي مرًة قال له اقلع نخلته وأزلها.

فإذا كان الإنسان يقصد الإضرار يتبين أنه إذا أعطي مثلًا قيمة أبا أو أعطي المِثل أبا ويتبين أنه يريد الإضرار، فمثل هذا لا يقر يرغم على ترك هذا الشيء، إما يعوض وإن كان لا يريد العوض، نقول : ليس لك شيء.

وكذلك إذا أراد الإضرار بجاره ولو كان في ملكه، ولهذا قسمه العلماء إلى قسمين : احدهما  : شيءٌ قد يتعدى إلى الغير :كأن مثلًا يوقد نارًا في بيته أو في ملكه في وقت هبوب الرياح، وما أشبه ذلك، فتتعدى إلى إحراق من في جواره، فهذا يلزمه أن يضمن كل ما احترق، بهذا السبب يكونُ ضامنًا شرعًا.

أو مثلًا قد يعمل شيئًا يضر بجدار جاره أو ببيته، سواًء كان بالفعل إما حفر أو إعلاء جدار وفتح نوافذ عليه، أو ما أشبه ذلك، كل هذا ممنوعٌ شرعًا، ويجب على من ينظر في هذا ممن ولاه ولي الأمر في ذلك من بلديةٍ أو غيرها أن تمنع هذا شرعًا.

وقد يكونُ أيضا الإضرار بحفر بئرٍ بجوار بئره حتى يأخذ الماء أو غير ذلك.

والمقصود أن هذه الضرر من هذه الأشياء لا حصر لها أمثلتها كثيرةٌ جدًا، ولهذا نقول : أن هذا من جوامع الكلم، هذا يدخل فيه أشياء كثيرة جدًا، والواجب على المسلم أن يتقي ربه، وألا يضر أحدًا من الناس، فإن أذية المسلم ليست سهلة فإن تعدت الأذية إلى أنه يؤذيه معنًى، وكذلك يؤذيه بأن يمنعه شيئًا من حقه أو من الاستفادة به أو يضره في ذلك، فإن هذا من أعظم الذنوب .

ولهذا دلنا الحديث الذي ذكر بأن الإضرار في جميع هذه الأشياء من الكبائر، من كبائر الذنوب، ولهذا توعد صاحبه بالنار.

 الحديث الثالث والثلاثون

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  قَالَ: “لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى رِجَالٌ أَمْوَالَ قَوْمٍ وَدِمَاءَهُمْ، لَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ” .

حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وغيره هكذا ، وَبَعْضُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. 

الشرح

 وهذا أيضًا من جوامع الكلم الذي يتعلق بالدعوى وبالقضاء، ولهذا يحتاجها إليه القضاة في مثل (…) هذا الحديث لأنه أصلٌ يبنى عليه.

وقوله: لو يعطى الناس بدعواهم لادعي رجلٌ أموال قومٍ ودمائهم يعني: أنه لو قبلت الدعوى، كل مدعٍ تقبل دعواه ويصدق فيها لدعوا دماء أناس يقتلوهم وادعوا أموالهم، وهذا من أعظم الجرائم .

فلابد لمن يدعي شيئًا أن يأتي ببينة، فالبينة على المدعي.

والمدعي من ؟

المدعي الذي يدلي بالدعوى، يأتي فيقول : أنا لي حقٌ عند فلان، فلان فعل بي كذا وكذا، فيقال ائتِ بالبينة.

والبينة معلومةٌ في ذلك: شاهدان عدلان مسلمان، قد عُرفا بالصدق والأمانة والاستقامة .

فإن لم يأتِ بذلك فليس له إلا يمينُ صاحبه فيخلص من ذلك، ولهذا البينةُ على المدعي واليمينُ على من أنكر.

المنكِر: هو الذي أُدعي عليه، ينكر أن يكون هذا، ومعنى ذلك أن هذا في الإنكار.

أما إذا أقر أن له شيء فهذا يعني صار الإقرار، ما يحتاج إلى هذه القاعدة ، فالمقصود، أن هذا قاعدةٌ يجب أن يعمل بها، وقد عمل بها المسلمون، فهي من إرشادات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي كذلك من جوامع الكلم التي يكون تحتها أحكامٌ كثيرة، أخبر أن الناس أنهم بعضهم ليس الناس كلهم ، لو يعطى الناس بدعواهم، يعني لو أن كل من يدعي يصدق بدعواه، أو أنه يعطى ما أدعى ويُنفّذ له.

ولكن جعل الله جل وعلا في أمر الإسلام أمورًا يجب أن يرجع إليها، فنحنُ لابد إذا حصل بيننا الخلاف أن نرجع إلى كتاب الله وسنة رسوله، وقد جعل الله جل وعلا لما سنه رسولنا صلى الله عليه وسلم حكمًا، يحكم بذلك، ثم يجب أن تنتهي عند ذلك الخصومات والدعاوي لما حكم الحاكم به من كتاب الله وسنة رسوله، فهذه تنهي جميع الدعاوي، سواًء كانت دعاوي في أموال أو في غيرها.

فلهذا قال: (ادعى قومًا دماء رجال) يعني الحقوق التي تتعلق بالرقاب أو (…) بغيرها وأموال قوم أيضًا فجعل البينة لابد منها والبينة التي تبين الحق.

وقد اختلف العلماء في هذا: هل البينة مقصورة على الشاهدين، أو أن البينة كما قال، البينةُ: معنى أبان الحق وأظهره، فكلُ ما أبان الحق يكونُ بينة.

وقد يكونُ هناك قرائن وهناك أمورٌ تدل على أن الحق عند فلان، أو قرائن تدل على أن هذا المدعي ليس صادقًا، وقرائن تدل على أن المدعى عليه أنه عليه كذا وكذا، فكثير من العلماء يقول: يُعمل بهذه القرائن إذا كانت موثوقٌ بها وتكونُ نوعًا من البينة.

ولكنها تقوى بغيرها ومن القرائن أنها يستنتج من صاحب الدعوى هل هو صادق أو غير صادق، كما يفعله الحكام الأذكياء، مثل ما وقع لبعضهم: جاء رجلٌ حاج ومعه مال فاستودعه رجل فذهب إلى مكة، فلما رجع طلب ماله قال: لا أعرفك، وليس لك لي عندي شيء، ماذا يصنع؟ هذا في الحقيقة فرط، لأنه استأمن هذا الرجل وأودعه المال، فذهب إلى شريح القاضي – رحمه الله – وكان ذكيًا، فقال: هذا أودعت مالي فلان، رجل كذا وكذا وجحده، قال: ائتني به، فجاء به، قال: هل أودعك هذا المال، قال: لا، فسأل صاحب المال، هل عندكما أحد لما أودعته؟ فقال للرجل المودَع: اجلس، فقال: ليس عندنا أحد، فقال: عندكم شجرة والا شيء ؟ قال: نعم عندنا شجرة، قال: اذهب إليها لعلك إذا وصلت الشجرة تتذكر، يمكن دفنتها تحت الشجرة، فذهب، صار ينظر إلى المودَع في أثناء ذلك، وسأله: هل وصل إلى الشجرة ؟ قال: لا، وسكت، لما جاء الرجل قال: أمسك صاحبك يؤديك حقك وإلا سجنته، فذهب واستخرجه بهذه الطريقة، بهذه الحيلة ،لأنه عارف أين المكان، فقال لا ما وصل إلى ذلك .

ورجلٌ أخر نفس الطريقة، استودع آخرًا مالًا كثيرًا وذهب إلى الحج، صاحب دكان، فلما رجع قد طمع بماله، وقال: ليس لي عندك شيء ، ما لي عندك شيء، فصار الرجل أُسقط بيده، فقيل له لو ذهبت إلى الوزير الفلاني فإنه يمكن يستخرجه لك بحيلته، فذهب إليه وأخبره، قال: اذهب إلى صاحب الدكان واجلس عنده وسآتي إليك، فإذا رأيتك أقول لك متى أتيت؟ لماذا لم تأت إلينا ؟ ثم لا تهتم بكلامي ولا تقم من مكانك، ارفع يدك سلم علي وأنت جالس، وقل سأتيك ولا (اذهب) معه، فجاء الوزير إليه، لما رآه عطف عليه وقال: ما شاء الله هذا فلان، متى أتيت إلى هذا البلد، السلام عليكم، فبقي في مجلسه وسلم عليه، كيف تأتي ولا تمر، تأتي إلينا، (فترك ذهب)، ثم ان الوزير استدعى أحدًا من (…) وقال: إننا نريد نعمل كذا وكذا، أمرٌ يتعلق بهؤلاء، ولكن هذا الرجل لما رآه أن الوزير يقول هكذا، قال لصاحب المال؟ أنت متى أعطيتني المال؟  ذكرني لعلي أتذكر، فقال: كذا وكذا، فقال: تعال خذه، خذ مالك.

فهذه حيل وتتبين بها أن المدعي صحيح دعواه صحيحه، فيكون مثل هذه، الإقرار مثلًا والبينات التي هذا الشيء هي الحق، وقد جاء في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أن امرأتين في زمن نبي الله داود عليه السلام خرجتا إلى البر مع كل واحدة منهما ابنها، فجاء الذئبُ فاحتمل ابن أحدهما، كان واحدة كبيرة والأخرى أصغر منها، فكل واحدةٍ أمسكت الابن وقالت هذا ابني وهو ابن الصغرى، فأتيا تختصمان إلى داوود عليه السلام، فحكم به للكبرى، وكان سليمان حاضرًا، وتبين لسليمان أن القضية بعكس ذلك، فلما خرجا دعاهما فقال: ماذا حكم لكما نبي الله؟ فقالت الكبرى: حكم لي بأن الابن لي، وأن الذئب أخذ ابن هذه، فقال: أنا الذي سأحكم اجلسا، فأجلسهما ثم قال لرجل اذهب ائتني بالسكين، فقالت الصغرى: ماذا تصنع؟ قال: أقسمه بينكما، فقالت الصغرى: لا يا نبي الله هو ابنها، عند ذلك حكم به لها، للصغرى، لأن الكبرى أقرت قالت: نعم اقسمه، الصغرى قالت: لا تقسمه، لأن الأم لا يمكن أنها ترضى أن ابنها يقتل مهما كان، ولو (…) ذهب عنها.

فكان هذا أيضًا من القرائن التي يحكم بها، وهذه قضايا كثيرة تكونُ بينات، وليست البينة هي مجرد الشهود فقط .

والمقصود في هذا أن هذه قاعدةٌ يجب أن يسار عليها، يعني ما ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أن الناس يتعلقون بالدنيا كثيرًا ولهذا قال: (لو يعطي الناس بدعواهم لادعي رجلٌ أموال قومٍ ودمائهم ولكن البينة على المدعي واليمينُ على من أنكر).

 فإذا مثلًا ادعى مدعي على رجل وليس له بينة فليس له إلا يمينه ويمينه أن يقسم بالله جل وعلا أنه ليس له حقٌ عندي فيبرأ.

 الحديث الرابع والثلاثون

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ رضي الله عنه  قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  يَقُولُ: “مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ” رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

الشرح

 في هذا الحديث الذي هو من جوامع الكلم، قوله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَان) هذا الحديث جاء بألفاظ متعددة، وفيه درجات إنكار المنكر، والخطاب موجه هنا إلى الأمة، إلى جميع من استجاب للنبي صلى الله عليه وسلم.

هذا الحديث فيه وجوب إنكار المنكر، كما قال: من رأى ..

 “ومن” هذه من أدوات العموم التي يدخل بها كل مخاطب، كل من يصله الخطاب يدخل فيها، من الرجال والنساء وغيرهم، ولكن معلومٌ أن الخطاب يوجه للمسلمين ، لهذا قال : من رأى منكم يعني : كل المسلمين .

قوله : من رأى منكم منكر يعني يدلنا على أن الذي إذا رآه أنه يعلم أنه منكرًا تمامًا، وليس عنده فيه شك.

والمنكر: هو ما كان منكر في الشرع، وليس ما كان منكرًا في الطبيعة، أو في العادة عند كثيرٍ من الناس، لأن كثير من الناس ينكر أشياء ليست منكرة لأنه اعتاد خلاف ذلك، فيجب أن يعلم بالشرع أن هذا منكر وإلا لا يجوز له أن يقدم على إنكاره.

والمنكر خلاف المعروف، فلابد للمرء المسلم أن يعرف المنكرات، ومن المعروف الذي يكون معروفًا بالشرع، متعارف عليه.

قوله : من رأى منكم منكرا فلابد أن يكون الإنسان عارف أنه منكر، ولا يجوز أن يقدم على إنكاره وهو لا يعرف أنه منكر، ومعرفة كونه منكر يعرف بالشرع، بما جاء به المصطفى صل الله عليه وسلم، لأن المنكر هو ما خالف أمر الله، وأمر رسوله صل الله عليه وسلم، لا ما خالف عادات الناس وما يتعارفون عليه، لأن بعض الناس قد يعدوا ما خالف العادة التي عاش عليها، وألفها، وألفها قومه، قد يُعده منكرا ولا يكون ذلك منكراً، فالمقصود بأن أول شيء بهذا أنه يجب عليه أن يعرف أن هذا منكر أو معروف.

أما إذا كان لا يعرف ذلك فإنكاره قد يترتب عليه مفاسد أعظم مما يقصده من كونه يُقر المنكر .

قوله : من رأى منكم منكرا فليغيره،  تغيره يعني أن تغير منكر فقط، ولا يجوز أن يتعداه، فإن تعداه فإنه يكون ذلك أيضا منكرا، ثم أيضا، هذا يجب أن يعرف المنكِر: ماذا يترتب على الإنكار؟

فإن كان يترتب على الإنكار منكرا أعظم منه، لا يجوز أن ينكره، وهذا من المعرفة، من معرفة كونه منكر، كأن مثلا يشاهد أناس يشربون الخمر فلو أنكر عليهم لذهبوا ينهبون أموال الناس ويقتلونهم، لا يجوز أن ينكر على هؤلاء.

وقوله: من رأى منكم منكرًا فليغيره،  ” فليغيره ” يعني: يزيله عن كونه فعله، وفي هذا دليل على أن الشيء الذي لا يرى يفعله الإنسانُ بالخفية إنه لا يبحث عنه، إذا ما إنك تسترت واختفيت فأمرك إلى الله، الله جل وعلا هو الذي سيتولى محاسبتك.

ولكن إذا ظهر، لأن المنكر إذا ظهر يصبح الحكم يتعلق بكل من رآه، فإن لم يغيره فهو مثل الفاعل، مثل الذي فعل المنكر .

لهذا جاءت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( من حضر منكرًا فأنكره كمن غاب عنه ومن غاب عنه فرضي به كان كمن حضره فلم ينكره ) فإن الراضي كالفاعل.

ولهذا ذكر الله جل وعلا في كتابه عن اليهود أشياء منكرة، والذي يفوه بها ويفعلها ويقولها إما شخص أو شخصين، ولكنهم يرضون بذلك، كما قال الله جل وعلا: ﴿ لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾[آل عمران:181].

الذي قاله رجلٌ منهم، ولكنهم رضوا بهذا كانوا عنده فرضوا، فنسب القول إليهم كلهم لأنهم راضون بهذا.

وكذلك قوله جل وعلا: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾[المائدة:64]، إلى أخره، الذي قالها رجلٌ أو رجلان، ولكنهم رضوا بهذا فصار قولهم كلهم، فهكذا إذا وجد المنكر.

ثم التغيير جعله صلى الله عليه وسلم درجات، وجعله متعلقٌ بالاستطاعة، فإذا استطاع إزالته باليد هذا أعلى ما يفعله الإنسان، أن يزيله، فإن استطاع أن يغيره بيده فليفعل، فإن لم يستطع فبلسانه، يعني : يغيره بالقول ، أن هذا منكرٌ وهذا لا يجوز، ويجب أن يكون ذلك بالرفق.

حتى لا يكون يعني : إذا كان الإنسان مثلًا يقابل الأخر بالعنف وبالكلام الذي فيه جرح للشعور وغير ذلك فلن يغير المنكر، ولن يتركه، لأنه معروف أن النفوس مجبولة على حب الانتصار، يعني: هذا إذا قلت لهذا أنت فعلت منكر، يقول لا، أنت الذي فعلت المنكر.

فلابد أن يبين له ذلك بالرفق ويخوفه بالله جل وعلا ويرغبه بـ (…)، بأنه إذا رجع إلى الخير أن الله جل وعلا يتوب عليه، المهم أنه يفعل الشيء الذي يمكن فيه إزالة المنكر بالطرق التي يمكن أنه يصل إلى هذا الشيء، يعني هذا بالنسبة للقول.

وكذلك بالنسبة للفعل فجعل هذا ثلاث درجات.

وقوله : فليغيره بيده هذا هو أعلى درجات المنكر، أعلى درجات تغيير المنكر أن يغير باليد، وهذا يشمل ما إذا كان يزول بأسهل شيء .

فإذا كان مثلا يزول بالكلام، لا يجوز أن يقدم عليه الإنكار باليد، ينكره بكلامه، ينكره، ولكن يجب أن يكون بأسلوب حسن، ويجب أن يكون المقصود من إنكار المنكر أمور:

الأول: امتثال أمر الله: لأن الله جل وعلا يقول:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}[آل عمران:110].

يمتثل أمر الله حتى يدخل في هذا الثناء الجميل، الذي أثنى الله جل وعلا به على الأمة، فالخيرية لأجل إزالة المنكر والأمر بالمعروف، وهو من الجهاد الذي أمر الله جل وعلا به، لأن الجهاد لا يقتصر على قتال الكفار، بل الجهاد يتعدى إلى إنكار ما على العاصي وعلى أمره بالطاعة،ولكن نقول: هذا أول الأمر، أنه ينكره امتثالا لأمر الله.

الثاني: أن يكون ذلك رحمة:رحمة لمن وقع في المنكر، حتى ما يقع في عذاب الله، يرحمه في ذلك، وينكر عليه.

الثالث: إبداء النصيحة:أداء النصيحة لأن المسلم أخو المسلم، يجب أن يحب له ما يحب لنفسه وينصح له، ولهذا سبق معنا في الحديث  أن الدين كله جُعل في النصيحة، كما قال صل الله عليه وسلم: (الدين النصيحة قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولرسوله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين وعامتهم).

ثم هو في هذا ينبغي أن يكون له نصيب من (…) دعوة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، لأن الله جل وعلا يقول: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ}[يوسف:108].

وهذا أيضا نقول أنه يجب أن يكون عارفا لذلك، لأنه لابد أن يكون على بصيرة، والبصيرة هي العلم الحال ، والعلم بنفس الذي يؤمر وكذلك العلم في أن هذا أيضا يجب ألا يقر، هذه الدرجة الأولى، أن يغيره، فإذا كان يغير في المنكر بالكلام، لا يجوز أن يتعدى إلى ما هو أعلى منه، باليد و…، اليد مثل أن يزيل الشيء الذي عليه يده، وهو منكر، إما شرب خمر وإما أشبه ذلك.

قوله : فإن لم يستطع الاستطاعة تتعلق بالآمر هنا، إن لم يستطع الإنكار باليد.

فينتقل ذلك إلى الكلام، والكلام يجب أن يكون أن يقصد به العدل والإنصاف، وإزالة الفساد والإصلاح، فإن كان الكلام مثلا بأمور فيها تعدي أو فيها مثلا ظلم لمن وقع منه ذلك، فهذا لا يؤدي إلا إلى منكر، فلا يجوز أن يفعل، فالمقصود باللسان، أنه أيضا على درجات لابد.

 إذا كان مجرد أنه يقول: هذا لا يجوز، وهذا منكر، إن كان يكتفي بهذا، يكتفي بهذا، وإن كان لا يكفي هذا يستعمل معه الترغيب والترهيب من الله جل وعلا، يقول له اتقِ الله، وإنك مسؤول عن هذا، وأنك واقف بين يدي الله، وأنت خالفت أمر الله جل وعلا، فاخشه وراقبه لئلا يصيبك بعذابه.ثم كذلك الترغيب بما عند الله، إذا تركت هذا لله جل وعلا عوضك خيرا.

ومن ذلك أيضا الإيمان الذي يكون، يعطيه الله جل وعلا من ترك أمراً له، وهكذا يكون على هذه السبيل، فإن لم يستطع هذه الدرجة، يعني باللسان لأنه خاف مثلا، خاف أنه يُضرب أو يسجن أو مثلا يؤخذ ماله، أو يؤذى في قريبه أو ما أشبه ذلك، سقط عنه هذا الشيء، وانتقل إلى الدرجة الثالثة ، التي هي إنكار المنكر بالقلب، لا تسقط بحال، فلابد أن يكون المسلم منكرا للمنكر في قلبه، ولهذا لما قيل لابن مسعود:هلك من لم يُنكر المنكر بيده؟، قال: هلك من لم يعرف المنكر أنه منكر، لأنه إذا عرفه أنكره بقلبه، وقد جاءت في أحاديث تدل على هذا، في الصحيح وفي غيره.

قوله : فإن لم يستطع فبقلبه هذا لا يمكن يسقط عن أحد، إنكار المنكر بالقلب شيءٌ لا يعذر في تركه أحدٌ أبدًا ، ولذلك قال: وذلك أضعفُ الإيمان. يعني أن كراهته في القلب وبغضه وكونه لا يشارك صاحبه فيه يبتعد عنه هذا أمرٌ لازمٌ لكل أحد، فإن لم يفعل ذلك فمعنى ذلك أنه معناه ليس عنده إيمان لأنه قال ذلك أضعفُ الإيمان.

وإن كان هذا المفهوم غير متفقٍ عليه ولكن نصُ الحديث أن هذا الفعل الذي هو إنكار المنكر بالقلب هو أضعفُ الإيمان.

وقوله: وذلك أضعف الإيمان جاء في رواية:(وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)، وهذا دليل واضح في أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان لأن إنكار المنكر يكون باليد وباللسان، ثم إذا لم يستطع الإنسان ذلك فإنه ينتقل إلى إنكاره بقلبه، وانكاره بقلبه أن يبغضه ويكرهه، (ويزاول) صاحبه، أما إذا جلس معه وضاحكه وآكله فهذا يدل على عدم الإنكار.

ولهذا جاء التحذير من ذلك، أنه جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (والله لتنكِرن المنكر، ولا تأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا، أو ليوشك أن يضرب الله جل وعلا قلوب بعضكم ببعض، ويلعنكم كما لعن بني إسرائيل، فإنهم كانوا إذا رأوا المنكر، قالوا يا فلان اتق الله)، _اتق الله لا تعمل هذا_، (ثم لا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وجليسه وشريبه، لما رأى الله جل وعلا ذلك منهم، ضرب قلوب بعضهم بعض ولعنهم على لسان داوود وعيسى بن مريم).

فهذا يدلنا على إنكار المنكر، أنه بغض (ومزايلة) صاحبه، يعني لا يجالسه، يكون معه ويضاحكه ويؤاكله، وهذا أيضا يختلف لأن المقصود العلاج والإصلاح والأرض لا تصلح إلا بما جاءت به الرسل، وإفسادها يكون بالمعاصي، والمعصية إذا عُملت خُفية صارت على صاحبها، فإن أعلنت فإن أنكرت، أنكرها من يستطيع ذلك، فإنها لا تعم، لا يعم العقاب فإن سُكت عنها يوشك أن يعمهم الله جل وعلا بعقاب صاحب المنكر، والذي لم ينكر.

لهذا لما ذكر الله جل وعلا عن بني إسرائيل الذين تحايلوا على الحرام، جعلهم ثلاث طوائف: طائفة عملت المنكر، وطائفة سكتت، وطائفة أنكرت، فأخبر أنه أهلك الذين عملوا المنكر وسكت عن الساكتين، وكان ابن عباس يرى أنهم قد هلكوا مع الهالكين، أن الله أهلكهم.

مع أنه جاء  في الآية ما يدل على إنكار  القلب، وقالوا للذين أنكروا عليهم: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ}[الأعراف:164:166].

فجعلهم قردة لأنهم تحيلوا على المنكر حيلةً في ظاهرها أنه ليس منكر وفى باطنها أنه منكر، فجعلوا حيوانات من الحيوانات التي هي قريبة من بني آدم جزاءاً لهذا، وهى أنهم تحيلوا على صيد الحيتان، الله جل وعلا حرم عليهم الصيد يوم السبت، وإذا أراد الله جل وعلا بقوم ابتلاء يبتليهم بالشيء الذي يحبونه أو يكرهونه فصارت الحيتان تأتي  إليهم يوم السبت شرعاً، يعني أنها تأتى إلى أن تصل إلى الساحل، إلى البر فتخرج خراطيمها (…)، فإذا ذهب يوم السبت ذهبت لا يرون منها شيئاً.

لما طال عليهم ذلك تحيلوا فحفروا الحفر ووضعوا شبابيك فالحفر أمسكت الماء فجلس فيها شيء من السمك ما استطاع لما أنه انحسر البحر والشبابيك مسكته فتركوها إلى يوم الأحد فأخذوها، قالوا ما صدنا إلا يوم الأحد، فعاقبهم الله جل وعلا على ذلك بما سمعنا  أنه جعلهم قردة وخنازير، هذا العقاب العاجل، والعقاب الآجل أشد وأنكى يوم القيامة.

فهذا يدلنا على أن الأمة إذا اجتمعت على منكر ولولم يفعلوه ولكنهم سكتوا أنهم يوشك أنهم يعذبوا كلهم ويؤخذوا كلهم، وبهذا جاءت النصوص.

هذا الحديث : يدلنا على أن الإيمان يدخلُ فيه العمل، لأنه جعل إنكار المنكر من الإيمان، وهذا من أقسام أفعال القلب التي تكون في القلب، وهذا أدلته كثيرةٌ جدًا، وإن كان الخلافُ فيه المرجئة الذين هم من أشر الناس من أشر المسلمين في هذه الأقوال، لأنهم أخرجوا الأعمال أن تكون من الإيمان.

ولهذا سهلوا على الناس ارتكاب المعاصي وقالوا إنك مهما فعلت مادام أن قلبك مؤمن فأنت في الجنة ولا تضرك الأفعال التي تفعلها، لأنهم يقولون : لا يضر مع الإيمان عمل كما أنه لا ينفع مع الكفر عملٌ.

ومعلومٌ أن هذا ضلالٌ بينٌ وواضح، وإلا هذا الظن ؟!، هل يظن مسلم أن كفار قريش ، لو قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم نحنُ نؤمن بك ولكن لا نصلي ولا نصوم ولا نزكي ولا نطيعك ولا نترك الكذب ولا نترك الزنا ولا نترك السرقة إلى آخره، هل يقول أنتم مؤمنون ؟!! وإلا يقول : أنتم أشر الكافرين .

فهكذا هؤلاء هم أشر الناس في مثل هذا، والدلائل التي تدل على إبطال هذا القول لا حصر لها من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

ولكن المقصود هنا أن الإنسان لا يخلو من أنه يرى منكرًا، فأولًا يجب عليه أن يتعرف هل هذا منكر أو ليس بمنكر، ولا يجوز له أن يقدم على إنكار شيءٍ وهو لا يعلم.

الثاني: أن إنكار المنكر يكونُ بهذه الدرجات، باليد عند الاستطاعة، وباللسان عند الاستطاعة، أما في القلب فهو لا يسقطُ عن أحدٍ أبدا، لأن إنكار المنكر بالقلب هو كراهته وبغضه، ومن لم يكره المنكر ويبغضه فليس عنده إيمانٌ في قلبه.

 وأما قوله: وذلك أضعف الإيمان يعني العمل هذا العمل الذي عمله الذي هو عمل القلب هو أضعف الإيمان، لأن هذا يدل على أن الذي قبله أقوى يعني من أنكر المنكر بلسانه وأنكره بيده أن إيمانه أقوى ممن أنكره بقلبه، مع أن هذا لا يجوز أن يقتصر عليه العبدُ وهو يستطيع أن ينكر بالدرجتين السابقتين، فإن فعل فقد شارك صاحب المنكر في الإثم.

المهم أنك تعرف أنه منكر، ما هو المنكر؟ يعني: يرى الإنسان أنه منكًر عنده وهو ليس منكرًا في الشرع !، إذا عرفت ذلك تنكره إن استطعت بيدك وإن لم تستطع فبالقول وإن لم تستطع فارق المكان وأنكره بيدك، أما أنك تجلس عنده وتشاهده وتقول: أنا أنكره بقلبي فهذا غير صحيح، فإذا عم المنكر وظهر عم العذاب.

لهذا يقول الله جل وعلا:  ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾ [الأنفال:25].

يعني أنها تعم ولهذا الذين مثلًا تعمهم العقابات ما هو كلهم يجمعون على فعل المخالفة، بعضهم، ولكنهم يرضون بهذا (..)، الذي مثلًا عقر الناقة هو رجل واحد منهم، ولكنهم راضين بهذا، فلما رضوا بذلك وأقروه أخذهم الله جل وعلا بالعذاب،{إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا}[الشمس:12]يعني أشقى القوم فعقر الناقة {فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا}[الشمس:14،15].

وهكذا كل منكرٍ يفعل ،كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، إذا ظهر ولم ينكر عم العقاب الكل، والعقاب قد يكونُ ظاهرًا كما وقع للأمم وغيرها، وقد يكونُ العقاب عقابٌ مُنكي وشديد ولكنه لا يظهر، ويكون عقابه في قلبه بحيث ينكس قلبه ويصبح يحب الباطل ويكره الحق فيعيش على هذا، فيكون كل يومٍ يزداد إثم إلى أن يموت، فيكون عذابه أشد وهذا من أشد العقاب.

ولهذا يقول جل وعلا: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾[الصف:5].

ويقول: ﴿ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾[المطففين:14].

وقد قص الله علينا جل وعلا قصة قومٍ من اليهود كما سبق إنهم ابتلوا بكون الأسماك تختفي عنهم في الأيام، وتظهر يوم السبت ، والسبت محرمٌ عليهم أن يصيدوا فيه، فلما طال عليهم الأمر تحيّلوا فوضعوا الشبابيك ووضعوا الحفر ثم إذا جاءت الأسماك يوم السبت أمسكتها هذه الشبابيك وجلست في الحفر التي حفرت فإذا جزر البحر وجاء يوم الأحد أخذوها، وقالوا: ما أخذنا إلا يوم الأحد، نحن ما أخذناها من البحر إلا يوم الأحد ، ولا أخذناها من الشبابيك إلا يوم الأحد !!

فلما فعلوا هذا الفعل انقسموا ثلاث فرق كما ذكر الله جل وعلا ذلك في كتابه:

فرقةٌ : قالت : اتقوا الله فإن هذا حيلة والله لا يخفى عليه شيء، اتقوا الله أنتم صدتم يوم السبت فاتقوا الله وخافو، فلما لم يفعلوا فارقوهم، تركوهم خوفًا أن يقع عليهم العذاب.

وأخرى: قالت: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً} فقالت الفرقة المنكرة: {مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}[الأعراف:164]، يعني نفعل ذلك معذرًة عند ربنا حتى نسلم.

فلما جاء العذاب ذكر الله جل وعلا أنه أخذ الذين اعتدوا بعذابٍ بئيس فقال لهم كونوا قردة وخنازير، وسكت عن الفرقة الساكتة، وكان ابن عباس رضي الله عنه يرى أنهم هلكوا، أن الله أهلكهم، لأنهم ما أنكروا، سكتوا، بل قالوا للمنكرين لما تعظون قومًا الله مهلكهم، ولم ينكروا عليهم، حتى قال له مولاه عكرمة هؤلاء سكتوا وسكت الله عنهم ففرح بهذا القول وكساه بردته لأنه هذا استنتاج وإن لم يكن هذا هو المتأكد.

المقصود أنهم لما أبوا تركوهم وفارقوهم ، ففي يوم من الأيام وأصبحوا لم يخرج من البلد أحد، فقالوا : لابد أن لهم شأن فذهبوا ينظرون فإذا هم قردة وخنازير شبابهم قردة وكهولهم وشيابهم خنازير.

فلماذا مسخوا هذا المسخ؟ لأنهم تحيلوا على الحرام والله لا يخفى عليه شيء، فالتحيّل على أكل المال الحرام يكونُ أعظم من كون الإنسان يرتكبه جهارًا بدون حيلة.

ومثلُ ذلك ما يفعل الآن كثيرًا يفعله الناس اليوم من التحيل على الربا، مثلًا إنسان يحتاج إلى نقود أو يحتاج إلى مال فيذهب إلى تاجر أو بنك أو كذا، فيقول ماذا تريد، أريد نقود كذا، فيقول نبيع لك سيارة أو نبيع لك حديد، وهو ما عنده سيارة ولا حديد، اذهب إلى المعرض وانظر كم السيارة كذا وتعال ونتفق معك ونبيعها عليك ونعطيك النقود، ما لهم شغل في السيارة ولا في الحديد، لهم شغل في النقود فصارت السيارة، يعني حيلة فقط، فهذه من الحيل التي تحيل على الحرام والحيل في مثل هذا كثيرة.

 المقصود أن قوله صلَّى الله عليه وسلم: (فإن لم يستطع  فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) يدل على أن إنكار المنكر في القلب، أنه لا يعذر بتركه أحد، وليس معنى هذا أن الذي لا يكون في قلبه إنكار المنكر أنه يكون كافر ولكنه يكون فاقداً للإيمان الذي ينجو به ولا يلزم أن يكون بذلك خرج من الدين الإسلامي.

ولهذا نقول: أن هذا دليل على دخول الأعمال في مسمى الإيمان كما استدل  به أهل السنة،  ثم هذا أيضا  فيه دليل على رحمة الله جل وعلا لخلقه حيث لم يكلف العبد إلا بما يستطيع، فالله كلفنا بإنكار المنكر فإذا كان الإنسان يخاف على نفسه أو ماله أو ولده فإنه لا يقدم على الإنكار رحمة من الله جل وعلا في ذلك، أما إذا كان يخاف السب والكلام البذيء فهذا لا يمنعه من الإنكار، لأن هذا مجرد أذى فقط وليس فيه ضرر وربما يكون خيره له للمنكر أكثر أجرا وأعظم.

والمقصود أن إنكار المنكر يجب على المسلم إذا رآه وتأكد أنه منكر فينكره إما بيده إن كان مستطيعًا، فإن لم يستطع فيكونُ بلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، ولابد من مفارقة المنكر أما أن يجلس معه ويقول : أنا أنكره هذا لا يتأتى .

 الحديث الخامس والثلاثون

عن أبي هريرةرضي الله عنه  قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  ” لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَكْذِبُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا، وَيُشِيرُ إلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ”.  رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

الشرح

 هذا الحديث في آداب المسلم مع المسلم والواجبات التي يجب أن يتحلي بها.

قوله: صلى الله عليه وسلم:  (لا تحاسدوا): الحسد مركوز في الطباع،  طباع البشر لأن الإنسان لا يريد أن يكون غيره فوقه وأعلى منه، يحاول أنه يكون هو الذي هو يشار إليه، وهو الذي يتحلى بالأمور التي يتسابق لها الناس لاسيما أمور الدنيا . 

والحسد يقول  العلماء: هو أول ذنب عصي الله جل وعلا به على حسب ما نعلم، لان آدم لما فضله الله جل وعلا علي الملائكة خلقه بيده واسجد له ملائكته، واسكنه بجواره في جنته، حسده إبليس، فسعي حتى أزال هذه النعمة.

والحسد معناه : هو تمني  زوال النعمة عن الغير، فان سعى في ذلك فهو أخبث الحسد، لأنه ينقسم أقسام، لأنه (قد) يحسد الإنسان ثم يتمنى أنه ما يكون له كذا وكذا بدون أن يكون له، أو يتمني أنها تكون له وليست لغيره ,أو يتمني ثم يسعي ويعمل وهذا هو أخبث الحسد، وهو الذي اهلك إبليس ولعنه، لعن بسببه.

أما ما جاء في الحديث عن النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار في سبيل الله وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يعمل بها وَيُعَلِّمُهَا).

فيطلع عليه رجل أو ينظر إليه فيقول: لو كان عندي مثل هذا لعملت مثل عمله، فهذا يسمي غبطة، و(إذا كان في الخير) هذا في الخير، فالمطلوب التسابق فيه، فلا يكون ذلك مذموما، ولهذا قال: (لا حسد ألا في اثنتين).

لأن هذا في أمور الآخرة، وأمور الآخرة مطلوب أن المؤمن  يسابق غيره ولا ينبغي أن يكون دنيء الهمة، لا ينظر إلى المنازل العليا عند الله جل وعلا، فيعمل يعمل استطاعته، فهذا لا يكون مذموما لأنه يقول: (لو كان لي مثل هذا لعملت مثل عمله)، ولا يقول ليت ما يكون له شيء، أو يعمل لان المؤمن كما سيأتي أخو المؤمن، يود له ما يود لنفسه.

قوله : (لا تحاسدوا) فالنهي هنا للتحريم ، فإن هذا من الأخلاق السيئة التي لا يجوز أن يتخلق بها مسلم، فإذا كان التحاسد في الدنيا فهو المذموم الذي لا يجوز، لأن الدنيا كلها لا تساوي عند الله شيئا،  ولكن الإنسان في طبعه قد لا يخلو من ذلك، فعليه أن يجتهد في إزالة ذلك، ولا يتمادي في هذا أو يتبعه هواه حتى يقع في المحظور، لأن  الإنسان إذا رأى النعمة على غيره يود أن تكون له، أو يود أنها قد مثلا  يكون هذا انه (…) ربما لا يكون مناسبا له أو ربما يعاديه من اجل ذلك فهذا كله من المحرمات.

المقصود أن هذا الحديث فيه توجيه عام للأمة وفيه إرشاد لهم بأن يسلكوا الخير جميعا وأن يكونوا متعاونين متحابين وفيه النهي عن التحاسد، لا تحاسدوا.

هنا ” ..تحاسدوا ” : تفاعلوا، من التفاعل، يعني لا يصدر هذا من بعضكم إلى بعض، يعني يحسد هذا ثم هذا يحسد هذا.

والحسد: هو تمني زوال النعمة عن اﻵخرين وهذا أنواع كثيرة.

وقد تبين في النظر إلى خلق الله جل وعلا وإلى ما أخبرنا الله جل وعلا في كتابه وقصه علينا أن أول ذنب عرفناه هو الحسد، وبقي إلى اليوم،فسرى هذا البلاء في اﻷمة كلها، صاروا يتحاسدون، فهو من الداء العضال.

ولكن هذا درجات بعضه أعظم من بعض، فإن كان مثلاً الحاسد يتمنى أن تزول النعمة عن أخيه وتحصل له فهذا من أعظمها، فإن كان يتمنى أنها تزول فقط، هذا قد يكون أسهل وعلى كل حال الأمور التي تكون في القلب هي الحاملة لهذه الأمور.

أما الحديث الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح وهو قوله في الصحيحين: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل أتاه الله علما فهو يعمل به ويعلمه ويراه اﻵخر ويقول : لو حصل لي مثل ما لفلان لعملت كما عمل، ورجل أتاه الله مالاً فسلطه عليه في النفقة في وجوه الخير فيراه آخر ويقول لو كان لي مال لعملت به مثل ما عمل).

هذا يقول العلماء هذا ليس حسدا وإنما يسمى الغبطة، أن يغبطه بأنه لا يتمنى زوال النعمة عنه ولا زوال الخير، وإنما يتمنى أن يكون هو مثله، فهذا لا ضير فيه ولا ضرر على الإنسان في ذلك ولهذا قال:(لا حسد إلا في اثنتين)، يعني ان هذا جائز،فتسميته حسد من باب التجاوز، فالحسد الذي يكون في القلب كونه يتمنى أن هذه النعمة تزول عن الغير هذا إثم وجرم، فإن تعدى هذا إلى اللسان أو اليد أو العمل الذي يعمله أنه يذهبه عنه، ويسعى ﻹفساده، أو جلب الضرر عليه، أو ما أشبه ذلك، صارت جريمة على جريمة، صارت أكبر وأعظم.

وقد قص الله جل وعلا علينا قصة آدم مع إبليس _لعنه الله_، فإنه حُسد حينما خلقه الله بيديه وأسكنه جنته وأسجد له ملائكته وعلمه أسماء كل شيء، فضل له بذلك على الملائكة، فأبى أن يطيع أمر الله،وأبى أن يسجد، لما سأله الله لماذا ما منعك؟ {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ}[الأعراف:12 – ص:76]، والقصة جاءت في آيات كثيرة، ثم سرى هذا في بني آدم في تزيين الشيطان وتسويسه حتى قتل ابن آدم أخاه، قتل (قابيل هابيل) ، ثم هذا الداء الذي انتشر في الأمة كما قال صل الله عليه وسلم: (دب إليكم داء اﻷمم السابقة الحسد والبغي).

قوله: ( ولا تناجشوا ) النجش: أصله  مأخوذ من الإثارة،(…) إثارة الصيد، ومعني ذلك  النجش أنه يزيد في السلعة التي تباع وهو لا يريدها وإنما يريد إما إن ينفع البائع أو يضر المشتري بزيادة الثمن.

فهذا أيضا من المحرمات، وقد حكم بعض  العلماء بأن البيع بهذه الصورة باطل، وأن الإنسان إذا باع شيئا من ذلك فإنه يأكل حرامًا لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، قوله : (ولا تناجشوا)، وهذا قد يوجد بكثرة عند بعض الناس وربما يأتي يسوم السلعة وهو لا يريدها وإنما يريد أن يرفع السعر فقط، فهو داخل في النجش، وجاء في رواية أخرى زيادة على ذلك .

قوله: (ولا تنجاشوا) فهذا من دواعي أيا الحقد والحسد ومن دواعي التقاطع والتباغض.

والتناجش: النجش في البيع أن يزيد في السلعة وهو لا يريد شراءها، وإنما يريد إما نفع البائع أو ضر المشتري، وهذا يحصل كثيرا من بعض الناس، وهذا من المحرمات لنهي الرسول صلى الله عليه وسلم فإن وقع البيع على هذه الصفة فهو من السحت، والثمن يكون الذي يأخذه محرما .

قال: (ولا تباغضوا)،يعني أنه ليس التباغض مقصورا على الحسد، على التحاسد وعلى النجش، يعني كل طريق يؤول إلى البغضاء يجب أن تجتنبوه، ولهذا جاء أنكم: (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابو)،ثم قال: (هل أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام فيما بينكم).

قوله : ( ولا تباغضوا ) يعني لا تعملوا  الأعمال التي تدعوا إلى البغضاء، وهذا عام في كل عمل يمكن أن يورث البغضاء فأنت منهي عنه، لان المفروض شرعا أن يكون المسلم اخو المسلم يحب له ما يحب لنفسه، كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  (إنكم لن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا،  أَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟،  أَفْشُوا السَّلامَ فيما بَيْنَكُمْ( .

وجاء أيضا الأمر بالتهادي قال: (إن الهدية ترفع الضغينة أو تسل الضغينة من القلب)، وكل هذا من دواعي المحبة، يعني أنه أمر بالأعمال  التي تدعوا إلي المحبة، فالمؤمنون أخوة: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}[الحجرات:10]، فيجب أن يحب لأخيه الخير دائمًا، ولا يكون سببًا لجلب الأذى إليه أو جلب  الضرر، فإن هذا من المحرمات، لهذا  قال ( ولا تباغضوا).

قوله ( ولا تدابروا):هذا مأخوذ من الإدبار، يعني لا يقاطع واحد منكم الآخر (…) دبره ويعرض عنه، لان هذا أيضًا من دواعي البغض.

 (…) معنى ذلك أنك تقبل إلى أخيك وتسلم عليه وتبش بوجهه، وتأتي بالشيء الذي يدعوا إلى الائتلام والمحبة والموافقة، لأن المقاطعة تدعوا إلى البغض، وربما دعت إلى المقاتلة  إلى المهاترة ثم  النزاع ثم القتال . 

وقوله: (ولا تدابروا).

التدابر: هو أن يُعرض كل واحد عن اﻵخر، يولي اﻵخر دبره، ويتركه ويعرض عنه، لا يكلمه، وهذا أيضا، من نتائج التباغض.

وقوله: (ولا يبع بعضكم على بيع)،هذا له صورتان، البيع على بيع بعض، وكلاهما تقع كثيرا من بعض الناس:الصورة اﻷولى: أن يشتري إنسانا أو مثلاً يسوم انسان شيء فتأتي إلى البائع وتقول له : أزيدك على ما قال فلان أعطيك كذا وكذا.

والصورة الثانية: عكسها وهي أن مثلا إذا بعت شيئا على إنسان يأتي آخر ويقول أنا أعطيك بأقل من قيمة هذه بكذا وكذا.

وكلا الصورتين لا يجوز، مع أنها تقع عند الناس كثيرا وكلاهما داخل في قوله: (ولا بيع بعضكم على بيع بعض).

قوله : (ولا يبع بعضكم على بيع بعض) هذه أيضا من المحرمات، ومعنى ذلك أن الإنسان مثلا قد يشتري شيء ثم يأتيه آخر فيقول أنا أعطيك هذه السلعة بأقل مما أخذت، فهذا البيع على البيع، وهو أيضاً من المحرمات ولا يصح، إذا فعل ذلك فهو باطل، فالبيع يكون باطلاً.

وقد يكون بالعكس مثلاً يعني إنسان يأتي يشتري شيئا، ثم يأتي أخر للبائع فيقول أنا أعطيك أكثر من الثمن الذي أعطاك فلان ,يعني صورتان كلاهما تقع هذه وهذه ,وكلاهما من البيع المحرم .

وفي رواية: (ولا يخطب على خطبة أخيه)، يعني في النكاح، يعنى إذا تقدم أحد إلى امرأة وعلمت أنه قد تقدم إليها لا يجوز لك أن تذهب إلى أهلها تخطبها حتى تعلم أنهم ردوا، أو أن الخاطب أعرض عن ذلك،  فهذا أيضا من الحقوق التي يجب أن تراعي، أما إذا كان الإنسان لا يعلم فليس عليه شيء.

يعني قد مثلاً يأتي الإنسان إلى أناس ليخطب منهم فيأتي أخر لا يدري فيخطب، فما دام ما علم فلا إثم عليه ,ولكن إذا علم انه خطب، والخطبة هي الطلب، ليست الخطبة الخطب التي تعد هي الطلب، أن يأتي يقول: أنا ارغب أن أتزوج (عندكم)، هذه هي الخطبة.

قوله : (وكونوا عباد الله إخوانا) يعني أن شأن الأخ أنه لا يضر أخاه بل ينفعه، يسعي في نفعه، (يعني كونوا) هكذا لان أخوة الإيمان هي التي تجلب الصلة، وهي التي توجب  المنافع  ودفع المضار، وهي آكد من أخوة النسب، ولهذا تجد أخ لك في  الغرب وفي  الشرق وهو أخوك، وقد يكون أخوك من النسب إذا كان  على غير دينك  يجب أن تقاطعه وتنابذه.

قوله : (وكونوا عبادا لله إخوانا)، اﻷخمن شأنه أن يسعى لمصلحة أخيه ويجلب له ما ينفعه، ويبتعد عن الأمور التي تضره،يعني كونوا هكذا.

 ثم أخبر أن المسلم هذا شأنه فقال: (المسلم أخو المسلم).

عندما قال: (كونوا إخوانا(، أخبر أن المسلمين كلهم إخوان فيجب أن يعملوا بهذه الأخوة ويظهروها، أما مجرد كلام أنك أخوه، أخ لي، وأن كذا ما يكفى، لا بد أن يكون العمل موجود،يعني العمل الذي يقتضي الأخوة، ظاهر بينهم.

قوله : (المسلم اخو المسلم ) هذا تأكيد لأنه لو قال كونوا إخوانا المسلم أخو المسلم، والأخ لا يظلم، لهذا قال:  (لا يظلمه)، يعني أنه هذا لا يجوز أن يقع منه، وقد تكرر هذا في أحاديث كثيرة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب به ويعلمه، ومضى في الحديث الإلهي الذي فيه يقول الله جل وعلا: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته فيما بينكم محرما فلا تظالموا)، هو نص من الله جل وعلا بالنهي عن التظالم، والظلم في الأصل : هو وضع الشيء في غير موضعه، أن تضع مثلا الاعتداء أو غيره في من يجب أن تضع فيه الخير والمنفعة والإعانة وغير ذلك، فمن عكس هذا فقد وقع في الاثم .

ثم الظلم أنواع وأقسام، بعضه أشد من بعض، وقد يكون ظلم الأقرباء ابلغ وأشد من ظلم البعيد، فمثلا ظلم الأخ من النسب الذي له حق الصلة وحق الرحم  أعظم من ظلم من ليس كذلك، وكذلك ظلم الزوجة وظلم الأولاد وغيرهم أعظم من ظلم من ليس له صلة معك قريبه، فهو أنواع.

ولهذا لما قال ابن مسعود (رضي الله عنه )للنبي صلى الله عليه وسلم: )أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟،  قَالَ:  أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ.:  قُلْتُ:  ثُمَّ مَاذَا؟،  قَالَ:  أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يطعم مَعَكَ.  قُلْتُ:  ثُمَّ أي؟ قَالَ: أَنْ تُزَانِيَ بحَلِيلَةَ جَارِك).

فذكر من هذه الأنواع أعظمها، هذه الأنواع، لأن الشرك هو أعظم الذنوب،  فقال: (أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ)، لأن الخلق مقتضى الخلق أن تعبده، فالله خلق عباده للعبادة  فإذا وضع العبادة في غير موضعها ، في مخلوق ، فقد وقع في الظلم العظيم الذي إذا مات عليه يكون مصيره النار بلا تردد،  لان الله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾[النساء:48].

ثم بعد ذلك سفك الدماء: هي أعظم الذنوب بعد هذا، وهي درجات:  فإذا كان قتل  القريب،  قتل الابن، فهذا  أعظمها،  وليس معنى ذلك أن غيره ليس عظيم، بل عظيم، ولكن الذنوب تتعاظم بالجرم  بسبب ما يكون الذي يفعل مختلفا جعل بدل الصلة والرحم  والإحسان الإساءة .

وكذلك الجار له حق يجب أن تحفظه في أهله وفي جواره،  فإذا وضع بدل ذلك الإساءة، وأبلغ الإساءة وأعظمها أن يعمل الفاحشة في زوجته، كان من أعظم الأشياء، فهذا دليل على أن الذنوب أنها تعظم وان كانت الصورة واحده تتعاظم ، بالنسبة لهذه الأشياء ,وهذه الأشياء كثيرة (من هذا القبيل).

ثم الظلم أنه درجات فهو أيضاً أقسام :

القسم الأول : ظلم ليس قابلاً للعفو ولا للغفران أصلا وهو الشرك إذا مات الإنسان عليه فهو ميؤوس منه، فهو في النار قطعا بلا تردد، لقطع الله جل وعلا بذلك.

القسم الثاني : الظلم الذي يكون بين العبد وبين ربه بترك شيء من الواجبات أو ارتكاب شيء من المحرمات، فهذه أسهلها لان الله عفو كريم فإذا مات الإنسان علي ذلك فهو إلى الله ، وأما إذا تاب فالتائب كمن لم  يذنب، كمن ليس عليه ذنب، ولكن بشرط أن تكون توبة صادقه، والله تعالي اوجب علينا التوبة أوجب علينا أن نتوب.

قال: {وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}، [الحجرات:11].

وقال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا ٌ﴾[التحريم:8].

والتوبة النصوح:  أنك تأتي بها تقلع من الذنب ، يعني تتركه ثم تندم على ذلك ، هذا أولاً .

الثاني : الندم ؛ هو تألم القلب وتوجعه، يتألم كيف وقعت في هذا، كيف ضحك علي الشيطان والنفس ؟  فيتألم ويندم.

الثالث:  العزيمة بأنه لا يعود، لا يعود إلى هذا الذنب أبدا ، يعزم عزيمة مؤكدة بأنه لا يعود، فان قدر انه بعد هذه الأمور وقع في  ذنب فعليه أن يفعل ذلك  أيضاً مرة أخرى وهكذا.

لكن ما هو معنى أنه يضمر بأنه يتوب ثم يعود؟! هذه ليست توبة، وهذه توبة الكذابين، وهي من الاستهزاء بالله جل وعلا، إن الله علام الغيوب، يجب أن يطلع علي قلبك أنك صادق، فإذا علم جل وعلا بأنك صادق قبل توبتك وإلا قد يتضاعف الذنب.

ولهذا يقول جل وعلا: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾[النساء:17].

السوء بجهالة يعملونه جاهلين ، ما هو عالمين أنهم مرتكبين متعمدين، ولكن يقول الصحابة رضوان الله عليهم في هذا: كل من وقع في الذنب فهو جاهل، كل من عمل الذنب فهو جاهل، وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب، لأن الإنسان لو مثلاً  علم قدر الله  وعظمته ما يمكن أن يقدم على الذنب، ولله المثل الأعلى؛ لو أن إنسان مثلاً أمام ملك سفاك  للدماء وجبار  ثم يكون على بساطه، هل يمكن أنه  يتعدى على زوجته أو على أحد من أقاربه؟

لا يمكن، هذا في المخلوق نفسه ، والخالق لا يخفي عليه شيء تعالى وتقدس، يطلع عليك ويعلم ما في نفسك ويراقبك، فيجب أن تعلم ذلك ولا تقدم على الذنب وهو ينظر إليك .

قيل لأحد العلماء: نريد موعظة، قال إذا أردتم أن تعصوا الله فلا تدعوه ينظر إليكم، فعجب، كيف هذا؟ هذا لا يمكن ! قال : إذا كنتم تعرفون ذلك انه لا يمكن، كيف تعصون الله؟، هذا لا يجوز، قالوا: زدنا، قال : إن أبيتم إلا المعصية، فإذا أردتم المعصية فلا تسكنوا في بلاده، في أرضه، قالوا :هذه مثلها مثل الأولى، كل شيء ملك الله، قال: كيف يعني، يحصل منكم، تعرفون هذا ثم تقدمون علي معصيته، قالوا: زدنا، قال: إذا أبيتم إلا المعصية، فلا تأكلوا رزقه، قالوا هذا مثل الأولى أيضا، كل شيء رزق الله، ثم قالوا:  زدنا، قال: إذا أتاكم الموت قولوا : ما نريد الموت، قالوا هذا ليس إلينا، قال: إذا كنتم تعرفون أن ذلك ليس (…) كيف تعصونه إلى أخر ما قال من هذه الأشياء التي يعني لو تصورها الإنسان حق التصور علم انه مغرور وأنه جاهل .

الثالث من أقسام الظلم: الظلم الذي يكون بين العباد بعضهم من البعض، من تعدي على مال وإلا عرض وما أشبه ذلك وهو كثير جدًا، فمثلا الكلام في الناس هذا من الظلم ، من الظلم الذي سوف يؤخذ به الإنسان وقد  بين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (الغيبة ذكرك أخاك بما يكره في غيبته، فقيل: إذا كان فيه ما اكره:قال إذا كان فيه ما تكره فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تكره فقد بهته).  

ومن ذلك أيضًا النميمة، قد جاء أنهم من شرار الناس من  يفعل هذه الأشياء من شرار الناس.

وكذلك الأموال وغيرها، كونه يأخذ مال أو ما أشبه ذلك  أو يظلمه ويجحد حقه أو ما أشبه ذلك، وهذه مبناها على  التشاحّ، ولهذا  لابد أن تؤدى إلى أصحابها، إلا أن يعفو الإنسان صاحب الحق،  وبدون عفوه لا بد لأن الله حكم عدل، سوف يجمع الناس في صعيد واحد، ويؤدي لكل ذي حق حقه، حتى البهائم فإنها سيقتص من الشاة القرناء للشاة الجلحاء، التي ليس لها قرون، ثم يقول الله  جل وعلا لها بعد أن تأخذ الحقوق: {كوني ترابا}، هناك يقول الكافر: {يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا}[النبأ:40]، يعني مثل البهائم، فإذا لابد من أداء الحقوق.

ولهذا يقول جل وعلا: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيه وَأُمِّهِ وَأَبِيه وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾[عبس:34:37].

والفرار – والله اعلم – ، لأجل خوف المطالبة بالحقوق، الإنسان يفرح  أن يكون له حق  على أبيه أو على  أمه أو على  أخيه  أو ما أشبه ذلك حتى يطالبه،  لأنه يخاف أن يخف ميزانه، فلذلك يهرب حتى لا يؤخذ من حسناته شيء، ولكن ما ينفع لابد من ذلك، ولهذا يأتي أصحاب الحقوق يتعلقون بأصحابهم  يوم القيامة  يقولون: يا رب خذ  لنا من هذا حقنا.

والرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت مشركاً،  أو يقتل نفس بغير حق)، هذه أشدها وأعظمها، فعلي كل حال ( الظلم ظلمات يوم القيامة وكذلك في  الدنيا) ولا يفعل الظلم إلا من ليس عنده خوف من الله جل وعلا ويستبعد ما سيكون يوم القيامة  من القصاص.

قوله : (لا يظلمه)، لأن الأخ لا يجوز أنه يظلم أخاه، والظلم هو التعدي عليه إما بعرضه أو بالكلام أو بالفعل أو بأخذ المال أو بغير ذلكمن الحقوق التي يجب له وأنواعه كثيرة، ولكنه لا يعدو ثلاثة أمور _كما مر تفسيره في الحديث، حديث أبي ذر السابق_.

قوله : (ولا يخذله) الخذلان: عدم النصرة، أن تجده مثلاً مهضوما أو مظلوما ثم لا تنصره، ولهذا يقول  صلى الله عليه وسلم: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قيل: هذا نصرته مظلوما، فكيف انصره ظالما؟، قال: تمنعه من الظلم وتحجزه عن ذلك)، فهذه نصرته، يعني تحول بينه وبين الظلم، فإذا فعلت ذلك فقد نصرته، فلا يخذل المسلم أخوه المسلم،  إذا رآه مظلوما يسعي إلى إزالة الظلم بما يستطيع، الإنسان ما كلف بالشيء الذي لا يستطيعه.

قوله : (ولا يخذله)،الخذلان عدم النصرة،يعني إذا رأيته يحتاج إلى نصرة سواء بالفعل أو بالقول ما تتركه، يجب أنك تنصره، ولكن يجب أن يكون هذا في الحق.

ثم النصرة أيضا قد يكون بمنعه من الظلم كما جاء في الحديث: (أنصر أخاك ظالما أو مظلوما)، فقيل هذا إذا كان مظلوم واضح ولكن إذا كان ظالمًا!، فكيف نصره؟، فقال: (تمنعه من الظلم)تحجزه من الظلم وتمنعه، هذه نصرته، ولا يكذبه _يعني في الحديث_، إذا حدثت يجب أن تكون صادقًا، يستمع لك أخوك وأنت تكذب عليه هذا ظلم، لا يجوز، مع أن الكذب ممنوع مطلقا إلا في أمور محددة مر ذكرها كما سبق.

وقوله: (ولا يكذبه). أيضا هذا من الحقوق، يعني تحدثه بحديث وأنت فيه كاذب، هذا لا يجوز أن يقع من المسلم، وقد جاء النص في هذا أن كفى بالإنسان إثما  في ذلك، تحدث أخاك بأمر يصدقك فيه وأنت كاذب فهذا إثمه عظيم أيضا.

 قوله : ( ولا يحقره)، يعني كونه يحقره لا بد انه متكبر متعال عليه.

فالحقران يأتي من المتكبرين المتعاظمين الذين يريدون العلو في الأرض، وإذا كان مسلم فلا يجوز أن تحقره ولا يكون الأمور التي قدرها  الله جل وعلا  مدعاة لذلك كأن يكون فقيرا مثلا أو ضعيفا أو ما أشبه ذلك،  يجب أن تعطيه حقه و أن تعرف أن الأكرم عند الله، أن أكرم  الناس عند الله اتقاهم، {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}[الحجرات:13]، فالكرم بالتقوى كما سيأتي، ولهذا قال : (ولا يحقره ).

وقوله:(ولا يحقره).

يحقره: يعني يزدريه ويستضعفه ويرى أنه أرفع منه، والاحتقار منشؤه من الكبر من كونه يرى أنه أطول منه وأرفع منه، وهذا معناه ما عرف نفسه فيجب أن يعرف نفسه ويتصور أن إخوانه أفضل منه، الكبير قد سبقه باﻹسلام وكثرة العمل، والصغير أقل ذنوباً منه، وهكذا يعني يبحث عن الأشياء التي يمنع نفسه من احتقار غيره.

قوله : التقوى ها هنا – ويشير إلى صدره ثلاثاً -،  يعني أن أصل الإيمان واصل الذي يحمل الإنسان على الأخلاق الحسنة أو العكس في القلب،  ولكن إذا كان القلب قد تحلي بالتقوى الذي هي طاعة الله ومجانبة المعاصي فإنه لا يفعل الأمور المكروهة المنهي عنها، لان القلب هو أمير الأعضاء،  تمتثل الأعضاء لما يأمر به، اللسان واليد والرجل والسمع والبصر والكلام كلها تبع لذلك، ولهذا قال: “التقوى ها هنا”، من كانت التقوى في قلبه فإنه لا تظهر منه هذه الأشياء، وليس معني ذلك كما يقولونه الضلال، الذين يقولون معناه إذا كان قلبك متقي فأنت افعل ما تشاء، افعل الظلم، وافعل الإجرام، وافعل، فهذا لا يمكن أن يقع، لأن هذه من المتضادات، إذا كان القلب فارغا من التقوى نعم فعل هذه الأشياء.

أما إذا كان متقيا، فالتقوى تمنعه أن يفعل ذلك، والملازمة بين ما في القلب والإعمال التي في الجوارح هذا شيء معروف متلازمة، لا يمكن يوجد تقوي قلب مع فسق الجوارح، هذا لا يمكن .

قوله : ويشير إلى صدره ثلاث مرات،  يعني اشار إلي الصدر انه هو المقصود ما ذكر، أن الأصل ما في القلب من الإيمان ومن الخوف من الله ومراقبته فإذا وجد ذلك فان الأمور أمور المرء كلها تكون مستقيمة، تستقيم اللسان وتستقيم الجوارح وغيرها.

قوله : (فالتقوى ها هنا)، ويشير إل صدره، يعني هذا إشارة إلى أن القلب إذا كان صالحا فاللسان يصلح واﻷعمال تصلح،ﻷن القلب هو  الملك كما مَر، هو ملك اﻷعضاء، فإذا كانت التقوى في القلب فلابد أن تظهر على الجوارح، على اللسان، وعلى الفعل، هذا معناه، وليس معنى ذلك أنه إذا كان عندك إيمانا في قلبك أنه لا يضرك العمل كما يقول أهل الباطل، يأخذون ذلك يعني يريدون ان يقووا بذلك مذهبهم الباطل وهو باطل لا يجوز.

وقوله: (ثلاثا(، يعني أن هذا كرره صلى الله عليه وسلم ثلاثًا للمبالغة، وليُفهم عنه ويحفظ، وهذه عادته صلى الله عليه وسلم كما مر.

قوله : (بحسب امرؤ من الشر أن يحقر أخاه المسلم) بحسب: يعني يكفيه من الشر في الهلاك، هذا معناه، يكفيه في الهلاك احتقاره لأخيه المسلم .

قوله : (بحسب امرء من الشر أن يحقر أخاه المسلم)، يعني  يكفيه من الشر في  هلاكه أن يكون عنده احتقار لأخيه المسلم، هذا معنى بحسب أمرئ من الشر، يعني أن هذا يكفيه في الهلاك، وهذا دليل على أن احتقار المسلم، أمر كبير يهلك المحتقر.

 قوله : (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم)، وهذا وعيد شديد لانه إذا احتقر أخاه المسلم انه يكون هالكاً.

قوله : (كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ) هذه من الأمور التي كان يخطب فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما خطب يوم عرفة، ويوم النحر، واليوم الثاني الحادي عشر، والثاني عشر، أنه كرر هذه الخطب لأنه صلوات الله والسلام عليه  يُعلم للناس أنها هذا آخر اللقاء، وحتى (يبلغهم)، ففي هذه كان يردد هذه الأمور، وكان يؤكدها يقول: أي بلدُ هذا؟، فيقولون: البلد الحرام، فيقول أي يوم هذا؟، فيقولون اليوم الحرام، وأي شهر هذا؟، يقولون  الشهر الحرام، يعني حرام علي حرام علي حرام.

فقال: (إِنّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا)، يعنى أنها محرمات مؤكدة، فلا يجوز للإنسان أن يتعرض لأخيه المسلم بشيء من ذلك، لا عرضه والعرض معروف ما هو، كونه يتكلم فيه يقول فلان فيه كذا وكذا ، فلان كذا فيذمه يتكلم فيه الشيء الذي لا يجوز أو الشيء الذي يسوءه ويحزنه، وإن كان فيه، فلا يجوز أن يتكلم فيه في غيبته ولا كذلك في حضرته في الشيء الذي فيه إساءة .

لأن مقتضى الأخوة أن يجلب النفع والفرح له والسرور لا العكس، فإن عكس القضية،  فهو داخل في النهي، أما الدم  فالدم من أعظم الجرائم “سفك الدماء ” والدم يدخل فيه الضرب إلى القتل (…) إخراج الدم  ولهذا قال: ( المسلم على المسلم حرام : دمه )، يعني إخراج دمِه من بدنهِ ويتضاعف فإن وصل إلى القتل فهو أعظم شيء.

وإن أول ما يقضي  الله جل وعلا يوم القيامة بين الناس في الدمـاء، يأتي المقتول حاملاً رأسه بيديه، ممسكا القاتل، يا ربي سل هذا فيما قتلني فإذا جاء يقول الله تعس القاتل .

{ومَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}[النساء:93]، أي وعيد أشد من هذا؟، فالمقصود أن الدماء محرمة، والتساهل فيها دليل على عدم الإيمان، وعدم المعرفة، وعدم كونه مسلم أصلا قد يقدم عليها بلا مبرر.

 وقوله: (وماله)، كذلك لما قيل والمال حتى انه جاء سؤال وإن كان قليل المال، قال: (وإن كان قضيبا من أراك)، ويش القضيب من الأراك؟!، يعني الذي تقبضه اليد يعنى سواك  الذي يستاك به، وإن كان هذا القدر، فإذا أخذه فإنه يلقى الله جل وعلا وهو عليه غضب من الله  نسأل الله العافية .

قوله : ” وعرضه “ العرض، فعرفنا ما هو العرض هو أعظم أيضا من أعظم الذنوب استطالة الإنسان عرض أخيه كأنه يكون قدحا يقدح فيه دائما، يقول فلان فيه كذا وفلان فيه كذا إلى أخره.

فهذا الحديث حديث عظيم يجب أن نمتثل ما نهانا عنه رسولنا “صلى الله عليه وسلم” لئلا نقع في الآثم ، لئلا نقع في عقاب الله جل وعلا ومن لم يفعل ذلك فاللوم عليه، وسوف يندم بلا شك.

قوله : (كل المسلم على المسلم حرام)، ثم فصل ذلك قال: (دمه وماله وعرضه).

والحرام: هو الشيء الممنوع الذي لا يجوز أن تنتهكه.

فدمه أن يُسفك سواء بالقتل أو بما هو أقل من ذلك، وماله كذلك أن يُؤخذ بلا حق، بباطل.

وعِرضه: أن تتكلم فيه الكلام الذي يَجرحه، أو الذي فيه مضرةٌ له،ولو بالغيبة التي إذا سمعها ساءه ذلك،وذكرك إياه بما يكره وهو غائب وكذلك بالنميمة وغيرها.

فهذا الحديث من جوامع الكلم الذي جَمع الخير كله، لو عمل به المسلمون لكانوا أصفياء أصدقاء، كانوا إخوان، وكانوا متعاونين على الخير، ولم يكن عندهم شر.

 الحديث السادس والثلاثون

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه  عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم  قَالَ: “مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِما سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ،  وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ؛ إلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ، وحفتهم الملائكة ,وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطأ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ”. رَوَاهُ مُسْلِمٌ بهذا اللفظ. 

الشرح

 في هذا الحديث الذي هو من جوامع كلم النبي-صلى الله عليه وسلم-، وفيه طرق الخير الكثيرة، والأسباب التي تمنع العذاب، كما فيه الأسباب التي توصل إلى رحمة الله جل وعلا، والسعادة في الدنيا والآخرة.

وفي هذا الحديث أيضا الترغيب في عمل الخير، ونفع المسلم، عكس الحديث السابق ، فالأول فيه التحذير من مضرة المسلم وإساءته، وهذا فيه الترغيب في نفعه وفي كشف ما يقع فيه من شدة أو عسر وعسار، وكذلك الستر عليه يستره إذا وقع في  أمر مشين، يستره ولا يكون عونا على فضيحته كالشيطان .

قوله : (مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ) التنفيس معناه: أنه يجعل له شيئا من الخروج من هذا الشيء، ولا يلزم أن يخرجه مطلقا، فتنفس الشيء إذا كان أول مكتوما ثم تنفس، فإذا كان فيه أمرٌ شديد أخرجه ولو قليلًا منه أو أعطاه ما يمكن أنه يكون تنفيسًا له.

والكربة: الكرب التي يقع فيها الإنسان، هي ما تلم به وتكربه وتحزنه ويهتم بها،  فهذه قد تكون في ما يخصه في ذاته في نفسه، وقد تكون في ما يريده من جلب مال أو ما أشبه ذلك (…)  في أمر ضروري، وكرب الدنيا كثيرة .

قوله : (فإذا نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الآخرة) وهذا دليل على أن الجزاء من جنس العمل، وهو كثيرا جدا في الكتاب والسنة، وهي قاعدة معروفة.

فلهذا ذكر هنا أن من نفس عن مؤمن في الدنيا كربة، فإنه ينفس عنه من كرب الآخرة كربة، ولا سواء كرب الآخرة عظيمة وشديدة جدا، ولكن الجزاء من جنس العمل، والله يزيد ويتفضل جل وعلا، ولهذا جاء أن يكون الجزاء من جنس العمل كما قال: (الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ،  ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ(

هذا قالوا أن الجزاء من جنس العمل، وقد جاءت نصوصٌ كثيرة تدل على هذا، كقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( إنما يرحم الله من عباده الرحماء، أرحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)، وكثيرٌ جدًا من النصوص التي جاءت في هذا المعنى .

كما إنه أيضًا بالمقابل كقوله صلى الله عليه وسلم: ( الذين يعذبون الناس يعذبهم الله في الدنيا والآخرة ) وما أشبة ذلك. والله جل وعلا جعل سنة في عباده لا تختلف، حتى تكون دليلًا على الجزاء، ومن نظر بعين البصيرة والتفكر وجد ذلك ظاهرًا في عباد الله.

قوله : من نفس عن مؤمنٍ كربةً من كرب الدنيا نفس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة. التنفيس هو تسهيلُ الشيء كأن الشيء له خناق ثم يرفع قليلًا يتنفس، وليس الإزالة، ولهذا اختلف هذا مع الذي بعده، والإنسان الذي يقع في كرب الدنيا قد لا يكون لكل أحد.

 كربة الدنيا تشمل ما يقع له في نفسه، وما يقع له في حاجته، أو ولده، أو ما أشبة ذلك من الأمور التي يحتاجها أمور الضرورية، والمقابل جزاء، جاء أنه يكون يوم القيامة، والسبب أن الكرب لا تقع في الدنيا لكل أحد، بخلاف يوم القيامة فإن الناس لابد لهم من الكرب، ومن أول كرب يوم القيامة سكرات الموت، هذا الشيء لابد منه، فإذا وقع الإنسان في هذه الحالة ينسى نفسه وينسى كل شيء.

ولهذا يسن أنه يذكر بالشهادة لأنه شغل بكربة، كربة عظيمة، لاسيما إذا كان يفكر فيما أمامه، الإنسان ضعيف، وأمامه أمورٌ هائلة وعظيمة، فإذا كان ممن ينفس عن المؤمنين الكرب فإن هذه الكربة تنفس عنه، يعني تسهل عليه، وذلك لرسل الله الذين يأتونه يبشرون ويطمئنون، كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ يعني عند الموت، ﴿أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾[فصلت:30].

يعني يقولون لهم هكذا، لا تخافوا ولا تحزنوا، فالخوف من الأمور المستقبلة، والحزن على الأمور الفائتة التي مضت، هم يقولون لهم لا تحزنوا على أمور الدنيا التي خلفتموها من ولدٍ، ومالٍ، وغيره، ولا تخافوا لما أمامكم، فهذا من أعظم التنفيس، يعني البشارة بهذا الشيء.

وكذلك في القبر وما بعده ولكن الموعود هنا كربة واحدة، يعني نفس كربة نفس عنه كربًة من كرب يوم القيامة، ولا شك أن كرب يوم القيامة لا تقاس بكرب الدنيا، فهي صعبةٌ جدًا، ولهذا صحت الأحاديث عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قوله (تحشرون حفاًة عراًة غرلا)، فقالت عائشة رضي الله عنها الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض قال: (الأمر أعظم من ذاكِ)، ما أحد يهمه النظر كلٌ مشغولٌ بنفسه، شاخصٌ بصره، ما يدري من بأمامه ومن أمامه، إنما بلغت القلوب الحناجر، ولا تسمع كلمة الناس قد خشعت أصواتهم خوفًا من العذاب الشديد.

فيقول إنها إذا وقفوا تدنوا الشمس منهم حتى تكون قيد رمح ويلجمهم العرق، وفي حديثٍ أخر أن العرق يأخذ في الأرض سبعين ذرعًا، ذلك أنهم يقفون خمسين ألف سنة وقوفا لا ماء ولا أكل ولا ظل، الذين عندهم أعمال ولهم صدقات ولهم أعمالٌ صالحة أعمالهم الصالحة تظلهم على حسب ما قدموا وأخلصوا لله جل وعلا.

فكرب يوم القيامة عظيمة يقول ابن مسعود رضي الله عنه: في هذا الأرض كلها تكون نارًا دنو الشمس والجنة من وراءهم، ثم كذلك النار قد جيء بها، وأحاطت بهم من جميع الجهات، جيء بهم وجعلت محيطًة بهم، فالأمر شديدٌ جدا.

فيجب أن يتذكر الإنسان موقفه في ذلك الموقف الهائل، فإذا قدم شيئًا لله جل وعلا وجده، ويكون أفضل ما يكون فكرب يوم القيامة كثيرة وعظيمة، ليست سهلة، وإن كانت على أصحاب الذنوب، والذين لم يستقيموا على أمر الله جل وعلا، ولكنهم فيهم كثرة.

قوله : ومن ييسر على معسر ييسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والتيسير أيضا أن يكون مثلا انسد الطريق أمامه في أمرٍ من الأمور، فيفتح له الطريق بأن يعطيه الشيء الذي يستطيع أن يسير فيه، وهو أمر معنوي يعنى، ما هو طريق الشارع كأن مثلا يكون مدين ويمسك بدينه أو يسجن أو ما أشبه ذلك، فيعطيه الشيء الذي يتخلص به ذلك، هذا تيسير تيسيرُه وهذا كثيرا أيضا.

والجزاء كذلك، أن الله ييسر له أموره في الدنيا والآخرة، وهذا صار جزاءه في الدنيا والآخرة، شيء مقدم معجل والمؤخر أعظم.

وقوله: ومن يسر على معسرٍ يسر الله عليه في الدنيا والآخرة. هنا جاء التيسير في الدنيا والآخرة، والتيسير أن تيسر أموره ولا تعسر، فهذا نفس الشيء، يعني إن كل الحديث هذا فيه أن الجزاء من جنس العمل، إذا عملت شيئًا جُزيت بجنسه.

والمعسر أنواع: قد يكون معسرًا بالفقر، وقد يكون معسرًا بأداء الدين، وقد يكون معسرًا بحاجاته التي لابد منها فالتيسير عليه بأن إما أن يعطى الشيء الذي يتيسر به أمره، أو إذا كان مدينًا يضع عنه دينه، أو يُنظره على الأقل.

والإنظار أمرٌ واجب لابد منه كما قال الله جل وعلا: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}[البقرة:280]، يعني الأمر في هذا واجب، أوجبه الله على صاحب الدين أنه يُنظر المدين إلى أن يجد ما يعطيه، فالتيسير في هذا أمره أوسع، كل هذا يجب أن يراعى لأنه أمرٌ يحتاج إليه العبد، وتيسير الله جل وعلا لعبده في الدنيا والآخرة لا حد له، والله جل وعلا إذا جازى عبده (جزيل) العطاء تعالى وتقدس.

قوله :  وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِما سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ،  وهذا أيضا عام تستره من عيب أو شيء مكروه يشينه أو ما أشبه ذلك، وسواء الشيء الذي يكون فيه حد من الحدود، أو فيه آثم من الآثام جريمة قبل أن يصل إلى الحاكم، فتستره وتأمره بالستر والتوبة والرجوع ولا يفتضح، ولهذا إذا شفع الإنسان في شيء من ذلك قبل أن يرفع إلى القضاء، فإنه يكون عمل معروفا، أما بعد ذلك فلا يجوز التعرض له.

 كما جاء في الصحيح: أن امرأة شريفة سرقت في زمن الفتح فأهم ذلك قريش اهتموا به، وقالوا من يجرأ أن يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم  في أمرها قالوا لا يجرأ على ذلك إلا حبه بن حبه أسامة بن زيد، فذهبوا إليه وقالوا له لو كلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر حتى لا تقطع يد هذه المرأة الشريفة فجاء إليه يكلمه فغضب صلى الله عليه وسلم قال: (أتشفع في حدٍ من حدود الله!، وأيم الله لو أﻥ ﻓﺎﻃﻤﺔ ﺑﻨﺖ ﻣﺤﻤﺪ ﺳﺮﻗﺖ ﻟﻘﻄﻌﺖ ﻳﺪﻫﺎ).

فالشفاعة إذا وصلت للحاكم لا يجوز في الحدود أنه يتعرض لها، ولكن قبل ذلك جائز، ثم يُستر عليه أن يستر عليه ويؤمر بالتوبة والرجوع، ثم كذلك حتى في الأمور التي تخصه ، يجب أن يستر عليه في الأمور التي يستحي منها، فكل شيء يشين ويستحيى منه.

فإذا فعل الإنسان ذلك ستره بأن يعطيه الشيء الذي  مثلاً يزل عنه هذا الشيء، كأن يكون مثلا –لا يستطيع أن يأكل ليس عند طعام ليس عنده كسوة ليس عنده شيء (…) فيستحي من الناس، فيستره، من كسا عاريا فقد ستره ؟

فالله جل وعلا سوف يعطيه الجزاء الوافي الذي هو أعظم مما يتصوره الإنسان في أمر الدنيا، وكذلك في الأمور الأخرى، وهذا وعد أنه يكون في الدنيا والآخرة .

وقوله: ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة. هنا قيده بأنه مسلم، الستر للمسلم وليس لغير المسلم، والستر هذا يدخل فيه الستر الحقيقي، يعني الستر الحسي المحسوس، بأن مثلًا يكسى الشيء الذي يستره، ويكون للأمر المعنوي _وهو أعظم_، بأن يشاهده على أمرٍ يكون فيه فضيحة على ذنب فيستره.

وهذا يقسمه العلماء إلى قسمين:

القسم الأول : إذا كان الإنسان مستور الحال في الدنيا، فهذا يعني يحث وينبغي أنه يستر عليه، ولا يكشف أمره ولا يرفع أمره إلى ولي الأمر، بل يقال له تب واستر على نفسك.

ولهذا لما جاء الرجل الذي زنا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-فقال: إني ارتكبت حدًا أعرض عنه حتى لعله يرجع ويتوب، فأعرض عنه عدة مرات، أربع مرات يقول ذلك، ثم يعرض عنه، وكذلك الرجل الأخر الذي جاء وقال: إني ارتكبت حدًا فأقمه علي، وغيره، فكان يعرض عليه حتى يكرر الأمر ويؤكد ويلح فإذا ألح لابد من إقامة الحد عليه.

 فكذلك ينبغي أن يشفع فيه قبل أن يصل إلى ولي الأمر، حتى لا يصل الأمر إلى ولي الأمر فيقام عليه، أما إذا وصل الأمر إلى القاضي مثلًا الذي ولاه ولي الأمر أمرًا بهذه الأمور، فلا تجوز الشفاعة في هذا، ولكن قبل ذلك يستحب أن يشفع له حتى يقال أستر على نفسك، وتب إلى الله جل وعلا.

والله جل وعلا أخبر عن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في المؤمنين أنهم مرتكبون جرمًا عظيمًا، فإشاعتها قد تكون بالكلام، وقد يكون بإشهار ذلك، فلا يجوز هذا.

القسم الثاني: المستهترون الذين لا يبالون بالمعاصي، ولا يبالون بكونهم يفعلون ذلك ظاهرًا، فهؤلاء لا يستر عليهم، بل ينهى أمرهم إلى ولي الأمر حتى يقيم عليهم الحدود، ويردعهم ويردع أمثالهم، لأن الذنوب هذه عيوب، عيوبًا في المسلمين، والعيوب يجب أن تستر.

يعني : هم ينقسمون إلى قسمين:

القسم الأول : إنسانٌ يقع في ذلك للفلتات والا وتغلبه نفسه، ويغلبه شيطانه، فهذا الذي يستحب أن يستر عليه ولا يشهر أمره، ولا يجوز إشهاره.

القسم الثاني: الذي يكون مستهترًا ولا يبالي، فهذا يجب أن يردع ويمنع من التمادي في مسلك سبيل الشيطان، وكذلك نشر الخزي على المؤمنين ،فإنهم يعيرون باقتراف الذنوب من قبل الكفار، ولهذا يقول ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة ويخرج من هذا غير المسلم فإنه أرتكب ذنبًا لا يستر عليه.

وقوله: والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. هذا من الكلام العام بعد الخاص، يدخل فيه كل ما فيه نفع الإنسان، إذا نفعته فالله جل وعلا في عونك.

وقوله: ما كان. يعني ما دمت أنك تسعى في هذا الشيء فإن الله يعينك، وقد سلك السلف في هذا المعنى ما يدل على فهمهم لهذه النصوص فهمًا دقيقا، فكانوا يحرصون كل الحرص على إعانة الضعفاء والمساكين، ولاسيما الأرملة، حتى كان أبو بكر رضي الله عنه يحلب لأهل الحي معازيهم، وضأنهم، وماشيهم بنفسه، فلما أستخلف قالت جارية من الحي: الآن لا يحلب لنا، فلما بلغه ذلك قال: بلى، وأرجو ألا يغيرني ما صرت إليه عن شيءٍ كنت أفعله، فكان يخدم الناس الضعفاء بنفسه.

ومثله كذلك عمر، حى شاهده مرًة طلحة رضي الله عنه، طلحة بن أبي عبيد يدخل في بيتٍ، فصار يتتبع وينظر، فلما أصبح ذهب إلى ذلك البيت، فإذا فيه عجوزٌ مقعدة عمياء، فقال: من هذا الرجل الذي يدخل عليكِ؟، قالت: هذا رجلٌ يصلح لي ويأتيني بحاجاتي، فقال لنفسه ثكلتك أمك يا طلحة تتبعُ عمر _يعني أمير المؤمنين_، كيف يصنع مثل هذا.

وهذا كثيرٌ جدا، ولما أرسل الحسن بعض أصحابه في حاجة رجل من الناس وقال: أذهبوا إلى ثابت البناني وخذوه معكم لأن فيه له صلة فيه، فلما أتوا إلى ثابت قال: إني معتكف، فرجعوا إلى الحسن وقالوا له ذلك، قال قولوا له إن ذهابك في حاجتي أفضل من حجة بعد حجة، فخرج، ترك الاعتكاف وذهب (للقضاء).

فقضاء الحوائج _حوائج المسلمين_، أمرها عظيمٌ جدًا، وأجرها كبيرٌ جدًا، ويعرف ذلك أهل العلم، والوعد الكريم على هذا أن الله يكون في عون عبده، وهذا العون مطلق في أمور الدنيا والآخرة، ومن كان الله في عونه فإنه معانٌ على كل حال، على كل خير، ومعانٌ على ترك الشر، الشرور كلها.

ثم أخبرنا رسولنا صلى الله عليه وسلم  في شيء هام قال: (وَاللهُ في عَونِ العَبدِ مَا كَانَ العَبدُ في عَونِ أخيهِ)، يعني هذا يشمل كل شيء، ما دام أنك في عون أخيك فالله في عونك.

وقد كان السلف حريصون على إعانة الضعفاء، وحريصون جداً على إخفاء ذلك، وكثيرا ما كانوا يصنعون (…) كل ذلك رغبة بما عند الله جل وعلا ولا يحقرون شيئا، ولا يتكبرون عن هذه الأمور، عون المسلم ولاسيما إذا كان عاجزا وليس له من يقوم بشأنه وأمره ويصلحه، فإنهم يحرصون على مثل هذه الأشياء، وكانوا يخفون أعمالهم، حتى لا يكون فيها شيء للناس حتى تكون كلها لله جل وعلا.

قوله : (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إلَى الْجَنَّةِ)، التماس الطريق قد يكون على نوعين:

النوع الأول : إما  أن يكون بالحس، بأن يأتي يمشي إلى مجالس العلم يتعلم، فمن جاء بهذه الصفة فهو داخل في هذا الوعد.

النوع الثاني : وقد يكون أمر معنوي بأن يقرأ الكتب،  ويبحث، ويعد نفسه لذلك، فهذا أيضا طريق، والوعد سهل الله له به طريقا إلي الجنة، يعنى أنه يسهل له به عمل صالح يرسله إلي الجنة ويكون هذا في الدنيا.

وقوله: من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله به له طريقًا إلى الجنة. وهذا كذلك انه من الجزاء على العمل الذي هو من جنسه، وسلوك الطريق في طلب العلم إما أن يكون بمعنًى حسي، بأن يأتي يمشي إلى المكان الذي فيه العلم، ومعرفته هذا السلوك الطريق سلوك طريق، فيذهب إلى الأماكن التي فيها العلم يتعلم، فمن سلك هذا فإنه فعل الشيء المذكور.

ويكون أيضا بالمعنى المعنوي، الطريق المعنوي، بأن يقرأ، يكتب، يتفهم، ويحاول أنه يفهم الشيء بنفسه، فهذا أيضًا منه، وتسهيل الطريق له إلى الجنة إما أن يكون أيضا بالأمر المحسوس، بأن يثبته الله جل وعلا على الصراط فيرسله إلى الجنة بطريقٍ سهلٍ ميسر، جزاء له في هذا، وإما أن يكون أيضا بأن يهديه الله جل وعلا إلى الأعمال التي تكون سببًا لدخول الجنة، وإما أن يكون بالأمرين معًا.

وهذا هو الظاهر، ففيه الوعد في هذا، ثم هذا يدلنا على فضل العلم، لأن العلم هو الذي يُعرف بالله جل وعلا، وهو الذي يوصل إلى السعادة، ولا طريق إلى معرفة الله جل وعلا وإلى معرفة وعده والعمل على ذلك إلا بالعلم، والعلم الذي جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو العلم النافع، الذي يبقى.

العلم يقسمه العلماء إلى قسمين كما سبق :

 علمٌ يكون له ثمرة، ويكون له أثرٌ واضح وظاهر، وهو العلم الذي يصل إلى القلب ويحدث به الخوف والخشية، الخوف من الله والعمل، وهذا العلم الذي ينفع وعلمٌ يكون باللسان، وهذا يكون حجة على المرء، يقيمه الله (…) يعني زيادة حجة، وإلا كل الخلق قامت عليهم الحجة، ولكن بعضهم تزيد الحجة ويصبح عذابه أكثر.

ولهذا جاء أن من أول من تسجر بهم النار عالمٌ لم ينتفع بعلمه، لم ينفعه علمه، يكون من أول من تسجر بهم النار، _نسأل الله العافية_، ثبت في الصحيح: (أنه يؤتى بالرجل في النار فتندلق (أقطابه) يعني أمعائه فيدور فيها كما يدور الحمار بالرحى ويصيح صياًح عظيم ويؤذي أهل النار فيقولون مالك ألم تكن تعلم الناس فيقول بلى؛ كنت أعلمهم ولا أعمل لا يعمل بعلمه)، وفيه أحاديثٌ كثيرة، ولهذا لعن الله جل وعلا الذين يكتمون العلم، ويدخل في كتمان العلم، كونه لا يعمل به .

قوله : (وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ) والبيت: هو المسجد، مساجد الله جل وعلا.

وهذا معناه أن الاجتماع على الذكر وعلى تلاوة الكتاب وعلى مدارسة العلم أنه أمر مطلوب أن يكون في المسجد، وذلك لأن المسجد يأتي إليه كل أحد، بخلاف البيوت أن  البيوت ما يأتي إليها  إلا الخاصة، الذين يعرفون أنهم يعني لا يُمنعون في هذا أو أنهم يدعون ما يأتي إلا من يدعى، وذكر أنهم يكون لهم أربعة أشياء:

الأولى: نزول السكينة، والسكينة قيل هي الملآئكة وقيل هي شيء يكون في القلوب يدعو إلى الخير ويمنع من الشر من الله جل وعلا ولهذا قال: وغشيتهم السكينة.

الثانية :نزول الملآئكة أنها تحف بهم.

الثالثة : نزول الرحمة من الله جل وعلا.

الرابعة : أن الله يذكرهم فيمن من عنده، وذكره فيما من عنده يعني يثني عليهم في الملأ الأعلى، يعني في الملآئكة حتى يدعوا لهم.

وهذه كلها أمور عظيمة ما ينبغي التساهل فيها.

والعلم يقول العلماء أنه علمان:

الأول : علم يكون العالم بصفات الله وبالله جل وعلا يورث له الخشية والخوف من الله جل وعلا، وهذا هو العلم الحقيقي، {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}[فاطر:28].

الثاني: العلم الذي يحمل، وهؤلاء حملة العلم هم الذين يُتعلم منهم، وهؤلاء الذين إذا ماتوا فقد العلم، ثم يتخذ الناس أناس جهال، فيفتونهم فيضلون ويضلون، ثم يرفع العلم كما قال صلى الله عليه وسلم: (إن العلم يرفع بموت العلماء)، ثم بعد ذلك (…) يبقى العلم في الكتب وفي المصاحف ولكن لا يفهم، يعنى ينصرف الناس عنه، وربما يتعلموا لغات غير لغات الكتاب والسنة، فيصيرون لا يفهمون، لا يفهمون شيئًا، ثم بعد ذلك يسرى على ما في المصاحف وترفع، ثم يبقوا الناس لا يعرفون شيء، وعليهم تقوم الساعة، تقوم الساعة على شرار الناس، ولا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله .

قوله : وما أجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، هذا وعدٌ عظيم وثوابٌ جزيلٌ جدا.

والذين يجتمعون، يعني يتفهمون كتاب الله ويتحفظونه، بعضهم يحفظ من بعض، وبعضهم يتعلم من بعض، وقد يكون مجرد قراءة، وفيهم من يستمع كما كان الصحابة يفعلون ذلك، فكانوا يجتمعون حلق ويقرأ أحدهم وهم يستمعون، عملًا بما سمعوا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

ثم استمر هذا الأمر في المسلمين في جميع المدن، غير أنهم اختلفوا في الطرق التي يتعلمون بها، وقد ثبت في الصحيح قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) هذا نصٌ على أنه خير الأمة من تعلم القرآن وعلمه، والقرآن ليس مجرد حفظ فقط، تعلمه، تعلم والعمل به وفهمه، لأن هذا المقصود.

ولهذا ذم الله جل وعلا الذين لا يفقهون ولا يعرفون، ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:24] فلابد من التدبر، ولهذا لما سئل أحد العلماء في الوقت السابق في صدر الإسلام، قيل له أنه يوجد أناسٌ يحفظون القرآن ولا يفهمون معانيه، فقال هذه بدعة.

معنى بدعة: يعني أن هذا ما كان موجودًا سابقًا، إنما هذا حدث، حدثٌ جديد، والسبب أن الإسلام دخل فيه من لم يفهم اللغة العربية، فكانوا يحفظون بلا فهم، وأما اليوم فالأمر أشد، فالكفار يسعون إلى إبعاد المسلمين عن معرفة دينهم، ومعرفة كتابهم.

ولهذا يتدخلون في التعليم، ويتدخلون في الطرق التعليمية، ويسعون إلى أن تكون مثلًا اللغة التي يتعلم بها اللغات الأجنبية، حتى يصبحوا لا يفهموا شيئًا من كتاب ربهم جل وعلا.

وبذلك يقضون على دينهم وعلى مستقبلهم، ومع الأسف يأتون ذلك يعرضونه بقالب التحسين والتزين والتقدم، وغير ذلك، وهو بالعكس يريدون أمور _نسأل الله أن يحول بينهم وبينها_، أن تبعد المسلمين عن دينهم.

فالتعلم أصله العلم، أصله القرآن، العلم أصله من القرآن، ثم تبيين القرآن، فالرسول- صلى الله عليه وسلم-، نزل عليه الوحي في بيان القرآن، والتعلم يكون لهذا ولهذا حتى نعرف خطاب ربنا جل وعلا ومراده من مخاطبتنا، فيكون الإنسان قد امتثل أمر ربه.

ولا يجوز لمسلم أنه يقرأ خطاب الله وهو لا يفهمه، فإن هذا عيبٌ كبير، وهذا كل أحدٍ يتصوره ويعرف أنه لا يصلح، فلو كان مثلًا لك صديق، أو لك قريب وأرسل لك خطابًا فقرأته، ثم لم تتأمله ولم تعمل بقوله، ثم تماديت في الأمور التي هو ينهاك أن تفعلها، فإذا حضر إليك وقلت له أنا قرأت خطابك ثم قرأت ثم قرأت ولكني ما أفهمه، ما أفهم ماذا يكون؟ قال: أنا خاطبتك بلغة بألغاز!! أخاطبك بلغتك، فيجب أن تفهم ذلك.

وكذلك ولله المثل الأعلى، لو أن مثلًا الأمير أرسل لنا مثلًا رسالة فقرأناها، ثم جعلناها في برواز ورفعناها وقدرناها وعظمناها، ولكننا لم نعمل بها، ولم نتفهمها، وإذا سألنا عن ذلك قلنا له أنظر كيف أكرمناها، فإن هذا يزيده غضبا، الخطاب ما أرسل لتكرمه، ترفعوا بهذا، أرسل لتعمل به وتمتثل به، وأول شيءٍ أن تفهم ذلك.

فالمقصود أن هذا أمرٌ لابد منه، ولهذا صارت قراءة القرآن بالتأمل هي المقصودة، ما هو مجرد إنك تسرد حروف، وكلماتٍ ما تعرفها، تأمل ماذا يريد الله منك إذا خاطبك، فهذا الذي كان السلف يعملونه.

ولهذا لما قال رجلٌ للنبي -صلى الله عليه وسلم-: إني أختم القرآن بسبع، قال: لا، ثم قال إني أستطيع أنه أكثر من ذلك، قال: من ختمه بأقل من ذلك لم يفقه، أو نحو ما قال -صلى الله عليه وسلم-، يعني أن المقصود التأمل وليس السرعة، _سرعة القراءة_، حتى يتحصل على حروفٍ كثيرة فقط.

وقوله: كتاب الله؛ كتاب الله يدخل فيه شرعه كله، كل ما أنزله الله للعمل يدخل في هذا، يعني يدخل فيه الوحي الثاني، لأن الوحي قسمان:

القسم الأول : وحيٌ هو كلام الله الذي تحدى به البلغاء والفصحاء أن يأتوا بشيءٍ منه، صار معجزًة عظيمة، وفيه من المعاني الشيء العظيم، كثير جدًا، الذي لا يمكن أن الإنسان يحيطُ به، لأنه كلام الله جل وعلا.

القسم الثاني : والوحي الثاني: الذي هو حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإنه أنزله عليه لبين لنا القرآن ويوضحه، فهو بين ووضح صلوات الله وسلامه عليه، وضح ذلك، فكلاهما يجب أن يعمل به، ولكن هذا يتلى يعني كتاب الله يتلى للتعبد والتأمل والعمل، وهذا لأجل العمل فقط ولكن لابد من معرفته.

وقوله: ويتدارسونه بينهم يدل على هذا؛ التدارس يدل على التفهم والمعرفة ما هو مجرد قراءة، قال: ويتدارسونه بينهم.

قوله: إلا نزلت عليهم. هذا الجزاء إلا نزلت عليهم السكينة، السكينة التي تكون في القلوب، فيها الطمأنينة، وفيها الخشية، وفيها جزاء الله العاجل، وقد يكون هذا فيه أيضا زيادة العلم كما قال جل وعلا:

﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾[محمد:17].

﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ﴾ [مريم:76].

فكذلك يزيد المؤمنين إيمانا، كلما تفهم شيئًا وآمن به زاده الله إيمانًا وخيرا، وهذا يدل على ذلك.

وقوله: وغشيتهم الرحمة. هذا أعم مما سبق، فرحمة الله واسعة، ومعنى ذلك أن هذا يكون من أمور الدنيا والآخرة كله.

وقوله: وحفتهم الملائكة. حفوف الملائكة: أنها تجلس معهم، من وراءهم، وإذا حفتهم الملائكة فهم بخير، فالملائكة تدعوا لهم وتستغفر لهم، وقد جاءت نصوصٌ تفصل هذا وتبينه.

فإنه وجاء في الحديث الصحيح أن لله ملائكةٌ سيارة يبحثون عن حلق الذكر، وحلق الذكر هي حلق العلم، فإذا وجدوها دعا بعضهم بعضًا قالوا هلمَّ إلى مطلبكم، فيحيطون بهم، يجلسون معهم، ثم إذا انتهى صعدوا إلى ربهم جل وعلا، فيسألهم وهو أعلم فيقول: من أين أتيتم؟، فيقولون: أتينا من عبادٍ لك يذكرونك ويسبحونك ويكبرونك، ويتعلمون كتابك، فيقول جل وعلا لهم: وماذا يطلبون؟، قالوا: يطلبون رضاك والجنة، ويعوذون بسخطك من النار، فيقول: هل رأوهما؟، فيقولون: لا، ولو رأوهما لكانوا أشد إلى الجنة طلبًا، وأشدُ من النار هربًا، فيقول: أشهدكم أني قد غفرت لهم، فيقولُ ملكٌ من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، وإنما جاء لحاجةٍ فجلس، فيقول جل وعلا: هم القوم لا يشقى جليسهم، وله قد غفرت.

فهذا نصٌ صحيح عن النبي  -صلى الله عليه وسلم-، يدل على أن هذا يكون (عاجلا)، وما كان (آجلا) فهو أعظم.

وقوله: ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه. بطأ يعني أنه لم يحمله ويسير به بل ما أستطاع السير، التبطئة هي عدم السير، والمعنى أن من لم يكن له عملٌ يقدمه ينفعه الله به ويجزيه عليه، فإن النسب لا ينفع نسبه لا ينفع، والنسب هو صلة القرابة للإنسان، إذا كان له قرابةٌ ذات شرف وذات علم وذات عملٍ صالح فإنها لا تنفعه.

ولهذا أولاد الأنبياء لا ينتفعون بإبائهم، كما قال الله جل وعلا: ﴿ ضرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾[التحريم:10]، والخيانة هنا ليست خيانة الفراش، وإنما هي خيانة الدين، صارتا مع أعدائهما، امرأة لوط عجوزٌ خبيثة تدعو قومها إليه، وتخبرهم بأنه أتى إليه ضيفان، والا أتى إليه كذا، وتكون معهم في ذلك، وكذلك امرأة نوح.

ثم قال جل وعلا: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾[التحريم:11]، يعني هذه المرأة تحت أشر خلق الله فلم يضرها، فصارت أقرب الناس إلى الله جل وعلا وتلك المرأتان كانتا تحت خير الناس وأفضلهم فلم ينفعهما ذلك، فالنسب لا ينفع.

وكذلك أبنُ نوح عليه السلام {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنْ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ}[هود:42،43]، ثم لما قيل للأرض أبلعي ماءكِ وللسماء أقلعي، نادي نوحٌ ربه {رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ} فقال الله جل وعلا له: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}[هود:45،46].

فلا ينفع الإنسان إلا عمله، والله جل وعلا أعطى عباده عقولًا وأفكارًا يجب أن يستعملوها فيما ينفعهم، ويجب أن يفكروا في مصيرهم، لأن هذه الدنيا ستفنى وتنتهي وتُنسى نهائيًا، ولكن لها ما بعدها، فمن عمل فيها خيرًا جوزي خيرا، لأن الإنسان خلق للبقاء الأبدي، فإما أن يكون باقيًا في جناتِ عدن، ملائكة الرحمن تدخل عليه من كل باب يقولون سلامٌ عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار.

أو يكون _نسأل الله العافية_، مع الشياطين، يكون قرينًا للشياطين في جهنم، عذابٌ دائم لا يفتر عنهم، ولا يخرجون منها، فيجب أن يفكر العبد، يفكر في نفسه، يفكر في مصيره.

والله جل وعلا قد أقام الحجة على عباده، فالحجج كثيرة، الحجج بالعقل وبالمخلوقات، فكر فيها، فالله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[البقرة:21]، إلى أخر الآية.

وأنزل إلينا كتابًا يجب أن نتأمله، وكذلك أرسل إلينا رسول -صلى الله عليه وسلم-، يجب أن نتعرف على ما جاء به، فلا عذر لنا إذا خالفنا، ولا يمكن الإنسان يقول أنا جاهل، أو أنا ما عرفت، أو ما فهمت، أو يقول أنا اتبعت فلان، وأطعت فلان، كل هذا ما ينفع لأن الطاعة يجب أن تكون لله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم-، وعلى كل حال، {بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ}[القيامة:14] فإذا أعطي البصيرة والعقل فقد قامت عليه الحجة، يجب أن يعمل لنفسه ولا يغتر، فالله جل وعلا قص علينا قصص السابقين، وقص علينا قصص اللاحقين، الذين (يكونون) يوم القيامة كيف يقولون؛ الضعفاء يخاطبون الأقوياء والكبراء والعظماء، يقولون إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء، لا يمكن.

وحتى الشيطان يتبرأ منهم ،كما قال جل وعلا: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ }، يعني ما كان لي حجة أقيمها عليكم ولكن مجرد دعوة دعوتكم {فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ} يعني بمغنٍ عنكم أو بمغيثكم {وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ}، ثم يقول {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ} [إبراهيم:22]، يعني يكفر بطاعتهم ويتبرأ منها، وكذلك كل متبوعٍ يتبرأ من تابعه، والتابع كذلك يلعن متبوعة لأنه أغتر به، فيجب على العبد أن يعمل لنفسه، إن لم يعمل لنفسه لن يعمل له أحد.

نسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطل ويرزقنا اجتنابه، ولا يجعل الأمر ملتبسًا علينا مشتبهًا فنضل ، ونسأل الله جل وعلا أن يرزقنا علما نافعا وعملا صالحا .

الحديث السابع والثلاثون

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، قَالَ: “إنَّ اللَّهَ عز وجل كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، ومن هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً”.رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. 

الشرح

قَالَ: “إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ.. إلى أخره”، قسم هذه الأمور إلى أربعة أقسام:

حسنات وهمٌ بها .

وسيئات وهمٌ بها .

وهذا كله يدل على فضل الله وكرمه ولطفه بعباده، حيث جعل الحسنة بعشر أمثالها إلى أضعاف كثيرة لا يعلمها إلا هو جل وعلا، وجعل الهمّ بها بالحسنة حسنة كاملة، أما السيئة فإذا عملها فإنها سيئة واحدة، وإذا هم بالسيئة فلم يعملها فإنها لا تكتب عليه، وإن تركها لله خوفًا من الله فإنها تكتب له حسنه، وهذا كله فضل من الله جل وعلا.

وقوله : ” فيما يرويه عن ربه “ سبق إن هذا يسمى الحديث القدسي، لأن هذا كلام الله يذكره الرسول عن ربه تبارك وتعالى، وهذا يدلنا إلي أن الله سبحانه وتعالى يتكلم إذا شاء وأن كلامه ليس محصوراً في الكتاب الذي أنزله على رسله، يكلم رسله لأن هذا كلام كلم به جبريل وجبريل جاء به إلى محمد صلى الله عليه وسلم وليس هو من القرآن، وهذا كثير فيما يرويه الرسول صلى الله عليه وسلم،.

وقوله : تبارك وتعالى : معنى تبارك أنه تعاظم وكثرت بركته فهذا من الخصائص التي تخصه لا يجوز أن يقول لمخلوق تبارك،وإنما هذا لله جل وعلا، والمبارك، الذي يباركه الله جل وعلا، ومن جعله الله مبارك، فهو الذي ينفع أينما كان، وتعالى، يهني أن له العلو المطلق علو الذات وعلو القهر وعلو القدر في قلوب عباده المؤمنين وأولياءه وأصفيائه.

قوله : أن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك:  الكتابة هذه المقصود بها الشيء الذي قدره الله جل وعلا، فالكتاب يأتي بمعني التقدير ويأت بمعني الفرض والإيجاب والإلزام، كتب عليكم الصيام، هذا فرض وإيجاب وإلزام،{كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ}[المجادلة:21]،فهذه كتابة قدرية مثل هذا، والله جل وعلا جمع بين القدر وبين الشرع في هذا.

فهو كتب كتابة قدرية وفرضها على عباده وجعلها ديناً وشرعا، والحسنات والسيئات لا تكون حسنات إلا إذا كان جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم يعني أمر بها وشرعها لعباد الله وليست بالآراء والعادات، وكذلك السيئات مقابل الحسنات التي هي مخالفات، مخالفات لله جل وعلا في أمره، يعني ترك الواجب وترك المستحب وفعل المحرم فالسيئات تكون تركاً وتكون فعلاً.

والترك يكون أعظم من الفعل في هذا، لأن ترك الواجب والإعراض عنه أعظم عند الله عز وجل من فعل السيئة، فإذا على هذا تكون الحسنات كثيرة والسيئات كذلك مجالها واسع، والميزان في هذا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا من الأمور المجملة.

ولهذا قال بعد ذلك “ثم بين ذلك” يعني بين هذه الكتابة مما دل على أن هذا أمر قدري، والقدري هنا وافقه الأمر الشرعي، الله شرع ذلك فتبين قول:فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً، والهم هنا ليس مجرد الخطرات التي تخطر في قلب الإنسان وإنما المقصود بها النية والإرادة.

والنية عمل إرادة الشيء عمل، هو عمل القلب وتصميمه على هذا الشيء ولكنه لم يظهر في قلبه، فمنعلم الله جل وعلا في قلبه أنه مصمم على عمل الحسنة فإنها تكتب له حسنة كاملة، ولو لم يعملها، يعني تكتب قبل أن يعملها حسنة فإذا عملها فهي تكتب إما عشر على الأقل، العشرة هذا أمر محقق وإما أكثر من ذلك إما سبعمائة أو أكثر، يقول الله جل وعلا: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ}[البقرة:261]، فهذه سبعمائة.

جاء رجل إلي النبى صلى الله عليه وسلم بناقة مخطومةعليها الاعتداد الذي يركب فقال هذه في سبيل، فقال له لك بها سبعمائة ناقة يوم القيامة، فالمضاعفة (…) والله جل وعلا يقول: {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ}[البقرة:261]، يعني زيادة على هذا، {وَاللَّهُ وَاسِعٌ عليمٌ}[البقرة:261] فضل الله كثير جداً عظيم، ولهذا يعطي الجنة، فالجنة ثمنها ليس ثمنها شيء يبذله الإنسان كذا ولكن فضل الله هذا فضله جل وعلا.

أكد ذلك في قوله: كتب حسنة كاملة، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، يعني قد تكون سبعمائة حسنة وقد تكون أكثر من ذلك، ولهذا قال إلي أضعاف كثيرة، هذا الحسنات فقسمها إلى قسمين:

القسم الأول : هم بها ولم يعملها .

القسم الثاني : أنه عملها فإذا كان الهم فقط فهي حسنة، وإن كان هم فعمل فهي عشرة إلى سبعمائة إلي أضعاف كثيرة، فيقابل هذا السيئات.

قوله : وَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً ، هذا مقيد بأنه تركها لله أما إذا حال بينه وبين عملها أمر قدري فعجز فهذه قد تكتب له سيئة، لأنه لم يتركها إلا عجزاً، وقد اختلف العلماء في الهم بالسيئات هل تكتب سيئة جاءت نصوص تدل على هذا كقوله جل وعلا:{وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}[الحج:25]، يعني الحرم حرم مكة، ولهذا يقولون هم السيئات في مكة انها تكون سيئة ومتوعد عليها، والسيئة تضاعف في مكة هكذا كان ابن عباس يقول وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهما من الصحابة ومن التابعيين.

ولهذا ترك ابن عباس وعبد الله بن عمرو السكنى في مكة وذهبا إلى الطائف خوفاً من مضاعفة السيئات، مادام الحسنات تضاعف فالسيئات كذلك تضاعف في الحرم، وجاءت في الآثار كثيرة إن من هم بقتل رجل في مكة وإن كان في عدن أبين فإن الله يذقه من العذاب الأليم، ومعني هذا أن الهم في الحرم هو إلحاد، وقد جاء ما يدل علىأن هذا عام ليس بالحرم فقط ولكن نص على الحرم لعظمه.

ولا شك أن الحسنات والسيئات تضاعف بشرف المكان، وكذلك شرف العامل نفسه لهذا يقول الله جل وعلا لنبيه ما يخبره به عن الأمور التي حماه منها وعصمه منها : {وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا. إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ}[الإسراء: 75،74]، (…) (ركنت) يعني للكفار لو ركنت لهم شيئاً قليلاً.

فهذا بالنسبة لأشرف الخلق ان الله عصمه من ذلك، ولهذا كان حسين بن على أو على بن الحسين يقول أن السيئات بالنسبة لأقرباء رسول الله صلى الله عليه وسلم تضاعف، ولهذا أخبر جل وعلا عن زوجاته أنه من تعمل فاحشة إنه يذقها من العذاب ضعفين من العذاب، وإذا أحسنت فإنه يضاعف لها الأجر وليس هذا خاص، أما الأماكن فكما سمعنا في الحرم والله جل وعلا يقول: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ}[التوبة:36].

فلماذا نص على الظلم في هذه الأيام في الأشهر الحرم؟

لأنه مضاعف، ولأنه أعظم من الظلم في غيره من الأشهر وإلا الظلم كله لا يجوز، ولهذا قالوا إن السيئات تضاعف بالنسبة للمكان الشريف وبالنسبة للعامل نفسه.

وقد جاء في الحديث الذي في صحيح مسلم وغيره، عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن:(ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم، رجل جعل الله بضاعته، _يعني الحلف- بضاعته في سلعته لا يبيع ولا يشتري إلا بذلك، ورجل حلف يميناً فاجراً بعد العصروأشيمط زاني)،وفي الحديث الثاني:(فقير مستكبر عائل مستكبر وأشيمط زاني) الأشيمط هو الذي علا شعره البياض، لأنه إذا كان بهذه السن وزنا فمعني ذلك أنه عنده رغبة في الزنا والفجور، ليس الذي يحذوه الشهوات التي لا يستطيع كبحها وحبسها، فمثل هذا تضاعف له السيئات.

وكذلك الفقير والمتكبر، الفقر ما فيه داعي للتكبر فإذا كان متكبراً دل على إن الكبر خلق له، فهذا تضاعف سيئاته وفيه نصوص غير هذه كثيرة تدل على هذا، على هذا نقول هذا ليس على إطلاقه.

ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:(إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار)، قالوا يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال:(كان حريصاً على قتل صاحبه)، فالحرص (هو) النية والإرادة فكان بذلك في النار من أجل ذلك.

قوله : وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً، هذا فضل الله عز وجل على عباده، ولهذا يقول ابن مسعود رضي الله عنه: “ويل لمن غلبت آحاده عشراته” الآحاد، السيئات والعشرات، الحسنات، وهذا لأنها تجمع وتوزن،{فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ}[الأعراف:9،8].

فالحسنات تكون في كفة والسيئات في كفة فتوزن،يوازن بينهما،فالموازنة تكون يوم القيامة، ولكن كل ذلك مما يعلمه الله جل وعلا من نيات العاملين، ومن النصوص التي جاءت في هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما ذهب إلي غزوة تبوك قال لأصحابه:(إن في المدينة رجال ما قطعتم وادياً إلا كانوا معكم في الأجر مشاركين لكم، حبسهم العذر)، يعني إما أنهم لم يجدوا ما ينفقون، كما أخبر الله جل وعلا، أنهم إذا أتوا إليه ليحملهم قال:{لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عليه تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ}[التوبة:92].

يعني (…) أنهم لا يجدون ما يحملهم حتى يذهبوا ليقاتلوا وكذلك المرضي، وفي حديث أخر أن الإنسان إذا كان له عمل فمرض أو سافر أنه يكتب له ولكن في هذه الكتابة تكون حسنة واحدة فقط ما تضاعف وإلا لو ضوعفت بهذا لم يكن فرق بينها وبين العامل الذي يعمل، يعني على نيته يعطي حسب أجره.

وعلى كلٍ هذا كله فضل الله فيجب على العبد أن يشكر ربه على ذلك وأن  يحمي نفسه أن يقع في السيئات ثم تتراكم عليه وتزيد على حسناته فيكون بذلك هالكاً.

 الحديث الثامن والثلاثون

عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول اللّهصلى الله عليه وسلم إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: “مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقْد آذَنْتهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَب إلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عليه، وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ”. َروَاهُ الْبُخَارِيُّ.

الشرح

هذا الحديث من أفراد البخاري، فلم يرويه مسلم ولكن رواه الإمام أحمد في سند غير هذا السند، وصحابي غير الصحابي وكذلك رواه البيهقي في السنن وفي غيرها، ورواه أيضاً غيرهم، وهو كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية أشرف حديث في أولياء الله جل وعلا، وهو حديث صحيح ثابت وإن طعن فيه من طعن ، ولكن البخاري “رحمه الله ” تحقق عنده انه صحيح وكذلك عند غيره.

 وقال إن الله تعالى قال:_وهذا مثل الحديث الأول حديث قدسي، والحديث القدسي، ما أضيف إلي الله قولاً قاله، والأحاديث القدسية كثيرة فهو قوله لفظاً ومعنى _:(مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقْد آذَنْتهُ بِالْحَرْبِ)، الإيذان بالحرب هو الإعلان، إذا كان بين مثلًا دولتين حرب، كل واحدة تعلن الحرب على الأخرى، فهذا يسمي إيذان.

وقد أمر الله جل وعلا يقول: إذا كان فيه معاهد، ثم خاف خيانتهم فليؤذنهم بالحرب، يعلمهم أنه حرب لهم،وأنه يحاربهم، فمن يحارب الله ؟! هل أحد يستطيع أن يحارب رب العالمين ؟! الخلق كلهم ضعفاء مساكين بالنسبة لله عز وجل.

ولكن مع هذا يجتمع فيهم الظلم والجهل، ومن اجتمع فيه الظلم والجهل لا شك أنه يهلك ويتعدى، ولكون الله جل وعلا حليم لا يعجل، لا يعاجلهم بالعقوبة، وقد تكون العقوبة موجودة ولكن لا يشعرون بها بحيث أنه جل وعلا يتركهم في ضلالهم يعمهون ويزيدون ضلالا وابتعادا عنه ثم يأخذهم فيما بعض إما بالموت أو بغيره، فيكون أشد وأنكي للعذاب الذي يعذبهم به.

ولهذا لا يعجل لأنهم لا يعجزوه، ولا يهربوا عنه، فالمرجع إليه جل وعلا {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} يعني الأمور التي زعمتموها {وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ}[الأنعام:94] والله المستعان.

قوله : فقد آذنته، يعني أعلنته بالحرب بأني له حرب فهذا الذي لا شك انه هالك إذا آذنه الله بالحرب، وأولاً ينبغي أن نعرف من هم أولياء الله ، لأنه قال من عادى  لي ولياً، أولياء الله قد ذكرهم الله تعالى في كتابه وبينهم قال: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عليهمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ}[يونس:63،62]، هذه صفتهم الذين أمنوا وكانوا يتقون، فكل مؤمن متقي هو ولي الله، فهو من أولياء الله.

{أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عليهمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ}، فمن كان مؤمناً بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم ومتبعاً لرسوله وهو متق ربه جل زعلا بأن قام بالواجبات التي أوجبها الله عليه، واجتنب المحرمات فهو من أولياء الله، ومعني هذا أن الله له أولياء وله أعداء وولي الله يكون معادٍ لأعداء الله لا يمكن أن يكون مسالمًا لأعداء الله، يدعي الولاية إنه من أولياء الله ويصطلح مع أعدائه لايمكن.

وقوله : وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي.. إلى أخره، هنا قسم أسباب الولاية إلى قسمين، قسم أعلى من الأخر:

القسم الأول: الذي يقتصر على فعل الواجب وينكف عن فعل المحرم، وهذا هو أحب الأشياء إلى الله جل وعلا من العبادات أنه يفعل ما أوجبه عليه ويجتنب ما حرمه عليه، أما إن كان مثلا يترك الواجب ويذهب ويأتي بالنافلة التي لم توجد وإنما هي مستحبة فهذا ليس من أولياء الله وقد لا تقبل منه، لهذا لأن الله لا يقبل نافلة حتى تؤدي الفريضة، فلا بد أن يكون العبد فاهم لذلك وعاملاً به.

ولهذا قال: وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إلَيّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عليهِ،هذا القسم الأول : الذي يتقرب من الله جل وعلا بالفرائض التي فرضها رب العالمين، والفرض، هو الإيجاب والإلزام وأهمها وأعظمها التوحيد أن تكون العبادة لله وحده ليس فيها شيء لغيره.

ثم يلي هذا الصلوات الخمس أن يأتي بها على الوجه الذي أمر بها رسول صلى الله عليه وسلم يعني يقيمها جماعة في أوقاتها وبشروطها وأركانها من غير خلل، ثم كذلك بقية الفرائض الزكاة والصوم والحج ويتبع هذا ما أوجبه الله جل وعلا ملزم لعباده مثل صلة الرحم بر الوالدين وما أشبه ذلك مما هو واجب، لأنه لا يكفي الاقتصار على الأركان فقط.

القسم الثاني: وهو الذي يؤدي الفرائض ثم يتقرب إلي الله بالنوافل، وهذا الذي أشار إليه بقوله: وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، يعني بعد أداء الفرائض.

القسم الأول: هم الأبرار.

والقسم الثاني: هم المقربون .

وقد قسمهم الله جل وعلا في كتابه إلي هذين القسمين في مواضع متعددة (…) ذكر في سورة الواقعة في أولها أن أهل السعادة قسمان:

القسم الأول : السابقون .

القسم الثاني : أصحاب اليمين، السابقون لهم ما ليس لأصحاب اليمين.

القسم الثالث: أهل الشقاء جعلهم قسم واحد .

وكذلك في سورة الرحمن {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}[الرحمن:46]، ذكر صفتي الجنتين كيف هي، ثم بعد ذلك قال:{وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ}[الرحمن:62]، يعني لأصحاب اليمين، وحتى عند الموت قسمهم إلى هذه الأقسام الثلاثة عند الاحتضار، {فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ. تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ. فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ. فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ. وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ. فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ}[الواقعة:86:91]

يقول سلام لسلامتهم، أما المقربون فذكر أنهم يستقبلون بالروح والريحان والبشري من عند الله جل وعلا، قال:{وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ. فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ. وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ}[الواقعة:92:94]، فهذه حالتهم عند الموت وهي كذلك حالتهم في المنشر والمحشر والحساب.

وهذا كثير في كتاب الله، ولا يخالف هذا ما جاء في تقسيم الله لهم إلى ثلاثة أقسام:{ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ}، لأن الظالم هو الذي ترك ما وجب عليه أو بعض ما وجب عليه، ترك بعض ما وجب عليه وارتكب شيء من المحرمات، وصار ظالم وهذا تحت مشيئة الله، ولكن في المقال يكون ناجياً إذا كان مات على الإيمان، وهنا لا ينالهم العذاب، أما هؤلاء فهم تحت الخطر، فهذا تقسيم أخر.

وقوله: وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ. النوافل، هي التي شرعت ولم توجب ليست واجبه، قد شرع الله جل وعلا ترغيباً وفيها رفع الدرجات، وفيها تكفير للسيئات، ولكنها ليست واجبة، يعني ليس الإتيان لازم، فإذا تقرب الإنسان بها فدل على رغبته فيما عند الله ودلعلى إنه يعبد الله جل وعلا بالشيء الذي يستطيعه(ويوصله) لله جل وعلا، ليس مقتصراً على الشيء الذي أوجبه الله عليه سواء كانمن الصلوات النوافل، يعني  النافلة يدخل فيها  الصلاة، ويدخل فيها الصدقة، ويدخل فيها الحج، ويدخل فيها الصوم، يعني كل العبادات التي  لا تجب فهي داخلة في النوافل من النوافل، فطرق الخير كثيرة في هذا.

وقوله: حتى أحبه. يعني أن هذا يكون ديدنه وشأنه ورغبته في ذلك، ويكون ذلك سبباً لمحبة الله، وإذا أحب الله سبحانه وتعالى عبداً فإنه يقربه وييسره لليسرى ويهيئ له الأعمال التي يرضى الله جل وعلا بها، وهذا معنى قوله: فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا.

يعني أن الجوارح يكون استعمالها طاعة، إذا بطش بيده فهو لا يبطش إلا لله، وإذا أبصر ببصره لا يبصر إلا لله يكون طاعة فالنظر إما قراءة كتاب الله وإما الاعتبار بآيات الله، أو غيره.. لا يطلقه في الأمور التي لا تجوز.

وكذلك السمع، وكذلك المشي، إذا أراد أن يمشي، يمشي إلي طاعة الله، إلي مساجد أو إلى مجالس الذكر، أو إلى غير ذلك، ولا يجوز أن يقال إلا هذا، وإلا يكون الإنسان واقع في الحلول وفي الإتحاد الذي هو كفر بالله جل وعلا، وهذا أمر واضح من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قوله : فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، يعني أنه يسمع لله لا يسمع لغير ذلك، وعلى الذي ذكره الله جل وعلا أنهم عن اللغو معرضون ولكنهم يسمعون الخير{يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}[الزمر:18]، فيكون بكل جوارحه التي خلقها الله جل وعلا مستعملة في الطاعة وهذا الواجب على العبد، وسوف يسأل الإنسان عن هذه الأشياء كما قال الله جل وعلا: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}[الإسراء:36]، الله خلق لك عقلا سوف يسألك عنه هل انتفعت به، أو أنت استعملته في الأمور التي تعود عليك بالضرر، وكذلك خلق لك بصراً هل استعملته في طاعة الله وما يعود عليك بالخير، وكذلك السمع والأيدي والأرجل وغيرها.

فإن كان العبد استعمل هذه الأمور في طاعة الله جل وعلا صار لا يستعملها إلا في طاعة الله فهذا المقصود بهذا الحديث أنه يسمع بالله ويبصر بالله وإلا فالله جل وعلا فوق عباده فوق خلقه قهار فوق سماواته فوق عرشه تعالى وتقدس، وهو أكبر من كل شيء وأعظم من كل شيء، لكن لطفه ورحمة بأن مثلاً يصطفي من عباده من ييسره للعمل الصالح، فيكون عمله كله نظره وسمعه وعطائه ومنعه، كله لله جل وعلا فيكون كل عمل يعمله لله تعالى، ومعني ذلك أنه تصير حياته كلها حياة طاعة،فيكون مصون عن المعاصي، مبتعداً عنها، فهذا أفضل أولياء الله، وهذا الذي يقول فيه أيضا: وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، يعني إنه إذا وصل إلى هذا حد فسأل ربه فأجاب دعوته، وإذا استعاذه من شيء صانه وحماه من ذلك الشيء، ولا يلزم أنه كل دعوة يدعوا بها أنها تستجاب، وقد يكون صابراً على ما وقع له، يعني قد يكون فقيراً فلا يسأل ربه الغنا، لأنه يعلم أن هذا تقدير ربه جل وعلا وأنه أولى به، وقد يكون مريضاً فلا يسأل ربه الشفاء، وقد يكون مثلا مبتلى بشيء من الأشياء مثل العمى فلا يسأل ربه.

كما قيل لأحد الصحابة وقد عُرف بالإجابة، لماذا لم تسأل ربك أن يرد عليك بصرك؟، فقال: أكره أن أخالف ما قدره ربي، فهذا الذي أراده الله جل وعلا له، وقد عرف إبراهيم التيمي، وسعيد بن جبير بإجابة الدعوة، ومع ذلك أوذوا وسجنوا فصبروا حتى قتل سعيد ولم يدعوا، مع أنه كان له ديك يوقظه للصلاة في الليل، ففي ليلة من الليالي لم يصرخ الديك حتى جاء الصبح فلمانظر قال ماله قطع الله عنقه فانقطعت عنقه، فقالت أمه يا بني لا تدعوا على مسلم، ومع ذلك صبر على أذى الحجاج بن يوسف، وصبر على القتل، قتله.

ومثل ذلك إبراهيم التيمي، فإن الحجاج بن يوسف سجنه فصبر، قيل له ألا تدعوا؟، قال لا، أكره أن أدعوا ربي أن يخرجني من شيء أُؤجر عليه، وهو الذي لما جاءته زوجته تلومه وكان فقيراً فقراً مدقعاً، ليس عنده شيء فجاءته وهو يدرس تلامذته، وقالت أنت جالس في هذا المكان وأولادك جياع ما عندهم شيء، فألزمته فخرج، ذهب يبحث عن (…) ركب راحلته وخرج من بلده، والناس عرفوا أنه راحل يأتي بشيء، طعام، فلم يجد شيء، ما صار معه شيء، فرجع وليس في غرائره التي أخذها حبة واحدة، فلما أقبل على البلد أناخ ناقته عند كثيب رمال ،فملأ(…) من الرمل، ملأها رملا لأنه يكره أنه ينظر الناس إليه كما خرج، أنه رجع كما خرج (…) شوفوني قد أتيت بشيء، فأدخل ناقته بيته وأنزل عنها هذا الشيء وذهب مجلسه، فجاءت زوجته تهرع ففتحت الغرائر فإذا هو حب أحمر من أحسن ما يكون، فجاءت تدعوا له جزاك الله خير جئت بحب ما يحتاج إلى تطيب وما يحتاج كذا، ومع ذلك يصبرون، وكثير، هذا كثير جداً.

فأولياء الله إذا دعا أحدهم ربه فإن الله يستجيب له، شكا أهل الكوفة سعد بن أبي وقاص،فقالوا إنه لا يصلح لنا أميرًا، فإنه كذا وكذا، فأشكاهم عمر رضي الله عنه،فاستدعاه وقال: يا سعد إنهم قالوا إنك حتى لا تحسن أن تصلي، قال:أما أنا فإني أصلي كما رأيت رسول الله يصلي، قال: هذا الظن بك ولكن (…) ثم أرسل معه رجل يسألهم ما الذي نقمتموه على سعد، فصار يمشي عليهم ويسألهم فكلهم يثني خيرا، فجاء أهل مجلس ومعه رجل يسأله، هو ما يسأله، يسأل الذي معه، فقام هذا الرجل، فقال: فقال أما إذا سألتنا فإن سعد لا يعدل في قضية، ولا يحكم بالقضية كذا، ولا يعطي كذا، فقال سعد: اللهم إن كان عبدك هذا كاذباً قام رياءً وسمعة فأطل عمره وأكثر أولاده وأفقره وعرضه للفتن، فكان الرجل طال عمره وعمي بصره وصار يتعرض للبنات يغمزهن وهو شائب، فقد حزم حاجبيه بعمامته، فإذا قيل له قال شيخ مفتون أصابته دعوة رجل الصالح.

فيجب أن يخشي الإنسان من دعوة رجل صالح كما قال هذا الذي (…)على كل حال كون أن أولياء الله جل وعلا معروفون وهم اللذين ذكرهم الله في كتابه ولا يلزم إن أحدهم أنه إذا دعا إنه يستجاب لدعوته، لأنه الله يعلم ما يصلح عبده، فقد مثلاً يحجبه عن شيء كما جاء في الحديث أن الرجل يكون له رغبة في عمل صالح فيصرفه الله عنه لألا يقع في العجب فيهلك، فالله بصيرعليم حكيم جل وعلا.

الحديث التاسع والثلاثون

عن أبن عبارس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان ، وما استكرهوا عليه “. حديث حسن ، رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما .                                   

الشرح

 الله جل وعلا لا يؤاخذ بالخطأ والنسيان .

قوله : “الخطأ” ؛ هو الذي يكون غير مقصود.

عن أبي هريرة قال : لما أنزل [ الله ] على رسوله – صلى الله عليه وسلم – { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله.. الآية ، اشتد ذلك على أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ثم أتوا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقالوا : كلفنا من الأعمال ما نطيق : الصلاة والصيام والجهاد والصدقة ، وقد أنزل الله عليك هذه الآية ولا نطيقها ، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم – أراه قال – : سمعنا وعصينا قولوا : { سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير  }  فلما اقترأها القوم فذلت بها ألسنتهم ، أنزل الله تعالى في إثرها : { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه … } الآية كلها ، ونسخها الله تعالى فأنزل الله : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها.. } الآية إلى آخرها  . رواه مسلم

الحديث الأربعون

 عن أبن عمر رضي الله عنهما قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال : ” كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل “.

وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول :” إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح ، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء ، وخذ من صحتك لمرضك ، ومن حياتك لموتك “. رواه البخاري

الشرح

 في هذا الحديث الحث على الزهد في الدنيا ، فإن أمور الآخرة وأمور الدين كثير من الناس لا يهتم بها الاهتمام الذي يكون للدنيا ! ، وهذا من النقص ، ومن طول الأمل ، وكون الناس يتعلقون بالدنيا أكثر ويزهدون في الآخرة ، يعني : كون الزهد يكون في الآخرة والمفروض العكس ، يأتي أمر من الأمور مهم جداً ، فيه من الفضائل الشيء الذي يكون عظيماً جداً ، مثلاً الحديث الذي جاء بفضل حضور الجمعة والتبكير إليها ، وهو حديث صحيح ، حديث أويس ” رضي الله عنه ” أنه قال : قال رسول صلى الله عليه وسلم :”  من غسل واغتسل ، وبكر وابتكر ، ومشى ولم يركب ، واستمع وأنصت ، كان له بكل خطوة يخطوها عمل سنة ذاهباً وراجعاً ” ومع ذلك تجد الناس يزهدون فيه ، فتجد أن الذي يطبقه ويعمل به قليلاً جدا ، وهناك أسباب عدة لذلك  :

أولاً : استبعاد الآخرة ، وان الإنسان سيبقى في الدنيا .

ثانياً : عدم الاهتمام ، وغير ذلك ، ولهذا تجد الآمال للمستقبل كثيرة ، وكل هذا من النقص ، والأمثلة على ذلك كثيرة جداً .

فالزهد المحمود الذي يُثنى على صاحبه في شيئين فقط :

الأول : زهده في الدنيا .

الثاني : زهده في ثناء الناس عليه ، بل يكرهه ، لأنه أعرف بنفسه من الناس .

ولا يجوز الزهد في درجات الجنة ، والقرب من الله جل وعلا ، ولهذا أمر جل وعلا بالمنافسة والمسارعة في أمور الآخرة بخلاف أمور الدنيا .

ولايجوز للعبد الذي يعرف أنه سائر إلى ربه أن يضيع شيئاً من وقته بدون فائدة ، وقد جاء حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان لا تزول قدماه يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، فيسأل عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، هذا أيضًا صعب، من أين اكتسب وفيم أنفقه، ويسأل عن علمه، ويسأل عن شبابه وعمره فيما أبلاه وأفناه في ذلك، لأن الإنسان خلق لعبادة الله جل وعلا فلا يجوز أن تكون الدنيا همه ويكون مراده في هذه الحياة فقط، فإنه إن كان كذلك فقد عدل بفكره ونظره وعمله إلى غير ما قُصِد له من الخلق والإيجاد.

الحديث الحادي والأربعون

عن أبي محمد عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” لايؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به “. حديث صحيح ، رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح .

الشرح

 قوله : ” لا يؤمن أحدكم ” هذا نفي ، يعني : لايكون لشيء مستحب ، وإنما يكون لأمر واجب يُعذب الإنسان على تركه ويُلام .

قوله :” لا يؤمن “ الإيمان الواجب ، وليس معنى ذلك أن الإنسان إذا لم يكن هواه تبعاً للشرع فإنه يكون كافراً !! ولكنه يكون معرضاً لعقاب الله جل وعلا ، لأنه لم يأتِ بما يجب عليه .

قوله : ” هواه ” الهوى هو الشهوة ، وما يهواه الإنسان وتميل إليه نفسه ، فالهوى هو مايهواه الإنسان ويشتهيه وينقاد له ، فيجب ان يكون الإنسان محباً للشرع والدين محبة أكثر من محبته لما يشتهيه ، من الطعام وغيره ، فإن لم يكن كذلك ، فمعنى ذلك : أنه لم يتحل بالإيمان الكامل .

المقصود أنه لابد أن يرضى بالشرع ، وان يكون مغتبطاً به ، أما إذا كان في نفسه منه حزازات ، وعنده حرج وضيق ، ويرى أن غيره أوسع منه وأفضل ، فهذا نفى عنه الإيمان ، ولا يكون مؤمناً ، وقد جاء ما هو مثل هذا الحديث  والآيات في هذا كثيرة في كتاب الله جل وعلا ،وكلها تدل على وجوب تحكيم الشرع ، وما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم .

 الحديث الثاني والأربعون

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” قال الله تعالى :ياابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ، ياابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة “. رواه الترمذي ، وقال : حديث حسن .

الشرح

قوله : قال الله تعالى : الأصل ان هذه الصفة من صفات الله جل وعلا، وهي صفة الكلام ” يقول ، قال ” فهو يتكلم ، ويقول إذا شاء .

قوله : “يا ابن آدم “ هو خطاب لكل من يتأتى له الخطاب من بني آدم .

الاستغفار معناه : التوبة والرجوع وترك الذنب .

قوله : “ياابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة “ هذه كلها تقديرات لفضل التوحيد ، وفضل الاستغفار ، وفضل الدعاء مع الرجاء ، وهذه الثلاثة هي أسباب المغفرة .

قوله : ” لقيتني ” يقول العلماء ؛ إن كل لقاء في الكتاب والسنة يتضمن المعاينة ، ففيه دليل على رؤية الله جل وعلا .

قوله :” لقيتني لا تشرك بي شيئاً ” يعني : مات على التوحيد ، على الإخلاص مخلصاً لله جل وعلا لا يشرك بالله شيئاً .

قوله :” بقرابها ” قرابها يعني :ما يقرب من ملئها ، يعني : يتصور الإنسان أنه يأتي  بخطايا ملئ الأرض ، أو قريباً من ملئها ، هذا شيء كبير ، وهذا آخر ما يمكن تصوره ، لو قدر أن هذا يقع ، فإذا أتيت بهذا المقدار ، ثم عبدت الله جل وعلا ، وأخلصت له ولقيته مخلصاً ، لمحيت هذه كلها وجاءك الله – جل وعلا – بقراب الأرض مغفرة .

وقوله : لأتيتك بقرابها مغفرة “ يعني : تكون المغفرة أكثر من ذلك ، والمغفرة معناها مأخوذة من الغفر وهو الستر مع الوقاية ، ومنها المِغفر الذي يوضع على الرأس عند الحرب يقيه من ضرب السلاح .

وهذا دليل واضح على فضل التوحيد ، وأنه يكفر الذنوب ، ويدل هذا على الإنسان يختم له بآخر الأعمال .

 الحديث الثالث والأربعون

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا أَبْقَت الْفَرَائِضُ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ.

أخرجه البخاري، ومسلم.

الشرح

 هذا الحديث لم يذكره النووي ” رحمه الله “،  جمع النووي ” رحمه الله ” انتهى بالحديث السابق.

وإنما هذا مما زاده ابن رجب ” رحمه الله ” في الأربعين؛ لأنه جعلها خمسين حديثاً وهو من جوامع الكلم .

وقد اختلف في قوله: ألحقوا الفرائض بأهلها ما المقصود بالفرائض؟ هل المقصود أصحاب الأنصبة المحددة مثل النصف والثلث والثلثين والربع والسدس والثمن؟ أو أن المقصود كل من ذكر الله جل وعلى أنه يرث؟

خلاف بين العلماء هل المقصود هذا أو هذا، فإذا كان الأول فمعنى ذلك أن المقصود أن يعطي أصحاب الفروض الذين فرض لهم أشياء من الميراث محدده، ثم بعد ذلك يكون للعصبة، وأولى رجل ذكر، يعني أقرب رجل للميت من جهة النسب،فهو يأخذ الباقي أو يأخذ المال إذا لم يكن هناك فروض .

والفروض التي ذكرها الله جل وعلا في كتابه هي ستة كما هو المعلوم، هذا علم، علم الفرائض مستقل له كتب وله مسائل محددة وقد جاء الحث على تعلمه، وهو علم ينسى، فقد جاء إنه أول علم يفقد من الأرض حتى لا يجد الإنسان من يقسم له فريضته.

ومعلوم أن هذه الفرائض التي ذكرها الله جل وعلا يجب أن تتبع؛ لأنه هو الذي تولى ذكرها فلا يجوز تعدي ذلك.

فأخبر جل وعلا:{لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ}[النساء:7].

ثم بين هذه الأنصبة وحددها،   هذا شرح للمجمل في ذلك.

 الحديث الرابع والأربعون

 عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ” الرَّضَاعَةُ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ”. خرجه البخاري، ومسلم.

الشرح

 قوله : (الرَّضَاعَةُ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ)، وفي رواية: (يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب)، هذا أيضاً من جوامع الكلم،

والرجل تحرم عليه أصوله وفروعه، الأصول وإن علت، وكذلك فروعه وإن نزلت، وكذلك حواشيه القريبة، مثل: الأخ ابن الأخ والأخت وبنتها وإن نزلت، أما الحواشي البعيدة مثل العمة والخالة فهذه لا تحرم.

فالرضاع له حكم الولادة الرضاعة، ولكن لابد أن تكون الرضاعة في الصغر، وأن تكون خمس رضعات فأكثر.

الرضعة: هي كون الطفل يمسك الثدي ثم يتركه بنفسه، يعني هو الذي يتركه هذه تحسب رضعة.

فإذا حصل خمس مرات في هذا ثبتت الحرمة فكانت المرضعة أماً للطفل وبناتها أخوات له وأخواتها خالات له وهكذا كما في النسب تماماً.

قوله صلى الله عليه وسلم: (يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب)، وفي هذا الحديث:(وتحرم الرضاعة ما تحرمه الولادة)، يعني بالنسب، والمحرمات بالنسب كما هو معلوم سابقاً، والمصاهرة كذلك تكون ملحقة بالنسب؛ لأنها تكون أيضاً من نسب كزوجة الإبن، وكذلك أم الزوجة، وجدتها وإن علت، وهذه الأمور يجب على المسلم أن يعرفها حتى لا يقع في المحرم.

 الحديث الخامس والأربعون

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ يَقُولُ: “إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهَا يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: لَا، هُوَ حَرَامٌ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ ذَلِكَ: قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْهِم الشُحُومَ، فَجْمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ”. خرجه البخاري، ومسلم.

الشرح

 هذا الحديث أيضاً من جوامع الكلم،فالرسول صلى الله عليه وسلم بين المحرمات وهذا تفصيل لما ذكر الله جل وعلا في كتابه في قوله:{قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ به}[الأنعام:145]، فهذا أجمل ذلك.

المقصود بدماً مسفوحاً: يعني الدم الذي يكون مهراقاً، وليس الدم الذي يكون في اللحم،لأن المسفوح هو الذي يجري، الذي يكون في العروق.

وهنا لما ذكر أن الميتة محرمة وهي أيضاً مذكورة في سورة المائدة: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ}[المائدة:3]، إلى أخرها، سئل صلى الله عليه وسلم عن الشحم، لأن الشحم قد ينتفع به تدهن به الجلود بدون يعني أكل وبدون مباشرة، وقد تدهن به السفن، لأن خشب السفن إذا طلي بالودك) يكون مقاومة للماء ويكون أقوى لها، وكذلك يستصبح بها الناس.

 الاستصباح معناه الاستنارة، يعني يضعونه في السرج يستضيئون به،فهو الاستصباح يعني:يضعونه في المصباح الذي يكون ينور في الليل.

فقال: لا، هي حرام، أخبر أن الله جل وعلا إذا حرم الشيء حرم الانتفاع به، ومن ذلك البيع، فلا يجوز بيع المحرم.

قوله :(قاتل الله اليهود)، معنى قاتل اليهود يعني لعنهم، حينما حرمت عليهم الشحوم فجملوها يعني أذابوها ثم باعوها وأكلوا ثمنها، فهذا هو محرم وهو من الحيل، وهم أصحاب حيل يتحيلون على المحرم، كما ذكر الله جل وعلا عنهم في قضية الحوت،لما حرم الله عليهم صيدها يوم السبت تحيلوا فوضعوا الشبابيك يوم السبت في البحر فأمسكت الأسماك فتركوها حتى خرج اليوم جاء يوم الأحد فأخذوها،وقالوا إننا لم نصد إلا يوم الأحد، عند ذلك أهلكهم الله جلا وعلا عاقبهم عقاب شديد بأن مسخهم قردة وخنازير نسأل الله العافية،لأن الحيلة هذه هذا المناسب لها.

ومن ذلك ما يصنعه أيضا كثير من المسلمين للأسف من التحايل على المحرم،لأنه يدخل في هذا، كل بيع قد يكون صورته جائزة ولكن حقيقته إنها محرمة، كأن مثلا  إنسان يريد يحتاج إلى نقود، ولا بد الناس ما يبذلون أموالهم إلا بمقابل، فيأتي إلى من عنده النقود فيتحيلون، فيقول أبيع لك سيارة أو أبيع عليك طعام والا أبيع عليك قماش، وليست عنده فيذهب ويشتريها حتى يأخذ نقوده ويقول أبيعها عليك بكذا يعني بزائد مقابل الأجل، هذه حيلة.

لأن المقصود نقود بنقود وهذه السلعة التي وضعت بينهم حيلة على أخذ النقود والله لا يخفى عليه شيء، فلو أتوا بالأمر على وجهه لكان أسهل من التحيل، فالمقصود أن كل تحيل على الحرام فهو حرام، لا يجوز أن يتعاطى الإنسان ذلك.

وقد عرف في سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم أن أكل الحرام أنه يمنع قبول العمل كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين).

فقال جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}[المؤمنون:51].

وقال جل وعلا يعني بالنسبة للمؤمنين:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}[البقرة:172].

ثم ذكر الرجل الذي يطيل السفر أشعث رأسه مغبرة قدماه يرفع يديه إلى لسماء ويقول يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه بالحرام فأنى يستجاب له! فقوله أنا يستجاب له؛ يعني بعيد أن يستجاب له؛ لأنه يأكل الحرام ويشربه ويلبس الحرام، فأكله أكل الحرام وشربه ولبسه يمنع قبول العمل.

لهذا يجب على المسلم أن يحرص على أن يكون مطعمه حلال وكذلك مشربه وملبسه، وكذلك النفقة التي تنفق في العبادة كنفقة الحج مثلاً فإنها يجب أن تكون حلال، فإذا حج الإنسان بمال حرام فحجة غير مقبول فهو مردود، فالله جل وعلا وسع على عباده في الأرزاق وفي الحلال والمحرم حرم للمضرة، لمضرته حرمة الله جل وعلا لأنه مضر بالعباد وليس بخلاً عليهم تعالى الله وتقدس.

وقوله :(قاتل اليهود …) ، يدل على إبطال الحيل وأنه لا يجوز للمسلم أن يتحيلعلى أكل المحرم بأن يأتي على قضايا صور ظاهرها أنها جائزة في الواقع محرمة، والله جل وعلا ينظر إلي القلوب لا إلي الصور ولا يخفي عليه نية متصرف فهو يعلم نياتهم ويعلم مقاصدهم فيجب أن تكون النية خالصة صالحة، وأن يكون الإنسان مقصده طاعة لله جل وعلا.

فإذا وقع الإنسان في مثل هذه الأشياء المحرمة وهو لا يدري يجب أن يتوب ويستغفر، لأن الله جل وعلا يقول في آكل الربا: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}[البقرة:275]، نسأل الله العافية .

وقوله: له ما سلف: يعني أنه يعفي عنه ما سلف.

وأمره إلى الله، الله جل وعلا هو الذي يتولى حسابه.

 الحديث السادس والأربعون

عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رضى الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ، فَسَأَلَهُ عَنْ أَشْرِبَةٍ تُصْنَعُ بِهَا، فَقَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: الْبِتْعُ وَالْمِزْرُ، فَقِيلَ لِأَبِي بُرْدَةَ: مَا الْبِتْعُ؟ قَالَ: نَبِيذُ الْعَسَلِ، وَالْمِزْرُ نَبِيذُ الشَّعِيرِ، فَقَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَام”ٌ .خرجه البخاري.

الشرح

 المقصود قوله صلى الله عليه وسلم: (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَام)، فهذا من جوامع الكلم.

والإسكار: هو ذهاب العقل.

وقد جاء في سنن أبي داوود عن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن كل مُسْكر ومُفتر.

المفتر: الذي يفتر البدن، وقد يفتر العقل.

فالله جل وعلا من على العباد بالعقول التي يستدلون بها على معرفة الله جل وعلا وعلىدفع الضار وجلب النافع، فهو نعمة من الله، ومن السفه كون الإنسان يذهب إلي إزالة عقله فيصبح كالبهيمة أو كالمجنون.

ولهذا حرم المسكر، لأنه المسكر كل ما غطى العقل وذهب بتمييزه، وقد يكون له مبادئ، الأصل فيه أنه يكون من التمر و من العنب.

وقد اتفق العلماء على تحريم كل مسكر سواء كان من التمر أو من العنب أو من الزبيب أو من الشعير أو من الذرة أو من أي مطعوم، وسواء إن كان سائلاً أو جامداً أو كان يتعاطى بالشم أو الأكل أو غير ذلك، فالضابط فيه أنه إذا كان يذهب بالعقل فهو حرام، كما قال صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث:(كل مسكر حرام).

وكذلك إذا كان كثيره يسكر فقليله محرم.

وقد اختلف العلماء في الشيءالمفتر الذي جاء في هذا الحديث:( كل مفتر)، لأن التفتير قد يأتي بدون لذة قد مثلا يزيل العقل ولا يكون له لذه ولا النفس تريد وتميل إليه بل تكرهه، مثل البنج فإذا كان هذا يتعاطى لأجل التداوي فيقول العلماء لابأس بهذا.

أما إذا كان لغير التداوي فإنه لا يجوز، لا يجوز أن يزول عقل الإنسان عن ذكر الله ومعرفته ولو لفترة بسيطة ، يعني: قليلة.

فالله جل وعلا من على عباده بالعقول وحماها فهذا من حماية العقول، وهو من الأمور الضرورية التي يجب أن تُحمي شرعاً وعقلاً ووضعاً ودينناً، فلهذا جاءت الشريعة بتحريم ذلك، فهي حماية لعقل الإنسان حتى لا يكون غافلًا عن عبادة ربه، أوأنه يدخل في أمور لا يجوز فعلها.

لهذا إذا ارتكب الإنسان هذا الأمر وسكر فإنها تحسب عليه الأعمال التي يفعلها وهو في سكره، مثل: الطلاق، ومثل: التعدي على أحد، إتلاف مال، وما أشبه ذلك، كلها يكون لازمة له لأنه فعل شيء لم يأذن به شرعا، فكل من فعل شيء لم يأذن به شرعاً فإنه يعاقب بذلك على القاعدة التي ذكرها العلماء.

 

الحديث السابع والأربعون

عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ معد يكرب قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: “مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍه، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ، فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ” .

رَوَاهُ الإمام أَحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، والنسائي وابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ .

الشرح

 

هذا الحديث يدخل في باب صحة الأبدان وحمايتها،وهو الطب الذي يأتي به الوحي هو الذي يتيقن فائدته وعائدته، أما طب الأطباء فهو مبني إما على التجارب،وإما عن الظنون، أما هذا فهو أمر يقيني، لأنه بالوحي.

وقوله: ما ملأ آدمي وعاء شر ..وعاء ملأه الإنسان ابن أدم هو بطنه؛ لأنه ملأه يترتب عليه أضرار عقلية وأضرار بدنية، لهذا قال:( بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ لقيمات أو أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ).

يعني أنه أمر ضروري مؤقت فيأخذ الشيء الذي لا بد منه حتى يقوم قوته وصحته أما أن يجلس على الطعام ويملأ بطنه فهذا لا يجوز له؛ لأنه يعود عليه بضرر البدن وهدمه وكذلك يعود عليه (بكذلك) إقساء القلب وقسوته وغفلته وأضراره كثيرة جداً؛ ولهذا يقولون بيت الداء المعدة، فيجب أن يخفف في الأطعمة كما ذكر.

ولهذا قال: فإن كان لا بد … فيكون الأمر أثلاث؛ يعني يكون للمعدة الأكل له الثلث والشراب ثلث والنفس ثلث، وهذا هو أعدل الأشياء في الأكل وأحسنها،فالرسول صلى الله عليه وسلم في هذا ذكر ذلك لأنه مصلحة البدن ومصلحة الدين وإقامته واستقامته  استقامة القلب على ذلك.

 

الحديث الثامن والأربعون

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا، وَإِنْ كَانَتْ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ فِيهِ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: مَنْ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وإذَا خَاصَمَ فَجَرَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ”.

أخرجه البخاري، ومسلم.

الشرح

 أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خالصاً، ومن كَانَتْ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ فِيهِ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا.

النفاق: معناه إظهار الخير وإبطان الشر وإن شئت قلت إظهار الإيمان وإبطان الكفر، أو إظهار الموافقة وإبطان المخالفة.

والموافقة التي تكون للشرع وليس لكل واحد،وقد يكون هذا أيضاً في الدنيا من أمور الدنيا وشئونها، والنفاق ينقسم إلي قسمين نفاق عملي؛ وهو المذكور هنا في هذا الحديث، ونفاق اعتقادي،فالنفاق الاعتقادي لا ينفع معه عمل وصاحبه في الدرك الأسفل من النار نسأل الله العافية .

كما ذكر الله جل وعلا ذلك عن المنافقين {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا}[النساء:142]،والنفاق الاعتقادي ستة أقسام، والنفاق العملي خمسة أقسام ذكر أربعة منها والخامس جاء في حديث آخر.

فأولها: هنا كما قال هنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وإذَا خَاصَمَ فَجَرَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ)، فهذه خصال من النفاق ومن أخلاق المنافقين، من أخلاق المنافقين، ولهذا يقول من كانت فيه هذه الخصال اجتمعت فهو منافقاً خالصاً، يعني أنها لاتجتمع إلا في منافق النفاق الاعتقادي، فإذا اجتمعت فيه ففيه النفاق الاعتقادي.

وإذا كان فيه خصلة منهن فهو مسلم ولكن فيه خصلة من النفاق، فإذا تركها واجتنبها كان مؤمن خالص أما إذا كانت فيه وهذا أمر معلوم على أصل أهل السنة، لأن عندهم حسب النصوص التي جاءت أن الإنسان يقوم به إيمان ويقوم به الكفر، ويقوم به إخلاص ويقوم به نفاق، وهو لما غلب عليه.

فهذا أمر يجده الإنسان في الناس وقد يجده من نفسه، وهو ظاهر لاإشكال فيه بخلاف أهل البدع الذين يقول مثلاً إذا إنسان أرتكب كبيرة من الكبائر فهو كافر خرج من الدين الإسلامي، هذه من البدع التي حدثت ولازال المسلمون يعانون أشياء من هذه البدع .

فقوله صلى الله عليه وسلم: (وَإِنْ كَانَتْ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ فِيهِ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ) وإذا كانت كلهن في الرجل فهو منافق خالص حتى يدع ذلك.

قوله : إذا حدث كذب، الكذب لا يجوز أن يكون في لمؤمن فالمؤمن لا يجوز أن يكذب ولا يجوز فيه شيء من الكذب في حال من الأحوال إلا في ثلاث مسائل رخص فيها الرسول صلى الله عليه وسلم والواقع ليست كذب صريح وإنما هي معاريض، مثل:

إصلاح ذات البين أن يكون في بين الناس خصومة ويكون فيه شر فيأتي رجل ويقول فلان الذي تخاصمت معه ما يكرهك بل يود لك الخير وكذا ويذكر من هذا الكلام أنه كذا وكذا، فهذا جائز لأنه إصلاح، وإن كان الواقع على خلافه.

والخصلة الثانية: ما يكون بين الرجل وبين زوجه إذا كان حصل (… ) لأن إصلاح الزوج مع زوجه أمر مطلوباً شرعاً ، والمفارقة لاتأتي إلا بشر الغالب إنها لا تأتي إلا بشر؛ فلهذا يجب أن تعالج ولهذا أبيح أنه يعني يكذب عليها أو تكذب عليه بالشيء الذي فيه إصلاح الحال.

والخصلة الثالثة: في الحرب لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول:(الحرب خدعة)،والواقع أن الأمور التي وقعت من الرسول صلى الله عليه وسلم كلها أمور من باب التورية من باب التورية والمعاريض؛ ولهذا جاء في الحديث إن المعاريض لممدوحة عن الكذب،فكان رسول الله صلوات الله عليه وسلامه عليه إذا أراد أن يغزو إلي جهة من الجهات  صار يسأل عن الجهة الأخرى حتى يخيل للسامع إنه يريد إلي تلك الجهة، أما أن يأتي صريح يقول أبذهب إلي هنا لا، لم يأت.

ومثل ذلك قصتة لما ذهب إلي غزوة بدر أنه ذهب هو وأبي بكر يتطلع أخبار المشركين فوجد رجل من المشركين فسأله قال هل سمعت عن قريش فقال نعم ولكن لن أخبركم حتى تخبراني مِن مَن أنتما؟، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أخبرتنا أخبرناك، فلما أخذ خبره قال:مِن مَن أنتما؟، قال: نحن من ماء نحن من ماء، هذا من باب التوريه فمشى وتركه.

لهذا سئل صلى الله عليه وسلم هل يكذب المؤمن؟، قال: لا، قال أيزني؟ قال نعم،لأنه يجوز أن يقع في الزنا ولكن يتوب ويرجع يستغفر أما الكذب لا خير فيه ولا مصلحة فيه أصلاً.

قوله : ” إذا واعد اخلف ” إخلاف الوعد، إذا وعدت أحداً يجب عليك أن تفي به فإخلاف الوعد من صفات النفاق، فالوعد عهد يُسأل، ومثل ذلك الفجور في المخاصمة، يعني الكذب فيه في الخصام، المخاصمة التي تكون عند مقاطع الحقوق، فإنسان مثلا يكون خصماً لأخر ثم يتعمد الفجور بأن يحلف وهو على غير صدق بل هو كاذب فهذا أيضاً من خصال النفاق.

قوله : إذا اؤتمن خان “ الخيانة أيضاً فهي أيضاً من خصال النفاق،وإذا اؤتمن خان وكذلك الغدر فهذه أمر خمسة، إذا عاهد غدر هذه خصال النفاق العملي أما النفاق الاعتقادي فهو أمر فظيع وعظيم جداً.

منه بغض الرسول صلى الله عليه وسلم، إذا أبغض الإنسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو في الدرك الأسفل من النار ولا يكون مؤمناً أصلاً، لأن محبته يجب أن تكون مقدمة على محبة النفوس والأولاد وكل أحد، أو بغض دينه؛ أن يبغض الدين الإسلامي،إذا أبغضه فهو يكون منافق النفاق الخالص النفاق الاعتقادي، أو بغض بعض دينه بعض الشيء الذي جاء به، كأن يكون شيء لا يناسبه ثم يقول هذا ما يصلح ويبغضه.

مثل أن يكون الله جل وعلا أباح للرجل أن يتزوج أربع زوجات فيقول هذا كما يقول بعض الهالكين هذا جور وهذا لا يجوز، خلاف المدنية خلاف العدل، فهذا لا يكون إلا من منافق نفاق اعتقادي، يكون صاحبه في جهنم نسأل الله العافية .

وكذلك أن يفرح إذا انتصر أعداء الرسول عليه أو انتصروا على دينه، فيفرح إذا انخفض دينه وهضم، أو يفرح إذا علا الكفر انتصر الكفر،فهذه كلها من خصال النفاق الاعتقادي التي يكون صاحبها في الدرك الأسفل من النار نسأل الله العافية.

فيجب أن يسأل الإنسان يقول: اللهم طهر قلوبنا من النفاق وأعمالنا من الرياء وألسنتنا من الكذب، فإنه جل وعلا لا يخفى عليه شيء.

 الحديث التاسع والأربعون

عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: “لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزَقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا”.

رَوَاهُ الإمام أَحْمَد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وابْنُ حِبَّانَ في صحيحه، وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حديث حَسَنٌ صَحِيحٌ.

الشرح

 التوكل من الفرائض التي لا بد منها؛ ولهذا يقول جل وعلا: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ}[المائدة:23]،فجعل الإيمان من شرطه التوكل.

والتوكل: هو اعتماد القلب على الله بعد فعل الأسباب وليس تعطيل الأسباب من التوكل،بل لابد أن تفعل السبب لأن الله جعل لكل شيء سببا.

ولهذا قال يرزقكم لو (توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا).

 الغدو: هو  الذهاب أول النهار.

يعني أنها تذهب من أوكارها ليس في حناجرها شيء ثم تروح إلي أماكنها في أخر النهار قد امتلأت حناجرها من رزق الله،أثبت لها الرواح والغدو هذا عمل يعني لا بد من العمل، الإنسان لا يجوز أن يتصور أن التوكل ترك السبب وترك العمل بل هو فعل السبب، ثم اعتماد القلب على الله في حصول ذلك، ولا يعتمد على السبب فالاعتماد على السبب شرك وتعطيله قدح في العقل والشرع، تعطيل السبب، فيجب أن يكون الإنسان ممتثل لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم ومقتضياً بما يرشد إليه و يدل عليه يدل على الأمة على الحق الواضح الجلي في مثل هذا.

وكثير من الناس يجعل (العجز) توكلا، هذا الشرع برئ منه فالتوكل لابد المتوكل يفعل أن السبب، كما أشار في هذا الحديث إليه بفعل الطير وغيره، والرسول صلى الله عليه وسلم هو أفضل المتوكلين، ولهذا كان يستعد للحرب ويأخذ اهبته (ويعبئ) اصحابه ويأخذ حذره وقد أمر الله جل وعلا بذلك قال: {خُذُوا حِذْرَكُمْ}[النساء:71]، حتى أمر أن نأخذ الأسلحة في الصلاة ونحن نصلي، فالعلماء يقولون: لو صلى وهوغير حامل للسلاح مع الحاجة إليه لا تصح صلاته لأمر الله جل وعلا بذلك، فهذا معناه أنه لا بد من فعل السبب والقيام به، ولكن السبب ينقسم إلى قسمين:

الأول : سبب مشروع شرعه الله جل وعلا وأمر به .

الثاني : سبب محرم، فالمحرم ليس من الشرع ولا يفعله.

 الحديث الخمسون

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ قَالَ: “أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رجلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيْنَا، فَبَابٌ نَتَمَسَّكُ بِهِ جَامِعٌ؟ قَالَ: لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ”. أخرجه الإمام أحمد بهذا اللفظ.

الشرح

 هذه من وصية الرسول صلى الله عليه وسلم وهي وصية جامعة:(لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)، يعني: أنك لا تغفل عن ذكر الله دائماً سواء قائماً أو جالساً أو سائراً أو نائما على كل حال، فذكر الله يكون على كل حال؛ ولهذا أثني الله على الذاكرين الله جل وعلا قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم فهم الذين يذكرون الله على هذه الحالات فهم من عباد الله الذين يثني الله جل وعلا عليهم.

ثم ذِكر الله يدخل فيه قراءة القرآن ويدخل فيه التسبيح والتكبير والتحميد والتهليل، ويدخل فيه طلب العلم ومذاكرته بل هو أفضلها أفضل ذكر الله جل وعلا مذاكرة العلوم فيجب أن يكون الإنسان العلوم الشرعية التي يقصد بها وجه الله جل وعلا،ما هو كل علم، والعلوم الأخرى تكون تبع للعلوم الشرعية.

لأن هناك علوم ضرورية مثل علم الطب علم الزراعة علم الصناعة هذا إذا قُصد به تقوية المسلمين وغناهم عن الكافرين، فهو من أفضل الأعمال ويكون من ذكر الله جل وعلا.

فالواجب أن تكون النيات في مثل هذا صالحة وتكون خالصة لله جل وعلا، نسأل الله بأسمائه الحسني وصفاته العليا أن يجعلنا من الذاكرين له كثيرا المخلصين في ذكرهم وعملهم الذين يريدون وجه الله.

 

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد.