التبصير في معالم الدين

تأليف

الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري

” رحمه الله “

 شرح فضيلة الشيخ العلامة

عبدالله بن محمد الغنيمان

غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين

 اعتنى به

عبدالعزيز بن حمود بن عبدالرحمن البليهي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله الذي تتابعت على خلقه نعمه ، وترادفت لديهم مننه ، وتكاملت فيهم حججه ، بواضح البيان ، وبين البرهان ، ومحكم آي الفرقان : { ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب }.

وصلى الله على سيد الأصفياء ، وخاتم الأنبياء محمد وآله وسلم كثيراً .

قال أبو جعفر : ثم أما بعد :

ذلكم معاشر حملة الآثار ونقلة سنن الأخبار من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان ، من أهل آمل طبرستان فإنكم سألتموني تبصيركم سبل الرشاد في القول فيما تنازعت فيه أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من بعد فراقه إياهم ، واختلفت فيه بعده من أمر دينهم ، مع اجتماع كلمة جميعهم على أن ربهم تعالى ذكره واحد ، وبينهم محمد صلى الله عليه وسلم صادق ، وقبلهم واحدة .

وقلتم : قد كثرت الأهواء ، وتشتت الآراء ، وتنابز الناس بالألقاب ، وتعادوا فتباغضوا وافترقوا، وقد أمرهم الله تعالى ذكره ونهاهم عن الفرقة ، فقال جل ذكره في محكم كتابه : { ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون * واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون * ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون * ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم }.

وقال تعالى  ذكره : { شرع لكم من الدين ماوصى به نوحاً والذي أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تفرقوا فيه }.

وقلتم : هذا كتاب الله المنزل وتنزيله المحكم ، يأمر بالائتلاف ، وينهى عن الاختلاف ، وقد خالف ذلك من قد علمتم من الأمة ، فكفر بعضهم بعضاً ، وتبرأ بعض من بعض ، وكل حزب يدلي بحجة لما يظهر من اعتقاده، فيلعن – على القول بخلافه فيه- من خالفه ، ولاسيما في زماننا هذا وبلدتنا هذه ، فإن المصدور عن قوله فيهم ، والمأخوذ معالم الدين عنه منهم الأجهل ، والمقنوع برأيه وعلمه في نوازل الحلال والحرام وشرائع الإسلام عندهم الأسفه الأرذل .

فالمسترشد منهم حائر تزيده الليالي والأيام على طول استرشاده إياهم خيرة ، والمستهدي منهم إلى الحق فيهم تائه ، يتردد على كل الدهور باستهدائه إياهم في ظلمة لا يتبين حقاً من باطن ، ولا صواباً من خطا .  

وسألتموني إيضاح قصد السبيل ، وتبيين هذي الطريق لكم في ذلك بواضح من القول وجيز، وبين من البرهان بليغ ، ليكون ذلك لكم إماماً في القول فيما اشتجر فيه الماضون تأتمون به ، وعماداً تعتمدون عليه فيما تبتغونه من معرفة صحة القول في الحوادث والنوائب فيما يختلف فيه الغابرون .

وإن مسألتكم إياي صادفت مني فيكم تحرياً ، ووافقت مني لكم احتساباً ، لما صح عندي ، وتقرر لدي من خصوص عظيم البلاء ببلدكم دون بلاد الناس سواكم من ترؤس الرويبضة فيكم ، واستعلاء أعلام الفجرة عليكم وإعلانهم صريح الكفر جهرة بينكم ، وإصغاء عوامكم لهم ، وترك وزعتكم إلحاقهم بنظائرهم بقتلهم ثم صلبهم والتمثيل بهم ..

 (الشرح)

بسم الله الرحمن الرحيم ، نحمد الله ونستعينه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحابته وسلم تسليما كثيرا , وبعد:

… نحتاج إلى النظر والتدقيق فيما يقوله المتكلمون, لكن إتباع الشطحات وإتباع مالا يدل عليه كتاب ولا سنة يؤول إلى الحيرة أو إلى الضلال البين الواضح, ولهذا أمر الله جل وعلا بإتباع كتابه, وحذر من التفرق في ذلك, أولا بتقوى الله جل وعلا تقواه بامتثال أمره واجتناب نهيه, وحذر رسول الله r من الأهواء وإتباعها والفتن التي يأت بها من خذله الله جل وعلا أو من أراد إفساد عقائد الناس, ولهذا يقول جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }[آل عمران:102], حق تقاته كما يقول بن مسعود t: أن يطاع فلا يعصى وأن يذكر فلا ينسى, وقوله: ” وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ” لأن الإنسان (…) عمره فإذا أضاع عمره في قيل وقال وفي الأمور التي ليس فيها يقين ولا علم من الله جل وعلا فسوف (تحتوشه) الشياطين وتلقيه في كل واد, ثم المصير إلى جهنم نسأل الله العافية.

وقوله : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } وحبل الله: هو كتابه الذي أنزله حاكما بين عباده ودالا لهم على الهدى وسعادة الدنيا والآخرة وجعله آخذا يعصي الضلال ومن الانحرافات بشرط أن يفهمه الإنسان ويتبعه, والواضح لا خفاء فيه ولم يكن محتاجا إلى قول المتكلمين أو (تسويقاتهم)ومن أكبر النعم التي أنعمها على عباده, وتولى حفظه فأصبح لا يتطرق إليه تحريف أو تبديل كما وقع للكتب السابقة, فنعمة الله جل وعلا العظيمة في إرسال رسوله r وبإنزاله هذا القرآن.

قوله : {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} مضى على الأنصار أكثر من مائة سنة وهم يتقاتلون, وبلدهم واحد ولغتهم واحده وأصلهم واحد وأبناء رجل واحد, فلم تجمع بينهم هذه الأمور فلما جاءهم هذا الدين وهذا الهدى صار أحدهم يؤثر أخاه على نفسه وأصبحوا إخوانا متآلفة قلوبهم, ولا يمكن اجتماع الأمة إلا على هذا الكتاب الذي اجتمع عليه الأولون, فإن تركوه وأخذوا بآراء الناس المختلفة ضاعوا وضاع (علمهم), وعلمهم يصبح وبالا عليهم, ويكون على حفرة من النار يحتاجون إلى من ينقذهم منها ولا إنقاذ لهم منها إلا بالرجوع إلى كتاب الله جل وعلا, فلا عذر لأحد يختلف بعد ما أنزل الله جل وعلا هذا الكتاب وبينه فهو واضح وجلي وآياته من أوضح ما يكون, ولهذا امتن الله جل وعلا علينا بذلك وأخبرنا أن قبل وجود هذا الكتاب أنهم يصيرون إلى جهنم وأنه لا هدى إلا به, وهو جل وعلا بين آياته ووضحها فأصبح لا عذر لمن خالف في ذلك واتبع أقوال الناس وأهواءهم.

والمقصود أن الإمام أبو جعفر” رحمه الله ” لما سئل عن هذه المسائل كان عنده علم بما يدور عند هؤلاء وليس هذا خاصا بهم, فهو منتشر في الأمة, وسببه أقام به أهل الضلال من الجهم بن صفوان وغيره فتشعبت الطرق هذا جهمي وهذا معتزلي وهذا كلابي  وهذا أشعري وهذا كرامي إلى (آخره), كل ذلك ضلال وتفرق في الأمة, وصاروا يأتون بأشياء لا تعرف ثم يجعلونها دين, والله جل وعلا وضح دينه دين محمد r فترك الناس على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك, وكتاب الله جل وعلا محكم بين واضح ولكن يجب على الإنسان أن يتفهمه ولا يتفهم كلام المخالفين له أو ينظر إليه ويلتفت إليهم لأنه ضلال ولا يجتمع الضلال مع الهدى, ثم من جراء الاختلاف التفرق والتلاعن ثم التدابر ثم القتال, ثم يصبحون بأيدي أعدائهم يتصرفون فيهم كما يشاؤون, كما هو واقع الآن في الأمة الإسلامية؛ دويلات وحدود واتجاهات مختلفة فأصبحوا في أيدي الكفار يتلاعبون فيهم كيف يشاؤون, يستغلون خيرات بلادهم ويفرقون بينهم ويصرفوهم عن دينهم بالوسائل التي استحدثوها وبغيرها, وكل ذلك بديلا عن اعراضهم عن كتاب ربهم جل وعلا الذي أمرهم بالاجتماع والاعتصام به وعدم التفرق, فلما خالفوا عاقبهم الله جل وعلا بما هو الواقع الذي لا يحسدهم عليه حتى أعدائهم نسأل الله العافية.

فذكره من أن إيضاح السبيل وقصد الهدى أنه لا بد أن يكون بما جاء به المصطفى r.

المقدمة هذه تدل على تأثره فيما بلغ بأهل بلده من التفرق ومن الجهل وإذا مثلا حصل الجهل تزعم القوم جاهلهم وأهل البدع ضلوا ضلالا بعيدا, ويصبح إرجاعهم إلى الدين صعب .

 وقوله رحمه الله : حتى لقد بلغني عن جماعة منهم أن الأمنية بينكم بلغت بهم ، والجرأة عليكم حملتهم على إظهار نوع من الكفر لا يعلم أنه دان به يهودي ، ولانصراني ، ولا مجوسي ، ولا وثني ، ولا زنديق ولا ثنوي ، ولا جنس من أجناس أهل الكفر سواهم ، وهو أن أحدهم – فيما ذكر لي – يخط بيده في التراب اسم الله ، ويكتب بيده نحوه على اللوح ، أو ينطق بلسانه ، ثم يقول : ” قولي هذا الذي قلته ربي الذي اعبده ، وكتابي هذا الذي كتبته : خالقي الذي خلقني ” .

ويزعم أن علته في صحة القول بذلك أن أبا زرعة وأبا حاتم الرازيين قالا : ” الاسم هو المسمى ” .

 (الشرح)

قوله : حتى لقد بلغني عن جماعة منهم أن الأمنية بينكم بلغت بهم ، والجرأة عليكم حملتهم على إظهار نوع من الكفر..  ان هذا كفر ما سبقوا إليه لا من اليهود والنصارى ولا من المجوس ولا من غيرهم, ولا زندقة الثانوية الذين يعبدون اثنين, وقيل ان هذا يقول الانسان مثلا يكتب الكتاب ويقول هذا ربي هذا معبودي ويخطه بيده وما أشبه ذلك ويزعم أن هذا معنى قولهم: الاسم هو المسمى, مع أن هذه (..) من البدع والضلالات التي لم تأت لا عن الصحابة ولا أتباعهم فضلا أن تكون في كتاب الله جل وعلا وسنة الرسول r, فإن هذا من الفضول, من فضول الكلام البدعي, وقد قال الله جل وعلا لنا: { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[الأعراف:180], قال:”وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى” الأسماء للمسمى, فأمرنا أن ندعوه بها كما في كتابه جل وعلا وضح ذلك فالأمر واضح وجلي لا يحتاج إلى فلان وفلان, يقول: {اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}[سورة الإخلاص],ولكن الذي يتبع كلام المتكلمين يعمى ويكون عقابه أن يحار أو أن يضل كما قال الله جل وعلا: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}[الصف:5], {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ}[الأنعام:110], فهذه سنة الله جل وعلا في عباده إذا الإنسان الحق لأول وهلة أصبح الحق مكروها لديه والباطل محبوبا مراده, فهذا عقاب من أبلغ العقاب نسأل الله العافية, الإنسان إذا عمى الله قلبه فهو يسير إلى الهاوية, هذه المسألة ما عرفها التابعون ولا عرفها من هو أفضل منهم من الصحابة ولا وجود لها في كتاب الله جل وعلا, فكيف يكون هذا سبب التفرق, مسائل مبتدعة لا دليل عليها لا من كتاب ولا من سنة, ثم تصير هي الأصل في الدين كما يقول هذا الذي يذكر أنه يخطه بيده ويقول هذا الخط هو معبودي وهو ربي لهذا يقول أن هؤلاء يجب أن يقتلوا ويصلبوا وينكل بهم ويكونوا نكالا لمن عنده اعتبار.

وقوله: ويزعم أن علته في صحة القول في ذلك أن أبا زرعة وأبا حاتم الرازيين قالا الاسم هو المسمى, يكون الاسم هو الخط والمسمى هو الخط الذي يخط!

الاسم وضع ليدل على المسمى وليس هو المسمى ولا غير المسمى ولكن يقول هذا كله من الفضول, إذا جهل الإنسان هذا الشيء غاية الجهل ولا يعرف منه شيئا البته ما يضره, بل قد يكون خيرا له لأن جهل البدع خير من علمها وأشر الأمور بدائعها وضلالاتها, هذا الضلال حدث فيما بعد,

فافترق الناس فيه إلى ثلاث فرق : منهم من يقول: الاسم هو المسمى, ولكن الذي يقول الاسم هو المسمى ليس مقصوده أن الحروف هي المسمى أو هذا الكتاب إذا كتبت الاسم يكون هو المسمى, هذا لا يقوله عاقل فضلا أن يقوله عالما, ومنهم من يقول أنه غيره لأنهم يرون الذات غير ما يتكلم به الإنسان ويقول فلان عبد الله وإلا عبد الرحمن فيقولون أنه غيره, والصحيح أن يقال: إن الاسم للمسمى, الاسم للمسمى, والاسم هو الذي يدل على المسمى, وضع ليدل عليه ولكن أسماء الناس أسماء ارتجالية فلا معاني لها من ألفاظها وإنما وضعت ليتميز هذا عن هذا, وهكذا المخلوقات كلها إلا في أسماء الله جل وعلا فإنها أسماء حسنى فيها معاني عظيمة وأخذت من صفات قائمة بذات الرب جل وعلا فلا يجوز أن تقاس هذه بهذه أو ينظر إلى المعنى اللغوي فقط ويغض النظر عما يقوم بذات الله جل وعلا وما يختص به, وكل الضلال أصله من التشبيه الذي يستكن في نفوس الناس ثم يحرفون الكلام بناء على ذلك فضل أهل التأويل وأهل التعطيل بهذا السبب, قالوا إذا قلنا مثلا أن الله جل وعلا له رحمه وأنه يغضب وأنه يرضى لزمه أن يكون -هذا في الأمور المتعارف عليها- أن الرحمة هي الميل للمرحوم والميل حاجة ولا يجوز أن يكون ربنا موصوفا به, فما عرفوا من الرحمة إلا ما عرفوه من أنفسهم, كذلك الغضب هو غليان في القلب ثم طلب الانتقام, وكذلك سائر الصفات التي أوجبوا تأويلها وتعطيلها والتأويل يؤول إلى التعطيل, أما الذين ردوها أصلا فيكون الأمر فيهم أوضح وأجلى لأن هذا كفر ظاهر, كذلك الأسماء, ألأسماء وضعت لتدل على المعاني العظيمة التي أمرنا الله جل وعلا أن نعبده بها كما قال: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} والدعاء هو العبادة هو عبادة وهو عبادته جل وعلا, لا بد للمسمى من اسم ليدل عليه ويخاطب به وإن كان مثلا الاسم هو المسمى, الانسان لو قال : النار, يمكن يحترق, يحترق فمه ولسانه كله, هذا جهل ليس بعده جهل نسأل الله العافية.

المقصود أنه في هذا يبين أن مثل الاختلاف الذي وقع في الأمة والضلال الكبير الذي آل بهم إلى التناحر والتباغض والتدابر ثم القتال الكلامي الذي صار واحد يلعن الآخر ويضلله, وكلهم ضالون في هذا إلا من شاء الله جل وعلا الذي اعتصم بكتاب الله وسنة رسوله ولا يزال الناس هكذا حتى في الأمور الجلية التي جاءت إلينا من نبينا r أكثر من أن نقول أنها متواترة أعظم من التواتر, مثل مسألة الإيمان الذي لا يقبل من الإنسان عمله إلا به.

واختلفوا فيه: ما هو الإيمان ؟ منهم من يقول أنه قول ومنهم من يقول أنه عقيدة ومنهم من يقول أنه يكفي أن يكون الانسان ينطق به, فلا يكون أحد أضل ممن اختلف في الله جل وعلا, فهم اختلفوا في معبودهم ولهذا أكثرهم لا يعبد إلا عدما, وبعضهم يعبد صنم, الذي يشبهه ليس هو هذا الذي ينقشه الشيطان في فكره ونظره, بل هو أكبر من كل شيء وأعظم من كل شيء, {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}[الرعد:10], كيف تقول الرسل! ” أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ” يعني خالق السماوات والأرض, السماوات والأرض التي تشاهد في نفس المشاهِد, هل السماء توجد نفسها! أو يوجدها نظيرها مثلها! لا بد أن يكون الذي أوجدها عليم عظيم لا يخفى عليه شيء ولا يُجهل تعالى وتقدس.

قوله رحمه الله: فلا هو يعقل الاسم ولا يعرف المسمى، ولا هو يدري ما مراد القائل: الاسم هو المسمى، ولا مراد القائل: الاسم غير المسمى، ولا مراد القائل: لا هو المسمى ولا غير المسمى، بلادة وعمى، فسبحان الله لقد عظمت مزلة هؤلاء القوم الذين وصفت صفتهم، الزاعمين أنهم يعملون ربهم بأيديهم، ويحدثونه بألسنتهم كلما شاءوا، ويفنونه بعد إحداثهموه كلما أحبوا، لقد خابوا وخسروا، وضلوا بفريتهم هذه على الله ضلالاً بعيداً، وقالوا على الله قولاً عظيماً.

(الشرح)

ذكر هنا ثلاث مذاهب:

المذهب الأول :قالوا أن الاسم يعني منهم من يقول هو المسمى .

المذهب الثاني : قالوا أن الاسم غير المسمى.

المذهب الثالث : قالوا لا هو المسمى ولا غير المسمى.

فالاسم الذي هو الحروف التي تكتب هذا لا أحد يقول عنده عقل أنه هو الذات التي وضع عليها الاسم, لأن فيه ذات وفيه اسم,فلله جل وعلا أسماء لا حصر لها فهل يكون جل وعلا متعدد على كثرة الأسماء تعالى الله وتقدس, ثم قوله: أنه يخطه بيده ويتكلم به بلسانه يعني هذا معنى: المعاني لا تقوم بذواتها ولا تكون مسماة, المعاني لا بد أن تقوم بذات يوصف بها فيتسمى بها, يعني هذا(,,,,)العقول يعني ظاهر وكذلك إذا قال الاسم غير المسمى إذا كان يريد الاسم غير المسمى أن الاسم الموضوع مكتوب مثلا: الرحمن, أنه ليس هو ذاته هذا حق ولكن كلمة غير قد يفهم منها المغايرة فلا يجوز أن يطلق هذا, نقول الاسم يعني اسم الله غير مسماه, لأنه جل وعلا بأسمائه وصفاته ولا تنفك عنه أوصافه جل وعلا, لهذا كل هذا الأقوال التي ذكرها يجب أن ترد كلها بدعة وضلال وإذا أراد الإنسان بذلك يعرف الحق فيلزم كتاب الله وفيه الهدى وتكفي هذه الآية فيكون الاسم للمسمى وهو يدعى به ويعبد به, وإذا قال الله جل وعلا: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}[الأعلى:1], ليس المعنى أن الاسم هو الذي يُسَبَّح, ولكن سبحه ذاكرا اسمه, قل : سبحان الله, سبحان ربي, هذا الذي يغر هؤلاء أن الاسم هو المسمى لأنه وضع لتسبيح اسمه, يقولوا هكذا, وهذا غير صحيح , التسبيح لله جل وعلا واسمه يدل عليه, يذكر اسمه ويدعا به ويعبد به وهكذا سائر صفاته جل وعلا, والذي يقول: ليس هو ولا غيره يعني أنه لابد من التفصيل هذا,يقول الاسم للمسمى ولا تكون الأسماء منفصلة, وكون مثلا أسماء المخلوقين مرتجلة, المرتجلة يعني أنه ليس له معنى يقوم به ذلك وإنما هو ليتميز هذه عن هذا, أما أسماء الله فيها معاني عظيمة, والأسماء هي التي تدل على المسمى.

وقوله رحمه الله : وغير بديع- رحمكم الله – أن يُصغى إلى مثل هذا العظيم من الكفر العجيب فيتقبله من كان قد أخذ عن آبائه الدينونة بنبوة السندي الرشنيق ، ويقبل منهم عنه تحليل الزنا ، وإباحة فروج النساء بغير النكاح ولا شراء ، ومن كان دايناً بإمامة من رأى أن المآثم تزول عن الزاني بامرأة رجل بإحلال زوجها له ذلك .

 (الشرح)

قوله : وغير بديع ، غير غريب وغير مستنكر أن يُصغَى لمثل هذا الكفر العظيم, يعني لوجود الجهل فقد يصغى إليه, ولهذا يقول: هذا الكفر العجيب فيتقبله من كان قد أخذ عن آبائه الدينونة يعني الدين الذي يدين به بنبوة السندي يعني الذي تنبأ, يعني يمكن لمثل هذا يتبع المتنبيء ويقبل منه ما يقوله من تحليل المحرمات وإباحة الأمور ظاهرة التحريم وأنه يكون مفارقا دين الله جل وعلا بهذا, يقول ان هذا مثل اتباع النبي الذي يأتي جديد يحل المحرمات ويبيح للإنسان ما هو قد عرف بالضرورة في دين الاسلام أنه من أكبر المحرمات, يعني أن البدع طريقا لترك الدين رأسا واعتناق دين جديد.

وقوله رحمه الله: وإن بلدةً وجد فيها أشكال من ذكرنا على جهله وعمى قلبه اتباعاً، وسلم فيها من سفك دمه جهاراً، لحريٌ أن تكون الأقلام عن أهلها مرفوعةً، وأن يكون الإثم عنهم موضوعاً وجديرون أن يتركوا في طغيانهم يعمهون، وفي دجى الظلماء يترددون، غير أني تحريت بياني ما بينت، وإيضاحي ما أوضحت في كتابي هذا لذوي الأفهام والألباب منكم، ليكون ذلك ذكرى لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد.

 (الشرح)

يقول ” رحمه الله ” : هذا ما هو معناه أن الإنسان أنه ترفع عنه الأقلام ! لكن يقول : انكم لم تستعملوا عقولكم وأفكاركم فضللتم ضلالا بعيدا, ثم سفك الدماء وقتل من ترك الدين ووقع في الطغيان والارتداد لا يكون لكل أحد, يجب أن يكون للإمام هو الذي يقيم الحدود وهو الذي ينفذ أوامر الله جل وعلا, أما لو ترك للناس لصارت فوضى, كل يدعي على الآخر ثم يحدث الهرج والقتل وغير ذلك, ولكن الناس يجب أن يكونوا عونا للإمام في إقامة كتاب الله جل وعلا وتنفيذ حدوده, فلا يقول الإمام بن جرير ” رحمه الله ” أنه من خرج عن الدين أنه كل يقتله, وإنما إذا انفلتت الأمور بهذا الشكل يعني على حسب ما وصف فمعنى ذلك أن البلد أنه مهمل.

وقوله: غير أني تحريت بياني ما بينت  في هذا الكتاب من كان له عقل ومن كان له نظر  لأن الذي مثلا يقول هذا القول جانبه العقل, يخط الخطوط ثم يقول هذه هي الله, فهذا لا يستحق من يخاطبه.

 قوله رحمه الله: فليدبر كل من قرأ -منكم ومن سائر الناس غيركم- كتابي هذا بإشعار نفسه نصحها، وطلبه حضها، وتركه تقليد الرؤوس الجهال، ودعاة الضلال؛ فإني لم آل نفسي فيه وإياكم والمسلمين نصحاً. فإلى الله أرغب في حسن التوفيق، وإصابة القول في توحيده وعدله وشرائع دينه، والعون على ما يقرب من محابه، إنه سميعٌ قريب، وصلى الله على محمدٍ النبي وسلم تسليماً.

(الشرح)

هذه مقدمة يعني: قبل دخوله في الموضوع الذي سُئل عنه؛ فيها وصف الضلال البين وأنه يريد بذلك أن يبين أمور عامة وأمور خاصة , فالأمور العامة أنه لا يجوز الالتفات إلى أهل الجهل والرؤساء الذين يتزعمون الناس بغير علم وبغير هدى, فإن هذا يؤول إلى أمر عظيم, ودعاة الضلال يكونون على أبواب جهنم من أجابه قذفوه فيها, وخاصية العقل الذي جعله الله في عباده ونعمته, نعمة العقل من الله جل وعلا ليميز بها بين الحق والباطل, فإذا أهدر عقله وأسلم انقياده لمن ضل فإنه يكون ملوما غير معذور, ولهذا يقول الله جل وعلا عن مثل هؤلاء يوم القيامة: {رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا} [الأحزاب: 67-68],فلا بد من استعمال العقل الذي يرشده كتاب الله جل وعلا, معلوم أن العقل لا يستقل بمعرفة الله جل وعلا وبما أخبر به, ولكن العقل يسترشد بكتاب الله جل وعلا وبما قاله الرسولrفإن فعل ذلك اهتدى وإلا صار متبعا لأنواع المضلين ولكل ناعق بكفر وضلال يجد من يستجيب له.

قوله رحمه الله : القول في المعاني التي تدرك حقائق المعلومات من أمور الدين، وما يسع الجهل به منه، وما لا يسع ذلك فيه، وما يعذر بالخطأ فيه المجتهد الطالب، وما لا يعذر بذلك فيه.

 (الشرح)

هذا العنوان طويل؛ يقول: القول في المعاني التي تدرك حقائق المعلومات, يعني يدرك بها حقائق المعلومات, المعلومات التي يخبر الله جل وعلا بها سواء من التكاليف أو من الأخبار التي يخبر بها أو من الجزاء يعني الوعد والوعيد والشيء الذي يمكن أنه إذا جهله العبد قد يكون معذورا, والذي لا يعذر بجهله, ولهذا قال: وما لا يسع ذلك فيه يعني الجهل, وما يعذر بالخطأ فيه المجتهد الطالب، وما لا يعذر بذلك, يعني المجتهد الذي يكون أهلا للاجتهاد ولكن الاجتهاد قد يكون مقصودا لكل واحد, كأن يجتهد في الفهم؛ في فهم خطاب الله وتطبيقه على نفسه أن يطبقه, هذا لا يعذر فيه أحد, فلا يعذر الإنسان مثلا في فهم قوله جل وعلا: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ}[البقرة:21], العبادة .. يجب أن يعرف ما هي العبادة ؟, ويجب أن يعرف ما أمر به من العبادة, ولا يجوز أن يكون في هذا مقلد, ولهذا الذين يجهلون مثل هذا، يقعون في عبادة القبور ويزعمون أنها ليست عبادة, تجده يطوف ويستنجد بصاحب القبر ويقول أنا مسلم لأني أقول: لا إله إلا الله, وهو لا يعرف معنى ” لا إله إلا الله” وهذا جهل لا يعذر به, إذا فعل ذلك ومات على هذا فهو من أهل النار نسأل الله العافية, فهذا الشيء الذي ليس فيه عذر, أما الأمور التي يسوغ مثلا أن يعذر الإنسان فيها فهي الأمور التي فيها غموض, إذا بذل جهده فلم يستطع الوصول إلى ذلك عذر في هذا, أما النصوص الواضحة يجهلها أو يعرض عنها ويقول أنا جاهل, هذه لا عذر فيها, لا عذر في إنسان لا يعرف قوله: “أقيموا الصلاة” وقوله: “وآتوا الزكاة” , وقوله : “كتب عليكم الصيام” وقوله: “ولله على الناس حج البيت “وما يلزم لهذا , اللوازم التي تلزم لهذا يجب أن يكون أيضا عارفا بها, فيعرف معنى “لا إله إلا الله” وما ينافيها وما تقتضيه وتدل عليه وتوجبه, فإذا لم يعرف ذلك فهو ملوم والإثم عليه وسوف يعاقبه الله جل وعلا على ذلك, إذا كان لا يعرف اللسان العربي وجب عليه أن يتعلمه حتى يعرف هذا الذي جاء به الرسولr, لأنه يقول: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا “لا إله إلا الله”)وليس معنى هذا مجرد القول؛ بل يقولوها ويأتوا بما دلت عليه يطبقوها على أنفسهم كذلك, يعني لا يكون مألوها في الوجود كله إلا الله, هو الذي يؤله ويعبد ويكون كل مألوه باطل, يجب أن يعرف أن الآلهة أنها تتعدد وتكثر وتكون أعيانا بارزة تشاهد مثل الأصنام ومثل الشجر والحجر والقبور وغيرها وقد تكون معاني أيضا كما قال الله جل وعلا: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ}[الجاثية:23], فالهوى هو الذي يهواه ويشتهيه, فيترك أمر الله جل وعلا ويتبعه, فيكون مألوها له, وفي الصحيح يقول r: (تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد الخميلة والخميصة..) فسماه عبدا له, لأنه يعمل من أجله وليس معنى ذلك أنه يسجد له ويركع له ويذل له ويدعوه هذا ما يعقل ولكن يكون عمله من أجله معرضا عن أمر الله جل وعلا فيكون عابدا له وهكذا إذا كان مقصوده من حياته اللعب والشهوات وإضاعة الأوقات فإنه عبد هواه, لأن الله خلقه لعبادته وأمره على ألسنة رسله بأوامر محدده يجب أن تكون مفهومه ومعلومة, أما المجتهد الذي ينزل ما يقع من الناس من أقوال وأفعال وأمور كثيرة فهذا قد يخطئ وإذا أخطأ في اجتهاده فهو معذور، بل مأجور والخطأ مرفوع إذا لم يخالف نص من النصوص, وكذلك إذا كان الانسان نفسه يطبق ذلك على نفسه,

فالمقصود أن ما أوضحه الله وأوضحه رسولهr لا عذر لأحد في عدم العمل به وفهمه ويقول: أنا جاهل , لأن الذي جاء به يستوي فيه المتعلم وغير المتعلم, ولهذا سموها ضرورية, أمور معروفة من الدين بالضرورة, هل يجوز أن يجهل مسلم أن الربا حرام أو أنه يجب عليه أن يغتسل إذا كان جنبا أو يتوضأ إذا أراد الصلاة! ولا يجوز أن يكون يأخذ هذا عن الناس ينظر ماذا يصنعون فيصنع مثلهم لأن هذا ليس عن علم, إنما هو عن تقليد, يجب أن يكون ذلك عن قول الله وقول رسوله, وهذا عام في كل ما أمرنا الله جل وعلا وكلفنا به وهذا مقصود المؤلف ليبين هذا الشيء الذي يعذر فيه الانسان والشيء الذي لا يعذر, فهل مثلا الانسان يقتل الناس ويقول أنا ما دريت أن القتل محرم ما عرفت ما علمت, أو يأكل أموال الناس ويقول ما علمت  انها محرمة, أو يفسد اعراض الناس ويقول لا أدري! هذا لا يجوز أن يقع وإذا وقع شيء من ذلك فهو غير معذور, ومثل ذلك عبادة غير الله بل أعظم شيء, يعني مثلا يعبد القبر أو يسجد له أو يطوف به أو يستنجد به ويطلب منه أن يكون متوسطا له عند الله ويقول اشفع لي! أو ما أشبه ذلك أو ادع لي, ثم يقول أنا رأيت الناس يفعلون هذا وأنا ما علمت أن هذا لا يجوز! أو قد يجادل ويقول هذا ليس عبادة,! كل هذا ضلال وهو شرك من شرك المشركين الذين عرفوا أكثر من معرفة هؤلاء, فإن المشركين لما قيل لهم : قولوا “لا إله إلا الله”, فروا وقالوا: {أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا}[ص:5], لأنهم يعرفون معنى”لا إله إلا الله” أنها تنفي وتبطل كل مألوه في الوجود وتجعل التأله والذل والخوف والرجاء والتعبد لإله واحد هو الله جل وعلا, ولا يجوز للمسلم أن يجهل هذا فإن جهله فهو غير معذور.

وقوله : اعلموا –رحمكم الله- أن كل معلومٍ للخلق من أمرالدين والدنيا أن تخرج من أحد معنيين:

  • من أن يكون إما معلوماً لهم بإدراك حواسهم إياه.

-وإما معلوماً لهم بالاستدلال عليه بما أدركته حواسهم.

ثم لن يعدو جميع أمور الدين –الذي امتحن الله به عباده- معنيين:

 أحدهما : توحيد الله وعدله.

والآخر: شرائعه التي شرعها لخلقه من حلال ٍوحرامٍ وأقضيةٍ وأحكام.

فأما توحيده وعدله: فمدركةٌ حقيقة علمه استدلالا ًبما أدركته الحواس.

وأما شرائعه فمدركةٌ حقيقة علم بعضها حسا ًبالسمع ،وعلم بعضها استدلالاً بما أدركته حاسة السمع.

      (الشرح)

اسلوب المتقدمين مغاير عن الأسلوب الذي نتعارف عليه ونتخاطب به, قد يكون الانسان غريبا عليه إذا لم يكن ألزم نفسه بقراءة كتب السلف وتفهما فإنه لا يصعب ذلك عليه, الانسان إذا تردد في الشيء عرفه وعلمه, ولكن إذا كان بعيدا عنه فإنه يستغربه وقد يصعب عليه فهمه, والطبري ” رحمه الله ” له أسلوب مميز في خطاباته وكلامه, وقد مثلا يأت بجمل اعتراضية ويكون مثلا الكلام غير مفهوم و يطول الاعتراض بين كلام وكلام, ويأت بجمل أيضا بلغة غريبة على المخاطب فيكون يعني يستصعب هذا الشيء, وعلى كل حال: الكلام العربي إذا رجع الانسان إليه ونظر وعرف الاسلوب فإنه لا يصعب ذلك فإنه سهل.

هو يريد أن يحصر الأمور التكليفية العلمية وكذلك الأمور الاعتقادية, يحصرها حتى يمكن تصورها ثم يبين الأحكام, يقول انه لا يخل الأمر إما أن يكون معلوما لهم بإدراك حواسهم, إدراك الحواس مثل السمع والبصر واللمس,, يلمس هذا الشيء, هذا يدرك به أشياء حقيقية, والله جل وعلا علق على الحواس هذه أمور ظاهرة أو يكون مثلا إدراكها عن الخبر, الخبر الذي جاء به المصطفى r ولكن الحواس هذه تكون في أمور الدنيا وفي أمور الآخرة, وكذلك قد تكون فيما جاء عن الله جل وعلا وما جاء عن رسوله, أما الأمور التكليفية التي هي توحيده, يقول توحيده وعدله, عدله المقصود به الحكم الذي يحكم به بين عباده, كما قال جل وعلا: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى}[البقرة:178],  وكذلك يقول: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ..}إلى آخره[النساء:11], كل الأحكام عدل وهي أيضا مقبولة عقلا بل العقل تبع لذلك, وكل أمره جل وعلا الذي يأمر به بفعله وكذلك جزاءه, فهو عدل, لما شرع جل وعلا القصاص فهو عدل, وقطع السرقة عدل وكذلك غيره من الأمور التي جعلها عقابا لمن خالف أمر الله جل وعلا, أما التوحيد؛ توحيده جل وعلا فهو بناه يعني استدل به على أمور ظاهرة جلية لا يجوز أن تخفى على أدنى الناس نظرا وعلما, لهذا قال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ}يعني الخالق هو الذي يجب أن يعبد, ما في أحد من الناس يمكن يزعم أن اشترك في خلقه مع الله غيره, شاركه غيره, قال:{اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} يعني والمخلوقات كلها.. ثم ذكر الأشياء الواضحة الجلية قال: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا} هل الأرض هي التي أوجدت نفسها ؟! صارت على هذا الوضع الذي ينتفع به الناس من الزراعة والبناء والمشي وغير ذلك, { جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا} كالفراش موطأة ومهيأها, { وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} فوقكم تشاهدونها {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ} هل يشارك الله جل وعلا في هذه الأمور أحد!

فهذه ظاهرة جلية وهي دليل يوجب العبادة؛ عبادة الله جل وعلا, لهذا قال: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}[الآيات من سورة البقرة:21-22],  في آخر الآية, يعني كيف تعبدون  معه غيره وأنتم تعرفون أنكم مخلوقين لله أنتم ومن سبقكم والأرض التي تنتفعون بها تعلمون أنها مخلوقة لله والسماء وكذلك الحوادث مثل نزول المطر ونشوء السحاب وهبوب الرياح ونبات النبات وإخراج الثمرات من النبات في أنواعها وألوانها واختلاف طعومها وروائحها وغير ذلك! الماء واحد والتراب واحد, لماذا تختلف! يصير هذا لونه كذا ولونه كذا وهذا طعمه كذا وطعمه كذا, من أين! من ذاتها ؟!

لا يمكن, كل هذه آيات توجب عبادة الله جل وعلا, ومن أعجب الأشياء؛ خلق الإنسان, فهو من أكبر الأدلة على وجوب عبادة الله ومع ذلك كأنه أمر عادي, ما ينظر إليه ولا يفكر فيه, لهذا أكثر الله جل وعلا من ذكره, {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ}[الانفطار:5-6], ماء نقطة, ماء لو اجتمع عليها أطباء العالم وأرادوا أن يحولوها إلى قطعة دم فقط ما استطاعوا, فكيف تحول من طور إلى طور ثم يجعل له السمع والبصر والفكر والأيدي والأرجل والأمعاء وغيرها, من أين هذا! هل أمه عملت شيئا من ذلك! أمه ما تدري ماذا يصنع فيه, فالمقصود أن هذه كلها دلائل توجب عبادة الله فإذا مثلا قال قائل: أنا ما علمت أنه يجب علي أن أعبد الله وحده, هل يسوغ هذا! لا يسوغ هذا أبدا, لو قيل هذا يقال هذا: إما مجنون وإما أنه مستهزئ يستهزئ بمن يخاطبه, قال: توحيد الله وعدله, والآخر شرائعه التي شرعها لخلقه من حلال وحرام وأقضية وأحكام, فعدله, عدله في خلقه وفي حكمه والحكم يكون حكما قدريا وحكما شرعيا وأما الشرائع التي جاءت بهات الرسل هذه لا تدركها العقول, أما الأول فالعقول مدركة له, يعني توحيده وعدله, تدركها العقول, أما الشرائع فلا بد من مجيء الرسل بها, يعني الصلاة والصوم والحج والزكاة وما أشبه ذلك هذه إذا لم يبلغ الإنسان بها خبر فهو معذور فيها, لأنها تتوقف على الأمر والآمر هو الله جل وعلا ولا بد أن يكون أمره يأت عن الرسول, لأن الرسول هو الواسطة بيننا وبين ربنا جل وعلا الذي يبلغنا أمره ونهيه, فكيف نفرق بين التوحيد والعدل وبين الشرائع, نقول هذا محصور كل الأمور الواجبة محصورة في هذا, وسيفصل هذا فيما بعد.

وقوله : فأما توحيد هو عدله: فمدركةٌ حقيقة علمه استدلالاً بما أدركته الحواس.

يعني: مثل ما مضى تشاهد الأرض والسماء وتشاهد الشجر وغير وذلك  هذه الحواس تشاهدها بعينك وتدركها بنظرك وكذلك ذوقك.. فهذه كلها أدلة على وجوب عبادة الله جل وعلا هذه المخلوقات التي تشاهدها, ولذلك إذا مثلا إنسان صار يعبد الحجر أو الشجر أو القبور أوغيرها ثم يقول: مات على هذا الشيء! نقول هو في النار لأنه أعرض بكليته وبعقله عن الموجود عنده وفي نفسه وغير ذلك, ولذلك أخبر الرسول r عن الذين ماتوا في الجاهلية أنهم في النار, ما جاءهم نبي ومع ذلك هم في جهنم, لماذا؟ لأنهم يعبدون الحجارة يعبدون الشجر ويعبدون المخلوقات!فهل فيه دليل على أن الإنسان يأت للقبر يعبده ويستنجد به ويطلب منه النفع والضر, هل يمكن يوجد دليل على هذا! لا يمكن أبدا, وإنما هو العمى, يقول: شاهد الناس ففعل, هذا ما يعذر في هذا, وكذلك الذي مثلا يعبد مخلوق من المخلوقات سواء كان جمادا أو حيا, يتكلم ويذهب و.. فليس له أي دليل على هذا, والأدلة تبطله, لو اعتبرها لكانت نافية لذلك, لأن هذا الذي يتجه إليه ليس خلق ولا بيده ضر ولا نفع, ما يجلب لك النفع ولا يدفع عنك الضر بل هو مفتقر مثلك, فقير إلى من يجلب له نفعا ويدفع عنه ضر, فلهذا صار الذي يموت على هذا الشيء وإن لم يبلغه قول الرسول هو في النار, لهذا لما قام رجل يقول.. يسأل الرسول, قال: من أبي؟ قال: أبوك فلان, قال: أين أبي؟ قال:”أبوك في النار”, لأن أبوه مات في الجاهلية, يسأل أين أبي! قال: أبوك في النار, فكأنه تغير وجهه فولى مدبرا حزن, فدعاه فقال: “إن أبي وأباك في النار, اذهب أي قبر مشرك مررت به فقل إني رسول رسول الله إليك أبشر بالنار” قال أي قبر مشرك, كل هؤلاء المشركون الذين ماتوا قبل بعثته أمره أن يبشرهم بالنار, كان الرجل يقول: لقد كلفت شططا لأنه ألزم بهذا, إذا مر بقبر مشرك قال: أنا رسول رسول الله إليك أبشر بالنار, فهو في النار في قبره في انار, لأنه أهدر عقله ونظره وأهدر الأدلة التي تحيط به, الأرض والسماء وغيرها.

هذا الذي يقول الإمام بن جرير” رحمه الله ” أن هذا مدرك بالحواس, والذي يدرك بالحواس هذا من أبين الأشياء وأعظمها, وكذلك العدل عدله, كونه جل وعلا أعطى كل شيء خلقه وهداه, وكذلك كونه جل وعلا خلق الإنسان على هذه الصورة وجعل فيه العقل وجعل فيه القوة وجعل فيه الفكر والإرادة, ثم أمره بالشيء الذي يستطيعه, عدل, بل أمره بأقل مما يستطيعه, وكذلك أيضا عدله فيما يحكم به جل وعلا فيما بين عباده, وقوله: فأما توحيده وعدله فمدرك حقيقة علمه استدلال لما أدركته الحواس, هو هذا.

وقوله رحمه الله : ثم القول في ما أدركت حقيقة علمه من استدلالاً على وجهين:

أحدهما: معذوراً فيه بالخطأ ,والمخطئ مأجور ٌفيه على الاجتهاد والفحص والطلب؛ كما قال رسول اللهr: ((من اجتهد فأصاب فله أجران ،ومن اجتهد فأخطأ فله أجرٌ)) .

 (الشرح)

بشرط أن يكون هذا المجتهد عنده آلة الاجتهاد, يعني يعرف كتاب الله وسنة رسوله ويعرف اللغة يعني لغة القرآن ولغة أحاديث الرسول, ما هو لازم أن يحيط باللغة كلها, وإنما اللغة التي يتكلم بها ويعرف الأمر من النهي والخاص من العام وهكذا الأمور الظاهرة التي يعرفها, والاجتهاد قد يكون مطلق يعني سهل  في كل ما جاء به الكتاب والسنة وقد يكون مجتهد في مسألة واحدة, فهذا يجوز له أن يجتهد في مسألة واحدة إذا كان أهلا لذلك, فإذا أصاب فله أجران وإذا أخطأ فخطأه معفو عنه وهو مأجور على اجتهاده , أما إذا اجتهد جاهل فهو ضلال وخطأ وإثم على كل حال أصاب أو لم يصب, لهذا جاء أن القول في التكلم في القرآن برأيه أنه يتبوأ مقعده من النار ولو أصاب, لا بد أن يكون قد عرف الذي يجتهد فيه, أما الأمور التي تدرك بالحواس فهي يستوي فيها الناس, يستوون فيها ما يحتاج الى اجتهاد وإلى اعمال الفكر والنظر..

وقوله: أحدهما: معذور فيه بالخطأ يعني من كان أهلا للاجتهاد فأخطأ ولابد للناس من خطأ, كل أحد يخطئ ما عدا الرسول r فهو المعصوم أما غيره فمهما بلغ من العلم لا بد أن يقع له شيء من الخطأ, ولكن خطأه معفو.. والدليل على هذا قوله r: “إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر وخطأه معفو عنه” والحاكم لا يكون إلا إذا كان أهلا للحكم, يعنيقد علم الشيء الضروري والأمور التي لا بد منها, وقوله: مأجور يعني مأجور على اجتهاده … اجتهد والفحص والطلب , الفحص والطلب هو الاجتهاد وآلات الاجتهاد, يقول: كما قال r: “من اجتهد فأصاب فله أجران ومن اجتهد فأخطأ فله أجر” يعني الحاكم هكذا إذا كان أهلا للحكم فاجتهد فأصاب له أجر الإصابة وأجر الاجتهاد, وأما إذا أخطأ فله أجر الاجتهاد فمعنى ذلك الاجتهاد واجب أن يجتهد ومع ذلك يؤجر وأفضل ما يؤجر عليه الإنسان ما كان واجبا وفرضا عليه, وذلك الخطأ فيما كانت الأدلة على الصحيح من القول فيه مختلفة, يعني هذا الذي يؤجر فيه, ومعنى ذلك أنه لا بد لكل حكم ولكل قول من دليل, ,(فما يقال قول), المجتهد ليس هو الدليل, المجتهد يعين يقول: الحكم كذا وكذا يعني حكم الله وحكم رسوله, ولكن لا بد أن يستدل على ذلك بدليل والأدلة قد تكون عمومات وكليات لأن كتاب الله جل وعلا نزل بأمور كلية, وحوادث الناس التي تحدث لا حصر لها, وكلها داخلة في كتاب الله جل وعلا إذا فهم ذلك, وكذلك كلام رسول الله r جوامع, فالكلمات اليسيرة تحتها من المسائل والأحكام الشيء الذي لا ينحصر إلا بكلفة ومشقة وقد لا ينحصر عند قوم, تجد مثلا هذا يفهم منه كذا والثاني يفهم كذا, قال “إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى..” هذا يعني فيه عليه من المسائل الأمور التي لا تنحصر بل هذا يقون ميزان الأعمال القلبية كلها جميعها وكل الأعمال منوطة بذلك لأنه لا بد من النية والقصد, قصد كل عمل, كذلك قوله”من عمل ليس عليه أمرنا فهو رد” هذا شمل كل ما كان على غير شرع الله جل وعلا فإنه مردود, كل بدعة مردودة, فالمجتهد اجتهد يعني في تطبيق الوقائع التي تقع على الأدلة؛ هل هي تدخل فيها ؟, ويقول هو الدليل الفلاني والفلاني, فيختلفون في هذا على حسب نظرهم, والله جل وعلا فاوت بين فهوم الناس كما أنه أعطى بعضهم ملكة الحفظ وأعطى بعضهم ملكة الفهم, وأما المعرض الذي لا يفهم ولا يحفظ فهذا لا خير فيه, لا خير فيه, وهو المعرض الذي عرض عن شرع الله ولهذا جعل الرسول r الناس على هذا المنوال على ثلاثة أقسام :

“فإن مثل ما بعثني الله جل وعلا به كمثل غيث أصاب أرضا فصار منها أرض طيبة قبلت الماء وأنبتت الكلأ فرعى الناس وانتفعوا – هذا مثل الفقهاء- وصار منها قيعان لا تنبت كلأ ولكنها أمسكت الماء فورد الناس وارتووا وانتفعوا – فهذا مثل الحفاظ الذين يحفظون ولكنهم ليس عندهم الفقه الذي عند الأولين- وكان منها أجادب لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فهذه لا خير فيها- هذه من السبخ الذي ينزل عليه الماء ولا يزيده إلا سبخه–هؤلاء الذين يعرضون عن شرع الله وحكمه.

والمقصود أن الاجتهاد جاء على هذا المنوال, وربما حامل  فقه إلى من هو أفقه منه أو حامل علم إلى من هو أعلم منه, وقد دعا الرسول r لمن حمل قولا, قال: “نضر الله امرأ سمع مقالتي فأداها كما سمعها, ورب مبلغ أوعى من سامع”, يعني لهذا الشيء الذي يبلغه يكون عنده من الاستنتاجات ومن الشيء الذي يطبق عليه من وقائع الناس الشيء الكثير, ولا بد من الاجتهاد في هذا لأنه الوقائع التي تقع للناس كثيرة جدا ولا بد لهم من حكم يرجعون إليه فيها من أحكام الله, فلهذا كلفة الأمة كلها بأن تحمل الشرع وإذا تركت منه شيء فهي آثمة, الشرع عموما كل ما قاله الرسول r ولكن ما هو كل واحد عموم الأمة, فتجد هذا يحفظ شيء وهذا يعلم شيء وهكذا في مجموعها لا بد أن تحفظ الشرع الذي جاء به الرسول r, ولا يجوز أن يفوتهم شيء منها لأنهم كلفوا بهذا.

وقوله : وذلك الخطأ فيما كانت الأدلة على الصحيح من القول فيه مختلفةً غير مؤتلفةٍ ،والأصول في الدلالة عليه مفترقةً غير متفقةٍ ،  وإن كان لايخلو من دليل على الصحيح من القول فيه ، فيميز بينه وبين السقيم منه ، غيرأنه يغمض بعضه غموضا ًيخفى على كثير من طلابه ، ويلتبس على كثير من بغاته.

(الشرح)

هذا كلام عام في جميع ما يلزم من أمور الشرع؛ عقائد وأعمال يعملها الانسان يتقرب بها أو يعملها من المعاملات التي يتعامل مع الناس فيها لأنها كلها يجب ألا تكون خارجة عن شرع الله, وإن كان ألأصل في المعاملة الإباحة وكذلك المأكولات الأصل فيها الإباحة حتى يأت التحريم ولكن يجب أن يعرف أن هذا مباح أو أنه غير مباح, فيجب أن يعرف أن هذا محرم حتى لا يقع فيه وأكل الحرام يبنى عليه الدين كله والعبادة والدعاء, من أكل الحرام لم تقبل عبادته كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة يقول: سمعت رسول الله r يقول: “إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين”, فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا..} [المؤمنون:51], أمرهم أولا بالأكل من الطيبات ثم أمرهم بالعمل, هذا الرسل, والمؤمنون كذلك أمروا بمثلهم فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ}[البقرة:172], فاشكروا لله يعني العبادة كلها, أمرهم بالأكل أول من طيبات ما رزقناكم وكله رزق الله جل وعلا ثم ذكر الرجل الذي يطيل السفر ثم ذكر الرجل الذي يطيل السفر أشعث رأسه مغبرة قدماه يرفع يديه إلى السماء يقول يا رب يا رب, ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام, فأنى يستجاب له!

يعني بعيد أن يستجاب له, كلمة أنى قد يستجاب له ولكنه بعيد لأنه يأكل حرام ويلبس الحرام, فالمعاملات التي يتعامل بها الإنسان إذا أراد أن يبيع أو يشتري يجب أن يعرف حكم الله فيها, إذا أراد أن يتزوج يجب أن يعرف أحكام الزواج أحكام الطلاق أحكام الرجعة هكذا, ما يكون مثلا إذا أراد شيء فعله بدون نظر إلى حكم الله ولهذا في هذه المسائل ما تجد الذي يصيب فيها إلا نادرا من الناس, وللأسف حتى طلبة العلم يقعون في الخطأ ولا سيما الطلاق فإنه إذا صار ببينه وبين زوجته.. خلاص أنتي طالق في كل حال, هذا لا يجوز هذا من المحرمات, الله جل وعلا يقول: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}[الطلاق:1], يجب أن يعرف العدة التي يطلق بها والعدة التي يطلق بها أن تكون طاهرة في طهر لم يمسها فيه ثم أن يطلقها واحدة ثم يدعها إلى أن تطهر وتستحم يعني أمامه وقت إذا فعل هذا, أمامه ثلاثة قروء فيمكن يراجع نفسه ويستدرك الأمر, أما إذا استحمق واتبع شيطانه فقد يعاقب, فالمقصود أن الأحكام التي يفعلها الناس كلها يجب أن تكون على وفق أمر الله وأمر رسوله وإلا يكون الإنسان معاقب, لماذا ! ما لذي دعاك أنك تخالف أمر الله أو أمر رسوله r وأنت عبد لله مكلف بإتباع أمره واجتناب نهيه, والمشاكل في هذا مصائب تجد الإنسان فيما هو ركن من أركان الإسلام مثل الحج, يذهب وهو ما يدري  أحكام الحج, ولا يدري منها شيء ينظر إلى الناس ويسير معهم فقط ثم يقع في المشاكل وإذا وقع ذهب يسأل (وش كذا كذا) ما يجوز هذا للمسلم يعمل هذا العمل, يحب أن يكون على بينة يعرف دينه, يعرف الدين الذي أمره الله جل وعلا به, فكيف بالأمور التي تبنى كل الأعمال عليها وهي العقيدة, العلم بالله جل وعلا وبأسمائه وصفاته.

قوله رحمه الله: والآخر منهما غير معذور ٍبالخطأ فيه مكلف ٌقد بلغ حد الأمر والنهي ،ومكفر ٌبالجهل به الجاهل ،وذلك ما كانت الأدلة الدالة على صحته متفقةً غير مفترقة ، ومؤتلفةً غير مختلفةٍ ، وهي مع ذلك ظاهرةٌ للحواس.

 (الشرح)

يعني: هذا النوع الثاني الذي لا يعذر به, الذي لا يعذر به الإنسان, يقول: والآخر منهما غير معذورٍ بالخطأ فيه وهو المكلف الذي بلغ حد الأمر والنهي, حد الأمر والنهي يعني أنه صار أهلا للأمر والنهي كمن عقل ووصل حد التكليف, وحد التكليف كما هو معلوم, لما يبلغ خمسة عشر سنة أو ينبت أو يحتلم إذا بلغ شيء واحد من هذه فسواء وصل خمسة عشر سنه أو غيرها, هذا بالنسبة لتكاليف الشرع ،أمور الشرع, أما غير الشرع أمور الدنيا فلها أمر آخر مثل (…) بالمال وغيره .

قوله: بلغ حد الأمر والنهي يعني أن الأمر والنهي لزمه وذلك أنه قبل أن يكلف ما هو ملزم بذلك غير مكلف, لأن الأمر رفع عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق من جنونه, لأن مناط التكليف العقل والعقل لا يتم إلا بهذا الحد, ويزداد بعد ذلك.

وقوله: ومكفرٌ بالجهل به, يعني أنه يكفر بالجهل به, هذه الأمور التي لا يعذر فيها إذا جهلها وارتكبها يكون مكفرا يعني الكفر لزمه, وليس هذا معناه أن كل من كان بهذه الصفة أنه يكفر, تكفره بعينه ولكن هو يكون ارتكب كفرا والله يعاقبه ويحاسبه على ذلك, أما الإنسان الذي يحكم عليه فلا بد أن يبين له الدليل ويزيل عنه العلل التي يعتل بها والشبه التي تحول بينه وبين ذلك, فإذا أصر بعد ذلك يعني بعد إقامة الدليل وإزالة الشبه يحكم عليه بأنه كفر, ففرق بين أن يقوم الكفر به وبين أن يكفره معين, انسان معين, فهذا حكم المكفِّر نفسه وهذا لا بد له من دليل ولا بد أن يكون الذي يكفره ليس عنده جهل في هذا وليس عنده شبه فيزيلها ويبطلها فإذا زالت دعاه إلى عدم ذلك, فإن قبل وإلا يكفر, يكفره  ، ( مكفر به ).

وقوله : وذلك ما كانت الأدلة الدالة على صحته متفقةً غير مفترقة.. ،مثل عبادة الله, هل تجد دليل أنه يدل على عبادة القبر أو عبادة غيره ما يمكن ابدا, الأدلة كلها متفقة والأدلة الخلقية والفطرية والشرعية كلها متفقة على وجوب عبادة الله , فإذا خالف جاهل في ذلك فهو واقع في الكفر, وإذا مات عليه فهو أيضا مع الكافرين.

وقوله:وهي مع ذلك ظاهرةٌ للحواس , مثل ما مثلت لكم بالمخلوقات التي تدل على وجوب عبادة الله جل وعلا وحده.

قوله رحمه الله: وأما ما أدركت حقيقة علمه منه حساً ، فغير لازم فرضه أحدا إلا بعد وقوعه تحت حسه ، فأما وهو واقعٌ تحت حسه فلا سبيل له إلى العلم به ، وإذا لم تكن له إلى العلم به سبيلٌ ، لم يجز تكلفيه فرض العمل به ، مع ارتفاع العلم به ؛ وذلك أنه من لم ينته إليه الخبر بأن الله تعالى ذكره بعث رسولاً يأمرالناس بإقامة خمس صلوات كل يوم وليلةٍ ، لم يجز أن يكون معذباً على تركه إقامة الصلوات الخمس.  لأن ذلك من الأمر الذي لا يدرك إلا بالسماع ، ومن لم يسمع ذلك ،ولم يبلغه ؛ فلم تلزمه الحجة به ، وإنما يلزم فرضه من ثبتت عليه به الحجة.

 (الشرح)

هذا الذي سبق أنه الشرع الذي لا بد من إتيان الرسول r به, الشرع يعني الأوامر والنواهي التي يأمر جل وعلا بها وينهى عنها, وقبل النهي لا يلزم الإنسان الانكفاف عنه حيث أنه لا يدركه بعقله وبحسه خلاف المخلوقات التي.. فمثلا الصلوات والزكاة والصوم والحج وغيرها من العبادات التي مبناها على الأمر وليست الأدلة التي تحس وتنظر دليل عليها, فإن هذه لا بد من اتيان الرسول بها ولكن إذا جاء الرسول r بها مثلا وجهلها الإنسان, هل يكون معذورا؟

وقصده هنا هذا أن هذا لا يدرك بالعقل ولا يدرك بالحواس ولكنه يدرك بالعلم الذي يعرف عن الرسول r ونحن يجب علينا أن نعلم كما قال الله جل وعلا: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ}[محمد:19], فأوجب العلم أولا, فالعلم بما جاء به الرسول r ينقسم إلى قسمين:

القسم الأول :  فروض واجبة على كل معين على كل مسلم ومسلمة, وهذه لا يعذر الإنسان في جهلها.

 -القسم الثاني : مستحبات وأمور رتب عليها الثواب ورتب عليها رفع الدرجات, فهذه ما يلزم أنه يعرفها ليس لا زما ولكن إذا عرفها وعمل بها فهو فوق من لم يعرفها ويعمل بها.

والمقصود يعني: هنا تقسيم الأمور بالنظر إلى المحسوس وغير المحسوس, فالمحسوس الذي يشاهد بحاسة البصر أو يسمع حاسة السمع أو يلمس بحاسة اليد اللمس, فهذه إذا وقعت للإنسان فهي يقينية, ولا عذر له في مخالفتها ولا حجة له إذا تركها أو ارتكب ضد ذلك, وأمور معلومة تأت عن الله جل وعلا ببعثة الرسول r فهذه تتوقف على أمره ونهيه ولكن إذا أمر بها وكلفنا بها يجب أن تعلم, ما يعذر الإنسان في كونه يقول أعرض عنها, يقول أنا رأيت الناس يفعلون هذا الشيء ففعلته, ولهذا جاء في حديث الامتحان في القبر عندما يأت الملك ويسأل ويقول: من كنت تعبد؟ وفي أي شيء تعبد, ما هي عبادتك يعني ما هو دينك ومن هذا الرجل..؟ الذي لم يعلم الأشياء على وجهها وعلى ما جاءت ما يستطيع الجواب, يقول: ها ها لا أدري سمعت الناس يقولون شيء فقلته, أو رأيتهم يفعلون شيء ففعلته, هذا ليس علم, ولهذا يقول له الملك: ما دريت ولا تليت, يعني ما علمت العلم اليقيني العقلي في نظرك وسمعك ولا قرأت كتاب الله تؤمن به, فيعذب.

يعني لا بد من العلم في ذلك, وهذه أمور ظاهرة.

قوله: فأما الذي لا يجوز الجهل به من دين الله لمن كان في قلبه من أهل التكليف لوجود الأدلة متفقةً في الدلالة عليه غير مختلفةٍ ،  ظاهرةً للحس غير خفية ، فتوحيد الله تعالى ذكره ، والعلم بأسمائه وصفاته وعدله ،وذلك أن كل من بلغ حد التكليف من أهل الصحة والسلامة ،فلن يعدم دليلاً دالاً وبرهاناً واضحاً يدله على وحدانية ربه جل ثناؤه ،ويوضح له حقيقة صحة ذلك ؛ ولذلك لم يعذر الله جل ذكره أحدا كان بالصفة التي وصفت بالجهل وبأسمائه ، وألحقه إن مات على الجهل به بمنازل أهل العناد فيه تعالى ذكره ، والخلاف عليه بعد العلم به ،وبربوبيته في أحكام الدنيا ، وعذاب الآخرة فقال – جل ثناؤه -: { قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً * الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً * أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً }[الكهف:103-105]

فسوى – جل ثناؤه – بين هذا العامل في غير ما يرضيه على حسبانه أنه في عمله عامل بما يرضيه في تسميته في الدنيا بأسماء أعدائه المعاندين له، الجاحدين ربوبيته مع علمهم بأنه ربهم، وألحقه بهم في الآخرة في العقاب والعذاب. وذلك لما وصفنا من استواء حال المجتهد المخطئ في وحدانيته وأسمائه وصفاته وعدله، وحال المعاند في ذلك في ظهور الأدلة الدالة المتفقة غير المفترقة لحواسهما، فلما استويا في قطع الله -جل وعز- عذرهما بما أظهر لحواسهما من الأدلة والحجج، وجبت التسوية بينهما في العذاب والعقاب.

 (الشرح)

يعني: هذا يقصد بذلك أن يقول: العلم بالله وبأسمائه وصفاته, أليس الاختلاف الآن في الأسماء والصفات منتشر في الناس أكثر من غيره! وكثير من الناس سلك مسالك بعيدة عن ظاهر الأدلة, وهذا يقول أنه غير معذور بل هو مأزور وهو أيضا له حكم الذين تعبدوا بالجهل وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا .

فقوله: يحسبون أنهم يحسنون صنعا يعني يظنون أنهم على هدى, وهذا شأن أهل البدع كلهم, يظن أن هو المهتدي وغيره الضال, ما ينفعه هذا الظن وهذا الحسبان, فلهذا حكم جل وعلا بأنهم في النار لأنه بعد البيان الذي بينه الله جل وعلا وبينه الرسول r لا يعذر أحد بمخالفته, كونه مثلا يقول وجد مثلا من يقتدي بهم على خلاف ذلك وأنهم زينوا له ذلك هذه لا تكون حجة, فالحجة هو كتاب الله وسنة رسوله r.

أن من العلم ما هو ظاهر جلي ولا يعذر أحد بجهله ومخالفته, لهذا استدل الإمام بن جرير” رحمه الله ” على أن من (غلط) الربوبية والعبادة أنه غير معذور لأن الله جل وعلا أخبر أن الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا هم الذين أخطأوا طريق الحق الذي جاء به الرسول r سواء مجتهدين أو مقلدين أو جاهلين , أنهم “حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة فلا يقام لهم وزنا” , يعني أنهم لا يحاسبون, إنما تعرض أعمالهم ثم يلقون في النار, يقول أنه سوى بين هؤلاء وبين الجاحدين لربوبيته لأن العلم بذلك أمر ظاهر يعني الأدلة , ومقصوده بالأدلة التي تدرك بالحواس مثل المخلوقات المشاهدة من السماوات والأرض وكذلك الحوادث التي تتجدد مثل الرياح والسحاب الأمطار والنبات وغير ذلك مما هو دليل على وجوب عبادة الله جل وعلا , فلما أعرضوا عن ذلك استووا مع الذين جحدوا ذلك عنادا يقول فكلهم يكونون في النار, وهذا الذي يقوله الإمام بن جرير قد قاله بعض العلماء ولهذا يقولون ليس هناك وقت فترة يجهل المشرك أن هذا يمكن يكون عذرا له , ولذلك صحت الأحاديث عن رسول الله r أن الذين ماتوا في الجاهلية هم في النار , والمقصود أنهم كانوا مشركين بخلاف الشرائع التي تأت بها الرسل فإن الإنسان إذا جهلها بعدما بذل ما يستطيع فإنه يكون معذورا.

 قوله رحمه الله: وخالف حكم ذلك حكم الجهل بالشرائع، لما وصفت من أن من لم يقطع الله عذره بحجة أقامها عليه بفريضة ألزمه إياها من شرائع الدين، فلا سبيل له إلى العلم بوجوب فرضها؛ إذ لا دلالة على وجوب فرضها .

 وإذا كان ذلك كذلك لم يكن مأمورا، وإذا لم يكن مأمورا لم يكن بترك العمل لله -عز ذكره- عاصيا، ولا لأمر ربه مخالفا؛ فيستحق عقابه؛ لأن الطاعة والمعصية إنما تكون باتباع الأمر ومخالفته.

(الشرح)

يعني : هذا قصده بالشرائع, يعني مثل الصلاة والصوم والحج وكل ما أمر الله جل وعلا به على لسان رسوله , فإن هذا لا يلزم إلا لمن بلغه وعلمه, والذي لم يبلغه ولم يعلم به فإنه لا يؤاخذ يكون معذورا ولكن إذا كان الإنسان سمع بأن لله دين وله رسول فإنه يجب عليه أن يبحث عن ذلك حتى يتأكد ويعلم, ولهذا علق قيام الحجة بالبلاغ , كما قال جل وعلا : {لِتُنْذِرَ بِهِ} [الأعراف:2], يعني: القرآن , وكما يقول في صحيح مسلم: (والله لا يسمع بي أحمر ولا أبيض ثم لا يؤمن بما جئت به إلا أدخله الله النار) فعلق الأمر بمجرد السماع , لأنه عنده عقل وعنده فكر وعنده أنه عبد لله جل وعلا فإذا سمع بأمره ورسالة الرسول الذي يرسله يجب عليه أن يبحث عنه , وقد يقول قائل مثلا : إن كثيرا من الناس شُوه سمعت الإسلام لديهم فلا يبلغهم على الوجه الذي جاءت به الرسل , نقول هذا ليس عذر, لأنه ليس مكلفا بما يقوله الناس وإنما كلف بما جاء به الرسول r, فيجب عليه أن يبحث عنه من المصدر الذي يتأكد أنه جاء بالحق وأن ما يقال خلاف ذلك يكون لعداء الرسول أو لتشويه دعوته لأن هذا كثير جدا, والمشركون قديما كانوا يرمون الرسل بالجنون ويرمونهم بالكذب ويرمونهم بما يعلم أنه ليس حق , فالذين لا يجتهدون ويتبعونهم على هذا القول هم هالكين معهم , يعني مقلد أهل الباطل يقلدوهم حكمهم ، لأن الله جعل للإنسان عقل وعنده فكر ونظر فيجب عليه أن يستعمل عقله , أما إذا أهدر عقله وجعل يقلد من يعظمه هو إمامه, فإنه غير معذور, ولهذا أخبر الله جل وعلا عن أتباع الإتباع أنهم يلومون متبعيهم وأنهم يقولون : لولا أنتم لكنا مسلمين, أما الأتباع يقولون لهم: ما صددناكم لقد جاءكم الحق ولكنكم اتبعتم الباطل , يعني أنكم ما نظرتم بعقولكم وفكرتم في صحة ما جاءت به الرسول وإنما اتبعتم قرناءكم بدون تفكير وتقلدتموهم ذلك, فهم هالكون معهم , فلا بد للإنسان أن يتأكد من الأخبار التي تأتيه عن طريق الناس, لأن الخبر قد يتغير كثيرا بالنقل وهذا أمر محسوس , إذا مثلا إنسان نقل شيئا ثم نقله عنه ناقل ثم نقله عنه ناقل يتغير وقد يكون منعكسا, فلهذا نقول كون الإنسان مثلا غرر به أو بلغه الأمر على غير وجهه نقول هذا ليس عذرا له لأنه بإمكانه أن يتأكد ولكنه اعتمد على أقوال الناس فهذا لا يكون معذورا ولذلك جعل الله جل وعلا بلوغ الحجة كاف, والعلماء يقولون: فهم الحجة ليس شرطا, وإنما الشرط بلوغها, إذا بلغت الحجة قام العذر على من بلغته, والحجة تقوم على العبد بكونه سمع أن لله دينا وأن له نبيا فيجب عليه أن يتأكد من ذلك كما أنه يجب عليه أن يتعرف على ما جاء به الرسول, لأنه غير معقول أن كل جماعة أو كل فرد يأت إليه الرسول بنفسه أو يُؤتى إليه بالرسالة (ويقابله) ولهذا كانت رسالة نبينا r في مكان معين ولقوم معينين ثم أوجب على أهل الأرض كلهم أن يتبعوه, ومعلوم أن أكثر أهل الأرض لا يعرفون لغته, فمعنى ذلك أنهم يجب عليهم أن يتعلموا لغة الرسول حتى يعرفوا ما جاء به, فكيف مثلا إذا سمعوا أن له شرع وأنه جاء بأمر من أمر الله ثم أعرضوا عن ذلك أو مثلا نقلت لهم رسالته على غير وجهها, هذا كله لا يكفي في إقامة العذر فهم غير معذورين ولكن المقصود بهذا أنه قبل بلوغ الرسالة قبل مجيء الرسول الذي يقع في الشرك يكون هالكا وغير معذور , لوجود الأدلة التي تحيط به التي يقول أنها تدرك بالحواس والنظر في المخلوقات , المخلوقات دليل على الخالق كما أنها دليل على وجوب عبادته , فلهذا يذكر الله جل وعلا كثيرا إذا أمر بعبادته يذكر المخلوقات مثل السماء والأرض وخلقهم لأن هذا يوجب أن يعبد؛ “الذي جعل لكم الأرض فراشا ” وكذلك “الله الذي جعل لكم الأرض مهادا ” وما أشبه ذلك والسماء رفعها فوقكم تنظرون إليها وهذا من أعظم الأدلة , وكذلك الآيات التي سيرها جل وعلا على نمط واحد مثل الشمس والقمر والنجوم وما أشبه ذلك من الأمور التي تكون دليلا على وجوب عبادته لأنها دليل على وجوده, فإذا علم وجوده جل وعلا فهو أوجب العبادة على عباده, أما الشرع فإنه يتوقف على بلوغ الأمر والنهي, والعبادة هي امتثال الأمر والنهي على وجه الذل والخوف والرجاء والتعظيم.

وقوله رحمه الله : فإن قال لنا قائل:

فإنك قد تستدل بالمحسوس من أحكام الشرائع بعد وقوعه تحت الحس على نظائره التي لم تقع تحت الحس ويحكم له بحكم نظيره، ويفرق فيه بين المجتهد المخطئ، وبين المعاند فيه بعد العلم بحقيقته؛ فتجعل المجتهد المخطئ مأجورا باجتهاده، والإثم عنه زائلا بخطئه. وقد سويت بين حكم المجتهد المخطئ في توحيد الله وأسمائه وصفاته وعدله، والمعاند في ذلك بعد العلم به.

فما الفصل بينك وبين من عارضك في ذلك، فسوى بين المجتهد المخطئ والمعاند بعد العلم، حيث فرقت بينهما، وفرق حيث سويت؟

(الشرح)

السؤال الذي (يعذر)  لأن بعض الذين خالفوا مثل المعتزلة ونحوهم يقولون : كل مجتهد مصيب , سواء أخطأ أو لم يخطئ بشرط أن يكون أهلية الاجتهاد موجودة عنده , لأن هذا الذي كلف به أن يجتهد ولم ينظروا إلى محل الاجتهاد ومناط الحكم , لأنهم سووا في هذا بين المدرك بالمحسوس والمدرك بالسماع , المدرك بالحواس مثل النظر هذا في المخلوقات القائمة بأنفسها , أما المدرك بالسماع فهو الكلام الذي يبلغه الرسول , وهذا يقول أنه لا فرق بينهما والفرق واضح جلي لأن المدرك بالنظر أمر قائم يشاهده كل من نظر إليه أما السماع فهذا حتى يبلغ الإنسان , فإذا بلغه ,, وجب عليه النظر فيه حتى يتيقن أنه حق من الله جل وعلا مع أن الذي يأت به الرسول حق سواء عرف الإنسان حكمة فيه أو علم حقيقته أ ولم يعلم فإنه يجب أن يؤمن به ويتبعه على كل حال, هذا الإمام الشافعي رحمه الله: آمنت بالله وبما قال الله على مراد الله,وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله, يعني ولو لم أفهم مراده فأنا أومن به أصدقه, ومعلوم أن الفهم أنه أمر مطلوب وأن فيه زيادة علم والعلم إذا زاد في قلب إنسان زاد العمل, والمقصود بالعلم إذا كان يقتضي العمل أما علم بلا عمل فلا فائدة فيه.

وقوله رحمه الله : قيل أن الفرق بيني وبينه أن من قيلي وقيل كل موحد: أن كل محسوس أدركته حاسة خلق في الدنيا فدليل لكل مستدل على وحدانية الله عز وجل وأسمائه وصفاته وعدله، وهو كل دال على ذلك فهو في الدلالة عليه متفق غير مفترق، ومؤتلف غير مختلف.

وإن من قيلي وقيل كل قائل بالاجتهاد في الحكم على الأصول: أنه ليست الأصول كلها متفقة في الدلالة على كل فرع.

وذلك أن الحجة قد ثبتت على أن واطئا لو وطئ نهارا في شهر رمضان امرأته في حال يلزمه فيها فرض الكف عن ذلك، أن عليه كفارة بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك حكم من الله تعالى ذكره على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم فيمن وطئ امرأته في حال حرام عليه وطؤها ، وقد يلزمه في حال أخرى يحرم عليه فيها وطؤه ، فلا يلزمه ذلك الحكم بل يلزمه غيره؛ وذلك لو وطئها معتكفا ، أو حائضا : أو مطلقة تطليقة واحدة قبل الرجعة، وفي أحوال سواها نظائر لها. فقد اختلفت أحكام الفرج الموطؤ في الأحوال المنهي فيها الواطئ عن وطئه مع اتفاق أحواله كلها في أنه منهي في جميعها عن وطئه.

 (الشرح)

مقصوده في هذا يقول : أن النظر نظر المجتهد يختلف وإن كان الحكم واحد يعني الأصل واحد , مثل بهذا بأن الوطء واحد ولكن الأحكام تختلف في هذا فيختلف الاجتهاد في ذلك , وإذا اختلف الاجتهاد فمعنى ذلك أن هذا مجال للنظر والتفكر ولكن هذا لا يكون مثله الأمور القطعية الظاهرة , والأمور الاجتهادية (,,هي,,) الأمور التي علم أن الرسول r جاء بها , أما التي لم يعلم فهذا الحكم غير ذلك , فإنه لا يلزم لا أصل ولا فرع حتى يعلم ذلك , ولكن الفروع التي ترجع إلى الأصول خلاف الناس فيها ظاهر حسب اجتهاداتهم , ولهذا الرسول r لم يخطئ المجتهد في مثل هذا, فلما قال للصحابة رضوان الله عليهم : (لا يصلين أحدكم -أو أحد منكم- العصر إلا بني قريضة) يعني صلاة العصر وكان ذلك القول بعد صلاة الظهر, فخرجوا فأدركتهم الصلاة قبل وصول بني قريظة فاختلفوا ففريق قال: ما أراد منا رسول الله r تأخير الصلاة وإنما أراد منا سرعة المضي والذهاب إليهم , وفريق آخر قالوا : لن نصلي إلا في بني قريظة فصلى الفريق الأول للوقت والآخرون لم يصلوا إلا بعد غروب الشمس في بني قريظة , فلم يعنف r فرقة منهما ,لأن الأصل في هذا واحد وهو الطاعة , طاعة الرسول r وامتثال أمره غير أن المراد اختلف في هذا هل هو أراد المضي وأن الصلاة لا تصلى إلا هناك ولو خرج الوقت! أو أنه أراد منهم سرعة الخروج والمضي إليهم ولم يرد تأخير الصلاة!

وهكذا المسألة التي ذكرها هنا؛ فإن الأصل واحد وهو وطء الزوجة والحكم مختلف ففي نهار رمضان سواء كان جاهلا أو عالما يلزمه الكفارة , وأما المعتكف أو الذي وطئها وهي حائض أو بعد تطليقه واحدة قبل الرجعة , هذا فيه خلاف بين العلماء , من يقول أن الوطء رجعة وأنها زوجته , مادامت ما انتهت عدتها , وكذلك المعتكف وإن كان ليلا فإنه محرم عليه لقوله جل وعلا: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}[البقرة:187], فلما اختلف الحكم دل على أن هذا محلا للنظر والاجتهاد ويجب أن يتبع في ذلك ما أراده الشارع في هذا, غير أن أنظار الناس تختلف فيختلف الحكم عند الاجتهاد وعند الخطأ في هذا.

وهذا المقصود به أمور العبادات التي هي الأوامر والنواهي أما الأمور التي هي خلق الله الذي لا يتغير ولا يتبدل ولا يخطر على قلب إنسان أن هذه المخلوقات اشترك فيها اثنان , هذا لا يمكن ولهذا لم يقل أحد من الناس أن هذا خلق آلهتهم وأنها خلقت شيء , بل إذا سئلوا من خلقهم قالوا الله, وإذا سئلوا من خلق السماوات والأرض ومن أنزل من السماء ماءا فأنبت به لهم ما يأكلون وما تأكله أنعامهم يقرون بأنه الله جل وعلا لا شريك له.

وقوله رحمه الله : وليست كذلك الأدلة على وحدانية الله -جل جلاله- وأسمائه وصفاته وعدله، بل هي كلها مؤتلفة غير مختلفة، ليس منها شيء إلا وهو في ذلك دال على مثل الذي دلت عليه الأشياء كلها. ألا ترى أن السماء ليست بأبين في الدلالة من الأرض، ولا الأرض من الجبال، ولا الجبال من البهائم، ولا شيء من المحسوسات وإن كبر وعظم بأدل على ذلك من شيء فيها وإن صغر ولطف، فلذلك افترق القول في حكم الخطأ في التوحيد، وحكم الخطأ في شرائع الدين وفرائضه.

ولولا قصدنا في كتابنا هذا الاختصار والإيجاز فيما قصدنا البيان عنه لاستقصينا القول في ذلك، وأطنبنا في الدلالة على صحة ما قلنا فيه, وفيما بينا من ذلك مكتفى لمن وفق لفهمه.

 (الشرح)

وقد ذكر ذلك وبسطه في كتاب التفسير في أماكن متعددة كلما جاءت آية تدل على أن الكافرين أنهم يجتهدون ويحسبون أنهم يحسنون صنعا بين هذا, كقوله جل وعلا: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً}[الغاشية:1:4], ذكر أن هذه الوجوه تعمل وتكدح وتجتهد وتخشع وتبكي ولكنها النتيجة أنها تصلى نارا حامية, لأنها أعرضت عن الأمر الظاهر الجلي, فصار حكمهم أن اعمالهم مردودة وهذا في آيات كثيرة, يقول جل وعلا: { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا…..} إلى آخر الآية, [الأعراف:179], فذكر أن هؤلاء أضل من البهائم وأنهم غافلون, الغفلة معناها أنهم لم يستعملوا في هذا نظرهم, أما أسماء الله جل وعلا وصفاته فكذلك لأنها تدل كلها على مسمى واحد وعلى معان عظيمة معان لا يشارك المخلوق الخالق فيها, والخطأ فيها أيضا من عدل عن ذلك وجعلها كأسماء المخلوقين أنه غير معذور في هذا, وإن كان الانسان قد مثلا يلبس عليه وتغير فطرته من الصغر, قد  يتلقى مثلا ان ظاهر هذه الصفات مثلا أن الأسماء يدخل فيها الصفات, أنها تدل على باطل, كما يقولون مثلا: الاستواء يدل على التشبيه واليد كذلك, والعينين, والرحمة والرضى والغضب وما أشبه ذلك, يقيسون على ذلك أنفسهم يجعلونها هي الأصل في هذا ثم يطردون ذلك في أسماء الله جل وعلا, فمثلا يقول: الرحمة رقة تحدث للإنسان ثم يجد الميل إلى المرحوم, وهذا نقص فلا يجوز أن نصف الله جل وعلا بالرحمة فلا بد أن نؤولها, يقول يجب علينا التأويل أو التفويض, وإذا كان يجب فمعنى ذلك أن الإنسان في هذا مأجو على هذا التأويل, وهذه عقيدتهم هكذا يقولون, لماذا! لأنهم تلقوا ممن يحسنون به الظن من المشايخ والذين تربوا على أيديهم, هذه الأمور, وكذلك الاستواء والعلو, قالوا انه يقتضي أن يكون في مكان والمكان لا يكون فيه إلا جسم فإذا أثبتنا الاستواء والعلو لزم من ذلك أن نثبت الجسم أنه جسم, وهكذا يبنون أمورا على باطل, مع أن الله جل وعلا لا يماثله شيء وقد أعلمهم الله جل وعلا بذلك فقال: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا}[البقرة:2], والأنداد تكون في الخلق وتكون في الحق وتكون فيما يستحقه ويستوجبه مما وصف وسمى به نفسه, وقال: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا}[مريم:65], وقال: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}[ الإخلاص :4], قال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}[الشورى:11], فعدلوا عن هذه الأمور بالقياس الفاسد الذي جعلوه يعني نفوسهم هي الأصل فضلوا في هذا ضلالا بينا , ولكن عند أنفسهم أنهم على حق, ومثل هذا يكون مانعا من التكفير من تكفيرهم حتى يبين لهم الحق ويوضح وتزال الشبه عنهم.

وقوله رحمه الله : وإذا كان صحيحا ما قلنا بالذي عليه استشهدنا، فواجب أن يكون كل من بلغ حد التكليف من الذكور والإناث وذلك قبل أن يحتلم الغلام أو يبلغ حد الاحتلام، وأن تحيض الجارية أو تبلغ حد المحيض – فلم يعرف صانعه بأسمائه وصفاته التي تدرك بالأدلة بعد بلوغه الحد الذي حددت، فهو كافر حلال الدم والمال، إلا أن يكون من أهل العهد الذين صولح سلفهم على الجزية وأقهروا فمن عليهم ووصف عليهم خراج يؤدونه إلى المسلمين، فيكون من أجل ذلك محقون الدم والمال وإن كان كافراً.

 (الشرح)

يعني : هذا الذي ذكر أولا, أن في الأمور الظاهرة مثل التوحيد يعني عبادة الله وألحق بذلك توحيده لأسمائه وصفاته, وإلحاق الأسماء والصفات لا بد أن يفصل فيه التفصيل السابق, لأن كثير من الناس اجتهد في هذا وظن أنه على حق وهو مخطئ وصار للاجتهاد فيه مجال لهذا الذي.. وإن كان اجتهاده خطأ واعتقاده باطل, ولكن وجود الشبه التي قامت عندهم وهو أن الذي اعتقدوا ظاهر النصوص أنها كفر فهم فرّوا من الكفر ,,, وإن كان هذا خطأ ظاهر لمن آمن بالله وآمن برسوله ولكن فرق بين هذا وبين من عبد شجرة أو حجرا أو مخلوقا من المخلوقات, لأن هذا ليس له أي حجج وأي حجة, لا يوجد شيئا كان له خالقا غير الله جل وعلا, ولهذا كل من سئل من هؤلاء ما يأت بحجة إلا أنه يقول: وجدنا آباءنا هكذا فقط, هذه ليست حجة وليست عذر, بخلاف ما سلكه هؤلاء الذين أنكروا صفات الله جل وعلا وبعضهم أنكر الأسماء ولكن الذي أنكر الأسماء أكثر العلماء حكموا بأنهم كفرة مثل الجهمية, ففرق بين هذا وبين الأحكام التي جاء بها الرسول r ثم هي أصول لأن كل ما قاله الله وقاله الرسول r أصل ولكن مناط الأحكام فيها الذي هو محل الاجتهاد يختلف.

وقوله رحمه الله : فإن قال قائل:

فإذا كان الوقت الذي تلزمه الفرائض هو الوقت الذي ألزمته الكفر إن لم يكن عارفا بصانعه، بأسمائه وصفاته التي ذكرت، فمتى لزمه فرض النظر والفكر في مدبره وصانعه حتى كان مستحقا اسم الكفر في الحال التي وصفت والحكم عليه بحكم أهله؟

 (الشرح)

يعني : أن هذا كان مرفوعا عنه القلم غير مكلف قبل بلوغه حد البلوغ هو غير مكلف لا في توحيد ولا في الأحكام, غير أن الله جل وعلا فطر الخلق على معرفته وعلى أنه جل وعلا له الكمال المطلق وإن كان هذا (…) غير المكلف لا يلزم بالكفر, وإنما يلزمه إذا كان محلا للتكليف ولايكون محلا للتكليف إلا إذا بلغ.

وقوله رحمه الله : قيل له:

لم يلزمه فرض شيء من الأشياء قبل الحد الذي وصفت، غير أنه مع بلوغه حدث التمييز بين ماله فيه الحظ وعليه فيه البخس: أن يخليه داعي الرحمن وداعي الشيطان من الدعاء، هذا إلى معرفة الرحمن وطاعته، وهذا إلى اتباع الشيطان وخطواته؛ كما قال الله تعالى ذكره: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }[البقرة:268] , وذلك قد يكون في حال بلوغ الصبي سبع سنين أو ثمان سنين، فإذا عرض له الداعيان اللذان وصفت في تلك الحال، فهو ممهل بعد ذلك من الوقت السنين، وربما كان ذلك قدر عشر سنين وربما كان ثمانية، وربما كان أقل وأكثر.

وأقل ما يكون ست سنين، وفي قدر ذلك من المهل، وفي أقل منه ما يتذكر من هو متذكر، ويعتبر من هو معتبر. ولن يهلك الله -جل ذكره- إلا هالكاً.

 (الشرح)

يعني أنه في هذا الوقت يكون ممهل يقول يعني ممهل حتى يكمل عقله وينظر ويعرف الأمور ويميزها ومقصوده أنه قبل ست سنين أو السبع أو الثمان أنه لا يميز بين الأمور التي هي أدلة قائمة على ما يجب أن يتبع ويقال مثل العبادة أو مثل الكمال ما يستحقه الرب فالغالب أنه لا يدرك هذا وإنما يدركه إذا بلغ ثم ان هذا يكون مشتركا بين من تجب عليه الأحكام ويجب عليه عبادة الله جل وعلا والوجوب يتعلق بالعقل والادراك, ولهذا بين الله جل وعلا ذلك في كتابه وكل ما ذكر من الآيات غالبا يقول: {لقوم يعقلون} دل على أن العقل هو مناط التكليف والعذاب وغيره.

القول في صفة المستحق القتل أنه بالله عارف المعرفة التي يزول بها عنه اسم الكفر

قال أبو جعفر: لن يستحق أحد أن يقال له: إنه باللهعارف المعرفة التي إذا قارنها الإقرار والعمل استوجب به اسم الإيمان، وأن يقال له: إنه مؤمن، إلا أن يعلم بأن ربه صانع كل شيء ومدبره، منفردا بذلك دون شريك ولا ظهير، وأنه الصمد الذي ليس كمثله شيء: العالم الذي أحاط بكل شيء علمه، والقادر الذي لا يعجزه شيء أراده، والمتكلم الذي لا يجوز عليه السكوت. وأن يعلم أن له علما لا يشبهه علوم خلقه، وقدرة لا تشبهها قدرة عباده، وكلاما لا يشبهه كلام شيء سواه. وأنه لم يزل له العلم والقدرة والكلام.

 (الشرح)

يعني هذا الكلام الذي قد مثلا العلماء يخاطبون الناس باصطلاحاتهم, وإذا انتشر مثلا لفظ من الألفاظ وفي المحاضرات والمناظرات فإنهم يتبعون هذا اللفظ وإن كان اللفظ غير مستساغ, فمثلا قوله: “بأن يعرف صانعه, وأن له صانع” فهذا لا يطلق على الله جل وعلا بأنه صانع وكذلك “المتكلم” هذا من باب مخاطبة الناس بما يتعارف بينهم ويندرج في خطابهم وفي مكاتباتهم ومناظراتهم, وإن كان ليس وصفا لله جل وعلا ولا اسما, لأنه ليس من أسمائه جل وعلا “الصانع ” ولا “المتكلم” وإنما جاء أنه يتكلم وكلم وله كلام وبقول وقال.. كل هذا يجب أن يتبع فيه ما قاله جاء به الخبر عن الله, أما المتكلم فهذا يطلق على الذي تكلم حقا والذي تكلم باطلا, الذي تكلم بالإيمان والذي تكلم بالكفر والخنا, ولهذا الشيء الذي فيه احتمال لا يطلق على الله, ثم القاعدة في هذا أننا نتبع ما أخبر الله جل وعلا به عن نفسه ولا نزيد على ذلك والله لا يوصف أو يسمى إلا بما سمى ووصف به نفسه أو سماه به رسوله r, وهذه قاعدة متفق عليها بين العلماء والمخالفة في هذا ليست من باب التسمية فكثيرا ما يطلق الصانع في كلام العلماء على الله ولا يريدون به أنه يسمى صانعا وإنما هذا من بابا الخبر وباب المحاورات, لهذا مثل قول الله جل وعلا: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ}[الواقعة:63-64], فلا يسمى الله جل وعلا زارع وإنما هذا من الأخبار التي تخبر بها لتقرير حجة وحكم يلزم, ومن ذلك السكوت, في قوله: لا يجوز عليه السكوت, السكوت ضد الكلام وهو المراد يعني أنه يتكلم, وقد جاء اطلاق السكوت على الله جل وعلا, كما في قول الرسول r: (وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان), والكمال أن يتعلق الكلام بالمشيئة بمشيئته, يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء, فالمقصود أن هذا غير مراد يعني ولا يجوز عليه السكوت أنه قد يقول قائل: ان معناه انه قد يكون متكلما دائما, هذا لا يريده ولا يقول به.

وقوله رحمه الله : فإن قال لنا قائل:

فإنك قد ألزمت هذا الذي بلغ حد التكليف شططا: أوجبت له الكفر بجهل ما قد عجز عن إدراك صحته من قد عاش من السنين مائة، ومن العمر طويلا من المدة، وأنى له السبيل في المدة التي ذكرت مع قصرها إلى معرفة هذه المعاني.

قيل له: إن الذين جهلوا حقيقة ذلك مع مرور الزمان الطويل، لم يجهلوه لعدم الأسباب الممكن معها الوصول إلى علم ذلك في أقصر المدة وأيسر الكلفة؛ ولكنهم تجاهلوا مع ظهور الأدلة الواضحة، والحجج البالغة لحواسهم؛ فأدخلوا اللبس على أنفسهم، والشبهة على عقولهم، حتى أوجب ذلك لهم الحيرة، وأكسبهم الجهل والملالة. ولو أنهم لزموا محجة الهدى، وأعرضوا عما دعاهم إليه دواعي الهوى لوجدوا للحق سبيلا نهجا، وطريقا سهلا.

وأي أمر أبين، وطريق أوضح، ودليل أدل دلالة من قول القائل: الله عالم، على إثبات عالم له علم.

 (الشرح)

يعني يقصد أنه انكار الصفات أو انكار الاسماء أنه لا دليل عليه, وأنها تدل على الكمال, مثلا الذين يطلقون أسماء بدون صفات يبادرون في نفي ما يفهم من الاسم, فإذا قالوا أنه عالم قالوا بلا علم, وهل يمكن عالم بلا علم! هذا لا يعقل غير معقول, قالوا مثلا: يسمع بلا سمع, يبصر بلا حاسة وبلا.. إلى آخره, مع أن الحاسة لا تأت في صفات الله جل وعلا, ولكن معلوم أن السمع ادراك المسموعات, والبصر ادراك المبصرات وكذلك العلم لا يطلق العلم إلا على عالم حل به وقام العلم بذاته, فإذا نفي هذا فمعنى ذلك أن الاسم نفسه منفي لأنه غير معقول, فهؤلاء يقول انهم لا عذر لهم في ذلك حيث أطلقوا الأسماء ونفوا الصفات عن الله جل وعلا التي هي أصل الأسماء والأسماء مأخوذة منها لأن الأصل هو الصفة؛ والفرق بين الاسم والصفة أن الصفة هي المعنى القائم بالموصوف, والاسم هو الاسم الدال على المسمى الذي يدل على الذات ويعينها, إذا قال الرحمن؛ فالرحمن مأخوذ من الرحمة , الرحمة صفة للرب جل وعلا قائمة بذاته, الرحمن اسمه الذي يدل على ذاته وهكذا يقال في جميع الأسماء والصفات وبعض الناس الذين لم.. طلبة العلم الذين لم يتحققوا في هذا يعكسون القضية وهو خطأ واضح, يقولون الأصل الأسماء والصفات مأخوذة من الأسماء, هذا عكس الحق وهم لم يعرفوا حتى في لغة ذلك، اللغة منها تدل على خلاف هذا, وهذا واضح لمن تأمله, وقد نص على ذلك كثير من العلماء.

المقصود أن الكلمة إذا وضعت على شيء واضح (الكلام) يوضع على شيء يدل على المعنى وكلام المتكلم لي مجرد لفظ ولا معنى وكذلك إذا وضعت الكلمة على أمر من الأمور فليس المقصود مجرد الألفاظ؛ المقصود الألفاظ والمعاني ولهذا نقول أن كلام الله هو اللفظ والمعنى كلاهما كلام الله جل وعلا , وليس لفظا دون المعنى ولا المعنى دون اللفظ, وكذلك صفاته جل وعلا وإن كان هذا الذي قاله المؤلف رحمه الله فيه خلاف بين العلماء.

وقوله رحمه الله : ولئن كان لا دلالة في قول القائل:

هو عالم ، على إثبات عالم له علم أنه لا دلالة من قول قائل : إنه على إثباته ؛ إذ كان المعلوم في النشوء والعادة أن كل شيء مسمى بعالم فإنما هو مسمى به من أجل أن له علما ، فإن يك واجبا أن يكون المعلوم في النشوء والعادة في المنطق الجاري بينهم، والمتعارف فيه في بارئ الأشياء: خلافا لما جرت به العادة والتعارف بينهم.

إنه لواجب أن يكون قول القائل: إنه دليل على النفي لا على الإثبات، فيكون المقر بوجود الصانع مقرا بأنه غير عدم، لا مقرا بوجوده؛ كما كان المقر بأنه عالم مقرا -عند قائل هذه المقالة- بأنه ليس بجاهل، لا مقرا بأن له علما.

فإن كان المقر عندهم بأنه مقر بإثباته ووجوده، لا نافيا عدمه؛ فكذلك المقر بأنه عالم مقر بإثبات علم له لا ينفي الجهل عنه.

وكذلك القول في القدرة، والكلام، والإرادة، والعزة، والعظمة، والكبرياء، والجمال، وسائر صفاته التي هي صفات ذاته.

 فإن قال لنا قائل:

فهل من معاني المعرفة شيء سوى ما ذكرت؟

 قيل: لا.

فإن قال: فهل يكون عارفا به من زعم أنه يفعل العبد ما لا يريده ربه ولا يشاء؟ قيل: لا.

وقد دللنا فيما وصفناه بالعزة التي لا تشبهها عزة على ذلك.

وذلك أنه من لم يعلم أنه لا يكون في سلطان الله -عز ذكره- شيء إلا بمشيئته، ولا يوجد موجود إلا بإرادته، لم يعلمه عزيزاً.

وذلك أن من أراد شيئا فلم يكن وكان مالم يرد، فإنما هو مقهور ذليل، ومن كان مقهورا ذليلا فغير جائز أن يكون موصوفا بالربوبية.

 (الشرح)

” هو ” في هذا المقطع يعني يريد بذلك أن الأسماء تدل على الصفات والصفات بالأسماء كلها دليل على ذات واحدة وإن تنوعت , وهي تدل على الكمال , فهذا يقول: مثل دلالة الخلق على الخالق , فلا عذر في الخلاف في ذلك , وكل هذا بعد بلوغ ذلك عن طريق الرسول r, لأن هذا لا يدرك إلا بالأخبار , مثل تسمية الله ووصفة بالشيء الذي سمى به نفسه ,,,, كونه خالق كونه هو الذي جل وعلا يتصرف بالشيء ويملكه؛ كل شيء, ولكن الاخبار بأنه سميع بأنه يرضى بأنه يرحم إلى غير ذلك مما جاء في صفاته فهذه تتوقف على الأخبار عن نفسه أنه يخبر عباده ويتعرف بها إليهم فإنه يعرف بها, وكذلك إذا قالها الرسول r ولكن إذا جاءت مثلا الأسماء فلها معان أخذت منها وهي تدل عليها فلا يجوز أن نأخذ مجرد الاسم الذي يكون مرتجلا , ان أسماء الله حسنى , كونها حسنى دلت على المعاني الحسنة الجميلة التي تليق بالله جل وعلا, بخلاف أسماء المخلوق فإنها أسماء مرتجلة وضعت ليميز هذا من هذا فقط , وإلا كلها تدل على فقير محتاج محدث بعد أن لم يكن وهو فان ميت وهو مكلف لخالقه ولا بد أن يقوم بأمره , أما رب العالمين جل وعلا فليس بمشاهد حتى يوصف وليس له مثيل حتى يقاس عليه تعالى الله وتقدس , فإذا لا بد من الخبر عنه, وهذه أيضا لا تدركها العقول حتى مثلا يكلف العقل بها ولكن مقصوده إذا جاءت عن الله وعن رسوله فلا بد أن نعرف مراد المتكلم فيها, هل مثلا إذا قال: علام الغيوم, { أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ}[الملك:14], وما أشبه ذلك نقول أنه مجرد خبر بأنه عالم فقط! أو يعلم بلا علم! هذا غير جائز لا معنى ولا لغة ولا حتى عقلا, يعني هذا ألحقه بما قبله لهذا المعنى.

وقوله رحمه الله : فإن قال: فإن من يقول هذا القول يزعم أن إرادة الله ومشيئته: أمره ونهيه، وليس في خلاف العبد الأمر والنهي قهر له ؟

قيل له: لو كان الأمر كما زعمت، لكان الله تعالى ذكره لم يعم عباده بأمره ونهيه، لأنه يقول: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى}[الأنعام:35].

فإن تك المشيئة منه أمرا، فقد يجب أن يكون من لم يهتد لدين الإسلام لم يدخله الله عز وجل في أمره ونهيه الذي عم به خلقه، وفي عمومه بأمره ونهيه جميعهم، مع ترك أكثرهم قبوله: الدليل الواضح على أن قوله: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى} إنما معناه: لو شاء الله لجمعهم على دين الإسلام، وإذ كان ذلك كذلك كان بينا فساد قول من قال: مشيئة الله -تعالى ذكره- أمره ونهيه!

 (الشرح)

يعني مقصوده أن الصفة تعود على شيء واحد كما يقوله الأشعرية وغيرهم مثل هذا، فهذا غير معقول وغير دالة عليه اللغة التي وضعت لهذا والتي تكلم بهذا المتكلم, فهذا ضلال بين بلا شك.

القول فيما أدرك علمه من صفات الصانع خبرا لا استدلالا

 قال أبو جعفر :

أما ما لا يصح عندنا عقد الإيمان لأحد، ولا يزول حكم الكفر عنه إلا معرفته، فهو ما قدمنا ذكره.

وذلك أن الذي ذكرنا قبل من صفاته لا يعذر بالجهل به أحد بلغ حد التكليف كان ممن أتاه من الله تعالى ذكره رسول أولم يأته رسول، عاين من الخلق غيره أو لم يعاين أحدا سوى نفسه.

ولله تعالى ذكره أسماء وصفات جاء بها كتابه، وأخبر بها نبيه صلى الله عليه وسلم أمته، لا يسع أحدا من خلق الله قامت عليه الحجة بأن القرآن نزل به، وصح عنده قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روي عنه به الخبر منه خلافه؛ فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه به من جهة الخبر على ما بينت فيما لا سبيل إلى إدراك حقيقة علمه إلا حسا؛ فمعذور بالجهل به الجاهل. لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل، ولا بالروية والفكرة.

وذلك نحو إخبار الله تعالى ذكره إيانا أنه سميع بصير، وأن له يدين لقوله: { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } [المائدة:64]. وأن له يمينا لقوله: { وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ }[الزمر:67] . وأن وله وجها لقوله: { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ }[القصص:88] ، وقوله: { وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ }[الرحمن:27] . وأن له قدما لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((حتى يضع الرب قدمه فيها)) . يعني جهنم.

وأنه يضحك إلى عبده المؤمن لقول النبي صلى الله عليه وسلم للذي قتل في سبيل الله: ((إنه لقي الله عز وجل وهو يضحك إليه)) .

وأنه يهبط كل ليلة وينزل إلى السماء الدنيا، لخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأنه ليس بأعور لقول النبي صلى الله عليه وسلم، إذ ذكر الدجال فقال: ((إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور)) .

 وأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم، كما يرون الشمس ليس دونها غياية، وكما يرون القمر ليلة البدر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم.

وأن له أصابع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن)) .

فإن هذه المعاني التي وصفت، ونظائرها، مما وصف الله عز وجل بها نفسه، أو وصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم مما لا تدرك حقيقة علمه بالفكر والروية. ولا نكفر بالجهل بها أحدا إلا بعد انتهائها إليه.

 (الشرح)

يعني في هذا الذي سبق أنه يلحقه بالأدلة الخلقية, هي الأمور التي تدرك بإدراك هذه الأدلة, لأن كونه خالق هذا أمر واضح , وكونه له المشيئة وأنه إذا شاء شيئا أراده كذلك لأن المشيئة هي التي تميز الأشياء تميز بها, وكذلك القدرة أنه على كل شيء قدير والعلم, كونه عالم بكل شيء فهذه تدرك بالعقل, وتكون الأدلة الخلقية أيضا, أدلة عليها, بخلاف الأمور التي ذكرها مثل السمع والبصر واليد والوجه والرجل والنزول والمجيء وما أشبه ذلك من التي لا بد أن يجيء القول بها عن الله جل وعلا وعن رسوله, ولكن إذا جاء الخبر بها وثبتت وجب الإيمان بها, وإذا ردت: كفر بها الإنسان, فإنه يكون مثل ما إذا كفر بالأمور الظاهرة الجلية, وهذه التي ذكر مجملة لها تفصيل ولها أماكن يفصل فيها .

وقوله : فإن المشيئة مثل مشيئته الذي يقول أنها أمره, بعض الناس يقول: المشيئة الأمر, كيف تكون المشيئة أمرا, المشيئة التي يشاء بها ويميز بها بين الأشياء مثل:{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى}[الأنعام:35].{ولو شاء الله ما أشركوا}[الأنعام:107], وما أشبه ذلك يدل على أن كل شيء بمشيئته وأن المشيئة هي التي اقتضت وجود هذه الأشياء المشاهدة, وكذلك القدرة والقوة والعلم, أما الأمور التي لابد من ورود الخبر بها فهي التي لا تدرك بالعقل, مثل ما ذكر أن له جل وعلا يدين وأنه سميع بصير وأنه يبسط يده وأن له يمين وله أيضا شمال كما ثبت في صحيح مسلم, وقوله في الأحاديث “كلتا يدي ربي يمين”؛ ليس المقصود أن كلتا يدي ربي من جانب واحد تعالى الله وتقدس عن هذا التوهم فإن هذا شوهه ونقص والله لا يكون موصوفا بما به النقص, ولكن المقصود بقوله : “كلتا يدي ربي يمين”: أن كلتاهما كاملة تامة لا يلحقها نقص كشمال المخلوق وشمال الآدمي فإن شماله أنقص من يمينه ولهذا جعلت الشمال للشيء المستقذر واليمين للشيء المستحسن, وهي كذلك اليمين أقوى في الضرب والأخذ والعطاء وغير ذلك, ولهذا لما ذكر الله جل وعلا رسوله r أنه جاء من عند الله وجاء بالأوامر وجاء بالشرع من عند الله قال: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ}[الحاقة:44-45],لأن هذا المعروف عند العرب أن الأخذ باليمين أقوى فقال: كلتا يدي ربي يمين يعني كلتاهما كاملة تامة لا يلحقها نقص كشمال المخلوق فإنها أنقص من يمينه, الله جل وعلا لا يوصف بشيء من النقص كما أنه لا يوصف إلا بالجمال وبالكمال تعالى الله وتقدس, ثم كذلك كونه وصف أنه يقبض بيديه, لما قال جل وعلا: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}[الزمر:67], وقد ذكر (,,,,) رحمه الله بسنده في تفسيره لهذه الآية أثر بن عباس الذي يقول فيه: إن الله يقبض سماواته وأرضه بيده اليمنى وتبقى شماله فارغة وإنما يستعين بشماله من كانت يمينه مشغولة, ومثل هذا لا يقال بالرأي أو بالقياس لأنه إخبار عن الله جل وعلا, وكذلك ما ذكر أن اليد لها أصابع كما ثبت في قوله r: (قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن) ووصف أن له أصبعين وله أصابع وجاء وصف اليد بأنها لها أصابع كما في حديث بن مسعود الذي في الصحيحين لخبر الحبر اليهودي الذي قال للنبي r: أن الله يضع السماوات على أصبع والأراضين على أصبع والشجر والثرى على أصبع والجبال على أصبع وسائر الخلق على أصبع, فذكر خمسة أصابع, ثم ضحك الرسول r حتى بدت نواجذه تصديقا لما قال, وقرأ قوله جل وعلا: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}[الزمر:67], وفي رواية فأنزل الله قوله: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ..},وكذلك له وجه جل وعلا, كما قال جل وعلا: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}, {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} كل من على الحياة فان وليس على ألأرض فقط {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}[الرحمن:26-27], { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ }[القصص:88],وكذلك كونه يضحك , كما جاء في الأحاديث وصحت, وكونه جل وعلا يرضى ويغضب وكونه جل وعلا يرحم وكونه ينزل إلى سماء الدنيا في آخر كل ليلة, وهذا لا يستطيع هؤلاء المؤولة أن يقروا به فضل عن الإيمان به على ما يليق, لأنهم لم يعرفوا من هذه الصفات إلا ما عرفوه من أنفسهم, فلهذا أوجبوا التأويل أو الرد ولكن الرد كفر بالله جل وعلا, فلجأوا إلى التأويل أو التفويض , والتفويض هو الجهل وهو أشر من التأويل ومعناه: أن هذا شيء لا يعرف معناه , فهل يقول مسلم بأن الله يخاطب عباده بشيء لا يعرف معناه! هذا لا يعقل, فواجب اتباع ما قاله الله جل وعلا وما قاله الرسول مع مراعاة كونه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}[الشورى:11], ولماذا ختم قوله”لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ” بهاتين الصفتين! وهو السميع البصير, هذا والله أعلم لأن المخاطبين لهم سمع وأبصار فكأنه يقول جل وعلا لا يحملكم كون هذا معروف عندكم السمع أو البصر وتتصفون به أن تردوا أو تؤولوا ما وصفت به نفسي فإنه ليس وصفكم يشابه وصفي,” لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ” ومع أن لفظة المشابهة أو الشبيه أو التشبيه في حق الله لم ترد في القرآن ولا في أحاديث الرسولr, وإنما جاء نفي التمثيل ونفي المكافئ أو السمي وما أشبه ذلك مما هو كمال لله جل وعلا , فإن التشبيه فيه إجمال وفيه إيهام, ولهذا كثير من المتكلمين يجعل إثبات الصفات تشبيه , ولما قيل للإمام أحمد وهو يؤدب ويضرب: لا نتركك حتى تقول أن الله لا شبيه له بوجه من الوجوه , أبى أن يقول هذا؛ لأنه يعرف أن مرادهم نفي الصفات, يعني لا يكون له رضى ولا يكون له رحمه ولا يكون له يد, ولا يكون له أي صفة من الصفات لأنها عندهم تشبيه , فالمقصود أن الله جل وعلا وصف نفسه بأوصاف يجب أن نؤمن بها على ظاهرها مع اعتقاد أنها خصائص تخصه, وأن أحدا من الخلق لا يشاركه فيها , أما مجرد موافقة الاسم والمعنى البعيد الذي فيه يفهم الكلام فهذا لا بد منه , ولكنه إذا أضيف الاسم أو الصفة زال هذا التوهم نهائيا , إذا قيل : علم زيد أو عمرو صار خاصا به, وإذا قلنا علم الله ورحمته وإحسانه و رضاه صار خاصا به لا يشاركه المخلوق فيه, فعند التخصيص والإضافة يزول ذلك , وهذا الذي لا بد من أن يكون موجودا عند المكلم حتى يفهم الخطاب , النزول اعتقدوا أنه كالنزول المعهود لهم , نزول من السطح مثلا إلى الأسفل يكون السطح فوق النازل, ويكون مثلا لزم منه المشي والذهاب والمجيء وهذا عندهم كفر, يقولون , هذا هو فعل المخلوق مع أنهم يدركون بعض الأشياء التي تدل على هذا أو لا يدركونها

, مثل كونه جل وعلا يحاسب خلقه في آن واحد جميعا, فهل هذا له نظير عندهم , لا يمكن , كل واحد يرى أنه يحاسب وحده والحساب للجميع, ففعله لا يشبه أفعال المخلوقين, ومثل ذلك نزوله الذي يقولون أنه ممتنع لأنه لو قلنا به للزم أنه يكون نازلا أربع وعشرين ساعة, لأنه كلما انتهى آخر اليل من هنا بدأ في غربنا وهكذا إلى أن تدور على الأرض, فجعلوا هذا حكم الجسد المخلوق الضعيف المحصور الذي يمضي عليه الأوقات وهو في مكان ثم يذهب إلى مكان آخر, مع أنهم يشاهدون ما هو نظير هذا وهو أن الأرض الآن مملوءة وقبل الآن بمن يتجه إلى الله ويدعوه ويخاطبه وكلهم يستمع إليهم في آن واحد لا يشغله سماعه لهذا عن سماعه لهذا , فهذا من خصائص الله جل وعلا ويجب أن نقول هكذا أفعاله كلها خصائص لا يشاركه فيها المخلوق, فلماذا يلجئون إلى النفي! لأنهم لا يعرفون من ذلك إلا ما عرفوه من أنفسهم , فأصل البلاء هو التشبيه المستكن في النفوس وإن كانوا لا ينطقون به ولا يتكلمون به ولكنه هو الأصل الذي نفوا من أجله سائر الصفات وسائر الأفعال, ومثل ذلك ذات العينين , يعني التثنية المثناة لأن التثنية لم تأت لا في كتاب الله ولا في أحاديث رسوله r مصرح بها, إلا في حديث ضعيف والحديث الضعيف ليس حجة في هذا ولا في الأحكام فلا يعتمد عليه, فقد جاء في حديث أبي هريرة الضعيف الذي يقول فيه: (إذا قام العبد في الصلاة فإنه بعيني الرحمن), ولكن المعاني التي دلت على هذا كثيرة, ومنها هذا الحديث: (أن ربكم ليس بأعور), لأنه عرف في اللغة أن العور هو فقد احدى العينين, فيكون دال بالمفهوم على أن لله عينين كاملتين تعالى الله وتقدس, وذلك لأن هذا الدجال مخلوق ضعيف ناقص, لأنه عمية إحدى عينيه.

والسبب في كون التثنية لم تأت للعينين لأن القرآن باللغة الفصحى واللغة الفصحى إذا أضيف المثنى إلى مجموع أو إلى مثنى جمع وإذا أضيف إلى ضمير المتكلم فإنه يفرد, كما قال الله جل وعلا: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي}[طه:39],وإذا أضيف المثنى إلى ضمير جمع فإنه يجمع, { تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا}[القمر:14], وكذلك المثنى في قوله : { فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا}[التحريم:4], قلوب, هو قلبان ليس قلوب, فهذه اللغة الفصحى جاء بها القرآن  بهذا لا يدل ذلك على الجمع إنما روعي هذا الأسلوب, ومثل ذلك رؤية الله جل وعلا يوم القيامة.

على كل حال قد بسطة هذه الأمور في مكان مراد المؤلف “رحمه الله” التمثيل في هذا ثم الحكم على من آمن أو لم يؤمن, الذي رد أو تأول, وذلك تبعا إلى القول بالإيمان أو الكفر كما سبق في كلامه أن الذي لا يقر بوحدانية الله ويعبده أنه يكون كافرا, سواء جاءت الرسل أو لم تأته, لوجود الأدلة القائمة الدالة على ذلك التي لا تخفى, ويلحق بهذا ما كان له هذا المعنى, أما الذي يترتب على السماع والمجيء؛ الخبر لأنه إخبار بالغيب؛ أو بأمر ونهي فهذا لا بد فيه من أن يأتي الرسول r به فإذا جاء به صار المخاطب حكمه أنهيؤمن به فإن رده كان كافرا, وإن تأوله تأويلا غير مستساغ بل قد يكون أشبه شيء بالاستهزاء والسخرية فكذلك حكمه حكم المعاند؛ كافر, أما إذا كان له عذر في هذا أو عنده شبه فيجب أن تزال الشبه عنه وتقام عليه الحجة قبل أن يحكم عليه بحكم من أحكام الشرع كفر أو ما هو دونه.

قوله رحمه الله:  فإن كان الخبر الوارد بذلك خبرا تقوم به الحجة مقام المشاهدة والسماع، وجبت الدينونة على سامعه بحقيقته في الشهادة عليه بأن ذلك جاء به الخبر، نحو شهادته على حقيقة ما عاين وسمع.

وإن كان الخبر الوارد خبرا لا يقطع مجيئه العذر، ولا يزيل الشك غير أن ناقله من أهل الصدق والعدالة، وجب على سامعه تصديقه في خبره في الشهادة عليه بأن ما أخبره به كما أخبره، كقولنا في أخبار الآحاد العدول، وقد بينا ذلك في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته.

 (الشرح)

قصده الخبر يعني أخبار الآحاد, قصده أخبار الآحاد وإن كانوا جماعة أنها تخالف أخبار النظر القطعي الذي ينقله من يستحيل عليه الكذب, لكن الشرع أكثره ورد بأخبار الآحاد, والصحيح أنه لا فرق بين خبر الآحاد والخبر المتواتر الذي ينقله جمع عن جمع يستحيل تواطؤهم على الكذب, فلو قلنا أن الأخبار كلها لا بد أن تكون هكذا ما تحصل لدينا شيء مما قاله الرسول r, مع أن هذا أمره واضح, لهذا يعقد العلماء في كتبهم لهذا المعنى كتابا يقول : كتاب خبر الآحاد كما فعل البخاري في صحيحه, وبين أن هذا أمر كان في زمن النبي r لا ينكر بل يعتمد ولا عذر لمن قال إني لا أصدق خبر الآحاد, فكان يرسل الرجل الواحد إلى البلاد ويرسله أيضا بالأحكام لجبي الزكاة وإبلاغ الأمر, فأرسل رسله إلى الملوك ولزمتهم بهذا, لزمتهم الحجة بذلك, كذلك فيما بين الصحابة هذا أمر ظاهر جدا وإنكاره من قبل أهل البدع أما  أهل السنة لا ينكرون هذا بل يسوون بينه وبين ما جاء بالتواتر, وإن كان هذا أقوى ولكن مقصوده بذلك أنه إذا عرف أن هذا الخبر صدق أنه قاله الرسول r, كما في الأحاديث التي في الصحيحين وغيرها ما كان على هذا الوجع فهو مقطوع بأن الرسول r قاله فلا عذر لمن أنكره أو رده, فيكون راده ومنكره كالذي يرد المتواتر.

وقوله رحمه الله : فإن قال لنا قائل:

فما الصواب من القول في معاني هذه الصفات التي ذكرت، وجاء ببعضها كتاب الله -عز وجل- ووحيه، وجاء ببعضها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قيل: الصواب من هذا القول عندنا، أن نثبت حقائقها على ما نعرف من جهة الإثبات ونفي التشبيه، كما نفى ذلك عن نفسه -جل ثناؤه- فقال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}[الشورى:11].

فيقال: الله سميع بصير، له سمع وبصر؛ إذ لا يعقل مسمى سميعا بصيرا في لغة ولا عقل في النشوء والعادة والمتعارف إلا من له سمع وبصر.

 (الشرح)

يعني هذا ردا لقول المعتزلة لأن المعتزلة يثبتون الأسماء دون الصفات , وهذا تناقض , فلا يوجد اسم بدون صفة , ثم يجعلون مثلا الصفات إثبات الصفات شرك لأنهم يقولون إذا أثبتنا لله صفات لزم أنك تثبت قدماء وعندهم القدم من أخص أوصاف الله , مع أنه ليس كذلك , أخص أوصاف الله جل وعلا: كونه على كل شيء قدير وبكل شيء عليم أنه الرب جل وعلا وأنه المألوه الذي تألهه القلوب ويجب أن يكون هو إلههم هذه أخص أوصافه التي لا يشاركه فيها مخلوق , أما السمع والبصر لا يقع على اشتراكه كما يقع على القدم إذا قلت قديم لأن كلمة قديم تدل على أن قبله شيء, أو بعده شيء؛ لهذا قال: {حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ}[يس:39], القديم الذي جاء بعده جديد , فالمقصود أن إثبات اسم بلا المعنى الذي وضع له ودل عليه؛ هذا لا يعقل لا في العقل ولا في الشرع , ولهذا هؤلاء خالفوا العقل وخالفوا الشرع وخالفوا الوضع اللغوي , اللغة وضعة بألفاظ تدل على المعاني, فيكون لفظ لا يدل على معنى هذا لا يعرف, وليس مقصودا لأحد حتى لغة العجم.

وقوله رحمه الله  : كما قلنا آنفا: إنه لا يعرف مقول فيه: إنه إلا مثبت موجود؛ فقلنا ومخالفونا فيه: إنه معناه الإثبات على ما يعقل من معنى الإثبات لا على النفي، وكذلك سائر الأسماء والمعاني التي ذكرنا.

 (الشرح)

قصده بهذا أن الأسماء وضعت للمعاني التي دلت عليها ألفاظها, فنفي تلك المعاني يكون ردا لها.

وقوله رحمه الله  : وبعد، فإن سميعا اسم مبني من سمع، وبصير من أبصر؛ فإن يكن جائزا أن يقال: سمع وأبصر من لا سمع له ولا بصر، إنه لجائز أن يقال: تكلم من لا كلام له، ورحم من لا رحمة له، وعاقب من لا عقاب له.

 (الشرح)

يعني أنه غير معقول مثل هذا, فكونكم تثبتون سميعا بلا سمع مثل تثبتوا  كلام بلا متكلم, رحمة بلا راحم, وغير ذلك من الأسماء.

وقوله رحمه الله : وفي إحالة جميع الموافقين والمخالفين أن يقال: يتكلم من لا كلام له، أو يرحم من لا رحمة له، أو يعاقب من لا عقاب له، أدل دليل على خطأ قول القائل: يسمع من لا سمع له، ويبصر من لا بصر له.

فنثبت كل هذه المعاني التي ذكرنا أنها جاءت بها الأخبار والكتاب والتنزيل على ما يعقل من حقيقة الإثبات، وننفي عنه التشبيه؛ فنقول:

يسمع -جل ثناؤه- الأصوات، لا بخرق في أذن، ولا جارحة كجوارح بني آدم. وكذلك يبصر الأشخاص ببصر لا يشبه أبصار بني آدم التي هي جوارح لهم.

وله يدان ويمين وأصابع، وليست جارحة، ولكن يدان مبسوطتان بالنعم على الخلق، لا مقبوضتان عن الخير.

 (الشرح)

المؤلف ” رحمه الله ” في هذا المقطع يكون قصده بذلك أن أسماء الله وصفاته خاصة به وأن المخلوق لا يشاركه فيها, أما أن يقال أنه كما يقول يعني أنه يسمع -جل ثناؤه- الأصوات، لا بخرق في أذن ولا جارحة كجوارح الخلق , الله جل وعلا لا يوصف بأن له أذن ولا يوصف بأنه جارحة فلا داعي إلى ذكر الأذن والجارحة في مثل هذا, فإن هذا من الأمور التي يقولها أهل الكلام, وإن كان هو رحمه الله من أهل السنة في هذا غير أنه يرد على هؤلاء؛ أنه مثل النفي التي يعني أن النفي وصف , الله جل وعلا يوصف بأنه يوصف بالإثبات والنفي, فالنفي كثيرا ما جاء ولكن النفي يكون نفيا للنقص وإثبات كمال ضد ذلك المنفي, غير أنا نقول بلا أذن أو بلا جارحة وبلا كذا وكذا؛ لا داعي إلى هذا, نقول: جل وعلا يسمع ويكفي, نقول: سمعه خاص به, أما أنه يعني نأت بالأشياء التي تلزم المخلوق في مثل هذه الصفة فلا يجوز ذلك, وقوله كذلك: وله يدان ويمين وأصابع، وليست جارحة, هذا لا يجوز أن يقول: ليست جارحة أو أنها جارحة, يعني الشيء الذي لم يرد لا نفيه ولا إثباته يجب أن نسكت عنه فإن أثبته مثبت نقول: ماذا تريد؟ فإن أراد معنى صحيح قلنا يجب أن يعبر عن هذا المعنى بالعبارات الواردة في الكتاب والسنة, واللفظ هذا الذي قلته يرد يؤخذ المعنى الصحيح ويرد اللفظ, وإن كان معنى غير صحيح قلنا برد لفظه ومعناه كلاهما, فهذا الطريق, فمثل إذا قال أن الله جسم أو ليس بجسم أو ما أشبه ذلك, أو أن الله في جهة أو أن الله ليس في جهة أو أن الله في حيز أو أن الله ليس في حيز وما أشبه ذلك, كل هذه أمور مبتدعة إذا تكلم بها متكلم يجب أن يستفصل ويقال ماذا تريد بهذا فإن بين أنه يريد حقا وأن الله في جهة أنه ليس مختلطا بعباده وأنه جل وعلا عال على خلق فوق سماواته نقول المعنى صحيح ويجب أن تعبر عنه بما عبر الله عنه في أنه فوق وأنه جل وعلا مستو على عرشه وهذا الذي يقوله من هذه الألفاظ لا يجوز أن تطلقها على الله جل وعلا, وهكذا البقية إذا قال أنه في جهة, نقول ماذا تقصد بالجهة؟ أو قال ليس في جهة,نقول ماذا تريد بالجهة, هل تريد جهة محصورة, إذا كان تريد ذلك فالله جل وعلا لا يحصره مخلوق الخلق كلهم تحت قبضته وهو فوق عباده وفوق خلقه.. إلى آخر ذلك.

وقوله : ووجه لا كجوارح الخلق التي من لحم ودم.

 (الشرح)

كل هذا لا يصح.

وقوله رحمه الله : ونقول : يضحك إلى من شاء من خلقه ، لا نقول : إن ذلك كشر عن أسنان .

ويهبط كل ليلة إلى السماء الدنيا .

فمن أنكر شيئاً مما قلنا من ذلك ، قلنا له : إن الله تعالى ذكره يقول في كتابه : { وجاء ربك والملك صفا صفا } ، وقال : { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام } ، قال : { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آياته ربك } .

فهل أنت مصدق بهذه الأخبار ، أم أنت مكذب بها ؟

– فإن زعم أنه بها مكذب ، سقطت المناظرة بيننا وبينه من هذا الوجه .

-وإن زعم أنه بها مصدق ، قيل له : أنكرت من الخبر الذي روي عن رسول صلى الله عليه وسلم : ” أنه يهبط إلى السماء الدنيا فينزل إليها ” ؟

-فإن قال: أنكرت ذلك ، أن الهبوط نقلة ، وأنه لا يجوز عليه الانتقال من مكان إلى مكان ، لأن ذلك من صفات الأجسام المخلوقة !

قيل له :

فقد قال- جل ثناؤه – : { وجاء ربك والملك صفا صفا } فهل يجوز عليه المجيء ؟ فإن قال : لا يجوز ذلك عليه ، وإنما معنى هذا القول : وجاء ربك .

قيل : قد أخبرنا – تبارك وتعالى – أنه يجيء هو والملك ، فزعمت أنه يجيء أمره لا هو ، فكذلك تقول : إن الملك لا يجيء ، إنما يجيء أمر الملك لا الملك ، كما كان معنى مجيء الرب – تبارك وتعالى – مجيء أمره .

فإن قال : لا أقول ذلك في الملك ، ولكني أقول في الرب .

قيل له : فإن الخبر عن مجيء الرب – تبارك وتعالى – والملك خبر واحد ، فزعمت في الملك أنه يجيء بنفسه لا أمره ، فما الفرق بينك وبين من خالفك من ذلك ، فقال : بل الرب هو الذي يجيء ، فأما الملك فإنما يجيء أمره لا هو بنفسه ؟!

فإن زعم أن الفرق بينه وبينه : أن الملك خلق لله جائز عليه الزوال والانتقال ، وليس على الله جائزاً .

قيل له : وما برهانك على أن معنى المجيء والهبوط والنزول هو النقلة والزوال ، ولا سيما على قول من يزعم منكم أن الله – تقدست أسماؤه- لا يخلو منه مكان .

وكيف لم يجز عندكم أن يكون معنى المجيء والهبوط والنزول بخلاف ماعقلتم من النقلة والزوال من القديم الصانع ، وقد جاز عندكم أن يكون معنى العالم والقادر منه بخلاف ما عقلتم ممن سواء ، بأنه عالم لا علم له ، وقادر لا قدرة له ؟

وإن كنتم لم تعقلوا عالماً إلا له علم ، وقادراً إلا له قدرة ، فما تنكرون أن يكون جائياً لا مجيء له ، وهابطاً لا هبوط  له ولا نزول له ، ويكون معنى ذلك وجوده هناك مع زعمكم أنه لا يخلو منه مكان !

فإن قال لنا منهم قائل : فما أنت قائل في معنى ذلك ؟

قيل له : معنى ذلك ما دل عليه ظاهر الخبر ، وليس عندنا للخبر إلا التسليم والإيمان به ، فنقول : يجيء ربنا – جل جلاله – يوم القيامة والملك صفا صفا ، ويهبط إلى السماء الدنيا وينزل إليها في كل ليلة ، ولا نقول : معنى ذلك ينزل أمره ، بل نقول : أمره نازل إليها كل لحظة وساعة وإلى غيرها من جميع خلقه الموجودين ما دامت موجودة . ولا تخلو ساعة من أمره فلا وجه لخصوص نزول أمره إليها وقتاً دون وقت ، ما دامت موجودة باقية .

  وكالذي قلنا في هذه المعاني من القول : الصواب من القيل في كل ما ورد به الخبر في صفات الله عز وجل وأسمائه تعالى ذكره بنحو ما ذكرناه .

– فأما الرؤية ، فإن جوازها عليه مما يدرك عقلاً . والجهل بذلك كالجهل بأنه عالم وقادر. وذلك أن كل موصوف فغير مستحيل الرؤية عليه ، فإذا كان القديم موصوفاً فاللازم لكل من بلغ حد التكليف أن يكون عالماً بأن صانعه إذا كان عالماً قادراً له من الصفات ماذكرنا ، أنه لا يكون زائلاً عنه أحكام الكفار إلا باعتقاده أن ذلك له جائزة رؤيته ، إذ كان موصوفاً ، كما يلزمه اعتقاده أنه حي قديم إذ كان لا مدبر فعل إلا حي ، ولا محدث إلا مصنوع .

فأما إيجاب القول ، فإنه لا محالة يرى ، وفي أي وقت يرى ، وفي أي وقت لا يرى ؟ فذلك ما لا يدريك علمه إلا خبراً وسماعاً .

وبالخبر قلنا : إنه في الآخرة يرى ، وأنه مخصوص برؤية أهل الجنة دون غيرهم ، فسبيل الجهل بذلك سبيل الجهل بما لا يدرك علمه إلا حسا حتى تقوم عليه حجة السمع به .

 – قال أبو جعفر :

قد دللنا فيما مضى قبل من كتابنا هذا أنه لا يسع أحداً بلغ حد التكليف الجهل بأن الله – جل ذكره عالم له علم ، وقادر له قدرة ، ومتكلم له كلام ، وعزيز له عزة ، وأنه خالق . وأنه لا محدث إلا مصنوع مخلوق .

  وقلنا : من جهل ذلك فهو بالله كافر ، فإذا كان ذلك صحيحاً بالذي به استشهدنا ، فلا شك أن من زعم أن الله محدث ، وأنه قد كان لا عالماً ، وأن كلامه مخلوق ، وأنه قد كان ولا كلام له ، فإنه أولى بالكفر ويزوال اسم الإيمان عنه .

وكذلك من زعم أن فعله محدث ، وأنه غير مخلوق ، فمثله لا شك أنه أولى باسم الكفر من الزاعم أنه لم عالماً لا علم له ، إذ كان قائل ذلك أوجب أن يكون في سلطان الله ما لا يقدر عليه ولا يريده ، وأن يكون مريداً أمراً فيكون غيره ، ولا يكون الذي يريده .

ذلك لا شك صفة العجزة ، ولا صفة أهل القدرة .

فإذا كان ذلك كذلك ، فلا شك أن من يزعم أن كلام الله يتحول بتلاوته إذا تلاه ، بحفظه ، أو بكتابه إذ كتبه محدثاً مخلوقاً ، فبالله – تعالى ذكره – كافر.

وكذلك القول فيه إن شك أنه غير مخلوق : مقروءاً كان ، أو محفوظاً ، أو مكتوباً ، كما لو قال قائل : إن بارىء الأشياء يتحول بذكره ، أو بمعرفته ، أو بكتابه مصنوعاً لا صانعاً ، كان لا شك في كفره .

وكذلك القول فيه لو شك في أنه يتحول عما هو به من صفاته بذكر ذاكر له ، أو علم عالم له ، أو كتابة كاتب واسمه ، كان كافراً .

– وكذلك القول أن صفة من صفاته تتحول عما هي به بذكر ذاكر ، أو معرفة عارف بها ، أو كتابة كاتب ، أو شك في أنه لا يجوز تحولها أو تبديلها أو تغيرها عما لم يزل الله تعالى ذكره بها موصوفاً .

كما كان غير جائز أن يتحول كلام الله – عز وجل – مخلوقاً بقراءة قارىء أو كتابة كاتب ، أو حفظ حافظ . أو يتحول الصانع مصنوعاً ، أو القديم محدثاً بذكر محدث مصنوع إياه ، فكذلك غير جائز أن تتحول قراءة قارىء ، أو تلاوته ، أو حفظه القرآن قرآناً أو كلام الله – تعالى ذكره – بل القرآن هو الذي يقرأ ويكتب ويحفظ ، كما الرب – جل جلاله – هو الذي يعبد ويذكر .

وشكر العبد ربه عبادته إياه ، وذكره له غيره ، والشاك في ذلك لاشك في كفره .

– وكما كان ذلك كذلك ، فكذلك القول في الزاعم أن شيئاً من أفعال العباد أو غير ذلك من المحدثات غير مخلوق ، أو غير كائن بتكوين الله جل ثناؤه – إياه ، وإنشائه عينه ، فبالله كافر .

وسواء كان ذلك ذكر العبد ربه أو ذكره الشيطان إلا أن بعضهم يقصد بزعمه أن ذكره ربه مخلوق إلى أن ربه مخلوق ، فيكون بذلك كافراً حلال الدم والمال .

 وكذلك القول في قائل لو قال : ” قراءتي القرآن مخلوقة ” . زعم أنه يريد بذلك القرآن مخلوق : فكافر لا شك فيه عندنا ، ولا أحسب أحداً أعطي شيئاً من الفهم والعقل يزعم ذلك أو يقوله.

وقوله :فأما إن قال: أعني بقول قراءتي : فعلي الذي يأجرني الله عليه والذي حدث مني بعد أن لم يكن موجوداً ، لا القرآن الذي هو كلام الله  –تعالى ذكرهالذي لم يزل صفة قبل كون الخلق جميعا ، ولا يزال بعد فنائهم الذي هو غير مخلوق.  فإن القول فيه نظير القول في الزاعم أن ذكره الله  –جل ثناؤهبلسانه مخلوق ، يعني بذلك فعله لا ربه الذي خلقه وخلق فعله.

قال أبوجعفر:

قد قلنا في تبصير المستهدي إلى صواب القول فيما تنازعت فيه أمة محمد صلى الله عليه وسلم بعد فراقه إياهم من توحيد الله تعالى ذكره و أسمائه وصفاته وعدله ، وفيما يسع الجهل به من ذلك ولا يسع ذلك فيه. وفي حكم من جهل منه ما يضيق الجهل به وفي فروع ذلك. وحكم من جهل من فروعهما وقع التشاجر فيه إلى يومنا هذا ، أو في ماعسى أن يحدث بعد ، بما فيه الكفاية لمن وفق لفهمه وأعين عليه فهدي لرشده.

 (الشرح)

وكذلك يعني مثلما سبق , أن الذي يزعم أن القرآن يكون مخلوقا فإذا كتبه أوحفظه أوقرأه أوما أشبه ذلك أن هذا باطل والإمام بن جرير يرى أنه كفر,أنه يكون كافرا , يقول:  وكذلك القول في قائل لوقال : “قراءتي القرآن مخلوقة “, المعنى أنه يريد بذلك : القرآن مخلوق , فكافرإلى آخره ,الأمور التي فيها اشتباه وفيها عدم إيضاح لم نيقول يجب أن توضح ويبين للقائل الحق من الباطل , فإذا أصربعد البيان يحكم عليه بما يستحقه ,أما تكفيرالانسان بأنه قال قولا يجهله ؛ فهذا ينبغي أن يفصل فيه, وذلك أن قول: قراءتي أوتلاوتي , فيه حق وباطل , لأنه قد يقصد به المصدر كما سبق ويقصد به المفعول , وفرق بين المصدر والمفعول الذي تريده ,لأن المفعول هوالمقروء المتلو المتلفظ به ,وأما قراءتي فهي فعل القارئ ,قراءة ,فعله ,يعني صوته وحركة شفتيه ولسانه ولاشك أن هذا مخلوق ,الانسان مخلوق وكذلك فعله مخلوق ,ولكن كل لفظ فيه إجمال واشتباه لايجوز اطلاقه بالنسبة لربنا جل وعلا أو صفاته ,فيكون أولاهذا قوله هذا بدعة وضلالة وإن كان يقصد شيئا صحيحا ,لأن فيه إجمال وفيه إيهام, وما كان فيه إيهام للسامع يجب أن يجتنب , وسبق أن ذكرنا قول الامام أحمد رحمه الله : من قال :قراءتي بالقرآن مخلوقة فهو جهمي , والجهمية عنده كفار ,لأنهم يقول يقولون بخلق صفة من صفات الله ومن قال بذلك فكأنه أن الله مخلوق تعالى الله وتقدس ,ومن قال غيرمخلوق فهو مبتدع , هذا معناه أنه لايقول هذا ولاهذا يجب أن يجتنب ذلك ,ولهذا لما عسر فهم ذلك على بعض العلماء ظن أن هذا ليس من قول الامام أحمد , كما يقول بن قتيبة ” رحمه الله ” في كتابه: اللفظ والملفوظ ,قال ما أظن هذا يصح عن الامام أحمد ,مع أنه صح عن الامام أحمد وهو له معنى ظاهر وذكره البخاري في كتابه خلق أفعال العباد عن الامام أحمد حينما احتج به عليهم وقال انهم لم يفهموا قول الامام احمد بدقته.

فالمقصود أن الشيء كما سبق الذي فيه اجمال وفيه ايهام وفيه لبس للحق بالباطل هذا بالنسبة لله جل وعلا في أسمائه وصفاته يجب أن يجتنب ولايطلق ذلك ,لأن الأمرفيه واضح لا إشكال ,والامام بن جرير” رحمه الله ” يرى أن من قال ذلك وهو يعرف أنه القرآن ويقصد به القرآن أنه كافرلأنه يرى كفرالجهمية بل حتى والمعتزلة الذين ينكرون الصفات ويقولون بالأسماء بلا صفات ,كما سبق ,أنه يكفرهم ,يرى أنهم كفار لأنهم أنكروا شيئا واضحا جليات,,النصوص في هولأجل ذلك يقول أنهم غير مسلمين.

أما قوله قال أبوجعفر :  قد قلنا في تبصير المستهدي , الظاهر أنه يذكر هذا الكتاب , ويذكر ما سبق في أوله , فذكر هذا الذي ذكر ههنا في أولا لكتاب الذي.. ولكن الاختلاف الذي ذكر  ههنا يقول ,في حكم من جهل من هما يضيق الجهل به وفي فروع ذلك, إلى آخره ,هذا سيأتي لم يسبق.

القول في الاختلاف الأول

قال أبوجعفر:

ونحن مبتدئون القول الآن في ماتنازعت فيه الأئمة مما لايدرك علمه إلاسماعاُ وخبراً .

فأول ذلك أمر الخلافة ،فإن أول اختلاف حدث بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الأمة فيما هو من أمر الدين مما ليس بتوحيد ولا هو من أسبابه مما ثبت الاختلاف فيه بين الناس من لدن اختلفوا فيه إلى يومنا هذا:  الاختلاف في أمر الخلافة و عقد الإمامة.

 (الشرح)

الواقع أن هذا خلاف يعني حدث للصحابة ولكنه لم يدم ,ساعات فقط ,فكيف يقول هذا هو أصلال اختلاف ,ذلك أنهم جهلوا بعض الأشياء التي قالها الرسولrيعني في الأنصار وظنوا أنهم أولى بالخلافة لأنهم أهلا لدار و أهلا لنصرة ,فقالوا أنهم يريدون أن يخلفوا سعد بن عبادة,( فهو) سيدهم ,فلما أتاهم أبو بكر وعمر و المهاجرون رجعوا لما ذكر لهم أن الرسولrقال أن هذا الأمر في قريش ,وأنه لا ينازعهم فيه إلا ظالم ,فرجعوا عن ذلك,وإنما الذي بقي سعد فقط ثم في ما بعد بايع , ولم يبق ,حتى ان علي بن أبي طالب أيضا تخلف عن البيعة ثم بايع فيم بعد ,فلم يكن خلاف مؤثر ,الخلاف المؤثر الذي أثر في الأمة إلى اليوم الاختلاف في العقيدة ,من اختلاف الخوارج ,اختلاف الرافضة, خلاف القدرية خلاف المرجئة فيم بعد المعتزلة ,هذا الذي أصبحت الأمة ممزقة من أجله ,فرق كل فرقة تضللا لأخرى أو تكفرها , وكثيرا ما يقع من أهل البدع التكفير والعجب أن المعتزلة يجعلون أهل التوحيد كفار بالتوحيد , يقولون إذا قلتلهم أن الله جل وعلا موصوف بالصفات كفرتم , لأنهم يعتقدون أن هذا تعدد للآلهة , وهذا جهل فظيع لأن الصفة لا تكون إله ولهذا يقول العلماء: الصفة لا تدعى لأنها ليست إله , فمن دعا صفة فقد دعه إله غير الله جل وعلا ,يقول:” يا رحمة الله” و “يا عزة الله ” و ” يا قوة الله “, هذا لا يجوز أصلا لأن الرحمة والعزة والقوة تقوم بالموصوف و لاتنفك عنه , فالله بصفاته أزلي بأسمائه وصفاته ,فهؤلاء ضلوا ضلالا بينا فحكموا على أهل التوحيد بأنهم كفروا مع أنهم هم الذين فارقوا الحق واعتزلوه,فصار لهم أيضا قوة ثم استولى على الخليفة وصاروا هم أساتذته الذين يعلمونه ثم زينوا له ارغام الناس واجبارهم على أن يقولوا أن القرآن مخلوق ,تجرؤوا على أمورعظيمة حتى كتبوا على ستارالكعبة: “ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم” يعني امعانا في نفي الصفات كالسمع والبصر ,وقتلوا من قتلوا من العلماء فأصبحت فتنة عظيمة حتى تعدت إلى عامة الناس ,الذي لايقول بهذا القرآن لايعطى شيء من بيت المال ,الذي يقول القرآن غيرمخلوق ,وإن كان في الجيش وأسرلايفك من الكافرين حتى يمتحنونه , يقولون : ماذا تقول في القرآن؟ هل هو مخلوق وإلا غير مخلوق؟ فإذا قال مخلوق تركوه ,ثم فيما بعد أزال الله جل وعلا هذه المحنة وهذه الفتنة لما جاء المتوكل على الله , والمقصود أن هذه الخلافات التي أثرت في الأمة ,أما شأن الخلافة ,خصوصا المقصود بالخلافة خلافة النبوة ,لأن هذه الخلافة الصحيحة خلافة النبوة ,أما فيم بعد فهو ملك ,ليس خلافة وملك عضوض , يعني بعضه أظلم من بعض وأفظع من بعض , ولهذا جاء في حديث سفينة: أن الخلافة ثلاثون سنة ثم يؤت الله ملكه من يشاء ,جاء فيه ثم يكون ملكا عضوضا ,فالمقصود أن هذا يكون  … ثم فيم بعد لما انتهت خلافة أبي بكر خلف عمر ولم يكن أي خلاف فيه ثم كذلك لما قتل عمر رضي الله عنه جعل الشورى في ستة الخلافة لاتعدوهم فتشاوروا في ذلك وأجمعوا على عثمان,t فصارت بيعته بإجماع الكل حتى قال عبدالرحمن بن عوف لم أترك أحدا إلااستشرته ,حتى النساء استشارهم ,يقول : فلم أجد أحدا يعدل بعثمان ,فبايعوه بإجماع ,ثم بعد ذلك الخلاف الذي أثرفي الأمة ولايزال أثره ,هوقتل الخليفة ,قتل عثمان, tفلما قتل وقع السيف في الأمة كما أخبر الرسول ,قال: “إذا وقع في هم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة ,ووقع السيف بقتل الخليفة ,فتفرقت الأمة وصار القتال بينهم ,بقوا يتقاتلون فيما بينهم وترك قتال الكفار حتى طمع الكفار في بلادهم واستولوا على ما استولوا من الثغور في وقت ماانشغلوا فيما بينهم, فهذه الخلافات التي أثرت في الأمة وفي الإسلام ,ثم من جراء ذلك حدثت الخوارج وحدثت المعتزلة.. فسبب خروج الخوارج معروف أنهم قالوا انك… يقولون لعلي: حكمت الرجال في كتاب الله وفي دين الله فأنت كافر, فكفروا علي وكفروا من رضي بهذا الحكم أو فعله ثم تعدى الأمر إلى تكفير عثمان منهم والصحابة الذين عرفوا أنهم وقعوا في قتال وغيره ,ثم صاروا يقولون من يرتكب الكبيرة يعتبركافر وهو في النارلايخرج منها,ثم المعتزلة أيضا على هذا المنوال صار هذا هوسبب انفصالهم عن جماعة المسلمين ,وسبب انفصالهم القول في صاحب الكبيرة ؛هل هو كافرأو مسلم ؟,فجاءوا ببدعة لم يسبقوا إليها فقالوا أنه لا كافر و لا مؤمن ,منزلة بين المنزلتين وهذه ماسبقوا إليها ,وهذا يكون حكمه عندهم في الدنيا أما في الآخرة فهو في النار لايخرج منها فوافقوا الخوارج في المعنى وخالفوهم في الاسم وهذا لا أثرله, وهكذا جاء من جراء الخوارج يعني من ردة الفعل المرجئة الذين قالوا : إن الإيمان هوالتصديق والقول أما العمل لادخل لهم فيه والناس في الإيمان سواء , وهؤلاء أشر من الخوارج وأشر من المعتزلة ,فقولهم معناه إبطال للإسلام كله ,يعني عندهم الانسان إذا ترك الصلاة وترك الحج والصوم والزكاة مؤمن ولا فرق بينه و بين من يقوم بهذه الأمور ,مؤمنا بالله جل وعلا خائفا من الله… وكثرة الفرق فأصبحت كل فرقة ينقسم منها فرق, حتى بعض هؤلاء وصلوا إلى خمس وعشرون فرقة وكل فرقة تضلل الأخرى وهذا شأن البدع , يتجارى بأهله حتى يصبح كل فريق يلعن الآخرويكفره ويشتمه.

فالخلافة لم يطل الخلاف فيها وإنما يصح أن يقول أنه من باب المشاورة والمزاولة التي وقعت في ساعات فقط ثم انتهى,كيف هذا يقول ان هذا الخلاف الذي أثر في الأمة! وبعض الذين لم يتحققوا في هذا الموضوع مثل الشهرستاني رحمه الله فإنه يقول في كتابه الملل والنحل: ماسل سيف مثل ماسل في الخلافة,فسفك الدماء وكذا وقع في الخلافة,وهذا الظاهرانه مجاراة للرافضة ,لأنه كثيرا مايجاريهم ,ويقول بقولهم أحيانا لأنه ألف الكتاب لأحد ملوكهم , هذا كذب تزوير ليس صحيحا,الخلافة يعني صار فيها مداولة ومشاورة بين الصحابة ثم زال اختلافهم نهائيا واتفقوا على أبي بكر , ثم فيم بعد كما سمعنا لم يحصل بينهم أي خلاف, وإنما هي كلها من با ب المشاورات أمرهم شورى بينهم و إنما الذي أثر في الأمة خلاف أهل البدع من خوارج و رافضة ومعتزلة ومرجئة وغيرهم وكذلك الذي أيضا أثر من ناحية القتل والخروج؛ قتل الخليفة ,قتل صابرا محتسبا في بيته ,فدخلوا عليه وقتلوه ,هذه من أفظع ما يكون وأعظم ما يكون ولهذا لما وقع أسقط بأيدي الصحابة ما كانوا يظنون أنه يقتل بهذه الطريقة ظنوا أن هؤلاء الأوباش هؤلاء المجرمين الذين تجمعوا من مدن متعددة أنهم يأتون ويطلبون مطالب ويعطيهم مطالبهم أوبعضها ثم يرجعون,لأنهم جاءوا قبل هذه المرة فأعطاهم بعض مايريدون ورجعوا,ولكن هذه المرة صمموا على قتله,فحصل ماحصل, وكل ذلك بتقدير الله جل وعلا ولكن يجب أن الخلاف اتترجع إلى كتاب الله جل وعلا وإلى ما بينه الرسول,فلو ارجعت إلى كتاب الله و سنة رسول هل انتهت الخلافات وحسم النزاع.

وقوله رحمه الله :

وكان الاختلاف الذي اختلفوا فيه من ذلك بعد فراق رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم،الاختلاف الذي كان بين الأنصار وقريش عند اجتماعهم في السقيفة: سقيفة بني ساعدة قبل دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته ،فقالت الأنصارلقريش:  منا أمير و منكم أمير. فقال خطيب قريش:  نحن الأمراء وأنتم الوزراء.

فأقرت الأنصار بذلك ،وسلموا الأمر لقريش ، ورأوا أن الذي قال خطيب قريش صواب.  ثم لم ينازع ذلك قريشا أحد من الأنصار بعد ذلك إلى يومنا هذا .

فإذا كان ذلك كذلك ، وكان تسليم الإمرة من جميع الصحابة من المهاجرين والأنصار يومئذ لقريش عن رضا منهم ،وتصديق من جمعيهم خطيبهم القائل: ((نحن الأمراء وأنتم الوزراء)) ،إلا من شذ منهم عن جميعهم الذين كان التسليم لقولهم به أولى ، وكان الحق إنما يدرك علمه ويوصل إلى المعرفة به ، مماكان من العلوم لاتدرك حقيقته إلا بحجة السمع  .

(الشرح)

ماعرف أحد( شذ) من الأنصار إلاسعد بن عبادة لأنه كان فيما يظهر والله أعلم أنه من الصالحين وممن له يد طويلة في نصرة الاسلام وانه ظن أنه صارأنهم سيأمرونه ,ومعروف أن الانسان قد يتأثر بالشيء الذي قد يرى أنه أحق به أوأنه له فيه  حق ,فلما روى له أبوبكرtالحديث,قال: ان هذا الأمر في قريش ولاينازعهم فيه إلا ظالم ,سلموا لذلك وانقادوا له ,فما عرف من الصحابة أحد أبى إلاسعد وعلى بن أبي طالب تأخر إلى أن توفيت فاطمة , فلما توفيت أرسل إلى أبي بكرأن ايتنا؛فقال له عمر : لاتذهب إليه ,فقال سأذهب ,فذهب إليهم , واعتذر إليه علي,وقال: أبايعك,فقال له: لا,ليس البيعة بهذا ,ليست البيعة في البيت , البيعة في المسجد أمام الناس ,فجاء وبايع أمام الناس.

وقوله رحمه الله : مما كان من العلوم لاتدرك حقيقته إلا بحجة السمع:

 (الشرح)

يعني يقول أن هذه الأموركلها ترجع إلى ماجاء به الرسول, وقدجاء بأن الخلافة في قريش وأنه لاينازعهم فيها إلا ظالم ,وهذه ليس في ذلك الوقت هذه إلى يوم القيامة ,يجب أن تكون إلى يوم القيامة ولكن إذا لم يقم فيهم من يصلح فلا بأس أن تكون في غيرهم , أوتغلب غيرهم على ذلك فإنه إذا تغلب وجب أن يطاع المتغلب وإن كان ظالما لأن الخلاف في هذا يؤثر في الأمة في سفك الدماء ونهب الأموال وانتهاك الأعراض وغيرذلك ,فكونها تعطى من هو مقبول ويسلم الناس من هذا أولى ,ولهذا أمر الرسول r بطاعة الأمراء وعدم الخروج عليهم وإن كانوا ظالمين وأخذوا المال وضربوا الظهر ومنعوا الحقوق ,لأن في الخروج عليهم سفك للدماء واختلاف له أثرفي الأمة بالغ.

وقوله رحمه الله : إما  بسماع شفاها من الرسول صلى الله عليه وسلم ,..

 (الشرح)

ليس شرط أن يكون خبر متواتر , المتواتر لوطلبنا المتواتر من الأحاديث ما وجدناه إلانادرا جدا ,وإنما إذا صحة الأحاديث عن رسول الله وجب العمل بها والقول بها ,أما قول التواتر هذا قول أهل البدع وقول المعتزلة ,هم الذين قالوا ان الأصول لاتثبت إلا بما هو متواتر ,خلاف الفروع فإنها تثبت بالأحاديث الصحيحة , أخبار الآحاد ,ولهذا ردوا السنة عموما من صفات الله وغيرها لأنها من الأصول ,قالوا لانقبل فيها إلا ماكان متواترا فلا تجدهم يحتجون بحديث من أحاديث الرسول ,مع أنهم أيضا الأمرهذا تعدى معهم إلى القرآن, قالوا في القرآن :وإن تواتر لفظه فمعناه مختلف فيه ,فيقولون نقله قطعي ولكن معناه مظنون فلا نصير إليها ,فنبذوا الاسلام عموما ,فهذا ضلال بين ,وقد حذرمنه الرسول , r والمقصود أنه إذا صح الخبر عن النبي r وجب قبوله والعمل به سواء كان في أصول الدين أو فروعه لافرق بين ذلك .

وقوله رحمه الله : وإما بخبر متواتر يقوم في وجوب الحجة بهم قام السماع من الرسول صلى الله عليه وسلم قولا،أوبنقل الحجة ذلك عملا.

وكان الخبر قد تواتر بالذي ذكرناه من فعل المهاجرين والأنصار ، وتسليمهم الخلافة

 (الشرح)

يعني كلامه هذا يدل على أن التواتر قد يكون باللفظ وقد يكون بالمعنى , أما التواتر المعنوي فهو كثير موجود , أما الفظ في أحاديث الرسول فقليل جدا.

وقوله رحمه الله : والإمرة لقريش ، وتصديقهم خطيبهم : “نحن الأمراء وأنتم الوزراء  من غير إنكار منهم ….

 (الشرح)

,,,تصديق الخطيب , تصديق قول الرسول r لما قال لهم ذلك , الخطيب! لوكان مجرد الكلام خطيب قابلوه بكلام خطيب آخر يعني هذا غير مقنع وما فيه حجة أنهم صدقوا خطيبهم أنه قال: منا الأمراء ومن كم الوزراء , هذا لا يعقل , الصحابة أعقل من هذا وأهل ممن ذلك ,ولكنهم لما روي لهم حديث الرسول سلموا وانقادوا ,يعني كيف يعني الإمام بن جرير ” حمه الله ” يأخذ كلام من أهل البدع ثم كأنه قضية مسلمة ,كلام ما أحد يعرف يقتنع به كلام الإنسان الذي يتكلم بنفسه , وإنما الاقتناع بكلام الله أو كلام رسوله , r يعني كلامه هنا يقتضي أن الأنصارأنهم صدقوا الخطيب وانقادوا لهذا , هذا غيرصحيح.

وقوله رحمه الله : من غير إنكار منهم إلا من شذوا نفرد بما كان عليه التسليم لما نقلته الحجة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

 (الشرح)

هذا خلاف ما يقول أنهم صدقوا خطيب ,لأنهم صدقوا الحجة التي نقلت عن الرسول ,هذا هو الصحيح.

وقوله رحمه الله : … من أن الإمارة لقريش دون غيرها ،كان معلوما بذلك أن لاحظ لغيرها فيها.

 (الشرح)

لاحظ: كان معلوما بذلك أن لاحظ لغيرها يعني لغير قريش , فيها يعني في الإمارة , والإمارة المقصود بها الخلافة , ثم يتبعها الملك , أما الخلافة فمعناها أنه قائم مقام النبي r ولكن الرسول r بين أن الخلافة خلافة النبوة ثلاثون سنة ,وانتهت بتنازل الحسن عن الأمر لمعاوية , الحسن كمل الثلاثين سنة لأن مدته ستة أشهر, فأول ملك في المسلمين هو معاوية بن أبي سفيان , فهو ملك  وليس خليفة , ثم بعد ذلك صار  النزاع وصار الاختلاف والقتل والتمزق الكثير حتى في زمن معاوية وقع الأمور الفظيعة من كون غزا المدينة وغزا مكة واستحل المدينة جيش هو عملوا فيها أعمالا ما يعملها الكفار, الكفارلا يعملون ماعملوه , وكل ذلك من البلاء الذي ابتلى الله جل وعلا به هؤلاء,نسأل الله العافية.

وقوله رحمه الله : فإذا كان صحيحا أن ذلك كذلك ، فلاشك أن من ادعى الإمارة ، وحاول ابتزاز جميع قريش الخلافة ، فهو للحق في ذلك مخالف ، ولقريش ظالم , وأن على المسلمين معونة المظلوم….

 (الشرك)

يعني هذا هو مذهب أهل السنة , أن الإمارة يجب أن تكون في قريش وأنه لا ينازعهم إلا ظالم ولكن إذا وقع الأمر يجب أن ينقاد له.

وقوله رحمه الله : وأن على المسلمين معونة المظلوم على الظالم إذا دعاهم إلى الحق في معونة المظلوم ودفع الظالم عنهما أطاقوا.

(الشرح)

هذا بقي في قريش إلى أن انتهت دولة بني العباس , مع أنها في آخر الأمر كانت له ماسم الخلافة فقط , وحقيقتها لغيرهم , كانوا ينصبون الخليفة ويعزلونه كيف يريدون و قد يقتلونه , فصارت العوبة في أيدي القواد وغيرهم من من هو يتصرف في أمرالمسلمين برأيه وبنظره وبما يرى فيهم صلحته هو.

وقوله رحمه الله : وإذا كان ذلك كذلك فلاشك أن الخوارج من غير قريش .

 (الشرح)

الخوارج يعني أنهم.. ما يقصد الخوارج المعروفين أنهم خرجوا على جماعة المسلمين ولكن خوارج على الإمام ,يسميهم خوارج , وإذا كان ذلك كذلك فلا شك أن الخوارج من غير قريش , يعني إذا خرجوا عليهم سموا خوارج.

وقوله رحمه الله : وأما ما كان بين قريش من منازعة في الإمارة ، وادعاء بعضهم على بعض أنه أولى منه بالخلافة ، ومناصبته له على ذلك المحاربة بعد تسليمهم الأمر له العامة فيها، يجب على أهل الإسلام معونة المظلوم منهما على الظالم.

 (الشرح)

هذا إذا كان فيه إمام قائم ثم جاء آخر ينازعه , فيجب على المسلمين دفع هذا المنازع لئلا تتفرق الأمة وتتمزق ويحصل القتل وغيره كما أمر الرسول , r فإنه قال: ( إذا جاءكم من يريد الأمر ولكم أمير قائم فاقتلوا هذا الذي جاء) أمر بقتله أن يقتل , ونحو هذا الكلام الذي ,وهذا صح عنه صلوات الله وسلامه عليه .

ولهذا يقول الإمام بن جرير: فإنه يجب على المسلمين معونة المظلوم على الظالم , يعني إذا كان عندهم إمام قد ولوه الإمامة من قريش وجاء آخر يقول: أنا أولى بها , فإنه لايطاع بل يقاتل حتى تسلم الأمة من التمزق والتفرق , وقد ذهب هذا الأمرالآن صارت قريش مالها شيء في ..إلاما شاء الله.

وقوله رحمه الله : فأما ما كان من منازعة غير القرشي الذي قد عقد له أهل الإسلام عقد البيعة وسلموا له الخلافة والإمرة على وجه طلبها إياه النفسه ، أول من لم يكن من قريش؛فذلك ظالم ، وخروج عن إمام المسلمين ، يجب على المسلمين معونة إمامهم القرشي وقتال الخارج عليه .

 (الشرح)

هذا إذا كان لهم إمام ,أما إذا لم يكن لهم إمام يجب أن يطيعوا هذا الذي تولى وإن كان من غير قريش ولا يجوز الخروج عليه , كماقال : ( اسمعوا واطيعوا وإن تأمر عليكم رجل حبشي ) وفي رواية (وإن كان عبدا مجدع الأطراف ) يعني أمر بطاعته واتباعه وحذر من الخروج منه ,فليس هذا لازم أنه يكون من قريش.

وقوله رحمه الله : إذ لم يكن هناك أم ردعاه إلى الخروج عليه إلا ادعاؤه بأنه أحق بالإمارة منه من أجل أنه من غيرقريش،إلا أن يكون خروجه عليه بظلم ركب منه في نفس أوأهل أومال؛ فطلب الإنصاف فلم ينصف ؛فيجب على المسلمين حينئذ الأخذ على يد إمامهم المرضية إمرته عليهم ،لإنصافه من نفسه إن كانه والذين الهب الظلم، أو أخذ عامله بإنصافه إن كان الذين الهب الظلم عاملاله، ثم يكون على الخارج  عليه لما وصفنا أن يفيء إلى الطاعة : طاعة إمامه بعد إنصافه إياه من نفسه أو من عامله. فإن لم يفيء إلى طاعته حينئذ، كان على المسلمين هنالك معونة إمامهم العادل عليه حتى يؤوب إلى طاعته.

وقد بينا أحكام الخوارج في كتابنا: ((كتاب أهل البغي)) بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

 (الشرح)

هذا الكلام فيه نظر ؛ يعني إذا مثلا ظلم الإمام إنسان ,يقول يجب إعانته على الإمام , هذا يترتب عليه مفاسد عظيمة , لأنه لا يقبل وقد يكون قتال , فلا يجوز قتال من أجل ذلك أنه ظلم إنسان اولم ينصفه ,بل على هذا الإنسان الذي ظلم أن يطلب حقه من الله وأنه ينقاد للأمر فقط , ومثل هذا يترتب عليه فساد كبير أعظم من كون الناس مثلا أنصفوا هذا المظلوم , ومعلوم أن الاسلام جاء بدرء المفاسد وجلب المصالح , وإذا كانت مثلا مفسدة إنصافه وقيامه عليه أعظم من كونه ينصف هذا الذي ظلم , سواء كان فرد أو طائفة فإنه لا يجوز أن يقام عليه أو يخرج عليه بذلك , وهذا شيء عرف أثره السيء في الأمة , التنازع والتشاجر مادام إمامهم مسلم , ويقيم حدود الله فلا يجوز الخروج عليه بحال من الأحوال ظلم أو لم يظلم , ولهذا جاء التحذير من ذلك وقول الرسول r اسمعوا له وأطيعوا وإن أخذ المال وضرب الظهر , لأن الخروج عليه يترتب عليه سفك الدماء ونهب الأموال والفساد الذي لايخفى ,وكم حصل بسبب ذلك من الكوارث العظيمة في الأمة الاسلامية.

وقوله رحمه الله : وأما الذين نقموا على أهل المعاصي معاصيهم ، وشهدوا على المسلمين بمعصية أتوها ، وخطيئة فيما بينهم وبين ربهم تعالى ذكره ركبوهابالكفر،واستحلوا دماءهم وأموالهم من الخوارج.

والذين تبرءوا من بعض أنبياء الله ورسله ؛بزعمهم أنهم عصوا الله ،فاستحقوا بذلك من الله جل ثناؤهالعداوة

 (الشرح)

قصده بذلك أن يبين حكم الخارجين عن جماعة المسلمين وأولهم الخوارج ,فإنهم خرجوا على جماعة المسلمين فاستحقوا القتل ,فأمر الرسول r بقتالهم وحث عليه ووعد عليه الأجر العظيم قال: لأن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وإرم) قال (اقتلوهم فإن في قتلهم أجر لمن قتلهم ),ولهذا فرح علي بن أبي طالب t لماقتلهم لأن عنده فيهم علم من رسول اللهr ومع ذلك لما سئل عنهم أكفارهم؟ قال : لا ,من الكفر فروا,ولكنهم بغو على المسلمين فوجب كف شرهم,وهكذا كل من كان يريد قتل المسلمين يجب أن يقاتل حتى يوقف شره ,سواء كان خارجيا أو غير خارجي , لأنهم يقتلون لدفع شرهم وليس لكفرهم.

وقوله رحمه الله : والذين جحدوا من الفرائض ما جاءت به الحجة من أهل النقل بنقله

 (الشرح)

أما قوله: والذين تبرءوا من بعض أنبياء الله ورسله ؛ بزعمهم أنهم عصوا الله ،فاستحقوا بذلك من الله –جل ثناؤه- العداوة” هذا جهل فظيع ؛كيف الرسول يكون بهذه المثابة!! لكن إذا قال مثل هذه المقالة أحد من الخوارج هذا دليل على جهلهم فهم جهال في الواقع , نزلوا آيات القرآن على غير مانزلت فيه ,فحكموا على المسلمين مثل حكمهم على الكافرين بل صار أمرهم أفظع وأعظم يقتلون المسلمين ويدعون الكافرين ,أما أن يتعدى الأمر إلى أنهم يخطئوا الرسل ويرو أنهم تجب معاداتهم فهذا ماوصل إليه الشيطان ,الشيطان في كفرهم اوصل إلى مثل هذا ,أن الرسل هم صفوة الخلق من بني آدم ,كيف يستحقون أنهم يكفرو او يتبرأ منهم ,من تبرأ منهم فهومع الشيطان في صفه ,يجوز أن أحد من الخوارج فعل ذلك , قد يجوز.

وقوله رحمه الله : والذين جحدوا من الفرائض ماجاءت به الحجة من أهل النقل بنقله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهرا مستفيضا قاطعا للعذر ،كالذي أنكروا من وجوب صلاة الظهر و العصر ، والذين جحدوا رجم الزاني المحصن الحر من أهل الإسلام ، وأوجبوا على الحائض الصلاة في أيام حيضها…..

 (الشرح)

يعني هؤلاء الخوارج ؛هم الذين أوجبوا هذا أنه  يكون كافر و كذلك الحائض أوجبوا عليها الصلاة ,كله دليل جهل منهم, أما الذين جحدوا من الفرائض ماجاءت به الحجة ,هو قصده هذا أنه جحدوا رجم المحصن ,لأنهم يقولون ليس في القرآن ,وكذلك(أحد)كذلك الأحكام التي جاء بها الرسول r وإذا كان مثلا إمامهم أو مقدمهم وأولهم يعترض على رسول الله r كماثبت في الصحيحين أنه r قسم لهيبة جاءتهم من اليمن بين أربعة من رؤساء القبائل يتألفهم على الإسلام ,هذه من الزكاة وهذا مصرفها لأنه من مصرفها المؤلفة قلوبهم ,فيأت إليه رجل من بين الناس وصف بأنه ناتئ الوجنتين غائر العينين محلوق الرأس كث اللحية,فقال: يامحمد,اعدل فإنك لم تعدل,هذه قسمة لم يرد بها وجه الله ,كيف يجرأ إنسان أن يقول كذا في رسول الله r لولاأنه شيطان وليس مسلم,عند ذلك غضب رسول الله r وقال: (ويلك من يعدل إذا لم أعدل أنا)ثم قال(يأمنني من في السماء ولاتأمنوني على أمورالدنيا) فقام رجل يستأذن في قتله ,فقال لايتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه,يعني الأخبار التي تنقل كثيرا ماتكون على غير وجهها,فإذا نقل أنه قتل رجلا من أصحابه امتنع الناس من الدخول في الاسلام ,قالوا نخشى أن ندخل الاسلام ثم يقتلنا ,فهذا الذي منع من قتله وإلاهو مستحق للقتل ,ثم قال:(انه يخرج من ضئضئه قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم ,صومكم ومع صومهم يمرقون من الاسلام كمروق السهم من الرمية) السهم إذا كان قوي وضرب مثلا الصيد أو الدابة أو.. خرج غير ..ليس فيه دم ولالحم يعني بقوة ,مثل الرصاص التي تدخل في بدن الانسان ثم تخرج ؛ مايعلقها شيء , يعني أنهم لا يتأثرون بالقرآن ولا بغيره مماجاء به الرسول r فهذا وصفهم.

المقصود أنهم حكموا بجهلهم على أمور واضحة وجلية , ولهذا لما ذهب إليهم بن عباس وقال:  ما الذي تنقمون, قالوا:  أنه حكم الرجال في كتاب الله, وقال أيهما أعظم:  دماء المسلمين أو أرنب يساوي خمسة دراهم؟فإن الله أمرأن يحكم فيها اثنان ,فرجع من رجع منهم , وكثير منهم استمرعلى باطله , وأخبرهم أن الله أمرأن يحكم حكمين في بين المرء وزوجه إذا حصل الخلاف, وأمر أن  يحكم حكمين في الصيد الذي ليس له نظير يقتله المحرم,ألايحكم في دماء المسلمين حتى تحقن!  فالمقصود أن جهلهم واضح ولهذا تمادوا في غيهم و صاروا يقتلون المسلمين ويدعون الكافرين ولأجل ذلك أمرالرسول r بقتلهم ,وحض عليه و وعد عليه الأجر العظيم.

وقوله رحمه الله : .. ونحو ذلك من الفرائض،فإنهم عندي بما دانوا به من ذلك مرقة من الإسلام، خرجوا على إمام المسلمين أولم يخرجوا عليه.

 (الشرح)

يعني مرقة أنهم ليسوا من المسلمين وهذا لفظ حديث رسول الله r, “يمرقون من الاسلام كمروق السهم من الرمية”, وفي أحاديث كثيرة يقول: “يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم”, يعني لا يصل إلى قلوبهم ولا يتأثرون به.

وقوله رحمه الله :.. إذا دانوا بذلك بعد نقل الحجة لهم الجماعة التي لا يجوز في خبرها الخطأ، ولا السهو و الكذب.

وعلى إمام المسلمين استتابتهم مما أظهروا أنهم يدينون به بعد أن يظهروا الديانة به والدعاء إليه ،فمن تاب منهم خلى سبيله،ومن لم يتب من ذلك منهم قتله على الردة؛لأن من دان بذلك فهولدين الله الذي أمربه عباده بما لايعذربالجهل به ناشئ ان شأ في أرض الإسلامجاحد.

ومن جحد من فرائض اللهعزوجل شيئا بعد قيام الحجة عليه به فهو من ملة الإسلام خارج.

(الشرح)

وهكذا غيرهم أيضا؛الذي يكون حكمه حكمهم, مثل الذين ينكرون القدر, فكان خلفاء المسلمين يستتيبونهم  فإن تابوا و إلا قتلوهم , وكذلك الذين أنكروا صفات الله, فهذا حكمهم أيضا, كما صنع بالجعد بن درهم والجهم بن صفوان الذين هم أصل الشر,وهم الذين

بدأوا الخلاف برب العالمين وجحدوا أن يكون محبوبا أويحب أويتخذ خليلا أو يكلم أحدا, فأنكروا صفاته الظاهرة,فكان الأمراء من المسلمين يقتلونهم , يستتيبونهم فإن لم يتوبوا قتلوهم.

القول في الاختلاف الثاني

 (الشرح)

الاختلاف الثاني ؛ إذا هذا الاختلاف الأول جعله:  الاختلاف في الخلافة ولكنه عداه في الفروع التي تترتب عليه الخارجين عن الخليفة , أنهم يقتلون , وهذا جاءت النصوص الكثيرة عن النبيr به, سواء كانوا حكمهم حكم المرتد أو أنهم أرادوا شق عصا المسلمين ولم يكون عندهم بدعة , فيجب أنهم يقاتلوا حتى يجتمع المسلمون على إمام واحد, ويجب أن يكون إمام المسلمين مسلم , ولهذا ذكرالنووي وغيره إجماع على أنه لا يجوز أن يكون الخليفة غيرمسلم , خليفة المسلمين فإن كان وجب عليهم أن يقاتل وهوهذا يجب أن يكون مقيدا بالاستطاعة.

ال أبوجعفر:

ثم كان الاختلاف الآخرالذي حدث في منتحلي الإسلام بعدالذي ذكرت من الاختلاف في أمرالإمارة،الاختلاف في الحجة التي هي لله حجة على خلقه فيما لا يدرك علمه إلاسماعا،ولايدرك استدلالا ولا استنباطا.

فقال بعضهم:  لا يدرى علم شيء من ذلك إلاسماعا من الله تبارك وتعالى عما قالوا من ذلك علوا كبيرا.

فزعموا أن الأرض لاتخلو منه ،غير أنه يظهر لخلقه في صور مختلفة ، في كل زمان في صورة غيرالصورةالتي ظهر بها في الزمان الذي قبله وفي الزمان الذي بعده.

(الشرح)

أعوذ بالله! وهل يقول هذا مسلم! المفروض أن هذا لا يذكر لأن هؤلاء ليسوا من المسلمين أصلا, كيف يقول أن الله يظهر بمظاهر خلقه وأنه تختلف مظاهره, وإن قال به شذاذ من الصوفية الجهلة فلا قيمة لهم ولا قيمة لهؤلاء, ولكن هذا قد يقوله بعض الكفرة الذين يريدون أن يفسدوا دين الاسلام مثل القرامطة الذين هم على دين المجوس, فأثروا في المسلمين آثارا سيئة وقتّلوا الحجاج وغيرهم مما هومسطور في كتب التاريخ.

قوله رحمه الله : وهو قول يذكرعن عبدالله بنسب أوأصحاب له تبعوه على ذلك فقالوا لعلي رضي الله عنه: أنت أنت،فق اللهم علي: من أنا؟ قالوا:  أنت ربهم ،فقتلهم رضوان الله عليه ، ثم حرقهم بالنار.

 (الشرح)

وعبد الله بن سبأ هو هكذا شهر اسمه, اسمه عبد الله بن وهب من يهود صنعاء, جاء في زمن خلافة عثمان t فهو الذي ألب الناس عليه, فصار يتتبع الأوباش والناس السفلة ويقول أنه ظالم وأنه استبد بالمال وأنه كذا وكذا, فلما حصل قتله والخلاف لم يقنع بهذا فذهب يقول أنه ما مات نبي إلا وله وصي, وإن وصيه علي, ولكن الناس ظلموه, ثم لم يقنع بهذا , فقال إن الله حل في علي وإن علي هو إلهنا, والظاهر أن بني آدم.. أظن لو أن الشيطان خرج إليهم بصورته وحقيقته لن يعدم من يجيبه, سيستجيبوا له,وإلا كيف يتبعه على هذا الضلال البين قوم ويواجهون علي يقفون في طريقه وهو يخرج من بيته إلى المسجد ويقولون له: أنت هو, قال: ويلكم من أنا؟ قالوا: أنت إلهنا, يعني يصير هذا عاقل, ثم يقول ويلكم هذا كفر, إن لم ترجعوا قتلتكم, فلما تكرر ثلاثا, خد أخاديد وأضرمها نارا وقذف الذين أمسكهم من هؤلاء وإلا فأكثرهم فروا ومنهم هذا اليهودي الخبيث وهو أصل الذي أصل دين الرافضة, هو أصلهم,والرافضة ما خرجوا من فرقة يعني فرق المسلمين خلاف علمي والا غير ذلك وإنما لما .. كما يقول: (…) رحمه الله لما سلب العرب ملكهم وكانوا يرون أن العرب أحقر الأمم وأضعفها صار هذا عندهم عقدة ما ينقادون للعرب, فاجتهدوا كل الاجتهاد في قتالهم فلم يستطيعوا, فأخزاهم الله جل وعلا وخذلهم في كل موقف, عند ذلك لجأوا إلى الحيل فدخل من دخل منهم الاسلام ظاهرا وهو يريد الفتك بالمسلمين فحصل ما حصل من الاغتيالات مثل اغتيال بعض الخلفاء مثل عمر t فإن الذي قتله مجوسي, أبو لؤلؤة المجوسي الذي يقول عنه المغيرة بن شعبة جاء من.. اشتراه من المجوس, وبعض الناس يقول أنه تآمر عليه عدد منهم حتى جعلوا منهم كعب الأحبار أنه معهم, والله أعلم لأنه ذكر المؤرخون أن كعب الأحبار أتى إلى عمر وقال له أوص فإنه لم يبق من عمرك إلا ثلاث, هل يعقل هذا! وما يدريه؟ إذا صح هذا فهو دليل على أنه مع المتآمرين عليه, والذي نفذ القتل هو أبو لؤلؤة, ثم يقول بن حزم: كونوا لهم مؤسسات أو جماعات تقدح في الدين الإسلامي وتفسده فتكونت الرافضة من هذا, ثم اتخذوا علي t وأولاده جدارا يرمون الاسلام من وراءه لا حب لعلي ولا لأولاده, ولكن ليكون ذلك تسترا عن أنهم يحاربون الاسلام جهارا وعلنا, وهذا هو الظاهر والله أعلم, فالمقصود أن الخلافات التي يقولها مثل هذا يعني لا يجوز أنها تسطر في (بلاد) المسلمين بل هذه ضد المسلمين من أعداء المسلمين الذين أرادوا أن يفسدوا دينهم, ولهذا انقسموا إلى فرق, منهم من أنكر علم الله وأن الله لم يعلم كل شيء والأمور التي تحدث هذه أمور مستأنفة يعلمها الله بعد وجودها أما قبل وجودها فهو لا يعلمها؛ هذا كفر بالله جل وعلا, ولما ظهر هذا في آخر أيام الصحابة كفروا القائل بذلك وتبرؤوا منه, كما في صحيح مسلم عن يحي بن يعمر قال: حججت أنا وحميد الحميري فقلنا لعله يوفق لنا أحد من صحابة النبي r فأتينا المدينة فوافقنا عبد الله بن عمر خارجا من بيته إلى المسجد فاكتنفته أنا وصاحبي, وظللت أنا وصاحبي يكل الكلام إلي فقلت يا أبا عبد الرحمن: إنه خرج من قبلنا –يعني في البصرة- قوم يتقفرون العلم ويقولون إن الأمر أُنف, أنف يعني مستأنف لم يعلم بما سبق, فقال: إذا أتيت أولئك فأعلمهم أني منهم بريء وأنهم مني برئاء والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه في سبيل الله لم يقبله الله منه حتى يؤمن بالقدر خيره وشره, وكذلك قال بن عباس وقال عبادة بن الصامت وغيرهم من الصحابة الذين أدركوا هذا القول الخبيث الفاسد الكفري .

أما قول كثير من العلماء أن أول من تكلم بالقدر معبد الجهني؛ فهذا بعضهم يقول أول من تكلم فيه رجل من الأسوار يقال له سيسويه, يعني,, فارسي من الفرس, يجوز أن يكون هذا وهذا والله أعلم, المقصود أن هذا دليل على مؤامرة أولئك على المسلمين, فبدأوا بإفساد العقائد وأثر هذا كثيرا, أما أن يصل الأمر إلى أنهم يؤلهوا رجل بعينه ويقولون أنت إلهنا ثم يقولون أن الله حل فيه, كما قال بن سبأ, فهذا أمره واضح أنه يريد إفساد دين المسلمين بلا شك, ولهذا طلبه علي بقتله ولكنه هرب منه.

قال أبوجعفر:

وقد بقي في غمارالمسلمين ممن ينتحل هذا المذهب خلق كثير.

 (الشرح)

نعم, يعني الرافضة خلق كثير ولكنهم هل هم لهم حجة أو لهم..!! كل حججهم كذب وهم دينهم مبني على الكذب وهم أكثر الناس كذبا وتصديقا للكذب, قبل أيام في البحرين ما حدث ما حدث منهم قتل من قتل منهم, بعد فترة جاء كبير من المعممين إلى المكان الذي حدث فيه شيء من قتل.. قال: نريد أن نعقد للشهداء على الحور العين, ثم يصدق, يصدقون هذا , خرافات وأمور يعني يعجب الإنسان ولكن عندهم طاعة عمياء إذا قيل لهم من قبل هؤلاء المعممين اتبعوهم وأطاعوهم ولو كان جنون,والا كيف يعقد لهم على الحور العين! الحور العين من بناته يعقد لهم!!

وقوله رحمه الله : وقال آخرون: لايدرك علم شيء من ذلك إلامن واسطة بين الله وبين خلقه ، زعموا أنه من القديم مكان وزيرالملك من الملك, وقد استكفاه الأموركلها فكفاه إياها.

 (الشرح)

“وقال آخرون: لايدرك علم شيء من ذلك إلا من واسطة بين الله وبين خلقه” يعني هذا معناه أنه ليس الرسول والا هذا شيء معلوم أنه لا بد أن يكون بين الأمة وبين الله واسطة تبلغهم أمر الله, وهو رسول الله r, أما الواسطة التي توصل طلباتهم ورغباتهم إلى الله فهذا كفر بالله جل وعلا وهو الشرك الذي كان المشركون يزعمون أنهم يدعونهم ليقربوهم إلى الله زلفى, وقوله “زعموا أنه من القديم”  القديم سبق أنه ليس من أسماء الله, العجيب أن الإمام بن جرير رحمه الله ترداد هذه الكلمات مع أنه يعرف أنها ليست من أسماء الله قطعا, القديم ليس من اسماء الله ولكن مخاطبة القوم بما يصطلحون عليه ويكون منتشرا عندهم؛ القديم والصانع كما سبق ليس من أسماء الله جل وعلا, يقول: مكان وزيرالملك من الملك, فالله جل وعلا ليس له معين ولا وزير وليس له تعالى وتقدس واسطة بين خلقه فإنه قريب مجيب, إذا دعاه عباده في أي مكان وفي أي جال فإنه يسمع كلامهم ويشاهد حالهم ولا يخفى عليه شيء فاتخاذ واسطة من بابا الشرك وعبادة غير الله جل وعلا, وهو شرك المشركون, ولكن السبب في هذا كما هو معروف, أنهم يزعمون أن هذا أسرع إجابة وابلغ في حصول المراد قياسا على ما يكون بين الناس , فهم يقولون: لا نصل إلى الكبراء والأمراء إلا بالوسائط, وإذا جئنا بالوساطة يكون أنجع لطلبتنا وأقرب إلى إجابتنا, أما إذا جاء بدون واسطة فقد يعرض عنه, فقاسوا رب العالمين على الضعيف الذي لا يعرف ما يدور حوله حتى يعلم ويخبر بذلك, وكلها يعن يكل الشرط من بابا القياس الفاسد, وهو تشبيه المخلوق بالخالق, الشرك كله تشبيه المخلوق بالخالق.

وقوله رحمه الله : وقال آخرون: لايدرك علم ذلك إلا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خلقه، لاتخلو الأرض منه. وقالوا: لن يموت منهم أحد حتى يخلفه آخر.

وقال آخرون: لايدرك علم ذلك إلامن وصي لرسول الله صلى الله عليه وسلم،أومن وصي وصي قالوا: وذلك كذلك إلى قيام الساعة.

قال أبوجعفر: وكل هذه الأقوال عندنا ضلال وخروج من الملة وقد بين افساد كلما قالوا واعتلوا به لمذاهبهم في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

وقال آخرون: لايدرك علم شيء من ذلك إلاضرورة ، ثم اختلفوا في الأسباب التي تضطرالقلوب إلى علمه بمايطول بحكايته الكتاب.              (الشرح)

كل هذه الأقوال قد حدث كثير من الناس أنهم قالوا ببعضها, وبعضها كثر مثل ما يقول: لايدرك علم ذلك إلا من وصي.. إلى آخره, هذا قول الرافضة, والآخرون الذين يقولون: لايدرك علم ذلك إلامن رسول الله صلى الله عليه وسلم, يعني الأمور التي يأت بها الوحي, ولكن قوله: أنه لاتخلو الأرض منه, هذا غير صحيح, يعني من الرسول يعني فإن مات الرسول لا بد أن يخلفه غيره, ويبين ذلك ومقتضى ذلك أنه يوحى إليه, يعني خليفة الرسول يوحى إليه,على هذا الزعم, وهذا إذا وقع مثل ذلك فهو كفر بالله جل وعلا لأن الرسول rبين للأمة ما تحتاج إليه ودينه حفظ, القرآن تولى الله حفظه وسنته تبع للقرآن, قيض الله جل وعلا من يذب عنها ويحفظها ويميز حقها من باطلها, يعني الكذب من الصحيح فحصل العلم بما قاله الرسول r, فيكون هذا باطل, من الادعاء الباطل,

أما قوله: لايدرك علم شيءمن ذلك إلاضرورة، أيضا هذا ضلال, واختلفوا في الأسباب التي تضطرالقلوب إلى علمه بما يطول بحكايته…

يعني الأمور التي تخالف ما جاء به كتاب الله وسنة رسوله r لا يخفى على المسلمين فساده وأنه ضلال يريد صاحبه إما إغواء المسلمين وإضلالهم وإفساد دينهم وهذا الظاهر من هؤلاء القائلين أن هذا مرادهم, وليس جهلا, بحكم الاسلام وحكم.. لأن الله جل وعلا لما جعل الرسول هو آخر الرسل, أنزل عليه كتابا تولى حفظه بنفسه جل وعلا, حتى ما تنقطع الحجة, وصار أحاديث الرسول r تبع لهذا حفظت كما حفظ الكتاب, فالذي يدعي يقول أنه لا بد لنا من معصوم نرجع إليه, لا فائدة فيه, معصوم وعندنا سنة المصطفى وما جاء به معصومة, ما الفائدة من المعصوم لا فائدة فيه أصلا وهو دعوى لا حاجة إليه, وكذلك الذين يقولون أنه لا بد لنا من محفوظ, كما تقوله الصوفية, فهم يسمونه محفوظ, وغيرهم يسمونه معصوم يدل هذا على أنه أيضا ما هو قصدهم قصدا صحيحا والا هو قصد فاسد, ولهذا يطردون هذا في أئمتهم ويقولون أنهم يعلمون ما يعلمه الله, ويعلمون كل كتاب أنزل ولا يموتون إلا بإرادتهم (متى يريدون), وأنهم يعني أيضا يتصرفون في .. حتى جعلوهم بمنزلة الرب جل وعلا, ولبسوا على كثير من العوام, حتى كثير منهم الآن تجده ما يصلي ولا يعمل حسنة ويقول يكفي أني أحب علي, حب علي حسنة لا يضره معها سيئة, وهكذا يقولون لهم,فصاروا دعاة إلى الضلال, نسأل الله نسأل العافية, وصاروا مثل ما قال شيخ الاسلام: كل طاغوت ومنافق يلجأ إلى مذهبهم ليفسد دين الاسلام, لأنهم يصدقون بالكذب ويصدقون بالمحال.

وقوله رحمه الله : وقال آخرون: لا يدرك علم شيء من ذلك إلا اكتسابا.

 قالوا: وإذ كان ذلك كذلك علم أن الذي يكتب من ذلك هو ما جرت به عادات الخلق بينهم، ولم يزل عليه نشوءهم وفطرهم، وذلك الخبر المستفيض الذي لم تزل العادات بالسكون إليه جارية، وبالطمأنينة إليه ماضية مضيها بأن النيران محرقة والثلج مبرد.

 (الشرح)

ما معنى هذا الكلام! قال آخرون: لا يدرك علم شيء من ذلك. الشيء الي من ذلك الذي مضى أنه يعني ذكره في الاختلاف الأول لفي أول اختلاف, الخلاف الآخر الذي حدث في منتحل الاسلام بعد الذي ذكرت من الاختلاف يعني الإمارة الاختلاف في الحجة, التي هي لله حجة على خلقه, يعني مقصوده هذا: الحجة التي احتجوا بها, يقول: وقال آخرون: لا يدرك علم شيء من ذلك إلا اكتسابا, اكتساب يعني أنه يطبله بنفسه يكتسبه بنفسه فيدركه, فإن كان يريد مثلا الاستدلال بالمخلوقات على وجوب عبادة الخالق, فهذا مضى أن الإمام بن جرير يقول أن هذا محسوس يدرك بالحس وأن الذي يخالف فيه لا عذر له وأنه يكون كافرا سواء أتاه الرسول أو لم يأته الرسول, كما مضى في أول الكتاب, أما إذا كان يقصد يذلك مثلا الحجة التي تقوم على العباد بدعوة الرسول يعني بالشرع الذي يأت به الرسول فهذا لا بد فيه من مجيء الخبر عن الله جل وعلا, أنه غير مدرك بالحس والمشاهدة, وأنه يتوقف على أمر الله ونهيه ثم لسنا بحاجة إلى هذا , كون الرسول جاءت بالأمر الذي كلف الله عباده به وبلغوه,وآخرهم رسولنا r فهو حجته قائمة ولهذا أنزل الله عليه الكتاب وليكون نذيرا للعالمين, أخبر أنه نذير وأخبر أنه لينذر من بلغ, فكل من بلغه القرآن كما يقول السلف قامت عليه الحجة, وبلوغه ليس البلوغ هو فهمه, لأن هذا ليس شرطا, فإن الله حكم على الكافرين أنهم ..كثير منهم يقول: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً}[البقرة:171], يعني مثل البهائم فقط لا يفهمون شيئا ومع ذلك هم في النار, قال: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ}[الأعراف:179], فهم أضل من الأنعام ومع ذلك هم في النار, وليس معنى هذا أنهم فقدوا العقول, لهم عقول ولهم قلوب ولكن لا يفقهون الحق بل يفقهون الباطل, ولهم أعين ولكن لا يبصرون الحق بل يبصرون الباطل بها,فهذا شيء قضى الله جل وعلا على أهله من أهل النار, فلا بد من مخالفتهم للحق عنادا وتكبرا ولا بد من أنهم يحاربون الحق والذي مثلا يريد الحجة فقط فهي موجودة, فكيف يقول ان هذا لا تدرك إلا بالاكتساب , الاكتساب يكتسبه العبد لنفسه!, ومعلوم ان طلب العلم الذي هو علم ضروري أمر متحتم على كل مكلف, ولكنه موجود ما يقول انه لا يدرك إلا بالاكتساب, ولبه يعن يسهل ميسور والانسان لا يجب عليه إلا ما كلف به, أما الأمر الزائد فليس واجبا, يعني يجب أن يعرف كيف يعبد الله كيف يصلي كيف يتوضأ وهكذا.

أما يقول :وكل مدع ادعى أن ما لا تدرك حقيقة علمه إلا سماعا، تدرك حقيقته وصحته بغير ذلك؛ فقد ادعى خلاف الجاري من العادات، وغير المعروف في الفطر، كالمدعي نارا غير مسخنة، وثلجا غير مبرد: يعني الأمور العادية الظاهرة ما تُنكر, ولا ينكرها إلا مكابر أو مجنون, فهذا مثلها, حجة الله قامت على عباده بإرسال الرسل ولما كان رسولنا r هو آخر الرسل صار الدين الذي جاء به محفوظا حتى لا تنمحي حجة الله وتنتهي, وأخبر الرسول r أنه لا تزال طائفة من أمته على الحق منصورة قائمين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم, وهم الذين يقومون بحجة الله على عباده مع أن ليس الناس مفتقرين إلى طائفة تقوم على الحق, يعني في قيام الحجة, يكفي كتاب الله في ذلك, كما أخبر الرسول r كما في صحيح مسلم, يقول: (والله لا يسمع بي أحمر أو أبيض أو قال أحمر أو أسود- ثم لا يؤمن بما جئت به إلا أدخله الله النار) فعلق الأمر بمجرد السماع –يسمع بي- لأنه إذا سمع أن لله رسول وجب عليه أن يبحث عنه ويجتهد, ولا عذر لمن يقول أن دينه شوه عند الكافرين, شوهوه وصار ينفرون الناس عنه, فإن هذا ليس عذر لأنه لا يجوز له أن يقتنع بالمشوهين ويقف عندهم فيجب أن يبحث عنه من أصله, حتى يتأكد, ولهذا أخبر الله جل وعلا عن الذين يتبعون أهل الضلال أنه لا حجة لهم, وهم يتحاجون بين يدي الله, يقول الضعفاء للذين استكبروا لولا انتم لكنا مؤمنين! فيقولون لهم: {أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ}[سبأ:23], يقولون أنتم أيضا مجرمون, يعني عندهم عقل وعندهم فكر واختيار وغير ذلك فلماذا يتبعون غيرهم وينقادون لهم مطيعين مسلمين القياد, كذلك قوله جل وعلا في مثل هؤلاء: {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا}[الأحزاب:67-68], لماذا ما فكروا في هذا في حياتهم ونظروا فيه لماذا يطيعونهم وينقادون لهم!!

وقوله رحمه الله : قالوا: وكل مدع ادعى أن ما لا تدرك حقيقة علمه إلا سماعا، تدرك حقيقته وصحته بغير ذلك؛ فقد ادعى خلاف الجاري من العادات، وغير المعروف في الفطر….                 

(الشرح)

كما يقول يعني أن الذي يدعي أن الذي لا يدرك مثل الشرائع التي تأت بها الرسل, يمكن أن يرد بالعقل وبالنظر يكون ادعى شيئا غير معقول, لأن العبادة هي امتثال الأمر واجتناب النهي وهذا يتوقف على مجيء الأمر والنهي ولا يكون ذلك إلا عن طريق الرسول r, ولهذا صار كل من يأت بأمر من الأمور يدعي أنها عبادة والرسول لم يأت بها أنها بدعة, وكل بدعة ضلالة والضلالات كلها في النار.

وقوله رحمه الله : كالمدعي نارا غير مسخنة، وثلجا غير مبرد، فمدعي غير الذي جرت به العادات وغير المعروف في الفطرة. 

قال أبو جعفر:

وهذا القول أولى الأقوال عندنا بالصحة، وقد بينا العلة الموجبة صحته في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته في هذ الموضع.

فأما خبر الواحد العدل فإنه معنى مخالف هذا النوع، وقد بيناه في موضعه. 

(الشرح)

يعني سبق انه لا بد من توافق, لكن نقول ان خبر الواحد العدل يجب ان يقبل, إذا جاء عن الرسول r, وكذلك عن غيره, فحكم الشرع فيه القبول أنه يقبل.

(القول في الاختلاف الثالث ) 

قال أبو جعفر :

الثالث بعد ذلك الاختلاف في أفعال الخلق .

– فقالت فرقة ممن ينتحل جملة الإسلام : ليس لله – عز وجل –  في أفعال خلقه صنع غير المعرفة التي أعطاها للفعل كما أعطاهم الجوارح التي بها يعملون. ثم أمرهم ونهاهم، فمن شاء منهم أطاع فله الثواب، ومن عصى فله العقاب.

قالوا: فلو كان لله -جل ثناؤه- صنع في أفعال الخلق غير الذي قلنا، بطل الثواب والعقاب. وهذا قول القدرية. 

(الشرح)

قال الإمام رحمه الله: الثالث بعد ذلك الاختلاف في أفعال الخلق؛ مقصوده بأفعال الخلق, افعلا المكلفين, فعند هؤلاء الضلال الذين ضلوا في الأمور الظاهرة أن الإنسان يخلق فعله, فيكون مع الله خالقين كثر, ولهذا سماهم العلماء (مجوس الأمة) لأن المجوس يقولون بخالقين؛ خالق النور وخالق الظلمة, أو إله النور وإله الظلمة, وهم أشر من المجوس لأن المجوس حصروا الخالقين في اثنين, وهؤلاء جعلوا كل امرئ يخلق فعله, والسبب في هذا أنهم ما استطاعوا أن يجمعوا بين قدر الله وبين شرعه, بعقولهم لأن عقولهم هي التي جعلوها مشرعا, رجعوا إليها, وهكذا يعاقب الله جل وعلا الانسان إذا أعرض عن قوله وعن شرعه حتى يصبح ضالا في أظهر الأشياء واجلاها, قالوا: لو كان مثلا الله جل وعلا يخلق الكفر ويخلق المعصية لكان ظالما, كيف يخلق الكفر والمعصية ثم يعاقب عليهما! فيقال لهؤلاء: ألستم تقرون بأن الله خالق الذوات, خالق الانسان! فلا بد أن يقولوا :نعم, فيقال لهم: أليس الذي خلق ذات الإنسان خلق له السمع والبصر والأيدي والأرجل! لا يمكن ينكرون هذا, فيقال لهم: بم يفعل الانسان الفعل؟ أليس يفعله باختياره وقدرته! لا بد أن يقال نعم, فيقال: من الذي خلق الاختيار والقدرة؟ هل هو الانسان نفسه؟ لا يمكن, لو كان الانسان يخلق القدرة والاختيار ما رضي أحد أن يكون أقدر منه, والله جل وعلا خلق للإنسان قدرة واختيارا وجعل الأمر إليه ثم أمره بأشياء يستطيعها بل أقل من الاستطاعة, قال: اعبد الله واقم الصلاة وآت الزكاة إذا كان عندك مال وصم رمضان وحج البيت, وكل مكلف يستطيع هذا بل يستطيع أكثر منه بكثير, ثم الأمر إليك إن أطعت واتبعت الأمر صار لك الإكرام والإنعام وإن عصيت فلك جهنم, والأمر إليك, فليس الانسان يخلق فعله, ويقولون كيف مثلا يكلف الله جل وعلا الانسان بشيء يخلقه هو, لأن هذا أمر ظاهر جدا ولكن هناك شيء آخر؛ وهو تزيين الإيمان وتحسينه في القلب, وخلق الهدى في القلب, فهذا إلى الله هذا نعمة من الله إذا تفضل بها على عبده فهو فضله يجب أن يشكر على ذلك, والمنة له بدون استحقاق أن هذا المخلوق الذي جعل فيه هذا أنه مستحق لذلك, فهي نعمته يؤتيها من يشاء, وإذا منعها إنسان فهذا فضله, إذا فضله يمنعه من يشاء ويعطيه من يشاء, لما دخل أبو اسحاق الاسفراييني على عبد الجبار المعتزلي الذي كان صديقا للصاحب بن عباد الذي كان يجمع العلماء والأدباء في مجلسه, فقال عبد الجبار سوف أخزي هذا الداخل, فلما دخل وصار يسمع كلامه, قال: سبحان من تنزه عن الفحشاء, هل هذا خزي! ولكن ابو اسحاق يعرف ما مغزاه ويعرف مراده, فأجابه على الفور قائلا: سبحان من لا يكون في ملكه إلا ما يشاء, والمعنى عبد الجبار يقول أنكم أنتم تقولون أن الله قدر على العاصي المعصية وعلى الكافر الكفر فعاقبه عليه, أنه يرى هذه فحشاء, فأجابه قائلا: أنت أيه المعتزلي تقول ان الله أراد من العاصي الطاعة ولكن العاصي أراد المعصية فوجدت إرادة العاصي ولم توجد إرادة الله, وأراد من الكافر الإيمان ولكن الكافر أراد الكفر فوجدت إرادة الكافر ولم توجد إرادة الله, فمعنى ذلك أنه يكون في ملكه ما لا يريده وما لا يشاؤه, ايهما الخزي! فقال له عبد الجبار: أيريد رينا أن يعصى؟ فقال له ابو اسحاق: أيعصى ربنا قسرا؟ يعني يعصى وهو لا يريد؟ فقال عبد الجبار: أرأيت إن حكم على بالردى أأحسن إلي أم أساء؟ قال: إن كان منعك حقك فقد أساء وإن كان منعك فضله فهو يؤتي فضله من يشاء, فكأنما ألجم حجرا, فكان هو المخزي, لأن الضلال يخزي صاحبه, ولا بد أنه عند الحق ينقمع كما قال الله جل وعلا: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا}[الإسراء:81], وقال: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ}[الأنبياء:18],المقصود أن هؤلاء ضلوا في عقولهم وجعلوا مع الله خالقين كثر, زعما منهم أن هذا عدل, يسمون هذا العدل, ويسمون أنفسهم أهل العدل, ويقولون هذا واجب على الله, يجب على الله أن يفعل الأصلح بالمخلوق ويقال أن هذه المسألة هي السبب في انفصال الأشعري من مذهب المعتزلة, ويذكرون حكاية والله أعلم بها هل تصح أو لا تصح!

يقول انه سأل شيخه الجبائي وهو ايضا من رؤوس المعتزلة, وقد تربى على يده وبقي عنده أربين سنة يتعلم الاعتزال فصار خبيرا في مذهب المعتزلة, فسأله يوم قال: أخبرني عن ثلاثة اخوة أحدهما عاش كافرا ومات كافرا, والآخر عاش مؤمنا ومات مؤمنا, والثالث مات صغيرا أين منزلتهم في الآخرة؟ فقال: الكافر في جهنم والمؤمن في الجنة والصغير في الجنة, فقال له: هل يكون الصغير في منزلة الكبير؟ قال: لا , قال: ولم؟, قال: لأنه لم يعمل الصلوات والصوم والحج والجهاد وغير ذلك, فقال: والكبير ,؟ قال: الكبير يكون في الدرجات الرفيعة لأنه عمل ذلك, فقال: ألا يحتج الصغير على ربه, يقول يا رب لماذا ما أبقيتني حتى أعمل الصالحات فأكون بدرجة أخي, فقال: يقول الله له: رأيت أن الأصلح لك أن أقبضك صغيرا, فقال: إذا ينادي ذلك الشقي من جهنم ويقول يا رب لماذا ما قبضتني صغيرا حتى لا أكون في النار, عند ذلك وقف, ما في جواب, على كل حال المناظرات والأشياء التي يكفينا ما في كتاب الله جل وعلا من الحق الواضح الجلي, فالله خلق الانسان وخلق أفعاله جل وعلا ولكن التكليف بالأمور التي تستطيعها قدرته وإرادته التي خلقت فيه إما أن يريد الخير وإما أن يريد الشر باختياره وهذا أمر محسوس ومشاهد, وكتبه الله في الأزل قبل وجود المخلوق, علم أن هذا المخلوق يفعل هذا الشيء أنه إذا وجد يفعل ذلك باختياره ومقدوره, فكتب ذلك جل وعلا كتب علمه وليس المكتوب يرغم المرء على أنه يفعل كذا وكذا ولكن المكتوب علم الله فيه أنه يفعل ذلك باختياره, نحن في هذا المكان جئنا باختيارنا ما نجد أحد أرغمنا على هذا المجيء, بقدرتنا واختيارنا وهو مكتوب علينا قبل أن نوجد, وهؤلاء يقولون أيضا: ان الله جل علا كلف الانسان أن يؤمن بالشيء الذي فيه شقاؤه, فمثلا يقولون الله جل وعلا أنزل قوله تعالى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ } وهو حي يسمع {مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ}[المسد:1:3], فكلف بأنه يؤمن بأنه سيصلى النار, وهذا تكليف بما لا يستطاع, فقالوا لهم: هذا إخبار عن علم الله أن هذا الشقي سوف يختار الكفر بإرادته ومقدوره, وأنه يبقى على ذلك حتى يموت, فالله يخبر ذلك عنه بعلمه أنه علم ذلك منه ولم يرغمه على ذلك, بل هو فعل ذلك باختياره, وكذلك قول نوح u في قومه: {إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}[هود:34], فهذه إرادته الشاملة العامة التي يدخل فيها إرادة الإنسان كما قال الله جل وعلا: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ}[التكوير:29], يعني لهم مشيئة ولكنها بعد مشيئة الله, والله جل وعلا لم يرغم أحدا على الكفر وإنما يفعلون ذلك بإرادتهم.

وقوله: فقالت فرقة ممن ينتحل جملة الإسلام, يعني أنهم يدخلون في جملة الاسلام فقط, فهم من المسلمين في الجملة, وليس بالجملة, لأنهم خالفوا أصولا عظيمة, قالوا: ليس لله عز وجل في أفعال خلقه صنع, يعني أنهم يخلقون أفعالهم استقلالا, وهذا شرك في الربوبية, لأن الإيمان بالربوبية يجب أن يكون الرب هو المتصرف في كل شيء, الإيمان بأن الله هو الخالق المتصرف في كل شيء, وهؤلاء أخرجوا أفعالهم وأفعال المكلفين أن تكون مخلوقة لله وأن الله يتصرف فيها, فكانوا مشركين, وهم في الواقع لا ينفكون عن الشرك؛ الشرك ملازم لهم دائما في أقوالهم, وبئس الحالة, وأسواء الذنوب نسأل الله العافية, فيجرون مما فيه الحق ويدخلون فيما فيه الباطل والشر.

وقوله: غير المعرفة التي أعطاها للفعل كما أعطاهم الجوارح, يعني أن المعرفة هم الذين يعرفون بدون أن يكون الله جل وعلا هو الذي يعلمهم, وقد أخبرنا ربنا جل وعلا أنه علم الانسان مالم يعلم وأنه أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئا, فهيأ لنا الأسباب ويسرها حتى علمنا ما أراد منا, فالأسباب هو الذي يخلقها ويهيئا ويوجدها ولكن الاختيار والفعل يجب أن يكون عند الفاعل وإلا ما الفائدة في العقاب والثواب! هم أخذوا شيئا من الحق وشيئا من الباطل فالتبس الأمر عليهم, وهكذا يلتبس الحق بالباطل عند من ليس له فرقان وعنده إيمان بالله جل وعلا لأن الإيمان هو سبب الفرقان, إذا قيل لهم أن الله جل وعلا يقول: { وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً}[الحجرات:7,8], يقولون هذا البيان فقط أن الله يبين طريق الهدى من طريق الضلالة, فعلى الله البيان أما الانسان فهو الذي يفعل بخلق فعله ويعلم, فالمعرفة هي التي يقصد هنا: أن الله بين يعني أن الله عليه البيان كما أن الرسول عليه البيان, أما الأفعال التي يكون عليها الثواب والعقاب فهي مخلوقة للإنسان, فهذا هو أصل ضلالهم في هذه المسألة وقد ضلوا في غيرها كما سبق أنهم ضلوا في أسماء الله جل وعلا والإمام بن جرير يكفرهم في ذلك, لأنهم يقولون أن الله جل وعلا عليم بلا علم وسميع بلا سمع وبصير بلا بصر, فيـ… اسما لا معنى له وينفون الصفة التي دل عليها الاسم وأخذ منها, وفي هذه المسألة قالوا: ان الله عليه البيان فقط أما الأفعال فهي توجد بخلق الانسان وإن شاء آمن وإن شاء كفر, ويقولون ان الناس بمنزلة رجل له أولاد فأعطاهم سلاحا فبعضهم ذهب يقتل المسلمين وبعضهم يقتل الكافرين باختيارهم ومقدورهم وليس هناك لله جل وعلا عليهم سلطة في هذه الأفعال, فكيف يعني يخلقهم ولا يخلق أفعالهم! ويستدلون بقول الله جل وعلا: { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}[الصافات:96], في قصة ابراهيم u, وقالوا ان “ما” هذه موصولة؛ يعني خلقكم وخلق الذي تعملونه من الطين والحجارة والخشب لأن معبوداتهم هكذا, أما أعمالهم الذي هو المصدر فلا فهذا يخلقونه هم, فأهل السنة أن ما هذه مصدرية حتى لا يكون لهؤلاء حجة فيها,ولكن الصحيح كما بينه بن جرير في تفسيره وغيره أنها موصولة وليست مصدرية وأنها لا تدل على الباطل, بل تدل على الحق, فإذا كان المصدر الذي يعني الأصل الذي يصنعون منه أعمالهم مخلوقة لله فكذلك أعمل الهم مخلوقة لله جل وعلا,وكتاب الله جل وعلا لا يدل على باطل, قوله:”وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ” يعني خلقكم وخلق الذي تعملونه من الأصل الذي تتخذون منه أصنامكم وكذلك عملكم الذي هو المصدر, خلقوا لله جل وعلا ولكن وقع باختياركم ومقدوركم الذي جعله الله إليكم, فأصبحتم معاقبون على هذا ومحاسبون, وكذلك أهل الثواب إذا مثلا صلى صام أو تصدق فهو باختياره ولكن هذا الاختيار مخلوق لله جل وعلا والله تفضل عليهم بأن حبب إليه فعل الخير وفعل الحسنات فصار يفعل ذلك محبا لذلك بخلاف الكاره, فإن الكاره لا يقدم على الشيء الذي يكرهه, يتركه بالاختيار, هذا ما قال من شبهة هؤلاء الذين شبهوا على أنفسهم وزعموا أنهم هم الذين على الحق وسموا أنفسهم أهل العدل وأهل السنة سموهم أهل الجور والظلم,لأنهم يقولون ان الله جل وعلا هو الذي يخلق فعل الانسان في عاقبه عليه, وهذا إجمال إذا فصل زال الباطل الشبهة التي تشبثوا بها.

وقوله: قالوا: فلو كان لله -جل ثناؤه- صنع في أفعال الخلق غير الذي قلنا -يعني غير البيان والمعرفة- بطل الثواب والعقاب, يعيني يبطل أن يكون مثلا الله يعاقب على أفعال تكون باختيار الانسان وبمقدوره, كون انه يكون إذا قلنا ذلك يكون عقابه وإثابته على فعله, يعني على فعل الله, هذا مقصودهم, والقدرية انقسموا على أنفسهم قسمين, قسم قالوا هذا القول, وقسم قابلوهم تماما, فقالوا: الانسان لا اختيار له ولا قدرة له وإنما هو بمنزلة الآلة التي تدار وهؤلاء يسمون الجبرية وهم أشر منهم, ولكن الفائدة في هذا أن الانسان يعلم قطعا أن احدى الطائفتين ضالة, لأنه لا يمكن اجتماع الضدان في حق, مع أن كل واحدة معها شيء من الحق وشيء من الباطل, فالواجب التمييز بين الحق والباطل ورد الباطل والأخذ بالحق, وسيذكر هذه الفرقة.

وقوله رحمه الله : وقال آخرون -منهم جهم بن صفوان وأصحابه-: ليس للعباد في أفعالهم وأعمالهم صنع، وإنما يضاف إليهم ذلك كما تضاف حركة الشجرة إذا حركتها الريح إلى الشجرة، وليست لها حركة وإنما حركتها الريح، وكما يضاف طلوع الشمس إلى الشمس وليس لها فعل وإنما أطلعها الله، وكذهاب الحجر إذا رمي به وليس له عمل، وإنما ذهب بدفع دافع.

وقالوا: لو جاز أن يكون فاعل غير الله جاز أن يكون خالق غيره. وقالوا: لا ثواب ولا عقاب، وإنما هما طينتان خلقتا إحداهما للنار وأخرى للجنة. 

(الشرح)

هذا يقابل المذهب الذي قبل هذا تماما, وهؤلاء الجبرية فجهم بن صفوان ومن اتبعه جبري وهو جبري محض, والجبر مأخوذ من قولهم الإنسان مجبور على أفعاله ليس له اختيار وليس له قدرة, فقالوا إذا أضيف إليه مثل الذين آمنوا الذين كفروا وكذلك الأكل والشرب والجلوس والقيام والمشي, فهذا يقولون على سبيل المجاز, ليس على سبيل الحقيقة, مثل إذا قلت مات فلان؛ هل فلان مات والا أميت؟ يقولون أمطرت السماء, السماء لا اختيار لها لا تمطر وإنما أمطرت, ويقولون سقط الحائط وهبت الريح طلعت الشمس وما أشبه ذلك من ذكر الأفعال التي ليس فيها مقدرة ولا اختيار, وكذلك إذا قيل تحركت الشجرة أو سقطت أو ما أشبه ذلك, وهذا ضلال بين واضح, فهذه الانسان يفارقها بأنه له القدرة وله الاختيار وله العقل الذي يميز به بين الضار والنافع, فكان محلا للتكليف أما احتجاجهم بقولهم ان الله خالق كل شيء, فهذا حق أن الله خالق كل شيء ولكن يدخل في هذا الشيء قدرة الانسان وفعله أنه خلقها وجعلها إليهم هم يختارون بها ويفعلون بها, المقصود أن هؤلاء قابلوا أولئك قابلوهم تماما وهؤلاء قالوا: يقول أهل السنة أن هذا المذهب لا يمكن أن يستقيم عليه لا دين ولا دنيا حتى الدنيا لا تستقيم عليه, لأنه لا بد أن يؤخذ الفاعل بفعله, لا بد أن يسأل, ولهذا قالوا ينبغي أن يعامل هؤلاء بمذهبهم, ,,وكيف يعاملوا بمذهبهم؟ يقول إذا لقيت أحدهم فصكه في وجهه وقل لا تلمني هذا ليس فعلي أنا مجبر على ذلك أنا لا فعل لي, هل يرضى؟ لا يمكن يرضى أبدا, فقل هذا مقتضى دينك ومذهبك أن الانسان ليس له فعل وإنما هو بمنزلة الآلة المدارة فأنا يديرني غيري ما لي فعل, فكذلك إذا أحرقت ماله وإذا .. فالمقصود أن هذا المذهب مذهب خبيث لا يمكن يستقيم عليه لا دين ولا دنيا, ولكن الفائدة في ذلك أن يتبين أن هذين المذهبين أحدهما باطل بلا شك, والصحيح الصواب أن كليهما باطل إلاأن فيهما شيء من الحق, وذلك أن الله جل وعلا خلق الانسان وخلق أفعاله في الجملة ولكن جعل له قدرة يقدر بها, وجعل له اختيار يختار به, وبهذه القدرة ولاختيار كلف, أمر ونهي فيستطيع أن يفعل المأمور ويترك المحظور فله اختيار في ذلك, ولو كان الأمر كذلك ما يكون فرق بين الإيمان الأكل والشرب والقيام والجلوس والمشي وغير ذلك, ويقولون أن الله جل وعلا يقول: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى}[الأنفال:17], يقولون نفى الله جل وعلا عن نبيه الرمي, فيجابون أن يقال لهم: المنفي غير المثبت, المثبت للرسول rأخذ الحصباء وتحريك يده نحو الكافرين, لأما إيصال التراب إلى أعينهم ومناخرهم فهذا إلى الله فعل الله, ليس بمقدور الرسول r, فالذي نفي هو الإيصال والمثبت هو أخذ الحصباء وتحريك يده نحوهم, فهو فعل الرسول r, وهكذا يقال في كل ما احتجوا به, واحتجوا بالحديث الذي قي الصحيحين؛ حديث موسى u لما قالربي أرني آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة, فأراه الله إياه, فقال له: أنت آدم أبو البشر, قال: نعم, قال: لماذا خيبتنا ونفسك أخرجتنا من الجنة, فقال له آدم u: أنت موسى الذي كلمك الله بلا واسطة, كم وجدت في التوراة مكتوبا قبل أن أخلق؟ “فعصى آدم ربه فغوى” قال وجدته مكتوبا قبل أن تخلق بأربعين سنة, قال: أتلومني على شيء كتب على قبل أن أخلق بأربعين سنة؟ فحاج آدم موسى, فحاج آدم موسى, فحاج آدم موسى.

يعني غلبه بالحجة, قالوا هذا دليل لنا على أن الانسان يحتج بالقدر وأنها حجة صحيحة, ويكون ليس له اختيار, فيقال لهم احتجاج آدم u على المصيبة بالقدر وليس على الذنب, وموسى لا يمكن أنيلوم آدم على الذنب لأنه يعلم أن آدم تاب من الذنب والتائب من الذنب كمن لا ذنب له ولا يجوز أن يعاب على المرء ذنبا قد تاب منه فإن هذا منهي عنه وهو ضلال, ولو كان كذلك لقال له آدم u أنت قتلت نفسا فلماذا قتلت النفس, ولكن علم آدم أنه تاب وأن الله تاب عليه فلا يجوز ذكر ذلك, فالاحتجاج بالقدر على شيء وقع ولا يمكن استدراكه, وهذا المصيبة, أما على أمر يفعله الانسان فهذا لا يجوز لأنه له سبيل للخروج منه وهو التوبة وترك الذنب, فلهذا يقول العلماء: الاحتجاج بالقدر على المصائب لا على المعائب, أما المعائب فالسبيل فيها أن المرء يتوب, يتوب إلى الله جل وعلا.

قوله رحمه الله: وقال آخرون – وهم جمهور أهل الإثبات وعامة العلماء والمتفقهة من المتقدمين والمتأخرين- إن الله تعالى ذكره وفق أهل الإيمان للإيمان، وأهل الطاعة للطاعة، وخذل أهل الكفر والمعاصي، فكفروا بربهم، وعصوا أمره.

 (الشرح)

يعني وفق يعني أنه زين لهم الإيمان وحسنه في قلوبهم وخلق الهدى في قلوبهم, فالله جل وعلا ذكر الهدى في كتابه جل وعلا وجعل قسما منه إليه فقط, وقسم آخر منه إلى رسوله يعني إلى العبد, فقال: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ}[الشورى:52,53], ومعنى هذا أنك توضح وتبين وتدعو بالترغيب والترهيب, فهذا هو الهدى الذي يكون للمخلوق الداعي إلى الله, وقال جل وعلا في آية أخرى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}لأالقصص:56], فهذا الهدى هو خلقه في قلوب الناس فهذا إلى الله, وهو فضله إذا تفضل على العبد خلق ذلك في قلبه وحبب إليه الهدى وزينه في قلبه, أما إذا زُين في قلب الانسان سوء العمل ورآه حسنا فإنه يضل ويهلك, ولهذا صار الناس قسم مهتدي بفضل الله وقسم ضال, وُكِل الأمر إلى ذلك الضال فضل, يعني أن الله منعه فضله, وليس في ذلك ظلم بل هذا عدله وهو جل وعلا أعلم حيث يجعل فضله ويمنع فضله الموضع الذي لا يليق به ولا يحسن, كما أنه جل وعلا أعلم باستحقاق الثواب عن استحقاق العقاب على هذا السبيل والله ليس بظلام للعبيد تعالى وتقدس فهو كامل العدل كما سبق أن النفي لا بد في حق الله أن يتضمن كمال ضد المنفي.

وقوله رحمه الله : قالوا: فالطاعة والمعصية من العباد بسبب من الله -تعالى ذكره- وهو توفيقه للمؤمنين، وباختيار من العبد له. 

(الشرح)

يعني بتوفيقه وهو توفيقه للمؤمنين باختيار من العبد له, يعني أن الاختيار مخلوق للعبد, والقدرة كذلك, القدرة على الفعل فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها, ولهذا سقط التكليف عن المجنون لأنه ليس له  فكر وعلم بذلك وعن النائم حتى يستيقظ وعن الساهي حتى يذكر فهو لا يؤاخذ إذا نسي وسها, فلا بد أن يكون فكره موجود ومقدرته, وكذلك يقول جل وعلا: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}[البقرة:286], والوسع هو القدرة, (من يسعها بقدرته.)

وقوله رحمه الله : قالوا: ولو كان القول كما قالت القدرية، الذين زعموا أن الله -تعالى ذكره- قد فوض إلى خلقه الأمر فهم يفعلون ما شاءوا، ولبطلت حاجة الخلق إلى الله -تعالى ذكره- في أمر دينه، وارتفعت الرغبة إليه في معونته إياهم على طاعته. 

(الشرح)

يعني هذا قول أهل السنة؛ مجيبين على الضلال هؤلاء القدرية, “لو كان القول كما قلتم” يعني أن الله فوض إلى خلقه العمل يعني أنه جعلهم هم الخالقين, فكيف يعني يقول هم يخلقون فعله ويقولون الله جل وعلا الذي جعلهم خالقين! يعني يكون تناقض هذا, فالله خلق العبد بجملته بكل ما فيه ولكنه جل وعلا خلق فيه القدرة والاختيار وجعل ذلك إليه في الفعل الذي كلف به, فكلف بالشيء المستطاع, وقيل له افعل إن فعلت فلك الجزاء وإن أحجمت وأبيت فلن تفوت ولك العقاب, فصار يفعل الإيمان أو الكفر باختياره ومقدوره بدون أن يرغم على شيء, ما يجد أحدا يرغمه كما أنه يجد من نفسه أنه يفعل ذلك بقدرته واختياره, الأمر في هذا ظاهر لا خفاء فيه, والإيمان بالقدر أصل من أصول الإيمان الذي لا يؤمن به إيمانه باطل وهو معاقب بعقاب الله جل وعلا.                 

وقوله رحمه الله : قالوا: وفي رغبة المؤمنين في كل وقت أن يعينهم على طاعته ويوفقهم ويسددهم، ما يدل على فساد ما قالوا. 

(الشرح)

يعني أن الله أمر بعبادته, فالعبادة هي التي خلقوا لها فقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ}[البقرة:21], هل مثلا يؤمرون بشيء لا يستطيعونه كما في قول القدرية الجبرية أو أن الله جل وعلا يأمرهم بما يستطيعون, وليس معنى ذلك أنهم هم الذين يخلقون هذا الفعل لأن (المراد أن للفعل) أسباب, ومن الأسباب تحسين هذا الشيء وتزيينه في قلوبهم (وتكريههم) ومن الأسباب ذكر الثواب وذكر العقاب فإن المؤمن يخاف من عقاب الله إذا أقدم على معصية الله ويخاف كذلك إذا لم يفعل وهذه الحكمة, الحكمة في كون الانسان كلف بهذا ولكن الناس قسمهم الله جل وعلا بين مطيع وعاص, وبعضهم خلق للنار فصار يصنع ذلك بفعله ومقدوره الذي هو فعله حقيقتا, فإذا كفر فهو فعله حقيقة, وهو فعل باختياره ولكن الاختيار والقدرة كما سبق انها مخلوقة لله جل وعلا, فيكون مثل الأمور العادية التي يفعلها باختياره.

وقوله رحمه الله : قالوا: ولو كان القول كما قالوا من أن من أعطي معونة على الإيمان، فقد أعطيها قوة على الكفر، وجب أن لا يكون لله -جل ثناؤه- خلق هو أقوى على الإيمان والطاعة من إبليس، وذلك أنه لا أحد من خلق الله يطيق من الشر ومن معصية الله ما يطيقه. 

(الشرح)

قالوا: ولو كان القول كما قالوا –”قالوا” يعني المعتزلة -من أن من أعطي معونة على الإيمان، فقد أعطيها قوة على الكفر، وجب أن لا يكون لله -جل ثناؤه- خلق هو أقوى على الإيمان والطاعة من إبليس –هذا فيه تعقيد شوي؛ يعني كلامه هذا اسلوبه رحمه الله اسلوب جيد ورفيع ولكنه يعنيليس على أساليب المتأخرين, يحتاج إلى فهم- وذلك أنه لا أحد من خلق الله يطيق من الشر ومن معصية الله ما يطيقه؛ الضمائر هذه تحتاج إلى إعادتها إلى تعيين ما تعود عليه حتى يتبين الكلام, فقوله: قالوا: ولو كان القول كما قال المعتزلة, من أن من أعطي معونة على الإيمان فقد أعطيها؛ يعني أنه يخلقه يعني أنه يخلق الإيمان ويخلق الكفر كما تقولوا, لو كان كذلك، وجب أن لا يكون لله -جل ثناؤه- خلق؛ يعني خلق في الانسان أنه ما خلق له القوى خلق له القدرة على الطاعة, يقول: أقوى على الإيمان والطاعة من إبليس, يعني أن إبليس يأمر بالمعصية, فكيف يؤمر الانسان بمعصيته وهو لا يقوى! هذا رد على الجبرية, وأما الرد على القدرية, فقال: ان الإنسان هو الذي يفعل الإيمان ويفعل الكفر بالاختيار والقدرة التي خلقها الله فيه, فيكون الله جل وعلا هو خالقه وخالق قدرته واختياره, ولكنه جعل القدرة والاختيار إليه خلقها وجعلها إليه, وقال: إن طريق الهدى هذا الذي أمرت به أو باستطاعتك فإن فعلته باختيارك المخلوق لك استحقيت الثواب وان فعلت الكفر باختيارك وقدرتك المخلوقة لك استحقيت العقاب, فيكون هذا جواب للطائفتين.

وقوله رحمه الله : قالوا: وكان واجبا أن يكون إبليس أقدر الخلق على أن يكون أقربهم إلى الله وأفضلهم عنده منزلة.                                         

(الشرح)

قالوا: وكان واجبا أن يكون إبليس؛ ما يعني المقصود من الواجب أن يكون هذا الشيء كما مر ان يكون ابليس أقدر الخلق على أن على أن يكون أقربهم إلى الله وأفضلهم عنده منزلة؛ لأن ابليس (أيش)؟

يعني (أبى) باختياره وقدرته, أن الله أمره يسجد فأبى فهذا الإباء هل هو خلق الله! أو أنه فعل ابليس؟ أما كون الله قدر عليه ذلك فهذا كما سبق أنه عبارة عن علم الله فيه وكتابته هذا الشيء, فلا يكون ذلك مرغما له بل هو فعل ذلك باختياره وفعله, فهو الذي ضل بنفسه.

وقوله رحمه الله : قالوا: وأخرى: أن القوة على الطاعة لو كانت قوة على المعصية، والقوة على الكفر قوة على الإيمان؛ لوجب أن يوجد الكفر والإيمان معا في جسم واحد، في حال واحدة؛ لأن السبب إذا وجد وجب أن يكون مسببه موجودا معه، كالنار إذا وجدت وجب وجود الإسخان مع وجودها، وكالثلج إذا وجد وجب التبريد معه.

(الشرح)

الأمور العقلية يعني جدلية, يقول انه لو كان كما تقولون فالإنسان فيه أنه يخلق فعله ويخلق وجب أن يكون عنده الكفر والإيمان معا, هذا ممتنع فدل على أن الانسان له اختيار, يعني موكول إليه فهو يختار الشيء وكذلك جعل فيه تمييزا للضار من النافع وجعل له عقلا يعني يدرك به الامور التي تنفعه ويدرك الأمور التي تضره فيختار ما فيه النفع, وكل هذا اعراض عما يمن الله جل وعلا به على عبده فإنه لا قدرة للعبد مستقلة عن مشيئته وإرادته, ويبقى من وراء ذلك كله فضل الله عليه كونه يزين في قلبه الايمان ويحسنه ومن ذلك أيضا ذكر الثواب وذكر العقاب فإنه من الأسباب؛ أسباب الإيمان, أما الكافر فإنه لا يبالي ويغطى على قلبه فيرى الحسن سيئا والسيء حسنا, { أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا}[فاط:8], فإنه لا حيلة فيه, ولهذا الانسان يجد ذلك ظاهرا, فمثلا الذي يختار الفسق ويختار الكفر لو قاتلته لترده ما اطاق ذلك فهو يقاتلك, فصار مع جند الشيطان يقاتل أهل الحق ويرضى بالباطل ولو قلت له انك سوف تكون في جهنم إن بقيت على هذا الشيء, يقول لك وإن كان, انا حر أصنع ما أريد.

وقوله رحمه الله : قالوا: فإن كانت القوة جائزا وجودها وعدم أحدهما، كاليد التي قد توجد وهي لا متحركة ولا ساكنة لعجز محلها، فقد يجب أن يكون جائزا وجود القدرة على الطاعة والمعصية، والعجز عنهما في حال واحدة، في جسم واحد. 

(الشرح)

يعني هذه كلها أمور جدلية عقلية, ونحن نكتفي بما ذكر الله لنا وبينه في كتابه, أوضح من هذا الجدل وأبين, فإن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء ونعلم أن الهداية والاضلال لها أسباب يخلقها الله جل وعلا في قلب العبد وكونه جل وعلا له فضل يتفضل به عبده إذا شاء, وإذا شاء منع فضله عن هذا العبد, فإذا منع الفضل لا بد أن يضل فلا يهتدي, ولهذا أهل الجنة يقولون: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ}[الأعراف:43],فالايمان والعمل الصالح هو بهداية الله جل وعلا, أما قوة الانسان وفكره ونظره فقد يعجز عن إدراك ما فيه سبب الثواب في الجنة, والجنة صارت غيب ليست مشاهدة وأكثر الناس لا يؤمن بها بل بعضهم يكفر بذلك ويقول: أنها لا حقيقة لها, وبعضهم يقول الشيء الحاضر وإن كان قليلا أحب إلي من أمر موعود بعيد, لا أريده, فيفعل ذلك باختياره مع انه يعني يقول في عقله: يجوز أن يكون حق ويجوز ألا يكون فيكون عنده شك والتردد, أما الذي هداه الله فهو يجزم بذلك جزما يقينيا ويعمل لهذا, وهذا معلوم أن هذا الشيء من اختيار الانسان ومن فعله, ولكن من وراء الاختيار كما سبق؛ هداية الله جل وعلا, والهدى فضله جل وعلا يعطيه من يشاء ويمنعه من يشاء, فإذا منع العبد الهدى فلا حيلة فيه, ومن هذا القبيل, يعني من هذا السبب صار الذل لله ودعاءه أمر لازم لا بد منه,وهذا من حكمة الله جل وعلا كونه خلق الانسان وجعله عبدا فلا بد أن يذل لربه ويرغب في فضله ويسأله ذلك, إذا سأل ذلك فإن هذا السبيل إلى الهداية, ولهذا أوجب علينا جل وعلا فضلا منه ان نسأله في كل ركعة من ركعات الصلاة أن يهدينا إلى صراطه المستقيم, ولولا أنه مثلا الهدى يحتاج إلى توفيق الله وإلى تسديده وإلى خلق شيء يكون في قلوبنا ما صار لهذا التكرار فائدة من الدعاء دائما في كل ركعة, كما أن هذا أيضا يدل على أن الهدى يتفاوت وأنه قد لا يحصل إلا بعضه وأنه أي هدى يحصل له أنه وراءه هدى أيضا فلا تتم الهداية حتى يستقر الانسان في الجنة, قبل ذلك فهو بحاجة الى الهداية, اما الذي يقول من المفسرين أن معنى اهدنا الصراط المستقيم : ثبتنا على الصراط المستقيم, فهذا أيضا قصور ليس هو كل المعنى هذا جزء من المعنى, جزء من معنى الهداية, الهداية تتجدد كما أنها ايضا لا تتم إلا إذا أمن الإنسان من عذاب الله جل وعلا ولا يأمن كما قال الإمام أحمد: حتى يضع أول قدم له في الجنة, هناك يأمن.

قوله:قالوا: فإن كانت القوة جائزا وجودها، وجودها: يعني أنها أمر واجب عند العبد,وعدم أحدهما كاليد التي قد توجد وهي لا متحركة ولا ساكنة لعجز محلها، لأنها يعني ما جعلت متحركة يعني منعت من القوة, فقد يجب أن يكون جائزا وجود القدرة على الطاعة والمعصية، والعجز عنهما, يعني هذا مستحيل ممتنع, واليد إذا خلقت في المخلوق جعل لها وظيفة, التحرك وتناول الشيء وتعطيه, فلو وجدت مثلا بدون أن تجعل لها كل هذه القدرة لا فائدة فيها كما أن القدرة على المعصية والطاعة مخلوقة لله جل وعلا جعلها في الانسان, ولهذا بعضهم اختار الطاعة وبعضهم اختار المعصية والقدرة موجودة فيهم ولكن لماذا ما كانوا على سبيل واحد لولا أن هناك شيء غير هذا غير القدرة وهو فضل الله جل وعلا, فتفضل على فريق اختاروا الطاعة وفريق منعوا الفضل فاختاروا المعصية فوقعوا في المعاصي.

وقوله رحمه الله : قالوا: ففي استحالة اجتماع العجز والقدرة في حال واحدة، في جسم واحد، الدليل الواضح على اختلاف حكم القدرة في الجوارح للفعل والجوارح، والقدرة للعمل سبب وليس كذلك الجوارح.

قالوا: وإذا كانت القدرة للفعل سببا وجب وجود مسببه معه. 

(الشرح)

يعني نفس الشيء هو يكرر هذا الشيء ولكن من باب الايضاح .. لاستحالة اجتماع العجز والقدرة في مكان واحد, يعني في حال واحدة في وقت واحد, هذا المقصود يقول الدليل الواضح على اختلاف حكم القدرة في الجوارح للفعل والجوارح التي لا تفعله, وإذا كانت القدرة للفعل سببا وجب وجود مسببه, يعني الذي يترتب على السبب هذا مقصوده.

وقوله رحمه الله : قالوا: وإذا كان ذلك كذلك، وكان محالا اجتماع الكفر والإيمان في جسم واحد، في حال واحدة، علم أن القدرة على الطاعة غير القدرة على المعصية، وأن الذي تعمل به الطاعة فيوصل به إليها من الأسباب غير الذي تعمل به المعصية فيوصل به إليها من الأسباب. 

(الشرح)

مقصوده يعني أنه لو كان الانسان هو الذي يستقل بكل شيء, يعني ماذا! يعني يكون يختار الكفر ويختار المعصية, على كل حال المسألة يعني يقول: وإذا كان كذلك يعني كانت السبب يعني الذي يترتب عليه المسبب لا ينظر إليه وليس له أثر فيكون ممتنعا يوجد شيئين في محل واحد يعني في هذا وفي هذا للإنسان لأن الانسان سواء عندهم الناس كلهم سواء الكافر ولمؤمن سواء, ولكن وجد مثلا الإيمان من هذا ووجد الكفر من هذا والقدرة واحده والاستطاعة واحدة والعضو هذا واحد يعني محل واحد وكل هذه لا تكفي في كون الانسان يقتنع في هذا, لكن الله جل وعلا بين البيان الواضح في هذا, حيث جعل لهم قدرة واختيارا وقال هذا طريق الهدى وهذا طريق الضلال فإن شئتم آمنوا وإن شئتم اكفروا, فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر, هل يؤمرون بشيء لا يستطيعونه فهذا يكفينا, أن الله جل وعلا خلق لهم استطاعة والقدرة, والاستطاعة التي خلقت لهم هي القدرة والاختيار أيضا في عقولهم وفي أفكارهم, فجعل عندهم الميل للضار والنافع, وجعل ذلك إليهم وهذا العدل, هذا عدل الله جل وعلا, وبه يحصل الثواب والعقاب, لأن هذا فعل ما أمر به باختياره ومقدوره وهذا تركه باختياره ومقدوره وهو يستطيع أن يفعله وهذا شيء ظاهر ومحسوس يشاهد, فالأمر الذي كلفوا به واحد والأمر الذي نهوا عنه واحد فلو كان مثلا الانسان هو الذي يخلق أفعاله كيف يحصل التمييز بين هذا وهذا لا سيما مع العقل, أن هذا عاقل وهذا عاقل وهذا يعرف الضار ويعرف النافع فلا بد أن يكون هناك أسباب أخرى غير القدرة التي في الانسان, وهي التي يقول (أنها) لو كانت مثلا مكنا تقولون فهذا ممتنع, فلا بد أن يكون وراء هذا شيء حمل على الاختلاف بين هاذين النوعين أو هذا النوع الواحد الذي هو الإنسان الذي فيه مثلا مقدرة وفيه الاختيار فهذا المقدرة والاختيار صارت متفاوتة بل متضادة وهي في محل واحد.

وقوله رحمه الله : وصح بذلك فساد قول من زعم أن الله -عز ذكره- قد فوض إلى خلقه الأمر فهم يعملون ما شاءوا من طاعة ومعصية، وإيمان وكفر، وليس لله -جل ثناؤه- في شيء من أعمالهم صنع.                 

(الشرح)

يعني هذا باطل فالله له الهدى يهدي من يشاء ويضل من يشاء وهو الذي خلقهم وهو ربهم إن شاء هداهم وإن شاء أضلهم وهذا هو معنى التكليف وهو الذي تقتضيه العبادة والدعاء والتوجه إلى الله جل وعلا وإلا يكون ما في فائدة يعني يكون مثل صنع ابليس أنه على حق مثل ما سبق, أنه فعل ذلك بخلقه وبإرادته فيكون غير ملوم.

وقوله رحمه الله : قالوا: فإذا فسد قول القدرية الذين وصفنا قولهم؛ فقول جهم وأصحابه الذين زعموا أن الله -تعالى ذكره- اضطر عباده إلى الكفر وإلى الإيمان وإلى شتمه والفرية، وأنه ليس للعباد في أفعالهم صنع: أبطل وأفسد.            

(الشرح)

يعني أكثر فسادا وأبعد عن الحق وهذا هو الواقع لأنهم سلبوا الانسان القدرة والإرادة أيضا وجعلوه بمنزلة الآلة, فكيف يكلف الأعمى أن يكتب ويخط بيده أو مثلا تربط رجلي الإنسان ويديه ويلقى في البحر ويقال له لا تبتل ولا تغرق!

لأنه هم بهذه المنزلة يعني منعوا القدرة والإرادة ثم قيل لهم لا تكفروا, هذا لا يمكن فهو فاسد قول فاسد وظاهر الفساد.

وقوله رحمه الله : قالوا: وذلك أن الله -تعالى ذكره- أمر ونهى، ووعد الثواب على طاعته، وأوعد العقاب والعذاب على معصيته؛ فقال في غير موضع من كتابه إذ ذكر ما فعل بأهل طاعته وولايته من أهل كرامته لهم: {جزاء بما كانوا يعملون} ، وإذ ذكر ما فعل بأهل معصيته وعداوته من عقابه إياهم: {جزاء بما كانوا يكسبون} .

(الشرح)

هذا حق يعني أن الباء هذه باء سببية؛ وليست كما تقول المعتزلة القدرية, أنها باء العوض, مثل إذا قلت : هذا الثوب بدرهم, يعني عوضا عن الدرهم, كذلك عندهم الجنة عوض عن العمل الذي عملته, ولهذا أوجبوا على الله أن يثيب الطائع وأوجبوا عليه أن يعاقب العاصي, لكن هذا نقول الباء سببية, أنها بسبب هذا العمل يدخلك الله الجنة, وكذلك بسبب المعصية تدخل النار, ولكن الله قدر ذلك عليك.

وقوله رحمه الله : قالوا: فلو كانت الأفعال كلها لله لا صنع للعباد فيها، لكان لا معنى للأمر والنهي؛ لأن الآمر يأمر غيره لا نفسه، وإذا أمر غيره فإنما يأمره ليطيعه في ما أمره، وكذلك نهيه إياه إذا نهاه. 

(الشرح)

يعني يقول هذا: قالوا: لو كانت الأفعال كلها لله؛ يعني هذا جواب للجبرية, لا صنع للعباد فيها، لكان لا معنى للأمر والنهي  يعني كيف يأمره بفعل هو يفعله, هذا ممتنع, لهذا قال لأن الأمر يأمر غيره لا نفسه, ولو كان كما تقولون لكان يأمر نفسه إذا أمر, إذا أمر غيره يكون آمرا لنفسه فلا فائدة في ذلك وكذلك إذا نهاه ,فإنما يأمره ليطيعه في ما أمره؛ يعني ما يدل على أن له اختيار وله قدرة ووكل ذلك إليه وبذلك استحق الجزاء.

وقوله رحمه الله : قالوا: فهذا أمر الله -تعالى ذكره- ونهى في قولنا وقول جهم وأصحابه؛ فأثاب وعاقب، فلن يخلوا من أن يكون أمر نفسه ونهاها، وأمر عبده ونهاه. 

(الشرح)

فلا يخلوا من أن يكون أمر نفسه ونهاها أو أمر عبده ونهاه؛ يعني يخلوا إما هذا أو هذا, والظاهر أن هذه فيها همزة, “أو” ” أو أمر عبده ونهاه” فلا يخلوا هذا وهذا, والأول محال ممتنع, والثاني هو الحق.

وقوله رحمه الله : قالوا: ومن المحال أن يكون أمر نفسه ونهاها عندنا وعندهم؛ فالواجب أن يكون أمر غير نفسه ونهى غيرها. 

(الشرح)

هذا يدلك على أن فيه همزة وسقطت؛ “ومن المحال أن يكون أمر نفسه ونهاها عندنا وعندهم” فالأمر للعبد وليس للآمر.

(**سائل **) هذا قول من؟

هذا قول الجبرية, أهل السنة يجيبون الجبرية.

وقوله رحمه الله : قالوا: وإذ كان ذلك كذلك فلن يخلو من أن يكون أمر ليطاع أو لا يطاع.

وإن كان أمر ليطاع فمعلوم أن الطاعة فعل المطيع والمعصية فعل العاصي، وأن فعل الله وخلقه الذي ليس بكسب للعبد لا طاعة ولا معصية كما خلقه السموات والأرض ليس بطاعة ولا معصية؛ لأن ذلك ليس بكسب لأحد، وأنه ليس فوق الله -جل ثناؤه- أحد يأمره وينهاه، فيكون فعله طاعة أو معصية. 

(الشرح)

وإن كان أمر ليطاع فمعلوم أن الطاعة فعل المطيع والمعصية فعل العاصي؛ لو كان كما تقولون أن العبد كالآلة ما الفائدة في أمره أن يطيع أو أمره ألا يعصي! لأن الطاعة والمعصية تكون فعل غيره, يعن يفعل الآمر, هذا ممتنع, فهو يدل على بطلان هذا القول الفاسد, وأن فعل الله وخلقه الذي ليس بكسب للعبد.. كخلق السماوات وخلق الأرض وخلق المخلوقات بل وخلق الإنسان, الانسان ما له دخل في خلقه, الله هو الذي خلقه, يعني يقول أنكم قولكم يساو هذا, ان الإنسان لا قدرة له على الفعل ولا على الترك فيكون مثل السماء التي خلقها الله ومثل الأرض التي خلقها الله, هذا باطل لا شك في بطلانه ولا معنى للمعصية والطاعة في هذا, لأنه لا كسب له فيه ولا مقدرة له, كل ذلك إبطال لقول الجبرية.

وقوله رحمه الله : فالطاعة إنما هي الفعل الذي بحذائه أمر… 

(الشرح)

يعني بحذائه أمر: يعني أنه رتب عليه الأمر ففعل المأمور, والمعصية كذلك يعني أنه خالف الأمر فلا بد أن يكون هناك آمر ومأمور والمأمور له مقدرة على الفعل وعلى الترك وإلا لا فائدة في الأمر كون مثلا الآمر يأمر نفسه! هذا من المستحيل.

وقوله رحمه الله : … والمعصية كذلك.

فإن كان أمر لا ليطاع، فقد زالت المآثم عن الكفرة، واللائمة عن العصاة؛ وارتفع الثواب والعقاب، إذ كان الثواب ثوابا على طاعته والعقاب عقابا على معصيته. 

(الشرح) 

وكل هذا المعنى السابق.

وقوله رحمه الله : قالوا: وفساد هذا القول أوضح من أن يحتاج إلى الإكثار في الإبانة عن جهل قائله.

فإذا كان فساد قول القدرية القائلين بالتفويض، وخطأ قول جهم وأصحابه القائلين بالإجبار، صح قول القائلين من أهل الإثبات بالذي استشهدنا من الدلالة.

وهذا القول -أعني قول أهل الإثبات المخالفين القدرية والجهمية- هو الحق عندنا والصواب لدينا للعلل التي ذكرناها. 

(الشرح)

العلل يعني الأدلة, الأدلة التي ذكرت, الأدلة ذكر أدلة عقلية ولم يذكر الأدلة الشرعية, الأدلة الشرعية أولى أنتذكر في هذا ولكنه أراد أن يبطل ذلك قول القدرية بما في نفوسهم ويرغمهم أو يلزمهم بهذا أنه باطل, هذا إذا أقروا بذلك .. ولكن مثل هذه المجادلة قد لا تكفي؛ فالحق الذي يجب أن يكون مقنعا هو ما جاء في كتاب الله وجاء في أحاديث الرسول r, فالله كيف يأمر من لا طاعة له ولا معصية! هذا أمر كقوله جل وعلا: { ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا}[فصلت:11], يكون مثل هذا يعني مثل أمر التكوين, هذا لا أحد يقول به لأن الأمر الذي يوجه إلى من عنده المقدرة والمقدرة على الطاعة وعلى المعصية, يكون باستطاعته ولهذا رتب عليه الثواب, فهذا أمر بديهي يعين بطوله وضلاله, ولكن قول القدرية الذين يقولون أن الإنسان هو الذي يخلق فعله, نقول أنكم أخرجتم هذا عن قوله: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر:62], والعجيب أنهم يخرجون أفعال الإنسان من هذا العموم ويدخلون فيه القرآن, يعني يخرجونه منه, يقولون القرآن شيء فيكون مخلوق, فلماذا ما قالوا أفعال العباد شيء فتكون مخلوقة! يعني اتباع الهوى فقط مع أنها أولى بذلك, فالمقصود أن كلا الطائفتين على ضلال وأمرهم غير مقنع لكل عاقل, بل هو ينفر عنه الذوق وكذلك العقل نفسه ينفر عن هذا القول, فالله جل وعلا لا يظلم أحدا, والله جل وعلا ليس له شريك لا في ملكه ولا في خلقه وفعله, فهو الواحد الأحد, وهم وقعوا في الشرك في هذا وأي ضلال أكبر من هذا كونهم صاروا مشركين في الربوبية!

قوله رحمه الله: القول في الاختلاف الرابع 

ثم كان الاختلاف الرابع الذي حدث بعد هذا الاختلاف الثالث الذي ذكرناه، وذلك اختلافهم في الكبائر.

فقال بعضهم: هم كفار، وهو قول الخوارج. 

(الشرح)

مقصوده في هذا الاختلاف في الأسماء والأحكام, الأسماء مثل المؤمن الكافر الطائع العاصي, الأحكام ما يترتب عليها, هل يكون كافرا أو لا يكون كافرا إذا فعل المعصية, وهل يكون كامل الإيمان أو ناقص الإيمان, فالكلام في هذا الكلام مع الخوارج ومع المرجئة, فالخوارج قابلهم المرجئة تماما, وكذلك مع المعتزلة, لأن المعتزلة أيضا وافقوا الخوارج في الحكم وخالفوهم في الاسم, فلا معنى لهذا, هذا يقول الاختلاف الرابع: اختلافهم في الكبائر, يعني في أصحاب الكبائر وفي احكامهم وأسمائهم هذا المقصود, فقال بعضهم: هم كفار، وهو قول الخوارج, أما المعتزلة فقالوا: لا كفار ولا مؤمنين, هذا مقصوده بالكبائر من ذكر الكبائر وتعيينها ليس هذا المقصود, المقصود يعني اصحابها واسماؤهم وكذلك أحكامهم.

وقوله رحمه الله : فقال بعضهم : هم كفار، وهو قول الخوارج.

وقال بعضهم: ليسوا بالكفار الذين تحل دماؤهم وأموالهم، ولكنهم كفار نعمة، وهم منافقون؛ لأن لهم حكم المؤمنين. 

(الشرح)

وقال بعضهم: ليسوا بالكفار الذين تحل دماؤهم وأموالهم، ولكن كفار نعمة، وهم منافقون؛ كيف منافقين؟ لأن لهم حكم المؤمنين! يعني الحكم في التسمية إذا كان يقصد المعتزلة, لأن المعتزلة لم يسموهم كفار ولم يسموهم مؤمنين, فيكونوا عندهم منافقين ويكون هذا كفر النعمة, ثم هم في الآخرة يكونوا في النار, لكن الظاهر أن هذا القول الذي يقوله هنا ليس قول المعتزلة, إنما قول بعضهم الذين قالوا مثل الكرّامية الذين يقولون أنهم منافقون ويكفي عندهم القول بهذا ولكن الفعل خالف القول, الكرامية هم الذين يقولون أنهم… الكرامية,…

والنفاق معناه أنهم أظهروا شيئا خلاف ما في قلوبهم, (..) أن الكبيرة تدل على ما في القلب عندهم هكذا, أما كفار النعمة, فكافر النعمة لا يخرج من الدين الإسلامي, كيف يكون منافق! يعني النفاق الذي هو نفاق عمل فقط.

وقال آخرون: ليسوا بمؤمنين ولا كفار، ولكنهم فسقة أعداء الله، ويوارثون في الدنيا المسلمين ويناكحونهم ويحكم لهم بحكم الإسلام، غير أنهم من أهل النار مخلدون فيها. وهذا قول المعتزلة. 

(الشرح)

هنا يقول: ليسوا بمؤمنين ولا كفار, ولكنهم في الدنيا لهم الحكم في المعاملات وفي الإرث, والمناكحة يعني أنهم يجوز أنهم يزوجوا ويزوج منهم كالمنافقين, المنافقين هكذا حكمهم, ولكنهم في الآخرة في النار, وهم يسمونهم يعني في الاسم لا يوافقون أنهم كفار, فماذا يكون إذا كان ليس بمؤمن ولا كافر! فيه شيء غير هذا! ليس بمؤمن ولا كافر! هذه من العجائب, فيكون هذا مثل إذا كان هناك قطيعين من الضأن فخرجت واحدة فصارت بين القطيعين لا مع هذا ولا مع هذا, فهو مثل هذه عندهم, ولكن في النهاية إذا مات صار في النار خالدا فيها, إذا هذه التسمية ما لها قيمة, ما لها فائدة إلا أحكام الدنيا فقط, كونه مثلا يعامل معاملة المسلمين, فيكون مثل المنافق, المنافق هكذا يعامل معاملة المسلمين ويرثه أولاده وكذلك يجوز أنه يتزوج منهم ويزوج المؤمنين ولكنه في الآخرة في جهنم, أنه تحت هذا الذي انفردوا به لم يشاركهم فيه أحد, والعجيب أنهم جعلوا هذا ركن من أركان الاسلام, فأركان الاسلام عندهم خمسة, ليست أركان المسلمين التي هي: شهادة الا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت, جابوا أركان من عند أنفسهم جعلوها خمسة وهي: التوحيد, والتوحيد قصدهم به نفي الصفات, قالوا كذا, والعدل, والعدل قصدهم به وجوب أن يعاقب الله جل وعلا العاصي ويثيب الطائع, وفي ضمنه الخروج على الأئمة, والثالث المنزلة بين المنزلتين الي هوا هذا, فمشكلة يعني مصيبة امور يعني كأنه مصادمة لشرع الله جل وعلا.

وكل أهل هذه المقالات الثلاث التي وصفنا صفة قائليها يزعمون أن أهل الكبائر من أهل التوحيد مخلدون في النار لا يخرجون منها. 

(الشرح)

يعني يصير القول الثاني الي سبق قول طائفة من الخوارج, الخوارج غير الباقين, الخوارج انقسموا إلى أربع وعشرين فرقة وكل فرقة تضلل الأخرى وتكفرها, فهذا شأن البدع تجدهم مثلا يبدئون بشيء ثم ينقسمون إلى أشياء وكل واحد يحكم على الذي كان معه مشاركا في أصل مقالته بأنه ضل وكفر, ولهذا يقول أهل السنة: من علامات أهل البدع التكفير, أما أهل السنة فهم يضللون ولا يكفرون, يقول ضل في هذه المسالة وليس بكافر, فقول الرسول r: (تفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة..) يعني كل هؤلاء مسلمين كلهم كل هذه الفرق الثلاث والسبعين ولكنهم ما عدا واحده كلهم داخلون في الوعيد من أهل الوعيد الذين توعدوا بالنار.

وقال آخرون: أهل الكبائر من أهل التوحيد الذين وحدوا وصدقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقروا بشرائع الإسلام مؤمنون بإيمان جبريل وميكائيل، وهم من أهل الجنة. 

(الشرح)

هذا قول المرجئة, الذي يظهر أن هذا القول نتيجة لقول الخوارج يعني صار مصادما له, لأنهم يقولون الكبائر ما تضر ما دام أنه آمن بقلبه وقال بلسانه فهو مؤمن إيمانا كاملا, هذا من أسوأ الأشياء, اقر بالشرائع يعني أقر بلسانه, ولا يلزم أنه يكون يصلي أويصوم أويحج ما هو لا زم ولا يضره ذلك ما دام عنده الإيمان, فهذه مصادمة تماما لقول الخوارج يعني مقابلة له, تكون نتيجة قول الخوارج قول المرجئة, والمرجئة هم الجهمية, المرجئة المحضة, ولكن انقسموا إلى أقسام حتى قالوا ان هناك مرجئة الفقهاء, ولكن مرجئة الفقهاء هم الذين أخرجوا الأعمال عن مسمى الإيمان فقط, قالوا لا تسمى إيمانا ولا تدخل في الإيمان.

وقالوا: لا يضرهم مع الإيمان ذنب، صغيرة كانت أو كبيرة . 

(الشرح)

إذا ما الفائدة من كون الرسول r يجعل الاسلام هو شهادة الا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج! ولما سئل عما يدخل الجنة قال: (تعبد الله ولا تشرك به شيء وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا), فالمفروض أنه يقول أن تقر, أن تصدق بقلبك وتقر بلسانك يكفي دخول الجنة, ما هو لازم تصلي ولا.. ما الظن لو أن المشركون قالوا للرسول r نحن نؤمن بأنك صادق وأن الذي تقوله حق ونقر بهذا ولكن ما نصلي ولا نزكي ولا نصوم ولا نحج ولا نمتنع من أذيتك وقتالك وقتال أصحابك, والامعان في ذلك, هل يقول أنتم مؤمنون وأنتم من أهل الجنة! بل يقول أنتم أشر الكافرين, هذا من أبطل الباطل.

قالوا: لا يضرهم مع الإيمان ذنب، صغيرة كانت أو كبيرة, كما لا ينفع مع الشرك عمل. 

(الشرح)

ذنب صغيرة.. المفروض ذنب صغير أو كبير هذا المفروض هذا القاعدة, “ذنب صغيرة أو كبيرة” ما يصلح , يعني هذا من ,,,, العمال الذين يقولون.. الظاهر أن فيه خطأ,والله أعلم, والأخطاء تكون من النساخ غالبا, كما يقول الخليل بن أحمد, يقول: إذا نسخ الكتاب مرتين عاد أعجميا, (كيف) عاد أعجميا, فكيف إذا نسخ ألف مرة أو مائة مرة!! ماذا يكون ! يكون مغلق لا معنى له.

قالوا: والوعيد إنما هو لأهل الكفر بالله، المكذبين بما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم. 

(الشرح)

يعني ليس لمن قال أنا مؤمن بلسانه وصدق في قلبه, من المعلوم أن قريش أنها تصدق الرسول, بل الكفار كلهم, كما قال الله جل وعلا: { فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ}[الأنعام:33], وقال في فرعون وقومه: {وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ}[النمل:14], يعني استيقنوا ذلك ولكن جحدوها ظلما وعلوا وتكبر, ولهذا يقول العلماء: ان كفر التكذيب قليل, والكثير كفر الجحود والإباء, لأن الرسل جاءت بآيات وبينات واضحة لا تخفى, فهؤلاء خالفوا حتى الكفار في هذا.

وقال آخرون: هم مؤمنون غير أنهم لما ركبوا من معاصي الله فاجترحوا الذنوب في مشيئة الله إن شاء عفا عنهم بفضله فأدخلهم الجنة، وإن شاء عاقبهم بذنوبهم، فإنه يعاقبهم بقدر الذنب ثم يخرجهم من النار بعد التمحيص فيدخلهم الجنة. 

(الشرح)

وهذا قول أهل السنة الذين يردون على الخوارج وعلى القدرية, أنهم يقولون مؤمنون ولكن ناقصوا الإيمان, ليس عندهم الإيمان الكامل, إذ لو كان عندهم الإيمان الكامل لمنعهم من المعاصي, لأن المؤمن إيمان كامل إيمانه يمنعه أن يقترف معصية أو يترك طاعة واجبة, ولكن إذا وقعوا في الذنوب ما عدا الشرك, إذا ماتوا عليها بدون توبة فهم تحت مشيئة الله إن شاء عفا عنهم بلا عقاب وإن شاء عاقبهم على قدر معصيتهم ثم يكون مآلهم إلى الجنة, ما داموا ماتوا مسلمين على أصل الإسلام, وجاءت أشياء يعني كقوله في الذين يخرجون من النار: عمل مثقال حبة أو قال مثقال شعيرة أو قال مثقال ذرة, أو قال في آخرهم يخرج قوما لم يعملوا خيرا قط, يقول أهل السنة: “لم يعملوا خيرا قط” زائدا على أصل الإيمان, يعني من الأعمال, ليس عندهم شيء من هذا, أما أصل الإيمان فهو موجود لأنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن, كما قال الرسول r وكان ينادي في المجامع أو يأمر من ينادي: (ألا إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة), والله أخبر أن الكافرين لا تفتح لهم ابواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط, وهذا من الأمور الممتنعة التي لا .., والله جل وعلا استثنى من ذلك الشرك: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:48/116], وهذا لمن مات على ذلك, أما إذا تاب فالله يتوب عليه. 

قوله: وقال آخرون: هم مؤمنون غير أنهم لما ركبوا من معاصي الله فاجترحوا الذنوب في مشيئة الله إن شاء عفا عنهم بفضله فأدخلهم الجنة، وإن شاء عاقبهم بذنوبهم، فإنه يعاقبهم بقدر الذنب ثم يخرجهم من النار بعد التمحيص فيدخلهم الجنة.

هذا قول أهل السنة إلا أن قوله: “هم مؤمنون” هذا لا يطلقه أهل السنة هكذا على أهل المعاصي, وإنما يقولون مؤمنون بإيمانهم فاسقون بمعصيتهم, أو يقولون مثلا : مؤمنون فاسقون, لأنهم ليسوا مؤمنين على الإطلاق فالمؤمن المطلق لا يكون مرتكبا للكبائر, غير أن صاحب الكبيرة لا يخرج من الإيمان ولكنه يضعف إيمانه, لأن اقتراف المعاصي يضعف الإيمان ويسلبه, فهم يعطونه مطلق إيمان ولا يسلبونه الإيمان المطلق, وهذا هو الحق وهو العدل, أن الإنسان يكون معه إيمان لأنه ما خرج من الإيمان, فلا بد أنه يقيد ذلك, أما الإسلام فهو مسلم بدون قيد, إذا قيل أنه مسلم؟نقول نعم ومن المسلمين, أما الحكم هذا يعني التسمية عند أهل السنة هكذا (لا) يقيدونه يقولون مؤمن ناقص الإيمان أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته, أما تسمية المسلم فهذا بدون قيد كون أنه مسلم, وأما الحكم فالحكم في هذا إلى الله, يقولون هو بمشيئة الله إن شاء عفا عنه بدون عقاب والله كريم جواد جل وعلا,وإن شاء عاقبه على معصيته ثم يدخله الجنة, فهذا الحكم الذي يقوله أهل السنة,ولكن هم لا يجزمون لمعين بعينه أن هذا من أهل النار أوهذا من أهل الجنة, إنما يقولون: نرجو لأهل الخير وأهل الإيمان ونخاف على أهل المعاصي, لأن الله توعد على المعاصي مثل ما توعد على أكل الربا وأكل مال اليتيم وعلى القتل, وعلى كذلك كثيرا من المعاصي جاء الوعيد عليها, ثم قد صح عن النبي r أحاديث كادت تبلغ حد التواتر؛ أنه جمع كثير من المؤمنين يدخلون النار ثم يخرجون منها إما بالشفاعة وإما برحمة أرحم الراحمين جل وعلا, كما أنه جاءت نصوص كثيرة أيضا بأن من قال: “لا إله إلا الله” صادقا من قلبه حرم على النار, كل نصوص الشارع سواء نصوص الكتاب أو نصوص السنة لا تتضارب ولا تتعارض, فيجب أن هذه تكون تنزل على صفات وهذه على صفات, فقالوا لتي فيها تحرم على النار جاءت مقيدة , لأنه يقول ذلك صادقا مخلصا, ولا بد أنه يكون تائبا ثم يموت على هذا التوبة بدون اقتراف كبائر, فإذا كان كذلك فإنه يحرم على النار, أما الذي جاء أنه يدخلون النار فأصل الإيمان معهم, ولكنهم ارتكبوا ذنوبا استوجبوا بها دخول النار ثم يرحمهم الله جل وعلا إما بشفاعة الشافعين وإما برحمة أرحم الراحمين.

قالوا: ولا يجوز في عدله أن يعاقب عبده على ذنوبه، ولا يجازيه على طاعته إياه. 

(الشرح)

الواجب أننا ما نجزم بشيء نحكم به على الله, نقول اما لا يجوز, إذا كان مثلا لا يجوز عقل فالعقل لا يحكم على الله جل وعلا بشيء, لو عذب عبده عذبه وهو عادل جل وعلا وذلك أن العبد لا يمكن أن يقوم بالعبادة على الوجه الذي يستحقه رب العالمين, لا يمكن هذا, فالرسول r هو أكمل الخلق على الإطلاق ومع ذلك يستغفر ويتوب والله جل وعلا يأمره أيضا بالتوبة والاستغفار, كما قال الله جل وعلا: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}[سورة النصر], هذه آخر سورة نزلة عليه صلوات الله وسلامه عليه في آخر حياته, أمر الله جل وعلا بالاستغفار والتوبة, أما قول المتطرفين الذين يعني ليسوا لا من أهل العلم ولا حتى من أهل الاستقامة في القول والكلام, يقولون استغفاره لأمته, هذا كلام شاذ بل هو باطل, استغفاره صلوات الله وسلامه عليه لنفسه كما أمره الله جل وعلا, فالمقصود أن العبد لا يمكن أن يأت بالأمر على الوجه الأكمل الأتم الذي يستحقه الله, فلا بد من التقصير ولكن الله يعف, يعف ويتجاوز, فالقول انه لا يجوز على الله ان يفعل كذا أو كذا أو يجوز عليه؛ هذا في الواقع طريقة المعتزلة, هم الذين عندهم الجرأة على الله فيحكمون على الله بآرائهم وبعقولهم, هذا لا يجوز أن يكون, ولكن هنا يجب أن يكون الرجاء, ورجاء الله جل وعلا, ويكون بمقتضى الدليل, نقول دل الدليل على أنه كذا وكذا, أما أن نقول لا يجوز على الله أنه كذا وكذا أو يجوز عليه انه يفعل كذا وكذا فهذا حكم والحكم على الله جل وعلا من عباده غير مستساغ وغير أيضا اسلوب غير الأسلوب الأدبي مع الله, فيجب أن نتأدب مع ربنا جل وعلا في الكلام, أما الحكم فهذا ممتنع؛ أن يحكم الانسان على الله, ولهذا ثبت في الحديث عن النبي r أنه قال: (كان رجلان متآخيين في الله, وكان أحدهما مجتهد والآخر مسرف على نفسه فكان المجتهد كلما رأى أخاه على ذنب ينعاه ويقول يا هذا أقصر, فرآه يوما على ذنب استعظمه قال يا هذا أقصر والله لا يغفر الله لك, فقبضهم الله إليه, ثم أوقفهما عنده, فقال للمجتهد: أتستطيع أن تمنع رحمتي عن عبدي! اذهبوا به إلى النار,وقال للمقصر اذهب إلى الجنة برحمتي), فلا يجوز أن يحكم على الله في شيء تعالى الله وتقدس, أو يقال أنه يجب عليه كذا أو يجوز أو لا يجوز عليه كذا, فقول لا يجوز مثل قول يجب, مثلها تماما, فهذا اسلوب في الواقع مجانب للأدب مع الله جل وعلا ولكن يجوز أن الإمام بن جرير رحمه الله ينقل الكلام عن المتكلمين يعني ينقله بكلامهم وقولهم, وهو الظاهر في هذا, لأنه قال: “قالوا ولا يجوز في عدله” والمعتزلة هم الذين يسمون أنفسهم أهل العدل,يقولون يجب على الله كذا ولا يجوز عليه كذا إلى آخره, وقد عرف أنهم عندهم من الجرأة على الله الشيء الذي عرفوا به فأوجبوا شرعا بعقولهم على الله,أنه يفعل كذا ولا يفعل كذا, أما أهل السنة فلا يقولون هذا, يقولون: إن العباد كلهم عباد الله يتصرف فيهم كيف يشاء, ولكنه أخبرنا جل وعلا أنه لا يظلم أحدا وأنه حرم الظلم على نفسه, ولا أحد حرمه عليه هو الذي حرمه فضلا منه وعدلا, وأنه إذا شاء أن يعذب عبده عذبه وهو غير ظالم له لأنه لم يأت بما يجب عليه لعبادة الله جل وعلا.

فمثلا لو نظرنا حنا في أعمالنا فأفضل أعمالنا الظاهرة الآن؛ الصلاة, تجدنا مقصرون فيها دائما, يعني إذا قام الإنسان بصلاته تجده غافل, إما يخطر له خواطر ويذهب إلى المذاهب في فكره وقلبه, فيحفظ من الصلاة بعضها وقد يغيب عنه بعضها, وحضور القلب في الصلاة هذا واجب كما جاء في الحديث, حديث بن عباس: (ليس للعبد من صلاته إلا ما حضر -وفي رواية إلا ما عقل) حضورها أن يعرف أنه يبن يدي الله ويتأمل ماذا قيامه وسجوده وركوعه, وكذلك يتأمل ما يسمعه وما يقرأه,ويكون مستحضرا أنه قائم بين يدي الله, الإنسان يدخل الصلاة ويخرج منها كأنه ما تأثر في شيء, وجاء في الحديث أنه لا يكتب للعبد من صلاته إلا ما حضر, وقد تكتب له صلاته وقد يكتب له جزء منها, إما العشر أو اكثر أو أقل كما جاء في الحديث.

المقصود أنه إذا عاقب رب العالمين جل وعلا العبد؛ فهو على حق تركه وذنب ارتكبه أما كون الانسان يدل بعمله ويقول انا عملت كذا وكذا فهذا ذنب أيضا ذنب قد يعاقب عليه, غير أنه جل وعلا أخبرنا أنه غفور رحيم وهكذا مقتضى أسمائه وصفاته أن عباده لا بد أن يذنبوا ويستغفروا فيغفر الله لهمولا بد أنه تظهر آثار أسمائه وصفاته على عباده, ولكنه إذا شاء أن يأخذ أخذ, والأمر إليه تعالى وتقدس, فقوله: قالوا: ولا يجوز في عدله أن يعاقب عبده على ذنوبه، يعني هذا أمر عقلي, ولا يجازيه على طاعته إياه,أما إذا كان في الجملة والعموم فهذا مقتضى خبره جل وعلا, فإنه أخبرنا أنه جل وعلا لا يظلم أحدا, وأنه إذا عاقب أحدا من خلقه فهو بذنوبه, وهو لم يظلمه وإنما هو الذي يكون ظالما لنفسه, وأخبرنا جل وعلا أنه يقبل التوبة وأنه يعف عن الكثير ويثيب على القليل, عفوا منه وكرما وجودا, فهذا نقول مقتضى الأدلة, ولا نقول يجب على الله هذا أو لا يجوز عليه إلا هذا.

قالوا: بل الذي هو أولى به الأخذ بالصفح والفضل عن الجرم. 

(الشرح)

أولى بالكرم أولى بكرمه وعفوه وما أخبرنا الله جل وعلا به هو هذا.

قالوا: فإن هو لم يصفح عن الجرم وعاقب عليه، فغير جائز أن لا يثيب على الطاعة؛ لأن ترك الثواب على الطاعة مع العقاب على المعصية جور. قالوا: والله عدل لا يجور وليس ذلك من صفته. 

(الشرح)

كل هذا الكلام على اطلاقه كذا فيه شيء من سوء الأدب مع الله جل وعلا, لأن كلمة يجوز أو جور أو ظلم يعني هذا من اسلوب أهل البدع أسلوب المعتزلة الجفاة ولكن الواجب الرجاء وأن الرجاء يترجح وعفوه أوسع من ذنوب العباد كما أخبرنا جل وعلا أنه يقبل القليل ويعف عن الكثير بشرط أن يكون المقبول خالصا لوجهه ويكون صوابا على وفق أمره تعالى وتقدس الذي جاء به رسوله, والله جل وعلاإذا شاء لم يأخذ عبده بذنب وعفا عنه بدون عقاب, وان الرسول r أخبرنا كما سبق أنه يدخل النار جماعة كثيرة من اهل التوحيد, فيخرج منها بالشفاعة بفضل الله جل وعلا والشفاعة لله جل وعلا  كما في الحديث الصحيح, يقول: (… فيحد لي حدا فيقول هؤلاء اشفع فيهم) وفيه أنه يقول ما أنتم بأشد مناشدة لي في الحق تبين لكم من المؤمنين في اخوانهم يوم القيامة, يقولون يا ربنا اخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا, فيقول الله جل وعلا لهم اذهبوا فمن وجدتموه عنده مثقال حبة من إيمان فأخرجوه, فيقول فيذهبون ويعرفونه بأثر السجود, لأن النار لا تأكل أثر السجود, هذا واضح أن الذين يسجدون ويصلون أنهم يدخلون النار.

وقال آخرون فيهم: هم مسلمون وليسوا بمؤمنين، لأن المؤمن هو الولي المطيع لله.

قالوا: وقول القائل: فلان مؤمن، مدح منه لمن وصفه.

قالوا: والفاسق مذموم غير ممدوح، عدو الله لا ولي له. 

(الشرح) 

كل هذا يجب أن يقيد ليس على إطلاقه .

وقال آخرون فيهم: هم مسلمون وليسوا بمؤمنين، ولا يمكن أن يكون الانسان خال من الإيمان أصلا, الإيمان هو الأصل, والإيمان محله القلب والتصديق والإقرار والقبول, أما الاسلام فهو على الظاهر كما هو معلوم وسيأتي الكلام على هذا إن شاء الله, وقوله: لأن المؤمن هو الولي المطيع, ومعلوم أن الإنسان يكون عنده إيمان وعنده خصلة من الكفر أو من النفاق ولا يخرج بذلك عن الإيمان, ولكنه يقول: يكون إيمانه ناقص على مذهب أهل السنة, أن الإيمان يزيد وينقص كما سيأتي, أما هؤلاء وغيرهم الذين لا يقولون بزيادة الإيمان ونقصانه فيضطربون ويأتون بأقوال تخالف النصوص, ومن هذا كونه ينفى عنهم الإيمان ويجعلون المسلمين.. لا يوجد مسلم بدون إيمان إلا إذا كان دخل في الإسلام يعني من جديد أول ما يدخل في الإسلام أنه لا.. يكون في الظاهر فقط يستسلم وينقاد للأمر ولما يتمكن الإيمان من قلبه, لأن الإيمان يأت شيئا فشيئا حتى يثبت, ولكن لا بد من تصديق الرسول r والإقرار بأنه جاء من عند الله وكذلك قبول ما يأمر به وكذلك الامتناع أو ترك ما ينهى عنه الشيء يجتنبه,والأمور الظاهرة هي التي تفسر بالإسلام, أما أعمال القلب مثل الخوف والرجاء والإيمان والرغبة والرهبة وغير ذلك فهذه أعمال القلوب ولا بد منها, فالمقصود أنه لا بد من إيمان يكون في القلب, يعني إيمان مع الإسلام, لأن الإسلام هو الأمور الظاهرة, أما أن يُنفى عنه الإيمان مطلقا فهذا لا يصح.

قالوا: فغير جائز أن يوصف أعداء الله بصفة أوليائه، أو أولياؤه بصفة أعدائه. 

(الشرح)

يعني أولياء الله هم المتقون وهم الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون, هذه صفة المؤمنين, {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ}[يونس:62-63], فهذا هو ولي الله وهو المؤمن.

قالوا: فاسمه الذي هو اسمه الفاسق الخبيث الرديء لا المؤمن.

قالوا: وتسميته مسلما باستسلامه لحكم الله الذي جعله حكما له ولأمثاله من الناس. 

(الشرح)

هذا صحيح ولكنه لا بد أن يكون معه شيء من الإيمان, إذ لا يوجد بلا إيمان وإلا كيف يستسلم إذا كان استسلم وقلبه خال من الإيمان معناه أنه منافق, المنافق هو الذي وافق في الظاهر وخالف في الباطن.

قال أبو جعفر:والذي نقول: معنى ذلك أنهم مؤمنون بالله ورسوله، ولا نقول: هم مؤمنون بالإطلاق؛ لعلل سنذكرها بعد. 

(الشرح)

يعني هذا هو الصحيح وهو قول أهل السنة؛ هم مؤمنون بالله ورسوله مع قيد ذلك, مؤمنون بالله ولكنهم عندهم الفسق والخروج من الطاعة في بعض ما فعلوه, لأن الكلام في أصحاب الكبائر, وهم يقولون ذلك ليس بالرأي لأن الرسول r يقول: (لا يزن الزان حين يزن وهو مؤمن, ولا يسرق السارق وهو مؤمن, ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن حين ينتهبها) فقوله “وهو مؤمن” يعني جملة حالية في هذه الحالة, والمقصود بالإيمان هنا الإيمان الذي يمنع صاحبه من اقتراف الجرائم, وليس مقصوده أنه ينفى عنه الإيمان مطلقا, إذا لو كان كذلك كيف مثلا يرجم الزاني ثم يصلي عليه ويدفن في مقابر المسلمين وكييف أذا أتي بالشارب شارب الخمر يقيم عليه الحد ينهى عن سبه ولعنه ويقول: انه يحب الله ورسوله, يقول لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله مع شربه الخمر, وحبه الله ورسوله إيمان, هذا من الإيمان, فلا بد من اثبات الإيمان له ولكن إيمان مقيد, يعني إما أن نقول ضعيف إيمانه ناقص أو نقول أنه مؤمن عنده كبائر.

وقوله رحمه الله : ونقول: هم مسلمون بالإطلاق؛ لأن الإسلام اسم للخضوع والإذعان فكل مذعن لحكمالإسلام ممن وحد الله وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم بما جاء به من عنده، فهو مسلم. 

(الشرح)

هذا قول أهل السنة, يعني؛ نقول هم مسلمون مؤمنون بالإطلاق يعني لا نقيد الاسلام بهم, بخلاف الإيمان فإنه يقيد, لأن الإسلام اسم للخضوع والاذعان يعني الانقياد للأمر واجتناب النهي الظاهر, لأنه مأخوذ من الاستسلام وهو الانقياد بالطاعة والخروج من الشرك والبراءة منه ومن أهله, هذا هو الاسلام في الظاهر, إذا وجد من الشخص فهو مسلم بدون قيد, أما الإيمان فلما كان محله القلب وكان الإنسان قد يخفي شيء ويظهر خلافه فإنه لا يطلق على الفاسق بدون قيد, ولهذا قال r: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله, فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله) وقوله حسابهم على الله يعنيأنه إذا كان في قلوبهم خلاف ما قالوه بألسنتهم فالله هو الذي يتولى حسابهم وأنا ليس لي إلا الظاهر الذي قالوه وسمعته منهم, فيحقن دماءهم بذلك ويكل أسرارهم إلى الله جل وعلا, ولهذا صار يعامل المنافقين معاملة المسلمين, وأحكامهم في الدنيا أحكام المسلم, مثلا إذا مات المنافق يرثه اقاربه المسلمين, أقاربهم المسلمين يرثونه وكذلك يجوز أن يزوج ويجوز أن يتزوج منهم وغر ذلك من الأحكام التي تكون في الدنيا, فيجري عليه حكم المسلمين, اما في الآخرة فالله يتولى جزاءه, فإن كان منافقا فإنه في الدرك الأسفل تحت الكافرين في النار, أما في الدنيا فليس للناس إلا ما ظهر لهم فقط, وبواطن الأمور وحقائقها إلى الله جل وعلا, فلهذا لا يقيد الإسلام , والمسلم وإن كان عنده معاص ومخالفات وترك للواجبات, نقول هو مسلم, بخلاف الإيمان فلا بد من قيده لأن أهل الإيمان هم الذين أخبر الله جل وعلا أنهم يرثون الجنة وأنه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون, وهؤلاء أهل المعاصي قد جاء توعدهم بعقاب ذكره الله جل وعلا في آيات كثيرة وكذلك أخبر به الرسول r.

ونقول: هم مسلمون فسقة عصاة لله ولرسوله. 

(الشرح)

يجب أن نقول : هم مؤمنون فسقة, ولكن وصفهم بأنهم فسقة وعصاة نعم هذا ظاهر وإن كانوا مسلمين ولكن ما نربط هذا باسم الاسلام, وإنما يربط باسم الإيمان ولا بأس تقول أنهم فسقة وأنهم عصاة وهم مسلمون بلا شك.

 وقوله رحمه الله : ولا ننزلهم جنة ولا نارا، ولكنا نقول كما قال الله تعالى ذكره: {إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} . 

(الشرح)

يعني بالمشيئة, أنها إلى مشيئة الله جل وعلا, ولكن هذا ليس خاصا بالعصاة, أننا ما نقول أنهم لا في الجنة ولا في النار, هذا مطلق في أهل الإسلام كلهم, غير أنه يعني نرجوا للمحسن أن الله جل وعلا يتغمده بفضله ونخاف على المسيء أنه يعذب, ولهذا أخبرنا رسول الله r أنه لاأحد يدخله عمله الجنة؛ قالوا ولا أنت يا رسو الله! قال (ولا أنا إلا أن يتغمدني الله جل وعلا برحمته) ذلك أن الجنة يستحقها الخالص الذي ما عمل ذنب وهذا لا يوجد, لا يوجد في بني آدم, بنوا آدم كلهم خطاء.

وقوله رحمه الله : فنقول: هم في مشية الله تعالى ذكره، إن شاء أن يعذبهم عذبهم وأدخلهم النار بذنوبهم، وإن شاء عفا عنهم بفضله ورحمته فأدخلهم الجنة، غير أنه إن أدخلهم النار فعاقبهم بها لم يخلدهم فيها، ولكنه يعاقبهم فيها بقدر إجرامهم، ثم يخرجهم بعد عقوبته إياهم بقدر ما استحقوا فيدخلهم الجنة؛ لأن الله -جل ثناؤه- وعد على الطاعة الثواب، وأوعد على المعصية العقاب، ووعد أن يمحو بالحسنة السيئة ما لم تكن السيئة شركا. 

(الشرح)

يعني كل هذا حق ولكن إدخالهم جل وعلا النار, إن شاء عذبهم أدخلهم النار هذا لا يكون لكل مذنب لأن المذنب, أمامه أمور كثيرة قد يعفى عنه قبل وصوله النار, قد يعذب في القبر ويكتفى بهذا, قد مثلا يصاب بمصائب في الدنيا فتكفر عنه, وقد يلحقه دعوة من المؤمنين أو من أولاده أو غيرهم فيرحمه الله بها, ولهذا شرع الصلاة على الميت, لأنه جاء أيضا نصوص عن النبي r الذين يصلى عليهم, صلى عليه أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا وشفعوا فيه شفعهم الله, وكذلك يكون أيضا بعد البعث وإخراجه من القبر يصيبه ما يصيبه في المحشر فيالموقف فيكتفى بهذا, فإن لم يفي هذا كله أدخل النار حتى يطهر إذا شاء الله, وكل ذلك بمشيئة الله جلوعلا ورحمته أوسع (ولهذا) ثبت عن النبي r أنه قال: أن الله كتب على نفسه كتابا “أن رحمتي تغلب غضبي”, الرحمة صفته والغضب كذلك ولكن آثارها, أثر الرحمة يتعدى إلى خلقه فيكون أوسع وأعظم ولهذا يقول الرجاء أرجح من الخوف, والخوف لا يجوزأن يكون عند الإنسان إلا بقدر – المؤمن- إلا بقدر ما يمنعه منالذنوب, من ارتكاب الذنوب, فإن زاد فهو من القنوط الذي يكون ذنبا كبيرا.

وقوله رحمه الله : فإذا كان ذلك كذلك فغير جائز أن يبطل بعقاب عبد على معصيته إياه ثوابه على طاعته . 

(الشرح)

الإمام بن جرير رحمه الله عنده اشياء من التعبيرات أهل البدع؛ “فإذا كان ذلك كذلك فغير جائز” غير جائز (أيش)! من الذي يقول غير جائز على الله! الله تصرفه كله في ملكه كيف يتصرف وهو أعلم بخلقه من أنفسهم, فالحكم عليه بأن هذا يجوز وغير جائز عليه مثل ما سبق, نقول أقل ما يقال في هذا أن فيه إساءة أدب مع الله, فلا يجوز أننقول هذا الكلام, ولكن الواجب أننقول بمقتضىالأدلة التي سمعناها من كتاب الله وأحاديث رسوله أن هذا مقتضاها والله جل وعلا له ما يشاء يتصرف بما شاء, لهذا جاء في الحديث: لو عذب الله أهل سماواته وأهل أراضيه لعذبهم وهو غير ظالم لهم, وإذا رحمهم فرحمته خير لهم من عملهم, أو نحو هذا الكلام الذي يقوله, فما يصلح أن يقول الإنسان أنه يحكم على الله جل وعلا في شيء, إذا قال هذا بمقتضى الأدلة فهذا الي (,,,) يعني مقتضى الأدلة التي عرفناها من كتاب الله وسنة رسوله r أنه لا يأخذ أحدا إلا بذنبه, ولكن من الذي لا يذنب, لا يمكن أن إنسان في بني آدم لا يذنب.

وقوله رحمه الله : لأن ذلك محو بالسيئة الحسنة لا بالحسنة السيئة، وذلك خلاف الوعد الذي وعد عباده، وغير الذي هو به موصوف من العدل والفضل والعفو عن الجرم.

والعدل: العقاب على الجرم، والثواب على الطاعة. 

(الشرح)

يعني هذا حكم عقلي؛ والحكم العقلي على الله جل وعلا لا يجوز, بل يجب أن يكون الحكم بمقتضى كلامه وكلام رسوله r, والرسول r يقول لنا:(واعلموا أن أحدا منكم لن يدخله عمله الجنة قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني اله برحمته), فكيف مثلا نقول : غير جائز على الله انه يفعل كذا ولا يفعل كذا! يجب أن نقول أن الله أخبرنا جل وعلا أنه يعف عن الكثير ويجازي على الطاعة أفضل منها, ولهذا جعلعلى جزاء الحسنة عشر أمثالها ويزيد إلى ما لا حد له في الحساب, كما قال جل وعلا: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ }[الزمر:10],وقال جل وعلا: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ}[البقرة:261], ينفقون الحسنة بسبعمائة مثل هذا, فيه أضعاف أكثر من كذا, كل ذلك فضل وكرم منه جل وعلا بلا استحقاق, فالعباد عباده وملكه يتصرف فيهم كيف يشاء ولهذا الحسنات التي توجد هي بمشيئته وتوفيقه وهدايته وهو فضله, تفضل على العبد, العبد ليس له قوة في نفسه وليس له تصرف, إذا كان عمل حسنة فهي فضل من الله حيث هداه, ولهذا أهل الجنة يقولون: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ}[الأعراف:43], يعني بأنفسهم ما يهتدون أبدا ولا فيه أحد يهتدي, فكيفمثلا  يحكم على الله ؛ يقول: لا يجوز أن يفعل كذا ويجوز أن يفعل كذا في مثل هذا! فعفى الله عن الإمام بن جرير رحمه الله حيث كان يعبر تعبيرات المعتزلة, وربما أخذ هذا الكلام من كلامهم.

وقوله رحمه الله : فأما المؤاخذة على الذنب وترك الثواب والجزاء على الطاعة، فلا عدل ولا فضل، وليس من صفته أن يكون خارجا من إحدى هاتين الصفتين. 

(الشرح)

الله المستعان .

رحمه الله : وبعد: فإن الأخبار المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم… 

(الشرح)

هذا الواجب؛ الواجب أن نحكم على الأخبار؛ أما الأمور العقلية والقياسية فهذه لا يجوز أن تكون حكما على الله جل وعلا وإنما هي حكم العباد, بعضهم على بعض.

وقوله رحمه الله : وبعد: فإن الأخبار المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, متظاهرة بنقل من يمتنع في نقله الخطأ والسهو والكذب، ويوجب نقله العلم، أنه ذكر أن الله جل ثناؤه يخرج من النار قوما بعد ما امتحشواوصاروا حمما . 

(الشرح)

امتحشوامعناه احترقت جلودهم, وصاروا حمما يعنيفحما, الحمم هو الفحم, وهؤلاء اختلف شراح الحديث فيهم لأن هذا نص الحديث؛ ما معنىامتحشوا ومعنى حمما! هذا ظاهر فياللغة ومعروف, ولكن هل يموتوا فلا يحسوا بهذا! وإذا كانوا يموتوا فهل موتة ثالثة! والموت المعروف مرتان, مرة لما كانوا عدما فأحياهم, الثانية في هذه الدنيا, ثم إذا أحيوا من قبورهم في المرة الثانية هل يأتيهم موت ثالث! فبعض أهل السنة يقولوا أنهم يموتوا وقد جاء في صحيح مسلم في حديث أن الله يميتهم, هل هذه إماتة يعني حقيقية أو أنها يفقدون الحس فقط! حتى لا يكونوا مثل أهل النار الذين هم أهلها, فالله اعلم, العلم عند الله جل وعلا.

وقوله رحمه الله : أنه ذكر أن الله جل ثناؤه يخرج من النار قوما بعد ما امتحشوا وصاروا حُمما؛ بذنوب كانوا أصابوها في الدنيا ثم يدخلهم الجنة. وأنه صلى الله عليه وسلم قال: ((شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)) . 

(الشرح)

هذا اللفظ: ” شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي” هذا في مسند الإمام أحمد, الذي في الصحيحين من حديث أبي هريرة, قلت : من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: (من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه),

وقوله رحمه الله : وأنه عليه السلام يشفع لأمته إلى ربه -عز وجل ذكره-                                   

 (الشرح)

ومعروف أن شفاعته متعددة, وليس لأمته فقط, ولكن هذه من الشفاعة التي تتعدد, أما الشفاعة الأوى التي هي المقام المحمود على القول الصحيح, فهي شفاعته لأهل الموقف كلهم بأن يحاسبهم الله جل وعلا, وهذه الشفاعة أقر بها الخوارج والمعتزلة وغيرهم, ما خالف فيها أحد, لأنه ليس فيها إدخال أحد الجنة أو النار, وإنما فيها المحاسبة فقط والجزاء بالأعمال, وما فيه أحد يخالف في هذا من أهل الإسلام مطلقا فأقروا بها عموما, ولكن الذي أنكروه الشفاعة فيمن يستحق النار ألا يدخلها, أو الشفاعة فيمن دخل النار أن يخرج منها, لأن أهل الباطل الخوارج وكذلك المعتزلة يقولون الذي يدخل النار لا يخرج منها, ويقولون يجب على الله أن يفعل كذا ولا يجوز أن يفعل كذا إلى آخره, وهو حكم منهم على رب العالمين وفيه الجرأة وفيه المخالفة لكتاب الله جل وعلا وسنة نبيه r, فالمقصود أن الشفاعة واقعة للمؤمنين بعضهم من بعض وكذلك الصغار الأطفال يشفعون لآبائهم, المؤمنون يشفعون لإخوانهم والأنبياء يشفعون والملائكة تشفع وكل ذلك بإذن الله, يعني بأمره, فالشفاعة في كتاب الله كما هو معلوم, قسمان, قسم لا يقع ولا يوجد وهو ما يزعمه أهل الباطل بأن أولياءهم يشفعون لهم ولولم يأذن الله لهم, وكذلك المشركون الذين يتخذون معبودات يقولون إنها تقربهم إلى الله زلفى, يعني تشفع لهم, ولهذا أكثر الله جل وعلا من إبطال هذه الشفاعة في كتابه, كما قال جل وعلا: { أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}[الزمر:43-44],قال: { وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى}[النجم:26], وهذا القسم الثاني: الشفاعة التي تكون لمن رضي الله عنه ولمن أذن له أن يشفع: { مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ}[البقرة:255], وهذا لتمام ملكه جل وعلا لأنه المالك لكل شيء, فليس لأحد معه ملك, أما زعم أن النبي أو غيره يشفع ولو لم يأذن له الله جل وعلا فهذا يدخل الإنسان في الشرك نسأل الله العافية, لأنه حكم في غير ما هو واقع, وكثير من الناس صار يعني حظه من الشفاعة أو من الرسول r المدح في الباطل الذي نهى عنه رسول الله r, قال: (لا تطروني كما أطرت النصارى بن مريم, إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله), جاء الشعراء وغيرهم بأمور كذب مخالفة لنصوص الكتاب والسنة, بل حتى مخالفة للعقل والفطرة, فجاروا وظلموا في هذا, وبعضهم يتجه إلى القبور وإلى غيرها يستنجد بأصحابها ويقول أنهم يشفعون, إذا قيل لهم لا ينفعوا, قال أنا ما أريد منهم أن ينفعوني أو يضروني أعلم هذا ولكن أنا أريد الشفاعة, يقال له هذا هو شرك المشركين نفس طلب الشفاعة هو شرك المشركين, فالمشركين يعلمون أن التصرف كله لله جل وعلا والخلق كله لله, ولكنهم زعموا أن معبوداتهم تشفع لهم.

وقوله رحمه الله : .. فيقال: أخرج منها منهم من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان. في نظائر لما ذكرنا من الأخبار التي إن لم تثبت صحتها لم يصح عنه خبر صلى الله عليه وسلم. 

(الشرح)

يعني أنها أخبار صحيحة ثابته لا مطعن فيها, وهو r كرر هذا كثيرا وأخبر به اخبار يعلم من له يد في الأحاديث وفي كتب الأحاديث أنه قالها قطعا صلوات الله وسلامه عليه, لكن معلوم أن هذا كله بإذن الله جل وعلا ولمن يرضى وأن الأخبار عن الرسول r وكذلك عن ربه جل وعلا أنها لا تتضارب ولا تختلف.

وقوله رحمه الله : القول في الاختلاف الخامس 

قال أبو جعفر: 

ثم كان الاختلاف الخامس وهو الاختلاف فيمن يستحق أن يسمى مؤمنا، وهل يجوز أن يسمى أحد مؤمنا على الإطلاق، أم ذلك غير جائز إلا موصولا بمشيئة الله جل ثناؤه؟ 

(الشرح)

هذه المسألة لا يزال الناس يختلفون فيها مع أنها أظهر من كل ما جاء عن النبي r, لأن نقل الإيمان الذي جاء به يدع الأمة إليه أعظم من نقل القرآن المتواتر الذي نقلته الأمة جيل عن جيل, فلا مطعن فيه أصلا, ودعوته التي جاء بها أعظم من هذا وأظهر وأجلى وأبين, فيعجب الإنسان كيف يقع الخلاف في هذا! يقع الخلاف في أصل دعوة النبي r لأنه دعا الناس إلى الإيمان,ما دعاءهم إلى شيء فيه غموض وفيه اشتباه والتباس! فالإيمان هو قبول ما جاء بهوالاقرار به والامتثال لذلك, أما أن يكون الإيمان جزء من ذلك فهذا باطل, ولا يقوله إلا إما جاهل أو إنسان عنده شبه قام في قلبه وفي علمه شبه منعته من الوصول إلى الحق, لهذا أهل السنة لم يختلفوا في هذا, وأهل السنة عرفوا الإيمان تعريفا جامعا مانعا وموجزا واضحا, فقالوا: هو عقيدة وقول وعمل, فجعلوه عبارة عن ثلاثة أشياء: عن الاعتقاد يعني العلم الذي يكون في القلب لأن عملا بلا علم لا يفيد ولا يجدي ولا يصلح ولا يكون منعاقل أصلا, ففرضية مثلا عقيدة بلا عمل هذا فرض خيالي لا وجود له في الخارج, الانسان إذا اعتقد شيء لا بد أن تظهر هذه العقيدة في عمله؛ لا بد, في لسانه في عمل الجوارح, وكذلك القول لأن الرسول r يقول: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا ” حتى يقولوا” لا إله إلا الله..) فهذا إيمان أيضا فلا بد منه, والله جل وعلا يقول: {قُولُوا آَمَنَّا}[البقرة:136],ورد بهذا: ” قُولُوا آَمَنَّا” لا بد من القول, لو اعتقد انسان مثلا صحة ما جاء به النبي r وصدقه أنه صادق وأنه حق ولكنه لم يقل: “أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله” لا يكون مسلم, وإذا مات على هذه العقيدة فهو في النار, بدون… لأنه لم يمتثل أمر الرسول r وكذلك إذا مثلا صدق الرسول r وقال أنه جاء بالحق وشهد ألا إله إلا الله ولكنه يقول لا أعمل, نقول شهادتك كذب؛ لو شهادتك حق لعملت ولكن شهادتك باللسان فقط, تقول بلسانك ما ليس في قلبك, لأنه لو كان في قلبك لا بد أن تعمل, أما أن يقول أقول ولا اصلي ولا أزكي ولا اصوم ولا أحج ولا أعمل شيئا مما أمرني به الرسول r ولا أترك شيئا مما نهاني عنه من المعاصي, هل يقول عاقل ان هذا مؤمن! بل يكون هذا أشر من الكافرين, لأن هذا يستهزئ؛ يستهزئ بالرسول r ويسخر منه, فالمقصود أن هذه المسألة مسألة كبيرة في الواقع ويعجب الإنسان كيف مثلا يحصل الخلاف فيها حتى من طلبة العلم اليوم! فتجدهم يقولون مثلا: العمل شرط إما شرط صحة أو شرط كمال, مع أن حتى في الاصطلاح اصطلاح أهل الكلام الذين مثلا يصطلحون في الألفاظ والأشياء يقولون شرط الشيء قبله, مثل ما هو معروف, شروط الصلاة قبلها ليس الشرط؛ الشرط يكون في ماهية الشيء, بل يكون خارجا منه, فعلى كل حال نقول أن المرجع في هذا ليس إلى فلان وفلان, المرجع في هذا إلى كتاب الله وسنة رسوله r, والواجب على الإنسان أن يعمل الشيء الذي فيه نجاته, ولن ينفع الإنسان كونه يأخذ بكلام فلان أو فلان, ولن ينفعه يوم القيامة, بل سوف يتبرأ منه, فكلام الله وكلام رسوله في هذا أوضح وأجلى من كل كلام للناس, فالواجب الرجوع إليه.

نعم الاختلاف أهل القول قولهم يقول كثير منهم يقولون الإيمان هو التصديق أخذا من قوله جل وعلا: { وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا}[يوسف:17], هذا أيضا ليس على إطلاقه وأهل اللغة ينازعون في هذا, يقول يختلف في لغة ومعنى في هذا, فبعضهم يقول الإيمان هو الإقرار ليس هو التصديق, لأنك تقول آمنت به, ولا تقول صدقت به, في أشياء ذكرت يعني عند أهل اللغة يقولونها.

المقصود أن قول الإمام بن جرير” رحمه الله ” هنا: “ثم كان الاختلاف الخامس وهو الاختلاف فيمن يستحق أن يسمى مؤمنا، وهل يجوز أن يسمى أحد مؤمنا على الإطلاق، أم ذلك غير جائز إلا موصولا بمشيئة الله جل وعلا؟” هذه مسألة أخرى؛ يعني الاستثناء في الإيمان, هل يجوز الإنسان يقول أنا مؤمن بدون أن يستثني؟

هي مسألة خلافية أيضا فيها خلاف بين أهل السنة وغيرهم, وبعض مثل المرجئة يقولون هذا شك, ويسمون الذين يستثنون شكّاك, الشكاك الذين شكوا في إيمانهم, وهذا ليس صحيح هم يستثنون بالنظر إلى أمور, إما لأن الإيمان الكامل قد لا يصل إليه الإنسان, (..) من هذه الناحية, يقولون مؤمن إن شاء الله يعنيأني أمرت بأشياء فلا أدري هل قمت بها كما ينبغي أم لا, أو أنها تقبل أو لا تقبل, ولو علم الإنسان أن عمله مقبول عند الله لجزم بلا تردد, ولكنه لا يدري لأن لها (غوائل) ولها موانع ولها أمور قوادح كثيرة, ونظر آخر وهو أن الإنسان لا يدري ماذا يموت عليه, أن الله يقلب القلوب ولهذا السلف كانوا يخافون من هذا كثيرا, وأقول أن الإنسان قد يعمل بعمل أهل الجنة فيختم له بعمل سيء فيكون من أهل النار, فهل مثل هذا يقال انه مؤمن مطلقا! يعني ينظر إلى الخاتمة لأن الأمور بالخواتيم والأول هو الذي يرجحه كثير من أهل السنة,وهو أن الإنسان لا يستطيع أن يقوم بكل ما أمره الله جل وعلا على الوجه الأكمل الذي يستحق به الإيمان لأن الله جل وعلا يقول: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}[الأنفال:2-3], ثم الأمور الأخرى التي وجبت تدخل في هذا كله, فهذه وصف المؤمنين الذين هم المؤمنون حقا ومثل هذا إذا تحقق عند الإنسان فهو يطلق على نفسه أنه مؤمن, بدون ذلك لا يجوز, ولو وصل لهذه الحد يجوز أنه يتغير, الرسول r كثيرا ما إذا أقسم قال: (لا ومقلب القلوب), فقيل له: أتخاف علينا وقد آمنا بك, قال: (وما يؤمنني وقلوب العباد بين أصبعين من أصابعه يقلبها كيف يشاء), وقد شوهدممن يكون عالما أنه يرتد ويترك ما هو عليه إلى الكفر وقد جاء في أن الإنسان مثلا يبوح في الوصية أو في .. يختم له خاتمة سيئة والله.. في حديث بن مسعود الذي هو أصل من الأصول, يقول لما ذكر أطوار الخلق في بطن أمه قال: (فإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا شبر أو ذراع فيعمل بعمل أهل النار فيختم له بذلك فيدخلها, وبالعكس, احدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا شبر أو ذراع فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها فيختم له بذلك) والمقصود أن الإنسان لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا وإنما الأمر بيد الله جل وعلا فإذا كان كذلك فيستثني, يقول إن شاء الله أنا مؤمن إنشاء الله, أما الإسلام فلا يجوز أن يستثنى منه, يقولو أنا مسلم بلا استثناء, ولكن هذا الإيمان, لأنالإيمان إما أن يقول يعود إلى الموافاة الذي يوافي به يوم القيامة أو أنه يعود إلى النظر أن الإنسان ما يأت بالواجبات على الوجه الأكمل فيقصر فيها  فلا يكون ممن ذكرهم الله جل وعلا: بأنه إذا ذكر الله وجل قلبه وخاف, وكذلك يكون يزداد إيمانا بسماع كلام الله,”وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ”, هذه كلها صفات عظيمة؛ التوكل على الله جل وعلا أيضا لا يتم لكل أحد, فالمقصود أن الاستثناء أنه هو مذهب أهل السنة وأما المرجئة ونحوهم فيعيبون عليهم لأنه عندهم الفاسق والتقي كلهم سواء في الإيمان, وأن الإيمان شيء واحد, أهل السنة يقولون الإيمان يتفاوت مثل التفاوت ما بين السماء والأرض, إنسان يكون إيمانه مثل الجبل وإنسان يكون إيمانه ضعيف, وإنسان لو شكك لشك, وهذا واقع كثير, فالمقصود أنهذا اختلاف الذي ذكره ابن جرير وظاهر من زمن بعيد ولا يزال موجود في الناس, ونقول مع ظهوره ووضوحه بالإيمان الذي جاء به المصطفى r فإنه جاء بهذال الأمر ووضحه وجلاه, ولا يخفى إلا على إما إنسان لم يتحقق بالعلم أو إنسان عرض له شكوك وأمور من قبل المتكلمين ونحوهم.

وقوله رحمه الله : فقال بعضهم: الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح. فمن أتى بمعنيين من هذه المعاني الثلاثة ولم يأت بالثالث فغير جائز أن يقال: إنه مؤمن، ولكنه يقال له: إن كان اللذان أتى بهما المعرفة بالقلب والإقرار باللسان، وهو في العمل مفرط فمسلم.

وقال آخرون من أهل هذه المقالة . 

(الشرح)

يعني مفرط ليس معناه تارك للعمل, ولكنه واقع في المعاصي مفارق لبعض الواجبات ومرتكب بعض المحرمات, أما إذا ترك العمل أصلا فليس بمؤمن عند أهل السنة, فالإيمان يتكون من أمور ثلاثة, من الاعتقاد ومن القول والعمل وإن كان القول عمل, ولهذا بعض أهل السنة يقول اثنان فيدخل القول مع العمل لأنه عمل اللسان, وأكثرهم يفصلون لأنه صار فيه خلاف, فلا بد من الإيضاح في ذلك, فهي أركان الإيمان, أركانه ثلاثة, عقيدة وقول وعمل, وإذا فقد ركن منها فقد كله, فلا فائدة فيه. 

لكن هذه المقالة كونه معرفة أو تقول علم وقول باللسان وعمل بالجوارح حتى الخوارج يعرفونه بهذا التعريف والمعتزلة كذلك بهذا التعريف فليس هذا خاص بأهل السنة, ولكنهم يجعلون مثلا الذي يفعل الكبيرة يخرج ليس من المؤمنين, لأنهم يقولون عمل يعني فعل كل الواجبات وترك كل المجرمات فإذا فعلت محرم أو تركت واجبا, يقولون خرجت من الإيمان, والخوارج يقولون صرت كافرا والمعتزلة يقولون صرت بين المنزلتين لا مؤمن ولا كافر, وأهل السنة هم الذين يقولون بمعاني كلام الله وكلام رسوله r فلا يخرجون الإنسان من الإيمان بمجرد أنه عمل المعاصي, ما عدا الشرك فإن الشرك هو استثناه الله جل وعلا أو يأت بمكفر لأننا تحققنا أنه دخل في الإيمان فلا يخرج منه إلا بشيء يحقق أنه مضاد للإيمان, مثل الاستهزاء بدين الله أو مسبة الرسول أو مسبة الله جل وعلا وما أشبه ذلك,فهذه تخرج الإنسان من الدين الإسلامي,ولهذا يذكرون في الكتب التي تؤلف حكم المرتد, أخذا من قوله r: (لا يحل دم أمرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس, والتارك لدينه المفارق للجماعة), فمعنى ذلك أن بعض الناس يترك الدين ويفارق, فالترك يعني معناه أنم يأتي بما هو مضاد للتوحيد والإيمان الذي جاء به الرسول r.

قوله : وقال آخرون من أهل هذه المقالة: إذ كان كذلك فإننا نقول: هو مؤمن بالله ورسوله، ولا نقول: مؤمن على الإطلاق؛ هذا الذي سبق أن هذا هو مذهب أهل السنة, أنهم يقولون كذلك؛ فهم لا يعطونه يعني العاصي الإيمان المطلق ولا يسلبون منه الإيمان, وهذا هو العدل, على مقتضى النصوص التي جاءت عن النبي r, أنه أخبر أن بعض الذنوب أن الإنسان إذا أقدم عليها وقارنها أنه لا يكون مؤمن ومعلوم أنه ليس معنى ذلك أنه خرج من الدين رأسا وصار كافرا, إذ لو كان كذلك كيف يقطع مثلا السارق, لأن هذا عقاب وجزاء وكفارة, كفارة لعمله, فيبقى ليس عليه أيضا تبعة بعد ذلك لا يجتمع علىالإنسان إقامة الحد في الدنيا والعذاب في الآخرة, إلا أن يكون مصرا في قلبه على الجريمة, غير تائب, لأنه لا بد مع إقامة الحد من التوبة, التوبة معناها الإقلاع عن الذنب وكونه يندم عليه وانه لا يعود إليه وهذا يكفي, وكذلك كونه مثلا يحكم عليه بحكم المسلمين في صلاته والدفن والصلاة عليه والدفن في المقابر والاستغفار له وما أشبه ذلك.

وقوله رحمه الله :.. إذ كان كذلك فإننا نقول: هو مؤمن بالله ورسوله، ولا نقول: مؤمن على الإطلاق. 

وقال آخرون من أهل هذه المقالة: إذ كان كذلك فإنه يقال له: مسلم، ولا يقال له مؤمن إلا مقيدا بالاستثناء؛ فيقال: هو مؤمن إن شاء الله.

(الشرح)

وهذا هو مذهب أهل السنة, أما الأول كونه يقول: مؤمن على الإطلاق, فهذا ليس هو قول أهل السنة هذا قول المرجئة, الذين يقولون إن الإيمان لا تضر معه المعاصي, ولا يضر معه ترك الأعمال, وهذا باطل بلا شك, أما هذا أنه لا بد أن يقيد يعني يقال: مؤمن بإيمانه كما سبق إلى آخره.

وقوله رحمه الله : وقال آخرون: الإيمان معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وليس العمل من الإيمان في شيء؛ لأن الإيمان في كلام العرب التصديق.

(الشرح)

وهذا فيه نزاع بين أهل اللغة, وليس الإيمان هو التصديق, بل الإيمان غير التصديق وهو يخالفه في الوضع وفي المعنى, وإن كان مثلاالإيمان الذي جاء به الرسول هو هذا لا يتم هذا كذلك الاستدلال: أن الإيمان هو التصديق, يقول أن الإيمان التصديق في اللغة, والرسول r خاطبنا بلغة العرب ولم يغيرها, فنقول الرسول r جاء بأمر واضح وبينه للناس أتم البيان ولم يأت بكلام سابق له لكلام العرب ثم جاء تركه على وضعه السابق, لأن دليلهم في هذا قوله جل وعلا: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} في قصة اخوة يوسف, يعني قالوا مؤمن لنا: مصدق, مصدق لنا, قالوا هو التصديق مجرد التصديق ثم قالوا مجرد التصديق فقط, فإذا لو قدر مثلا من باب المجادلة والتنزل قالوا التصديق, فيقال لهم التصديق يتفاوت تفاوت عظيم, وقد يكون مثلا تصديق ضعيف وقد يكون تصديق كامل إلى آخره, والتفاوت هذا هو عمل, عمل القلب, ثم من وراء ذلك أيضا كون القلب مثلا يخاف إذا لم يصدق ويرجوا إذا صدق ثم يتبعه أيضا يعني الخوف والخشية والوجل ويتبعه كذلك الرجاء وغير ذلك؛ أعمال القلب كثيرة وكلها تدخل في هذا وكلها تتفاوت, وهي أعمال,وهم عندهم شيء واحد الناس فيه سواء كلهم, حتى تجرؤوا وقالوا إيمان الفاسق كإيمان النبي كإيمان جبريل وهذا تطرف زائد, وعلى كل حال قول المرجئة من أبطل الأقوال وأفسدها لغة وفطرة وشرعا.

وقوله رحمه الله : قالوا: والعامل لا يقال له مصدق، وإنما التصديق بالقلب واللسان. قال: فمتى صدق بقلبه ولسانه فهو مؤمن مسلم. 

(الشرح)

ولكن يقال مؤمن؛ العامل يقال له مؤمن, كما قال الله جل وعلا: { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}[البقرة:143], جاء في إجماع المفسرين أن المقصود: صلاتكم, وهذا واضح, كونهم كانوا يصلون ستة عشر شهرا إلى بيت المقدس قبل صرف القبلة فلما صرفت سألوه عن صلاتنا الصلاة التي كانت إلى بيت المقدس فأنزل الله جل وعلا: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}, يعني عملكم السابق, وهذا كثير في كلام الله جل وعلا, يقول الله جل وعلا: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ}[البقرة:84-85], فالإيمان هنا المفاداة, وهي عمل والكفر الإخراج من الديار وهو ظاهر, وكم من آية فيكتاب الله تدل على هذا كثير, فالحقيقة أن إطلاق الإيمان على العمل أمر ظاهر, وإنكار ذلك باطل.

وقوله رحمه الله : وقال آخرون: الإيمان المعرفة بالقلب، فمن عرف الله بقلبه وإن جحده بلسانه وفرط في الشرائع، فهو مؤمن.

(الشرح)

يعني المرجئة صاروا أكثر من أربع وعشرين فرقة, ولهذا يطلق على بعضهم أنه المرجئ المحض, أهل الإرجاء الخالص المحض, وبعضهم أقل من هذا, وقد ذكر الأشعري رحمه الله مقالاتهم في كتابه –مقالات المسلمين واختلاف المصلين – وغيره كذلك وذكر كلامهم في الإيمان وأنهم اختلفوا فيه إلى تفرق كثير وهكذا شأن أهل البدع, والبدعة أول ما تبدأ واحدة ثم تتشقق ويختلف أهلها وكل واحد يرد على الثاني, وربما حصل التكفير في هذا. 

قوله: “وقال آخرون: الإيمان المعرفة بالقلب، فمن عرف الله بقلبه وإن جحده بلسانه وفرط في الشرائع، فهو مؤمن” يعني على هذا يكون ابليس مؤمن, لأن ابليس يعرف عرف بقلبه تماما أكثر منهم, وكذلك فرعون وغيره وأبو طالب أقر بأن الرسول r لا يقول أباطيل وأنه صادق, فهذا من أبطل الكلام وأخبثه, فلهذا حتى هذا القائل لو مثلا حكم عليه بمقتضى قوله لكان كافرا, فإنه ما عرف الله, ولا عرف الإيمان حيث عرفه بهذا التعريف, فليس هذا الإيمان الذي جاء به الرسول r هذا شيء ابتدعه..

المقصود أن القول الذي في ضمنه يكون ابليس مؤمن على مقتضاه هذا من أخبث الأقوال وأبعدها عن الإسلام, لأنه قال المعرفة بالقلب, وإبليس يعرف ربه تماما, ” قال رب بما أغويتني” فهو.. ويعرف أنه غوي بنفسه يعرف أن ترك الطاعة..

وقوله رحمه الله : وقال آخرون: الإيمان نفسه التصديق باللسان، والإقرار بدون المعرفة والعمل. 

(الشرح)

هذا قسم من فرقة أخرى من المرجئة ولكن هؤلاء إذا قصد بهم يقول مرجئة الفقهاء فهم فقط يخرجون العمل عن مسمى الإيمان, ولكن يوجبونه يقولون مقتضى الإيمان أنه يعمل وإذا لم يعمل فهو معرض لعقاب الله أو قد يخرج من الدين, ولهذا قال من قال من أهل السنة أن الخلاف معهم لفظي, ولكن إذا كان الأصل كما يقولون أن الناس فيه سواء, الناس في أصله سواء فهذا ليس لفظيا, لأن الناس يتفاوتون في أصل الإيمان كثيرا والإيمان مرتبط بعضه ببعض, لا يمكن أن الإيمان ينفصل عن العمل, حتى إذا تحقق الإنسان بالإيمان لو منع العمل ربما يموت حسرة فلا بد أن يعمل, فتصوير مثلا أنه يوجد إيمان ولا يوجد عمل نقول هي نظريات فقط, نظرية لا توجد في الخارج, نظرية فقط في الفكر والنظر, أما إذا تحقق الإنسان بالإيمان صحيحا في قلبه لا بد أن يعمل.

وقوله رحمه الله : 

قالوا: لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب. 

-قالوا: وبعد، فإن معرفة الله -جل ثناؤه- ليس بكسب للعبد فيكون من معاني الإيمان، والعمل من فرائض الله التي شرعها لعباده وليس ذلك بتوحيد أيضا. 

(الشرح)

معنى “ليس بكسب” يقول: ” وبعد، فإن معرفة الله -جل ثناؤه- ليس بكسب للعبد” لا يكون الإيمان إلا إذا كان كسب, إذا كان مثلا دخل في الإيمان بطوعه واختياره ومعرفته, وهذا معناه كسب عمل يعني, فإنكار مثل هذا.. من معاني…”فيكون من معاني الإيمان” يعني ممكن يكون الكسب من معاني الإيمان, (يقولون) أن الإيمان يخلق في قلبه يخلقه الله جل وعلا, يوجده, ولكن الذي يُخلق في القلب مثلا يكون الإنسان موكول إليه وإنما ييسر له أسبابه ويهيأ له ذلك, ويحبب إليه ويكره إليه ضده, فيكون كسبا له, كما ما قال الله جل وعلا: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ}[الحجرات:7],فحببه وزينه, ففعلوه, التحبيب والتزيين, وكره ضده, فهذا من فضل الله جل وعلا ولكن الإيمان كسبوه فهو كسب للإنسان ولو كان ليس بكسب, كيف يجازى عليه وكيف يعاقب على تركه!.

وقوله رحمه الله : قالوا: وإيمان بلا كسب العبد من العمل الذي هو توحيد الله تعالى ذكره، وإقرار منه بوحدانيته ونبوة رسوله صلى الله عليه وسلم وما جاء به من شرائع دينه.

(الشرح)

يعني قالوا: وإيمان بلا كسب العبد من العمل الذي هو توحيد الله تعالى ذكره، وإقرار منه بوحدانيته ونبوة رسوله rوما جاء به من شرائع دينه, يعني الكسب الذي يقولون: قالوا إيمان بلا كسب, يعني سموه إيمان بلا عمل بلا تسمية ,,, وهذا أيضا باطل, فالإيمان إيمان كسب العبد ولا فرق بين الكسب والعمل؛ فالكسب هو العمل, وهو أيضا توحيد الله جل وعلا وإقرار بنبوة الرسول r واتباعه وطاعته, وعبادة الله بالشرع الذي جاء به r, وهذا كله إيمان,أما إنكار شيء من ذلك فهو خلاف قول أهل السنة.

وقوله رحمه الله : قالوا: فمتى أتى بذلك فهو مؤمن لا شك فيه. 

(الشرح)

…..العمل, وكذلك في الترك؛ كله يدل على التفاوت, فمن جاء بها كاملة صار مستكملا للإيمان, واستحق الثناء من الله جل وعلا والجزاء الأوفى كما ذكر الله جل وعلا ذلك في كتابه, وبهذا يتبين يعني تفاوت الناس, فبعضهم يترك شيء من الواجب وبعضهم يرتكب شيئا من المحرمات وهذه تتفاوت كما قال r لما سئل أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: (أن تجعل لله ندا وهو خلقك) قلت ثم أي؟ قال: ( أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك), قلت ثم أي؟ قال: (أن تزاني بحليلة جارك), فذكر من كل نوع من الذنوب أعظمه, بدأ بالشرك لأنه أعظم الذنوب ثم القتل بعد ذلك قتل النفوس بغير حق, أعظمها ولكن أعظمه قتل الولد خوفا من الفقر, لهذا قال: خشية أن يطعم معك, ثم ذكر الزنا وأعظمه الزنا بزوجة الجار, فدل على التفاوت العظيم بين هذه الجرائم وكلها جرائم يؤاخذ عليها ويعاقب عليها, ولكن بعضها أعظم من بعض, فكذلك الواجبات على هذا المنوال, فإذا كانت الجرائم بعضها أعظم فيكون عقابها متفاوت, ومثل ذلك الفرائض يكون ثوابها متفاوت, فإذا استكمال الإنسان للفرائض واجتنابه النواهي يكمل له بذلك الجزاء العظيم, والذي لم يستكملها يكون أقل منه درجة, وبهذا يتبين أن أولا: العمل إيمان, الثاني: أن العمل يتفاوت, وإذا كان العمل يتفاوت فهو كذلك يتفاوت الجزاء والعقاب.

وقوله رحمه الله : والصواب من القول في ذلك عندنا أن الإيمان اسم للتصديق كما قالته العرب ، وجاء به كتاب الله – تعالى ذكره- خبراً عن إخوة يوسف من قيلهم لأ بيهم يعقوب : { وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين } ، بمعنى : ما أنت بمدق لنا على قيلنا .

غير أن المعنى الذي يستحق به اسم مؤمن بالإطلاق ، هو الجامع  لمعاني الإيمان ، وذلك أداء جميع فرائض الله – تعالى  ذكره –  من معرفة وإقرار وعمل .

وذلك أن العارف المعتقد صحة ما عرف من توحيد الله – تعالى ذكره – وأسمائه وصفاته ، مصدق لله في خبره عن وحدانيته وأسمائه وصفاته ، فكذلك العارف بنيوة نبي الله صلى الله عليه وسلم ، المعتقد صحة ذلك ، وصحة ما جاء به من فرائض الله .

وذلك أن معارف القلوب عندنا اكتساب العباد وأفعالهم ، وكذلك الإقرار باللسان بعد ثبوته ، وكذلك العمل بفرائض الله التي فرضها على عباده ، تصديق من العامل بعمله ذلك لله – جل ثناءه – ورسوله صلى الله عليه وسلم .

كما العبد مأموراً بالقيام بجميعها كما هو مامور ببعضها ، وإن كانت العقوبة على تضييع بعضها أغلظ ، وفي تضييع بعضها أخف ، كان بينا أنه غير جائز تسمية أحد مؤمناً ووصفه به مطلقاً من غير وصل إلا لمن استكمل معاني التصديق الذي هو جماع أداء جميع فرائض الله .

كما أن العلم الذي يأتي مطلقا هو العلم بما ينوب أمر الدين.

فلو أن قائلا قال لرجل عرف منه نوعا، وذلك كرجل كان عالما بأحكام المواريث دون سائر علوم الدين، فذكره ذاكر عند من يعتقد أن اسم عالم لا يلزمه بالإطلاق في أمر الدين إلا من قلنا: إنه يلزمه، فقال: فلان عالم بالإطلاق ولم يصله، فيقال: فلان عالم بالفرائض أو بأحكام المواريث، كان قد أخطأ في العبارة وأساء في المقالة؛ لأنه وضع اسم العموم على خاص عند من لا يعلم مراده، إن كان قائل ذلك أراد الخصوص. 

(الشرح)

يعني هذا مثال ؛ مثال ذكره في كون الناس يتفاوتون في العمل كما يتفاوتون في الاقرار والقبول والتصديق, إذا قال إنسان مثلا قدر أن إنسان عالم بالنحو فقط أو بالفرائض أو بالفقه, أو بنوع من أنواع العلوم,ولكن العلوم الأخرى لا يُتقنها, فلا يصح أن يطلق عليه عالم بالإطلاق, لا بد أن تقيده تقول عالم بهذا الشيء بهذا الفن, فإذا أطلقته عند من لا يعرف ذلك فنقول هذا خطأ, وكذلك الإيمان؛ إذا قلت مثلا: فلان مؤمن وهو قد ترك بعض الواجبات, يكون هذا خطأ, أو قلت فلان مؤمن وقد ارتكب بعض المحرمات يكون هذا خطأ, لا بد أن يقيد, يقال هو مؤمن ناقص الإيمان أو مؤمن فاسق, والفسق معناه: الخروج عن الطاعة, خروج مطلق عن الطاعة, فقد يطلق الفسق ويكون شاملا, وقد يطلق ويراد انه في شيء معين فقط, فالمقصود أنه لا بد من القيد في هذا, ولا يجوز اطلاق اسم الإيمان على من لم يستكمل فرائض الإيمان ويجتنب مضادات الفرائض ومنقصاته, فهذا وجه كون أهل السنة يقولون أن الإيمان: معرفة وقول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية, فلا بد من هذا, فكلما,, عمل طاعة زاد إيمانه وسواء كان العمل عمل قلبي أو عمل جوارح مع أن هذه متلازمة, لا يمكن أن يوجد عمل القلب إلا ويوجد عمل الجوارح, هذا من الممتنع, ولهذا فرض مثلا مسائل تفرض هي في الواقع نظرية فقط وليست عملية لا تقع في الخارج,وإنما هي نظريات تفرض فكون مثلا يقدروا الانسان مؤمن ثم يترك الصلاة؛ ويقال له إما أن تصلي أو نقتلك, ثم يضيق عليه يعني لا يطعم ولا يعطى ماء ويطلب منه أن يقر فلا يقر, هذا لا يمكن, ممتنع ما دام الإيمان قام بقلبه فلا بد أن يصلي, فهذا التقدير تقدير فرض لا وجود له, فكونه يرتب عليه أحكام هذا من الخطأ, لهذا الإنسان مثلا إذا آمن فإنه يؤلمه كثيرا أن يفوته شيء من أداء هذه الفرائض التي فترضت, يتألم من ذلك, إذا فاته شيء ولو لم يكن عمدا ينساه أو نوم أو ما أشبه ذلك, فكيف مثلا يتعمد تركه! وكيف مثلا يتعمد تركه ثم يطلب منه أداءه ويقال نقتلك إذا لم تفعله ثم لا يفعله!!

هذا من الممتنع أن يقع, وإنما هي مجرد فرضيات لا حقيقة لها, ثم صاروا يشققون عليها ويرتبون عليها أحكاما لا تقع أيضا.

وقوله رحمه الله : وإن كان أراد العموم وهو يعلم أن هذا الاسم لا يستحق إلا من كان جامعا علم جميع ما ينوب أمر الدين فقد كذب. 

(الشرح)

نعم؛حينما يقول انه عالم يريد العموم عموم العلم وهو يعلم ذلك فخبره يكون كذب, والكذب هو مخالفة الواقع, يعني أنه لا يطلق على الاسم الجامع إلا على من جمع ما يدخل تحت ذلك الاسم, ومن ذلك الإيمان, فلا يجوز إطلاقه إلا على من قام بالفرائض التي افترضها الله جل وعلا واجتنب الكبائر, ليس مجرد الذنوب اجتنب الكبائر التي.. كبائر الذنوب لأن الصغائر لا تنافي كمال الإيمان, لقول الله جل وعلا: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ }[النساء:31], فإذا اجتنب الكبائر على الوجه الذي ذكره الله جل وعلا استحق أن يكون مؤمن.

إلا لا بد من الاستثناء؛ إلا أن يكون مصرا على الصغائر, لأن الاصرار على الصغيرة كما قال بن عباس: يجعلها كبيرة.

وقوله رحمه الله : وكذلك القائل- لمن لم يكن جامعا أداء جميع فرائض الله -عز ذكره- من معرفة وإقرار وعمل-: هو مؤمن، إما كاذب، وإما مخطئ في العبارة، مسيء في المقالة، إذا لم يصل قيله: هو مؤمن بما هو به مؤمن، لأن وصفنا من وصفنا بهذه الصفة، وتسميتناه هذه التسمية بالإطلاق إنما هو للمعاني الثلاثة التي قد ذكرناها.

(الشرح)

يعني هذا نفس العبارة السابقة, ومعنى قوله: “إذا لم يصل قيله “يعني يصل أنه يصل الاستثناء الذي يقيد الكلام, إذا لم يقيده يقول مثلا: إنه مؤمن بإيمانه وفاسق بكبيرته أو بمعصيته أو مؤمن بإيمانه وترك بعض واجبات الإيمان فيكون إيمانه ناقص, لأن ترك المحرمات من موجبات الإيمان.وقوله رحمه الله : فمن لم يكن جامعا ذلك فإنما له ذلك الاسم بالخصوص؛ فغير جائز وصف من كان له من صفات الإيمان خاص، ومن أسمائه بعض بصيغة العموم، وتسميته باسم الكل، ولكن الواجب أن يصل الواصف إذا وصف بذلك أن يقول له -إذا عرف وأقر وفرط في العمل- هو مؤمن بالله ورسوله، فإذا أقر بعد المعرفة بلسانه وصدق وعمل ولم تظهر منه موبقة ولم تعرف منه إلا المحافظة على أداء الفرائض. قيل: هو مؤمن إن شاء الله. 

(الشرح)

يعني هذا جاء بالاستثناء الذي هو مسألة خلافية, يعنيأن هذا الاستثناء عند الإمام بن جرير رحمه الله بالشيء المجهول, يقول إذا ظهر لنا أنه مصدق بكل ما جاء به الرسول r وقائم بالعمل به حسب استطاعته واجتنب الموبقات, والموبق هو المهلك يعني الكبائر, ولم نعرف منه إلا المحافظة على أداء الواجب ولكن الأمور الباطنة التي قد يفعلها في خلوته لا نعرفها, فلذلك نستثني نقول هو مؤمن إن شاء الله, لأن كلمة مؤمن يجب أن تكون منطبقة ظاهرا وباطنا والباطن يكون غير معلوم لنا فلهذا نستثني, هذا وجه منال.. في نظره لأن في الواقع نحن لسنا مكلفين بما في القلوب فهذا لا حكم له عندنا, فالحكم الذي يلزمنا هو الظاهر فقط, فإذا قام بالواجبات وترك المحرمات نقول مؤمن بدون استثناء هو مؤمن بهذا إذاعرفنا ذلك, ولكن الاستثناء لأمر آخر غير هذا مثل ما سبق, الاستثناء إما لأنه هذه الواجبات التي قام بها لم يؤديها على الوجه الأكمل وفاته فيها شيء مما هو من الواجبات, أو لأننا لا ندري هل يستمر على هذا أو لا يستمر, لأن الأمر إلى الله وهو الذي يقلب القلوب ويتصرف في خلقه كيف يشاء وقد خلق الله جل وعلا الناس قسمين, قسم منهم إلى الجنة وقسم آخر إلى النار, وهذا كتبه قبل وجودهم وعلمه بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم ولا يخفى عليه شيء, فقد يعمل العامل بما يستوجب به الجنة ثم ينحرف فيما بعد, ويعمل بعمل يستوجب به النار فيموت عليه وبالعكس, فلهذا يستثنى وليس الاستثناء شك في الإيمان كما يقوله الذين يمنعونه مثل المرجئة, فالمرجئة يقولون الذي يستثني هو شاك, ويسمون أهل السنة شكاك, لأنهم يستثنون في الإيمان وهذا أولا أن فيه تزكية, إذا سئلت: أنت مؤمن, ثم قلت: نعم, فيه تزكية للنفس, هذا لا يجوز, والثاني فيه الجزم بأمور عامة, أنك قمت بكل ما وجب عليك واجتنبت كل ما نهيت عنه, الثالث أنه إخبار عن شيء لا تدركه, قد يكون هذا في وقت محدد ثم ينتهي, وكل هذا الاستثناء ليس جاء اعتباطا هكذا, الله جل وعلا وكذلك رسوله جاء في كلامهم استثناء, قال جل وعلا لما ذكر تعالى وتقدس وعده أخبر أنه أرى رسوله r في منامه أنهم سوف يطوفون بالبيت محلقين ومقصرين, ثم لما لم يحصل فيتلك الغزوة أو السفرة أنهم رأوا أن هذا فيه شيء من المخالفة, مخالفة الوعد, فأنزل الله جل وعلا لهم الآية أنهم سيطوفون بالبيت آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين ثم قال: إن شاء الله, هل هذا شك! هذا ليس شك, الله جل وعلا يخبر بالشيء الواقع, وكذلك الرسول r يقول في الدعاء عند القبور: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) لماذا قال: “إن شاء الله” “وإنا إن شاء الله بكم لاحقون”؟ هل أحد يشك في الموت؟ لا يمكن أبدا, الاستثناء للإيمان والحوق بالمؤمنين, لأن الانسان لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا, لا بد أن يسلم لربه, فيكون دائما خائفا من غوائل السيئات والمخالفات, ويكون راجيا رحمة ربه أن يتغمده ويوافيه يوم القيامة على الإيمان وعلى التقى, فعلى هذا يكون هذا من الإيمان, وهذا وجه الاستثناء.

وقوله رحمه الله : وإنما وصلنا تسميتنا إياه بذلك بقولنا إن شاء الله؛ لأن لا ندري هل هو مؤمن ضيع شيئا من فرائض الله عز ذكره – أم لا؛ بل سكون قلوبنا إلى أنه لا يخلو من تضييع ذلك أقرب منها إلى اليقين، فإنه غير مضيع شيئا منها ولا مفرط فلذلك من وصفناه بالإيمان بالمشيئة إذ كان الاسم المطلق من أسماء الإيمان إنما هو الكمال . 

(الشرح)

يعني قال: إنما وصلنا تسميتنا إياه بذلك بقولنا إن شاء الله, يعنيكل هذا الكلام لو قال وإنما استثنينا لأنا لا ندري هل هو مؤمن ضيع شيئا من فرائض الله عز وجل أم لا؛ بل سكون قلوبنا إلى أنه لا يخلو من تضييع ذلك أقرب منها إلى اليقين, قال: ،, فإنه غير مضيع شيئا منها ولا مفرط؛ هذا يعني كأنه مخالف للأول, يعني لا بد ,, فإذا كان غير مضيع شيئا منها ولا مفرط, فهو الذي يستحق اسم الإيمان على الإطلاق, قال: فإنه غير مضيع شيئا منها ولا مفرط فلذلك من وصفناه بالإيمان بالمشيئة إذ كان الاسم المطلق من أسماء الإيمان إنما هو الكمال, الكمال في هذا الكلام فيه ارتباك, فيه شيء من عدم المطابقة لما سبق, فالظاهر أنه سقط منه شيء والله المستعان.

الكلام مفهوم يعني معناه, مقصوده مفهوم واضح, أن السبب فيكونه استثنى لأنه يقول: ما نعرفه على الحقيقة, ما نعرف  بواطن أموره, وهذا مثل ما سبق كلامه, فهو لا يرى أن الاستثناء لما سيكون فيما بعد للجهل بالعاقبة, ولا لأنه أيضا ترك شيئا على العلم وإنما لأمور ظنية, ويدخل في ذلك ما ذكرت أن الناس يتفاوتون في أداء الواجب منهم من يأت به أفضل من بعض فهو داخل فيما ذكره بن جرير رحمه الله.

وقوله رحمه الله : فمن لم يكن مكملا جميع معانيه -والأغلب عندنا أنه لا يكملها أحد- لم يكن مستحقا اسم ذلك بالإطلاق والعموم الذي هو اسم الكمال؛ لأن الناقص غير جائز تسميته بالكمال، ولا البعض باسم التام، ولا الجزء باسم الكل. 

(الشرح)

يعني: فصح أنه يستثنى فيه, هذا مقصوده, فإذا كان لا يستحق يعني إلا من جمع الكمال, يعني اسم الإيمان, والإيمان يقول من قام بما جاء به الرسول r إيمانا وإقرارا وعملا, فلا يستحق الكمال حتى يجمع ذلك, فلهذا صح الاستثناء, هذا مقصوده, في ..(التحليل).. بالاستثناء.

وقوله رحمه الله : (القول في الاختلاف السادس) 

قال أبو جعفر:ثم كان الاختلاف السادس. وذلك الاختلاف في زيادة الإيمان ونقصانه.

فقال بعضهم: الإيمان يزيد وينقص، وزيادته بالطاعة، ونقصانه بالمعصية. 

(الشرح)

وقال بعضهم: الاختلاف يعني ما تخلوا مسألة من المسائل إلا وفيها خلاف, ولكن ليس كل خلاف معتبر, بل واجب الخلاف الذي لا دليل عليه يجب أن يرد, وإنما الخلاف يكون في المفاهيم, في فهم النص, أما خلاف يكون مخالفا للنص فيجب أن يرد على صاحبه, بعض الأئمة اختلفوا في مسائل كثيرة لاختلافهم في الفهوم أو لأن بعضهم بلغه من العلم ما لم يبلغ الآخر, وهذا إذا كان كذلك فإن المخالف لمن بلغه العلم يكون معذورا ولا يجوز اعتبار خلافه, وإنما يجب أن يتبع ما جاء عن الله وجاء عن رسوله بغير اعتبار لما خالفه مهما كان, وهذا مقتضى الإيمان, أما كثير من الناس يحرف كلام الله وكلام رسوله حتى يتفق مع اعتقاده, أو يحرفه حتى يعتقد مع ما قاله إمامه, وهذا نقول نقص في الإيمان وقد يئول به إلى أن يضعف إيمانه أو قد يزول, لأن الله جل وعلا: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}[النساء:65], فكم قيد ذكرها في هذه الآية! عدة قيود؛ بعد ما أقسم بنفسه جل وعلا أنه لا يحصل إيمان أحد حتى يحكم الرسول في كل ما حدث عنده من خلاف, سواء في العقيدة والا في العمل والا في غير ذلك.

ولهذا قال: فقال بعضهم: الإيمان يزيد وينقص، وزيادته بالطاعة، ونقصانه بالمعصية.

هذا هو قول أهل السنة, وقول أهل السنة واضح حتى روي هذا عن الصحابة, قال عمر بن حبيب الصحابي t: الإيمان يزيد وينقص, فقيل له كيف يزيد؟ قال: إذا عملنا الطاعة زاد وإذا لم نعمل نقص, فإذا كان إذا لم نعمل نقص فكيف إذا عمل المعاصي! من باب أولى.

وقوله رحمه الله : قالوا: وإنما جازت الزيادة والنقصان عليه؛ لأنه معرفة وقول وعمل، فالناس متفاضلون بالأعمال. فأكثرهم له طاعة أكثرهم إيمانا، وأقلهم طاعة أقلهم إيمانا. 

(الشرح)

وكذلك التصديق والاقرار والقبول أيضا يتفاوت, تفاوت الناس فيه, فإنسان تصديقه -كما سبق- لا يقبل الشك وآخر لو شكك لشك, هذا كثير جدا, فلا يكون هذا مثل هذا, فإذا الناس في أصل الإيمان ايضا يتفاوتون إذا قلنا انه تصديق ولكن هو تصديق وإقرار وقبول.

وقوله رحمه الله : وقال آخرون: يزيد ولا ينقص. 

(الشرح)

هذا “يزيد ولا ينقص” قد روي عن بعضهم بعض أهل السنة ولكنه قول ضعيف, وقيل أن الإمام مالك رحمه الله أنه قال: أهاب أن أقول ينقص, والسبب أنه لم يأت النص بالنقص, ولكن هذا من الضروري أن الشيء الذي يزيد قبل زيادته ناقص.

وقوله رحمه الله : وقالوا: زيادته الفرائض. وذلك أن العبد في أول حال تلزمه الفرائض، إنما يلزمه الإقرار بتوحيد الله -جل ثناؤه- دون غيره من الأعمال، وذلك بلوغ نوع من أنواع الإيمان. 

(الشرح)

يعني هذا ليس فقط هذا يعني أن الإيمان زيادته كونه ينزل بعضه بعض الإيمان بعد بعض, فكلما آمن بشيء لم يكن زاد إيمانه لأن الفرائض لم تكن دفعة واحدة, فأولا التوحيد ألذي هو شهادة ألا إله إلا الله محمد رسول الله ثم الصلاة ثم الزكاة والصوم وهكذا, فهذا قال به بعض أهل العلم ولكن هذا ليس هو المراد, الزيادة في نفس الأعمال ونفس الإقرار ونفس… يعني إذا مثلا؛ يعني نفس ما في القلب وما يعمل بالجوارح, فالقلب يتفاوت تفاوت كما سبق, وما يعمل بالجوارح قد يُترك بعضه وقد يعمل بالشيء الذي يكون بخلافه من المعاصي وهذا أمر ظاهر جدا لا يحتاج إلى استدلال.

وقوله رحمه الله : ثم فرض الطهارة للصلاة، والغسل من جنابة إن كان أجنب مثل ذلك.

ثم الصلاة ثم كذلك سائر الفرائض إنما يلزمه كل فرض منها بمجيء وقته.                                                  

(الشرح)

بمجيء وقته يعني نزوله, يعني إذا نزل وجب عليه ذلك, فيكون ازداد على ما سبق, فمعنى ذلك أن الزيادة بزيادة الشرع, هذا قال به بعض أهل السنة ولكنه قول ضعيف, الأول هو الصحيح.

وقوله رحمه الله : قالوا: وإنما يزداد إيمانه وفرائضه بمجيء أوقاتها ولا ينتقص.

قالوا: فلا معنى لقول القائل: الإيمان ينقص؛ لأنه لا يسقط عنه فرض لزمه بعد لزومه إياه وهو بالحال التي لزمه فيها إلا بأدائه. قالوا: فالزيادة معروفة، ولا يعرف نقصانه. 

(الشرح)

هذا غير صحيح, هذا لا يصح, نقول ان الزيادة تكون في نفس العمل الذي يعمله اثنان معا, فبعضهم يكون أداءه وإيمانه أكمل من الآخر والثاني يكون مقصر يكون (أكمل) إيمانا وهو كذلك كونه مثلا قد يزداد بالطاعات, يعني النوافل مثل الصلاة والزكاة والصدقة يعني, والصوم وعير ذلك, فهل الذي مثلا يصوم أياما نفلا يكون كالذي لا يصوم! لأنه بزيادة العمليكون أكثر, هذا في الظاهر, أما زيادة ما في القلب فهذا أمر يتفاوت فيه الناس كثيرا, ولهذا قالوا أن أبا بكر t لم يسبق الصحابة بكثر صوم وصلاة وإنما في شيء وقر في قلبه من الإيمان, فالمقصود أن كل الأعمال تتفاوت, ويصح أن تكون فيها الزيادة  والنقص وليس هذا الذي ذكره عن هؤلاء, أن هذا هو المقصود فقط, بل هذا ليس هو قول أهل السنة, وإنما قال به بعض الناس.

وقوله رحمه الله : وقال آخرون: الإيمان لا يزيد ولا ينقص.

وذلك أن الإيمان: معرفة الله وتوحيده والإقرار بذلك بعد المعرفة وبما فرض عليه من فرائضه.

قالوا: والجهل بذلك وجحود شيء منه كفر، فلا وجه للزيادة فيما لا يكون إيمانا إلا بتمامه وكماله، ولا للنقصان فيما النقصان عنه كفر. 

(الشرح)

هذا قول المرجئة, يقولون أنه لا يزيد ولا ينقص فأنكروا زيادته ونقصانه, ولهذا قالوا أن الناس فيه سواء, فيكون مرتكب الكبائر وتارك الفرائض مثل الذي يأت بجميع الفرائض ويجتنب جميع المحرمات, فهذا جهل فظيع وجور وظلم في القول وفي الاعتقاد, ومثل هذا الواجب أن يضرب عنه صفحا, ولا يسطر في كتب العلم ومع قول أهل الحق, ولكن قد بلي الناس به ولا يزال في هذا من يقول شيئا من ذلك, الإنسان يجب عليه أن يحتاط لنفسه في إيمانه وفي عمله, والله جل وعلا قد أوجب على الناس جميع ما فرضه وأوجب عليهم اجتناب جميع ما تركوا, فمنهم من قام بالواجبات كما أمر الله ومنهم من نقص منها ومنهم من ارتكب المحرمات وهذا أمر لا يخفى على كل ناظر, فهل مثلا يعتقد أنه إذا قال القول مثلا وأقر بقلبه أنهم ..(كانوا).. سواء! لا يقول ذلك إلا جاهل مفرط في الجهل, أو يعني إنسان مكابر يكابر في المحسوسات, والذي يكابر في المحسوسات يسقط معه الكلام لا يجوز أن يجادل أو يكلم.

فقولهم: قالوا: والجهل بذلك وجحود شيء منه كفر، فلا وجه للزيادة يعني جعلوه الجحود فقط, الجحود والقول أيضا لأن الإنسان قد يترك الواجب وقد مثلا يفوته الواجب بقول يقوله, والظن الذي يستهزئ بدين الله أو يسخر برسوله أو برب العالمين وبما أشبه ذلك عندهم هذا لا يضره, هذا يكون مؤمن, وبئس القول الذي يكون هذه نتائجه.

قوله: والجهل بذلك وجحود شيء منه كفر؛ ما الظن لو أنهم عوملوا بهذا القول! إذا أنتم أيضا جهلتم أن الإيمان يزيد وينقص؛ هل تكونوا كافرين؟ لأن هذا هو الواقع فهم جاهلون بذلك والجهل بهذا إذا كانوا صادقين في قولهم وحملوا على حسن الظن فهم جاهلون, ولكن الأمور الظاهرة يظهر أن الإنسان يعمى عن الأمر الواقع الظاهر لأجل انتصار لمذهب أو لطائفة, فهذه هي الجاهلية في الواقع.

وقوله: فلا وجه للزيادة فيما لا يكون إيمانا إلا بتمامه وكماله، ولا للنقصان فيما النقصان عنه كفر؛ يعني هو الكلام واحد ما هو ,,, يقول الجهل بذلك وجحود شيء منه كفر, فمعنى ذلك أنه إذا أقر بهذا وتكلم به يكفيه.

وقوله رحمه الله : قالوا: فقول القائل: الإيمان يزيد وينقص كفر وجهل لما وصفنا. 

(الشرح)

لا حول ولا قوة إلا بالله!! يعني القول بأن الإيمان يزيد وينقص كفر!! كيف يقول الله جل وعلا: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا}[الأنفال:2], هل يكون هذا كفر!! يعني الانسان كفور ظلوم نسأل الله العافية, ولكن الضلال يتمادى في أصحابه إلى ما لا نهاية له, ولهذا قال بعضهم لو أخذنا بظاهر القرآن لكنا كفار, نسأل الله العافية, الأخذ بظاهر القرآن يكون كفر!! الإنسان قد يتجرأ على شيء يعجب العبد كيف يعني يصل به الجرأة إلى هذا الحد, مثل هذا؛ هذا لا يستحق أن يكتب قوله أنه يسطر في كتب العلم؛ يجب أن يرمى به في الزبالة, مثل هذا القول, ويرمى به صاحبه قائله, ولا يجعل في مصاف العلماء, لأنه مصادمة لكتاب الله جل وعلا تماما, مصادمة للحق, فما دليله هذا مثلا! هل (,,,,) إلا بدليل! المصادمة للحق هذه يعني تكون مكابرة للمعروف ضرورةً, يعني هذا القول يعني يمكن له محمل صحيح! هل يوجد له محمل! لا يستطيع الإنسان يجد له محمل أبدا.

قال أبو جعفر: والحق في ذلك عندنا أن يقال: الإيمان يزيد وينتقص، لما وصفنا قبل من أنه معرفة وقول وعمل. وأن جميع فرائض الله تعالى ذكره التي فرضها على عباده من المعاني التي لا يكون العبد مستحقاً اسم مؤمن بالإطلاق إلا بأدائها .                                          

(الشرح)

لذلك ابن جرير ” رحمه الله ” أعرض عن بعض هذه الأقوال ولم يذكرها, لأنها لا خير فيها ولا فائدة فيها, لأنه يذكر الشيء له دليل أو قد يكون صاحبه عنده شبهه فتزال عنه الشبهة, أما شيء يعني باطل محض خالص, هذا ذكره ما يصلح ولا ينبغي.

لأنه تذكر اقوالهم لأنهم لبسوا الحق بالباطل, فالذي يلبس الحق بالباطل يذكر هذا حتى يخلص الحق من الباطل, أما باطل محض خالص فالواجب الاعراض عنه نهائيا, ولا يذكر.

هذا سبق أن هذا هو الحق وأعاده بعد ما ذكر هذه الأقوال الخبيثة ليبين أنه بريء منها؛والحق في ذلك عندنا أن يقال: الإيمان يزيد وينقص، لما وصفنا قبل من أنه معرفة وقول وعمل, وكلاهما يتفاوت: المعرفة والقول والعمل, وإذا كان يتفاوت فالناس ليسوا فيه سواء, يتفاوتون فإذا تفاوتوا في العمل تفاوتوا ايضا في الأجر الثواب, وهذا أمر ظاهر.

وقوله: وأن جميع فرائض الله تعالى ذكره التي فرضها على عباده من المعاني التي لا يكون العبد  مستحقا اسم مؤمن بالإطلاق إلا بأدائها, يعني أن الفرائض وكذلك النواهي, فرض شيء ونهي عن شيء مستطاع أن يفعل لجميع العباد فلم يخص قوما دون قوم وكلهم في فرائض الله جل وعلا سواء, وإنما خفف عن العاجز أو المريض وما أشبه ذلك, إذا كان كذلك فالله فاوت بين الجزاء وفاوت بين القلوب وبين الفهم وبين الأعمال, وهذا أمر لا ينكره إلا جاهل, لأنه واقع, فلا يكون العامل عملا زائدا على الآخر عمله ليس له مقابل, لا في قبوله وتصديقه ولا في جزائه وثوابه.

وقوله رحمه الله : وإذا كان ذلك كذلك، وكان لا شك أن الناس متفاضلون في الأعمال، مقصر وآخر مقتصد مجتهد ومن هو أشد منه اجتهادا، كان معلوما أن المقصر أنقص إيمانا من المقتصد، وأن المقتصد أزيد منه إيمانا، وأن المجتهد أزيد إيمانا من المقتصد والمقصر، وأنهما أنقص منه إيمانا؛ إذ كان جميع فرائض الله كما قلنا قبل.                                               

(الشرح)

يعني إذا كان كذلك ايضا؛ فيلزم على هذا زيادة الثواب ونقصانه ورفع الدرجة وغيرها لأنها كلها تترتب على العمل, ولهذا مثل ما سبق, أن الجنان بعضها أرفع من بعض, ولما وصف الله جل وعلا الجنة كما في سورة الواقعة وسورة الرحمن وصف أهلها وقسمهم أقسام, وقال جل وعلا: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * ذَوَاتَا أَفْنَانٍ}, وفي المقابل قال: {وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُدْهَامَّتَانِ}, في الأولى قال {فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ} وفي الأخيرة قال:{فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ}, في الأولى قال {مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ} [الرحمن:46:…]إلى آخره.. كلها تفاوت عظيم, وفي سورة الواقعة كذلك, ذكر المقربين ثم أصحاب اليمين وذكر لكل فريق أيضا ما يتفاوت عن الآخر, وقال جل وعلا: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ}[فاطر:32], فهل مثلا المقتصد مثل السابق! أبدا,. ولهذا قال العلماء: الظالم لنفسه الذي ترك شيئا من الواجب وفعل شيئا من المحرم, والمقتصد الذي أدى الواجبات واجتنب المحرمات ولكنه لم يتقرب بالنوافل, وأما المقربون فهم الذين أدو الفرائض واجتنبوا المحرمات وتقربوا إلى الله جل وعلا بالمستحبات والنوافل وتركوا المكروهات, فالله حكم عدل جل وعلا, فلا يضيع.. وهكذا تفاوت الناس في الإيمان هذه أمور الظاهرة وما في القلوب أعظم تفاوت كما سبق.

وقوله رحمه الله : فكل عامل فمقصر عن الكمال، فلا أحد إلا وهو ناقص الإيمان غير كامله؛ لأنه لو كمل لأحد منهم كمالا تجوز له الشهادة به، لجازت الشهادة له بالجنة ..                                         

(الشرح)

يعني هذا أيضا, أقول هذا ملحظ آخر الإيمان يعني كونه.. وهذا سبق التنبيه عليه, فكل عامل فمقصر عن الكمال, هذا لا شك فيه, فهل الناس مثلا يصلون إلى ما كان عليه رسول الله r! بل الرسول r قال: (خير القرون الذين بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) فهذه خيرية عامة في الناس كلهم هؤلاء, خيرية معلومة أنها في قبول الحق والعمل به والقيام به على الوجه الذي يحبه الله ويحبه الرسول r, ثم ذكر فيما بعد كيف تفصيل الناس وليس معنى ذلك أن هؤلاء كفروا أو أنهم ابتعدوا عن كونهم مسلمين بل هم مسلمون ولكنهم تفاوتوا, فالتفاوت .. يذكر أن الذين كانوا يتعلمون على معاذ بن جبل t كان ملازما له فلما حضرته الوفاة بكى , فقال : ما يبكيك؟ قال: ما أبكي على مال كنت أتحصل عليه منك أو.. وإنما أبكي على العلم والإيمان الذين كنت أتعلمهما منك, قال: الإيمان والعلم في مكانهما اطلب العلم عند العلماء, اطلب العلم عند أبي الدرداء عند بن مسعود عند فلان وإياك وزلة العالم, فقلت يرحمك الله, ومن لي بزلة العالم كيف أعرفها؟ قال إذا سمعت الكلمة فقل مع هذه فقف, يعني توقف, ثم لا يثنيك ذلك عنه فإنه يراجع الحق, أو ربما رجع إلى الحق, يقول: -كان في الشام- لما دفن ذهبت إلى العراق حسب أمره, لأن بن مسعود كان في العراق في ذلك الوقت وكان أبو الدرداء t يقول فلما وصلت إلى الكوفة استقبلني رجل فسألني من أين الرجل قلت: من الشام, فقال لي أمؤمن أنت يا شامي؟ فقلت أرجوا إن شاء الله أنا مؤمن, فقال إذا اشهد بالثانية, قلت وما الثانية, فقال اشهد لنفسك أنك في الجنة, فقلت إنا لله وإنا إليه راجعون هذا الذي كان يحذرني منه معاذ, يقول بينما انا كذلك خرج بن مسعود فقال له : ألا تعجب لهذا الشامي يشهد لنفسه بأنه مؤمن ولا يشهد بالثانية بأنه من أهل الجنة, قال بن مسعود إذا كنت شهدت بأنك مؤمن فاشهد بأنك من أهل الجنة فقلت: إن لي أعمال لو أعلم أن الله قبلها كنت شهدت لنفسي بالجنة, قال بن مسعود: صدق أنه.. على كل حال المسألة في مثل هذه الأمور يجب أن يتبع بها الدليل, والرسول r لما ذكر الناس قال: (مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل غيث أصاب الأرض فصار منها أرض طيبة قبلت الماء, فأنبتت الكلأ وانتفع الناس ورعوا, ومنها قيعان أمسكتالماء فهي لا تنبت الكلأ وإنما أمسكت الماء فورد الناس وارتوا, ومنها أجادب لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ, فهؤلاء الذين لم ينتفعوا بما بعثت به) فالذين ذكرهم انهم مثل الأرض الطيبة (..) يقبلون مثلا يعني يحفظون ويفقهون, أهل الحفظ والفقه والثاني أهل الفقه, يحفظون ولكن الفقه عندهم ليس كالأولين, الله فاوت بين فهوم الناس وفاوت بين أعمالهم, مثل ما تجد على الناس يعني في الأعمال إنسان يكون بمنزلة ألف واحد في العمل وفي النفع للناس والجهاد في سبيل الله وغير ذلك, وإنسان لا , لا يستطيع أن يعمل شيء, فهل الناس في هذا كلهم سواء, يعن يهذا ظلم , ظلم بالقول وظلم أيضل للنفس في كونه جهل هذه الأشياء.

فقوله: فكل عامل فمقصر عن الكمال؛ هذا حق, لأن الكمال المطلق في جميع الأعمال قد لا يصل إليه إلا النوادر النادر من الناس, الخلّص, فلا أحد إلا وهو ناقص الإيمان غير كامله, لأنه لو كمل لأحد منهم كمالا لا تجوز له الشهادة به، لجازت الشهادة له بالجنة؛ يعنيلو أنه كمل الإيمان من كل وجه, شهد له بالجنة هذا مقصوده, ولكن الجنة لمن قام بالفرائض واجتنب النواهي, نقول لأن من أدى جميع فرائض الله ولم يبقى عليه منها شيء واجتنب جميع معاصيه فلم يأت منها شيئا ثم مات على ذلك فلا شك أنه من أهل الجنة, بلا شك, وإذا كان كذلك فالإنسان لا بد له من تقصير, يقصر كثيرا وكل انسان يعرف ذلك من نفسه بلا شك.

قوله رحمه الله : لأن من أدى جميع فرائض الله فلم يبق عليه منها شيء، واجتنب جميع معاصيه فلم يأت منها شيئا ثم مات على ذلك، فلا شك أنه من أهل الجنة. ولذلك قال عبد الله ابن مسعودt في الذي قيل له: إنه قال: إني مؤمن – ألا قال: إني من أهل الجنة. 

(الشرح)

هذا القول الذي قاله: قال إني مؤمن, هو يخبر عما في نفسه, عما يعمله, فولا يجد في نفسه شك ولا يجد.., وقد يقال لماذا ما استثنى, فقال إني مؤمن إن شاء الله؟ هذا الذي يريده تلميذ عبد اله بن مسعود, لماذا قلت: إني مؤمن إن شاء الله؟ قال ذلك جازما, فنقول مثلا أنه هل يجوز لإنسان أن يقول أنا مؤمن بدون استثناء؟

يجوز, يجوز ليش ما يجوز! يجوز ولكن يجب أن يخبر عما في نفسه, فالاستثناء مستحب فقط ما هو واجب, أهل السنة يرون أنه مستحب وأنه يجوز فقط, يجوز أنك تستثني, المرجئة يقولون لا يجوز, إذا استثنيت فأنت شاك والشك كفر, فهذا ما ارتكب خلافا, ما خالف في ذلك ولكنه فقطنفذ قال ما دام انك مؤمن فقل انك في الجنة, فأجابه قال: لو أعلم أن الله جل وعلا قبل أعمالي لقلت أني في الجنة.. ولكن بقي الشيء الثانيوهو الإنسان ما يدري ماذا يكون فيما بعد, الله جل وعلا يقول: { وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا}[لقمان:34], كل إنسان لا يدري ماذا يكون في الغد ماذا يكسب.

قوله: لأن اسم الإيمان بالإطلاق إنما هو للكمال؛ هذا سبق,ومن كان كاملا؛ يعني بإيمانه وبعمله كان من أهل الجنة غير أن إيمان بعضهم أزيد من إيمان بعض، وإيمان بعض أنقص من إيمان بعض؛ فالزيادة فيه بزيادة العبد بالقيام باللازم له من ذلك؛ هذا أمر ظاهر جلي ولا يحتاج إلى استدلال على هذا الشيء, يعنيتفاوت الناس في الأعمال لا ينكره أحد, ولكن المنكر كون الذي مثلا يزيد بالأعمال أنه ليس له زيادة ثواب وليس عنده زيادة إيمان, هذا منكر الذي يقوله المرجئة, فالرغبة التي تكون عند الإنسان مثلا تحدوه إلى العمل وتمنعه من المخالفة, هذه كلها نتائج الإيمان, إيمانه بوعد الله وإيمانه بما أمر الله جل وعلا به وقبوله وامتثاله, ففاوت بين عباده جل وعلا في العمل وفي الإيمان وفاوت بينهم في الجزاء والدرجات.

وقوله: ولذلك قال عبد الله ابن مسعود في الذي قيل له: إنه قال: إني مؤمن؛ -يعني هي القصة التي ذكرت عن تلميذ معاذ- ألا قال: إني من أهل الجنة؛ هو الذي قال له أولا تلميذه ثم قال هو كذلك, ولكن لما قال: إن لي أعمالا لو أعلم أن الله قبلها لقلت إني فيالجنة فقال: صدق, رجع إليه عبد الله بن مسعود .

وقوله رحمه الله : قال: لأن اسم الإيمان بالإطلاق إنما هو للكمال, ومن كان كاملا كان من أهل الجنة؛ غير أن إيمان بعضهم أزيد من إيمان بعض، وإيمان بعض أنقص من إيمان بعض؛ فالزيادة فيه بزيادة العبد بالقيام باللازم له من ذلك.

قال أبو جعفر:

وقد دللنا على خطأ قول من زعم أن الإيمان: معرفة وإقرار دون العمل، وعلى فساد قول الزاعم أنه المعرفة دون الإقرار والعمل، وقول الزاعم أنه الإقرار دون المعرفة والعمل، بما أغنى عن تكراره في هذا الموضع.

وفي فساد ذلك القول فساد علة الزاعمين أنه لا يجوز الزيادة والنقصان في الإيمان، وصحة القول الذي اخترناه. 

(الشرح)

يعني هذا القول الذي اختاره هو قول أهل السنة وهو حق, وقوله: وقد دللنا على خطأ قول من زعم أن الإيمان: معرفة وإقرار دون العمل، يعني قول المرجئة, هم الذين يقولون :الإيمان هو قول ومعرفة فقط, وبعضهم كما سبق.. والمرجئة يختلفون اختلاف كثير, منهم من يقول الإيمان هو المعرفة كماسبق, وهؤلاء هم الجهمية, وهم الذي يسمون المرجئة المحضة الخالصة, والذين قالوا: معرفة وإقرار دون العمل؛ هذا سائر المرجئة, ومن دونهم من أنكر دخول مسمى الأعمال في الإيمان أيضا سموهم مرجئة, لأن العمل والقول والعقيدة كلاهما يطلق عليه الإيمان؛ وعلى فساد قول الزاعم أنه المعرفة دون الإقرار والعمل، وقول الزاعم أنه الإقرار دون المعرفة والعمل، يعني كلاهما مرجئة ولكن هؤلاء المرجئة الخالصة وأولئك أضافوا إلى المعرفة الإقرار, وأهل السنة يقولون الجميع كله إيمان.

وقوله: وفي فساد ذلك القول فساد علة الزاعمين أنه لا يجوز الزيادة والنقصان, أي فسد قولهم فثبت أنه يزيد وينقص, لتفاوت الناس فيه, في الزيادة وفي كذلك عدم العمل وكذلك يكون هذا مطلقا في زيادة الإقرار والتصديق والعمل.

قوله رحمه الله : القول في الاختلاف في أمر القرآن. 

قال أبو جعفر:

ثم كان الاختلاف الحادث بعد ذلك في أمر القرآن.

فقال بعضهم: هو مخلوق.

وقال آخرون: ليس بمخلوق ولا خالق.

وقال آخرون: لا يجوز أن يقال: هو مخلوق ولا غير مخلوق.

 

قال أبو جعفر:

والصواب في ذلك من القول عندنا قول من قال: ليس بخالق ولا مخلوق ؟

 لأن الكلام لا يجوز أن يكون كلاما إلا لمتكلم, لأنه ليس بجسم فيقوم بذاته قيام الأجسام بأنفسها.

فمعلوم إذ كان ذلك كذلك أنه غير جائز أن يكون خالقا؛ بل الواجب إذ كان ذلك كذلك أن يكون كلاما للخالق، وإذ كان كلاما للخالق، وبَطَلَ أن يكون خالقا، لم يكن أن يكون مخلوقا؛ لأنه لا يقوم بذاته وأنه صفة والصفات لا تقوم بأنفسها، وإنما تقوم بالموصوف بها، كالألوان والطعوم والأراييح والشم، لا يقوم شيء من ذلك بذاته ونفسه، وإنما يقوم بالموصوف به.

فكذلك الكلام صفة من الصفات لا تقوم إلا بالموصوف بها.

وإذ كان ذلك كذلك صح أنه غير جائز أن يكون صفة للمخلوق والموصوف بها الخالق؛ لأنه لو جاز أن يكون صفة لمخلوق والموصوف بها الخالق، جاز أن يكون كل صفة لمخلوق فالموصوف بها الخالق، فيكون إذ كان المخلوق موصوفا بالألوان والطعوم والأراييح والشم والحركة والسكون أن يكون الموصوف بالألوان وسائر الصفات التي ذكرنا الخالق دون المخلوق، في اجتماع جميع الموحدين من أهل القبلة وغيرهم على فساد هذا القول ما يوضح فساد القول بأن يكون الكلام الذي هو موصوف به رب العزة كلاما لغيره.

فإذا فسد ذلك وصح أنه كلام له، وكان قد تبين ما أوضحنا قبل أن الكلام صفة لا تقوم إلا بالموصوف بما صح أنه صفة للخالق. وإذ كان ذلك كذلك صح أنه غير مخلوق. 

(الشرح)

الخلافات التي حدثت كان لها أثر سيء في الأمه إلى يومنا هذا؛ كالاختلاف في كلام رب العالمين, وهذا من أعجب الأشياء, فمن المعلوم عند كل عاقل أن الكلام يكون صفة للمتكلم, ولا يوجد كلام قائم بنفسه, وأول من تكلم بهذا الزنادقة, الكفرة يريدون إفساد عقائد المسلمين, ولهذا كانوا (..) متهمين كما جاء ذلك في تاريخ هذا القول, ولكن التاريخ لم يجمع إلى ألآن في هذه الأشياء وإنما تنسب المقالات إلى شخص وإلى غيره, واشتهر أن أول من تكلم بهذا الجعد بن درهم, والجعد بن درهم الظاهر أنه يهودي أو أنه من صنائع اليهود, لأنه جاء عن الإمام أحمد يقول أنه أخذ عن أبان بن سمعان وأبان بن سمعان أخذ عن طالوت بن الأعصم بن أخت لبيد بن الأعصم الساحر, الذي سحر رسول الله rاليهودي, وكذلك ذكر هذا غيره مثل البخاري في خلق أفعال العباد وغيرهما, كذلك الذين مثل الطبري في التاريخ ذكر شيئا قريبا من هذا وبن حزم ” رحمه الله ” في الفصل, ذكر أيضا شيئا من ذلك وإن كان بن حزم  ” رحمه الله ” أخطأ في شيء من هذه ألأمور, ثم فيم بعد تطور الأمر فكان هذا القول؛ القول بخلق القرآن أنه مخلوق, كان يرغم الناس يجبرون بالقوة, وإذا أبى .. من العلماء قتل, فقتلوا خلقا على هذا, لأن الدولة صارت لهم فيما بعد حيث كانوا هم تلامذة المأمون, فزينوا له أن هذا يجب أن يرغم عليه الناس, فكان يفتن الناس على ذلك ويبالغ, وقد سجن الإمام أحمد وضرب قرابة سنتين وهو كلما تماثل للضرب أخرج وضرب حتى ينسى الدنيا, ويقال أنه مات أو أنه سيموت, فأصر حتى فرج الله عنه, لأنه لم يبق على القول بأنه كلام الله إلا هو, جيء بهم فكثير منهم تأول, قال انه مخلوق وبعضهم يعني أنه مخلوق تخلصا من القتل, وبعضهم قتل كما هو معروف, ثم صار الكلام فيه ألف المؤلفات وتذكر الحجج الباطلة والشبه التي انتشرت بين الناس, حتى صار الآن الأشاعرة الذين يقولون أنهم أهل السنة وهم المسلمون صار هذا القول عندهم من ضروريات المذهب, وإن كانوا يقولون ان الصفات التي تثبت سبع منها الكلام, بلا تأويل يعني كلام والإرادة السمع والبصر والحياة العلم والقدرة, ولكن الكلام عندهم شيء غير معقول, يقولون أن الكلام هو المعنى الواحد القائم بذات الرب جل وعلا, معنى الواحد يقولون عبارة عن أمور أربعة عن الخبر والاستفهام والأمر والنهي, هذا شيء لا يعقل غير معقول, أما الكلام الذي يكون بالحرف والصوت فهو عندهم مخلوق, إذا كان كذلك فمعنى ذلك أن الشرائع كلها باطلة ولا فيه رسل, لما ترسل الرسل! ترسل بمعنى قائم بذات الرب!!

كلام لا يمكن, فالرسول لا بد أن يرسل برسالة, والرسالة هي الكلام الذي يقوله المرسل, يكلف الرسول به أن يؤديه إلى من أرسل إليهم, فإذا قلت رسول فإن هذا يتطلب أمور أربعة لا بد منها: مُرسِل ورسالة ورسول ومرسل إليهم, فهل يكون هذا بالمعنى الذي يقوم بذات الرب وهل يتحدى الله جل وعلا الخلق أن يأتوا بمثل ما في نفسه! فيقول: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}[الاسراء:88], فيتحدى الكافرين أن يأتوا بسورة مثله أو بعشر! يتحدى بشيء في نفسه؟ ويقولون أن هذا القرآن، عبارة عن كلام الله, يعني ما في المصحف عبارة عن كلام الله وليس هو كلام الله, ولهذا كثير منهم يستهين به, فالكلام في هذا معهم الأشاعرة, لأن المعتزلة مضوا إلى غير رجعة إن شاء الله ولكن موجود منهم الآن جماعات وأمور بغير هذا الاسم كالعقلانيين و(الماديين), هم يسلكون مسلكهم تماما, والمقصود أن الكلام لا يمكن إلا أن يكون صفة المتكلم, والأمور العقلية التي ينظر إليها يعني يمكن تحصر, مثل ما يقول المتكلمون, جواهر وأعراض فقط ما في أكثر من كذا, والجوهر عندهم هو الشيء الذي يقوم بنفسه ويشاهد ويشغل مكان يعني يرى ويحس ويصير له جرم, يعني عرض, والعرض هو الذي يعرض ويزول ولا يقوم إلا بغيره لا تجده قائما بنفسه مثل العلم والجهل والمرض والصحة والألوان لا يمكن أن تجد.. ومن ذلك الكلام, الكلام والسمع والبصر انها لا تقوم بأنفسها, لا تجد شيئا قائما بنفسه, هل يوجد كلام متجسد! ولكن يقولون أن الله خلق الكلام في جسم, لأنه لا يقوم بنفسه, خلقه في جسم, في أي جسم خلق؟ مثل ما يقول خلق الشجرة لما قال الله لموسى ناداه قال: {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ}[طه:12], كأن الشجرة هي التي تقول أنا ربك! الأشاعرة أيضا يقولون أنه لما نادى موسى أنه سمع الكلام من كل مكان, يعني سمعه من فوقه وعن يمينه وعن شماله ومنتحته ومن يساره حتى يصح المذهب أن الله في كل مكان, المقصود أن هذا إنكار هذا الشيء من أعظم المنكرات, وهو إذا قيل بهذا بطل الاسلام كله وبطلة الشرائع كلها, لأن الله جل وعلا هو الذي يشرع يأمر وينهى وأمره ونهيه بكلامه تعالى وتقدس, وكذلك هو الذي يرسل الرسل وإرسال الرسل بالكلام بقوله جل وعلا, وهو الذي أنزل الكتب والكتب هي كلامه تعالى وتقدس, يتعللون بأشياء.. المعتزلة يقولون: الكلام ..وهذا يقول مثل إذا قلت: الحمد لله رب العالمين, فالهمزة قبل اللام واللام قبل الحاء والحاء قبل الميم والميم قبل الدال, هكذا قال يتعاقب, وكونه يتعاقب معناه أنه يحتاج إلى زمن وهو يحدث وكل ما احتاج إلى زمن فهو حادث ثم يوجدون كلاما من عند أنفسهم يقعدونه حتى يكون أصل لهم يقولو من حلت فيه الحوادث فهو حادث لأننا ندرك المخلوقات أنها توجد في زمن وأنها تحلها الحوادث, فكل ما حلته الحوادث فهو حادث, هذا القياس الشمولي الذي يستعملونه في صفات الله جل وعلا.

وأما الأشاعرة فأيضا يقولون أن الكلام الذي يكون بالنطق والحروف يحتاج إلى أدوات على الأصل الذي يقوم عندهم أنهم يؤصلون يجعلون نفوسهم الأصل ثم يقيسون رب العالمين على ذلك وينفون صفاته, يقولون أن الكلام يحتاج إلى لسان وإلى شفتين وإلى لهاة وإلى حنجرة وإلى حبال صوتية وإلى وإلى, وكل هذا لا يجوز أن يوصف رب العالمين به, ونحن نقول لهم أيضا لا يجوز أن يوصف رب العالمين بهذا, وإنما هذا كلام المخلوق وكلامه مخلوق مثله, أما رب العالمين جل وعلا فليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في كلامه ولا في سائر أوصافه, فلا بد أن نأخذ هذه القاعدة كما علمنا إياها ربنا جل وعلا فقال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}[الشورى:11], قال: { فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا}[البقرة:22], { هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا}[مريم:65], { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}[سورة الإخلاص], في آيات كثيرة يعلمنا الله ربنا جل وعلا حتى لا نضل, أما هؤلاء فقد ضلوا.

فجوابهم على هذا أن يقال أولا: كون الكلام يكون محلا للحوادث فنقول أن الكلام يتعلق بالمشيئة وهذا الكمال, ولا يكون الكمال ولا يمكن أن يكون الكلام دفعة واحدة, أو يكون شيء وجد ثم لا يكون, فكلام الله جل وعلا يتعلق بمشيئته, إذا شاء تكلم وإذا شاء لا يتكلم لا يتكلم, وهذا هو الكمال وهذا هو المعقول أيضا الذي يعقل, أما قواعدهم الذي يقول أن الكلام حادث نقول هذه بدع وضلال يجب أن ترد على صاحبها ويرمى بها وجهه, ولا يجوز أن نعدل عن كلام ربنا لأجل تلبيس الملبسة وتشبيه هؤلاء الضلال الذين ضلوا في ربهم جل وعلا وأرادوا من المسلمين أن يضلوهم, وأما الأشاعرة فيقال لهم أيضا: كلامكم كله باطل, فنجد من المخلوقات الله جل وعلا الضعيفة أنها تتكلم وليس لها ألسنة وليس لها حناجر وليس لها شفاه ولا حبال صوتية ولا غيرها, فقد صح عن رسول الله r أنه قال: (أعرف حجرا بمكة كان يسلم علي يقول السلام عليك يا رسول الله) فهل الحجر له شفاه ولسان وغيرها! وقد سمعوا الطعام يسبح وهم يأكلونه والحصى يسبح بأيديهم, ومن المشهور أنه r لما كان يخطب إلى جزع نخلة يابس ثم اتخذ المنبر وترك الجذع حن إلى ما فقد من ذكر الله عليه وسمعه أهل المسجد, كلهم سمعوا حنينه, حتى نزل من المنبر والتزمه وصار يهدأ, فهل هذا له لسان وله حنجرة وله..! والله جل وعلا يقول: {حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ}[فصلت:20:23], فهؤلاء أرداهم ظنهم بربهم جل وعلا فضلوا ضلالا بعيدا, ويقول جل وعلا: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}[الاسراء:44], والصحيح أن التسبيح بلسان المقال لا بلسان الحال كما يقوله من يقوله من المفسرين, يعني أنك إذا شاهدت هذه الأشياء سبحت لأنها تدلك على قدرة الله وعلمه, والصواب أنها هي تسبح وليس المشاهد لها, وهذا هو ظاهر الكلام وهو الذي ينبغي أن يفهم منه.

فالمقصود أن الكلام المعقول هو ما يقوم بالمتكلم, وهو يكون بحرف وصوت ولهذا أخبرنا ربنا جل وعلا في كلامه بأمور كثيرة, منها أنه أضاف الكلام إليه وقال جل وعلا: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ}[التوبة:6], وهو يسمع كلام الله من المبلغ  الذي يبلغه ذلك, فالقرآن كلامه جل وعلا الذي أنزله وكذلك التوراة والإنجيل والزبور وغيرها من الكتب التي أنزلها كلها كلام الله جل وعلا, والله جل وعلا لا يزال يتكلم إذا شاء, وكلامه أمره ونهيه بالكلام, وإذا أراد شيئا قال له كن فيكون (تعالى الله وتقدس) ولكن الأشاعرة يعجزون الله ويجعلونه عاجزا عن النطق, ويجعلونه بمنزلة الأخرس الذي يكون في نفسه شيء ما يستطيع أن يعبر عنه فيأت غيره ويعرف ما في نفسه ثم يعبر عنه, فأي نقص أعظم من هذا! نسأل الله العافية, ويستدلون (..) بقوله جل وعلا: { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ}[الحاقة:40]… الله يقول الرسول فيدل على أنه كلام الرسول والقرآن عندهم كلام البشر أو كلام الملك, إما كلام البشر أو كلام الملك, والله جل وعلا أخبرنا عن الوحيد الذي فكر وقدر ونظر ثم بسر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر ثم قال في القرآن: {إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ}, فقال الله جل وعلا: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ}[المدثر:26], وأضافه الله جل وعلا مرة إلى الرسول البشري لأنههو الذي يبلغه, ولهذا قال: { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ}-إذا تنزيل من رب العالمين يكون قول الرسول-! وبعد ذلك يقول: { وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ}[الحاقة:40:47], الأخذ باليمين يعني الأخذ بالقوة, لأن العرب يعرفون أن الأخذ باليمين أقوى من الأخذ بالشمال, وفي الآية الأخرى يقول: { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ – يعني مطاع هناك في السماء-أَمِينٍ}[التكوير:19:21], فأمين صفة له فإضافته إلى أحد الرسولين يمتنع أن يكون للرسول الثاني, ولكن الإضافة لأنهما يبلغانه عن رب العالمين والكلام يكون لمن قاله ابتداء, لا لمن يقوله أداءا وتبليغا, فإنه يكون لمن نطق به وتكلم به, والله جل وعلا يقول: { وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي}[السجدة:13], فالقول من الله جل وعلا يقوله وما أكثر الآيات التي فيها إثبات ذلك, فهل بعد هذا مثلا ننظر إلى كلام أهل الباطل أهل الضلال! الذين يريدون إفساد عقائد الناس.

وقول أبي جعفر: ثم كان الاختلاف الحادث بعد ذلك في أمر القرآن؛ يعني أنه مخلوق, وهذا حدث في آخر القرن الثالث, يعني بعد موت الصحابة بمئات السنين وجاءت الحوادث التي أخبر بها الرسول r أن هذه الأموة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة وقال كلها في النار إلا واحدة, والاختلاف في القرآن هو نظر أولا إلى أصل القوة التي  صار إليها العرب, كيف صاروا بهذه المنزلة يجوبون البلاد ويقضون على الدول الكبيرة مثل الروم ومثل الفرس, وكانوا فيما قبل قبائل متناحرة كل قبيلة تغير على الأخرى ليس لهم قيمة وليس لهم قوة ولا ينظر إليهم إلا أنهم متفرقون متشتتون يعبدون الأوثان وغيرها فلماذا صاروا إلى هذه القوة, لا بد أنه من أجل العقيدة التي جاء بها رسولهم r, فلا بد منإفسادها ولا يزالون إلى الآن يحاربون هذه العقيدة ولكن الآن صارت الأمور والوسائل التي يحارب بها متطورة, حتى دخلت كل بيت.

“فقال بعضهم: هو مخلوق” هذا قول الجهمية والمعتزلة وأيضا يضاف معهم الأشاعرة, يقولون أنه مخلوق, لأنهم يقولون الكلام اللفظي مخلوق, والكلام الذي يثبتونه لله غير معقول, كالأمور الأخرى مثل الرؤية ومثل وجود الله فعندهم الله في كل مكان تعالى الله وتقدس, فكيف هؤلاء مثل الذي يقول هذه المقالات يقال أنه من أهل السنة!!

“وقال آخرون: ليس بمخلوق ولا خالق” هذا من البدع أيضا, قول: ليسبخالق ولا مخلوق؛ هذا ما كان معروفا ولا كان أحد يتكلم به من السلف, إنما المعروف عند السلف أنه كلام الله, نقول: كلام الله, ونقول: غير مخلوق, وصفات الله جل وعلا لا تكون مخلوقة.

“وقال آخرون: لا يجوز أن يقال: هو مخلوق ولا غير مخلوق” هذا هو الصحيح, لا يجوز أن نقول مخلوق, يعنيلا يجوز أن نقول مخلوق ولكن نقول غير مخلوق, هذا أيضا نأخذ جزء منه والباقي باطل, فيجوز أن يقال هو مخلوق, هذا صحيح لا يجوز أن يقول مخلوق, ولكن يجب أن نقول غير مخلوق لأنه صفة الله جل وعلا, وصفات الله لا تكون مخلوقة, فهو كلامه جل وعلا.

“قال أبو جعفر: والصواب في ذلك من القول عندنا..” هو هكذا يجعل القول يعني عنده في نظره وهذا أحسن, حتى لا يضيفه إلى غيره فيكون قد قال على غيره ما لم يقله.

“قول من قال: ليس بخالق ولا مخلوق؛” قلت أن هذا بدعة, لأن هذا غري معروف عند أهل السلف, السلف يقولون: هو كلام الله غير مخلوق, وكل بدعة ضلالة.

“لأن الكلام لا يجوز أن يكون كلاما إلا لمتكلم” هذا هو الحق, لأن الكلام معنى والمعنى لا يقوم بنفسه, الجهمية والمعتزلة يستدلون على خلقه بمثل قوله جل وعلا: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}[الزمر:62], ويستدلون عليه بقوله: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا}[الزخرف:3], والجعل عندهم الخلق, هذا جاءت مناظرات أهل السنة لهم في هذا في مجالات كثيرة ولكن الجدل في مثل هذا الباطل كثير من أهل السنة يتجنبهوينأى عنه لأنه جدل في كفر ولهذا كثير منأهل السنة كفر الذي يقول أنه مخلوق والكلام عن الإمامأحمد مشهور, من قال القرآن مخلوق فهو كافر, ومن قال كلامي أو تلاوتي أو لفظي بالقرآن مخلوق يقول أنه جهمي والجهمية كفار عنده, ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع ضال, فالمقصود أن الذين يختلفون في مثل هذا يبعد أن يكون عمي عليهم الحق وإنما أرادوا إبطال الاسلام, هذا هو الواقع لأنه إذا بطل أن الله لا يتكلم تبطل الشرائع كلها, إذا كان لا يتكلم ؛ كيف يأمر وينهى! كيف يقول: “يا  عبادي” {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ}[البقرة:186], من الذي يقول كذا؟ يقول:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ}[البقرة:21], من الذي يقول؟ الملك! يكون الملك الذي يأمر وينهى! أما رب العالمين لا يتكلم!! لهذا أول ما خرج هذا الكلام كان يتعجبون من ذلك ويقولون هذا الذي يقوله يهودي والا نصراني والا مجوسي المسلم لا يمكن أن يقول هكذا, ومع ذلك اليهود العقلاء والنصارى العقلاء لا يقولون بهذا, بل يعيبون ذلك, يقولون أن التوراة والانجيل هي كلام الله وكذلك سائر كتبه هي كلامه.

ثم يقول: لأنه ليس بجسم فيقوم بذاته …………. والصواب في ذلك من القول عندنا قول من قال: ليس بخالق ولا مخلوق؛ لأن الكلام لا يجوز أن يكون كلاما إلا لمتكلم؛ هذا هو الصحيح انه لا يكون الكلام إلا صفة لمن قام به, أما يكون كلاما للهواء! أو يكون كلاما لمخلوق غير ذلك, والمعتزلة يقولون ان الله جل وعلا يتكلم ولكن مقصودهم يتكلم يعن يخلق الكلام في غيره, تجد هذا في كتبهم أن الله يتكلم ومتكلم ومقصودهم أنه يخلق الكلام في غيره وليس أن الكلام يقوم به تعالى الله وتقدس, ومثل هذا الذي يقول الإمام ين جرير رحمه الله: ليس بخالق ولا مخلوق هذا يصح أن يقال في جميع الصفات, ليست بخالقة ولا مخلوقه, ولكن كل هذا بدع ما كان معروفا عند السلف وإنما لما جاءت هذه الفتنة صار الناس يتكلمون بذلك فقالوا انه لا خالق ولا مخلوق بل هو صفة للخالق قائمة به جل وعلا, الغريب أن المعتزلة القدرية يدخلون القرآن في عموم قوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} ويستدلون بهذا ويخرجون من هذا العموم أفعال العباد, يقولون ليست مخلوقة لله, انظر كيف العجب, يقولون أن هذه مخلوقة لهم للعباد هم الذين يحلقونها وهذا يدلك على الضلال وعلى اتباع الهوى.

وقوله: لأنه ليس بجسم فيقوم بذاته قيام الأجسام بأنفسها؛ هذا يساوي قولهم أنه ليس بجوهر, بل هو عرض لأنه صفة والصفات أعراض, لأن الجواهر هي الأجسام التي تقوم بذاتها, وكل مخلوق لا يخلوا من ذلك إما أن يكون جسم قائم بذاته أو يكون عرض لا يقوم إلا بغيره, هذه أمور عقلية مدركة بالعقل ولكن لا يجوز أن نطبقها على صفات رب العالمين, فقولك مثلا أنه جسم أو ليس بجسم أو أن صفاته عرض أو ليست بعرض كلها بدع ومن ذلك هذا الكلام الذي يقوله بن جرير رحمه الله ” ليس يجسم” لسنا بحاجة إلى هذا, يجب أن نقول: إن كلام ربنا صفة له تقوم بذاته تعالى وتقدس وتتعلق بمشيئته إذا شاء أن يتكلم تكلم, ولهذا يقولون: الكلام قد يكون صفة ذات وقد يكون صفة فعل, فمن حيث الجنس والأصل هو صفة ذات لأنه قائم بذاته بمعنى أنه كلما أراد أن يتكلم تكلم, ومن حيث النظر إلى أفراده فهو يتعلق بمشيئته حيث تكلم به في وقت من الأوقات وأنزله إلى من يشاء من عباده من رسله وكلم رسله ويكلم من يشاء من ملائكته وسيكلم عباده يوم القيامة كما قال المصطفىr: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بنه وبينه حجاب ولا ترجمان) هذا للمؤمنين, أما الكافرين فإنهم لا يُكلمون ولا يُنظر إليهم ولكن يقررون بكفرهم وضلالهم وتعرض عليهم كفرياتهم ثم يذهب بهم إلى جهنم.

قوله: لأنه ليس بجسم فيقوم بذاته قيام الأجسام بأنفسها؛ وهو قول المتكلمين: ليس بجوهر كما هو معروف لأنه عرض, لا تجد كلاما تشاهده وإنما الكلام يسمع من المتكلم ويكتب كلامه فيعلم بذلك أو يحفظ إما يحفظ أو يكتب أما أن يقوم بذاته فلا, فالحروف التي يكتب بها أيضا ليست هي الكلام, إنما هذه حروف كتب بها الكلام.

وقوله: فمعلوم إذ كان ذلك كذلك..؛ يعني معلوم في العقل, إذا كان ليس بجسم, هكذا يعني؛ فمعلوم أنه إذا لم يكن بجسم أنه غير جائز أن يكون خالقا, بل الواجب إذا كان ذلك كذلك أن يكون كلاما للخالق, كثيرا ما يقول هذه الأسلوب “إذ كان ذلك كذلك” وغير جائز كذا” هذا اسلوبه دائما كذا, وكذلك التعبير بالواجب والجائز هذا من أول الكتاب هنا إلى آخره حتى تفسيره هكذا, التفسير هذه عباراته.

وإذ كان كلاما للخالق، وبَطَلَ أن يكون خالقا؛ الخالق هو الله جل وعلا ويخلق بقوله, إذا قال كن للشيء كان, كما أراد جل وعلا, فلهذا الرسول r يستعيذ بكلمات الله, ومن المعلوم أن الاستعاذة بالمخلوق شرك لهذا استدل السلف بهذا على أن الكلام غير مخلوق حيث قال r: (أعوذ بكلمات الله التامة أو قال أعوذ بكلمات الله التامات) وكلمات الله التامات يعني كلها الكلام الشرعي والكلام القدري كله يكون تاما من حيث أنه يكون عدلا ويكون..يعني عدلا في أحكامه ويكون صدقا في قوله مطابقا للواقع ويكون أيضا صفة له, وأما إذا كان قدري فلا بد من وجود مراده (مراد لكلامه):لامه, وفي بعض الأدعية أدعية الرسول يقول: (أعوذ بكلمات الله التامات الذي لا يجاوزهن بر ولا فاجر) ومعنى المجاوزة العصيان, يعني أن يعص أحد مرادها, وهذه التي لا يستطيع أن يجاوز مرادها البر ولا الفاجر هي الكلام الكوني القدري, كما يقول للشيء كن فكان, على هذا نقول يصح إذا قال: أعوذ بكلمات الله التامات, أن يكون الكلام الشرعي الأمري الديني أو الكلام الكوني القدري وكله صفة لله جل وعلا, ,, والدليل ظاهر في كون الرسول استعاذ به أنه ليس بمخلوق وإنما هو صفة لله جل وعلا لأنالاستعاذة بالله وبصفاته, ولا يلزم أن تكون الصفة في هذا مثل ما مضى انه صفة قائمة بذاتها, (لأن الله جل وعلا يقول) أسألك برحمتك كمنا تقول أعوذ بعزة الله وقدرته, وما أشبه ذلك, وكما تقول: {سبح اسم ربك} فليس الاسم هو الذي يسبح ويعبد بل يسبح الله يذكر اسمه, يُسبح بذكر اسمه, تقول: سبحان ربي الأعلى سبحان ربي العظيم, وهكذا في مثل هذا.

وقوله: الواجب إذ كان ذلك كذلك أن يكون كلاما للخالق؛ كما أن الكلام يكون كلاما للمخلوق يعني صفة للمخلوق قائمة به, وكلام رب العالمين جل وعلا صفة له تقوم به يتكلم إذا شاء يعني تقوم بمشيئته يعني أنه تتعلق بمشيئته إذا شاء أن يتكلم تكلم تعالى وتقدس وهذا هو الكمال, وليس الكلام ملازما له, صاحب عقيدة شرح عقيدة الطحاوي ذكر أن الناس فيه ثمانية مذاهب, ولكن منهم مذهب الفلاسفة ومذهب الباطنية الكفار الذين لا يجوز ذكر كلامهم في كتب المسلمين,ومقصوده الحصر في هذا, والكلام في صفات الله جل وعلا منتشر في كتب أهل السنة.

وقوله: وبَطَلَ أن يكون خالقا؛ يعني الكلام, لم يكن أن يكون مخلوقا… وإذ كان كلاما للخالق، وبَطَلَ أن يكون خالقا، لم يكن أن يكون مخلوقا؛ عجيب اسلوبه, لم يكن أن يكون مخلوقا لأنه لا يقوم بذاته, يعني الكلام, لا يقوم بذاته لأنه ليس شيئا قائما بذاته مثل ما سبق أنه ليس بجسم بل لا بد أن يقوم بمن يتكلم به, وأنه صفة يعني والصفات لا تقوم بأنفسها، وإنما تقوم بالموصوف بها، ثم قال: كالألوان والطعوم والأراييح.. الأراييح يعني الروائح, والشم,لا يقوم شيء من ذلك بذاته ونفسه، وإنما يقوم بالموصوف به, وهكذا جميع الصفات.

وقوله: فكذلك الكلام صفة من الصفات لا تقوم إلا بالموصوف بها.

وإذ كان ذلك كذلك صح أنه غير جائز أن يكون صفة للمخلوق.. ولكن كلام المخلوق صفة له, والموصوف بها الخالق جل وعلا, فيكون مثل سائر الصفات .

لأنه لو جاز أن يكون صفة لمخلوق والموصوف بها الخالق، جاز أن يكون كل صفة لمخلوق فالموصوف بها الخالق، معنى الكلام يقول: لو قلنا ان الكلام يكون صفة لمخلوق وأضفناه إلى الله فيقول لجاز أن نضيف إليه كل صفات المخلوق مثل سمعه مثل بصره لأن الله هو الذي خلقه, ولكن هذا عند من لم يفرق بين الفعل والفاعل, وهم القدرية الجبرية والقدرية المعتزلة وكذلك الأشاعرة عندهم الفاعل والمفعول شيء واحد, وهذا أيضا من الضلال البين فالفاعل له فعل وفعله الذي هو صفته له أثره, وأثره مخلوق فإذا قال الله جل وعلا: { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}[الأنعام:1], فالسماوات الذي خلقها فالخلق صفته أنه يقول للمخلوق كن فيكون والسماوات مخلوقة له وغيرها, ففرق بين الفعل وبين المفعول, فالمفعول هو المخلوق والفعل الذي يقوم بالفاعل, فلا يكون الفعل والمفعول شيء واحد, وإلا ثبت (الأمر) كما يقول بن جرير هنا: لو صح أن يكون المفعول صفة للفاعل لصارت صفات المخلوقين صفات لله جل وعلا ؛ هذا معنى كلامه هنا, وإن كان فيه تعقيد وفيه حسب اسلوبه, لهذا قال: والموصوف بها الخالق, لا يجوز أن يكون.. لأنه لو جاز أن يكون صفة لمخلوق والموصوف بها الخالق، جاز أن يكون كل صفة لمخلوق فالموصوف بها الخالق، المعنى يقول: لو صح أن يكون المفعول صفة للفاعل لجاز أن يكون كل صفة للمخلوق هي من صفات الله, هذا من أبطل الباطل وأوضحه, هل يكون هذا واضح والا لا؟

وقوله: فإذا فسد ذلك وصح أنه كلام له، وكان قد تبين ما أوضحنا قبل أن الكلام صفة لا تقوم إلا بالموصوف -يعني قبل في أول الصفحة- بما صح أنه صفة للخالق. وإذ كان ذلك كذلك صح أنه غير مخلوق؛ ما له داعي إلى هذا التطويل وهذه التشقيقات.

,, حدث يعني جديد.. يعني أنه جاء بعد أن لم يكن, فالإحداث يعني أنه جديد وليس مخلوق, ,,, يقولون بالقوة.. يعني يلزمون فقه اللغة بمرادهم على ما يريدون! ما يصير هذا, يجب أن نرجع إلى كلام أهل اللغة وأهل التفسير وأهل العلم الذي يتلقون ذلك عن الرسول r أما أن يكون اللغة على حسب المضلين الذين يريدون أن يضلوا الناس فتفسد الأمور كلها ما يصح شيء.

ومعلوم أن الإنسان إذا ضل يريد أنه يقيم ضلاله بالأمور (,,,) و ولا يقبل ما يقبل لو قلت له انه كذا وكذا, ولهذا كان السلف يحرجون بعضهم بعضا على أن لا تتكلم مع هؤلاء لا تكلموهم لأنهم ضلال, ولا يزيدهم الكلام إلا انتشار كلامهم فقط, فيعرض عنهم حتى يموت كلامهم نهائيا هذه الطريقة الصحيحة, دخل رجل على محمد بن سيرين في بيته وعنده تلامذته من أهل البدع فقال: أريد أتلوا آية عليك, قال: لا ووضع أصابعه في آذانه, قال ما تتلوا علي شيء أخرج وإن لم تحرج سوف أخرج أنا, فقال الناس الذين عنده اتق الله لا تخرج الرجل من بيته, فلما خرج, قالوا: يرحمك الله, لماذا ما تركته يتلوا آية, قال: أنا أعرف أنه ضال, يتلوا آية يريد أن يلقي شبهة ونحن في غنى عن ذلك ما نري من أهل الضلال أن يلقون شيئا عندنا, فهم لا يتكلمون إلا بما يريدون فيريدون أن.. كما قال الله جل وعلا, يلبسون الحق بالباطل حتى يعموا على بعض الناس وقد عرفت مقاصدهم, أيضا هم قالوا{إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا} قالوا مخلوق؛ خلقناه, هذا كلامهم هذا في لأنهم ما يعرفون اللغة أيضا, الجعل الذي بمعنى خلق لا يتعدى إلى مفعول, ولهذا يقال لهم كيف تقولون في قوله جل وعلا: {وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا}[النحل:91], يعني خلقتم الله! {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا}[الزخرف:19], يعني خلقوا الملائكة! التناقض الذي يعني.. هم يأخذون الشيء الذي يكون لهم كما قال السلف: أهل البدع يستدلون بما لهم ولا يستدلون بما عليهم يعرضون عنه, وهذا لا يزال الناس على هذا الشيء.

قوله رحمه الله: ومن أبى ما قلنا في ذلك قيل له: أخبرنا عن الكلام الذي وصفت أن القديم به متكلم مخلوق، أخلقه إذ كان عنده مخلوقا في ذاته، أم في غيره، أم قائم بنفسه؟

فإن زعم خلقه في ذاته، فقد أوجب أن تكون ذاته محلا للخلق، وذلك عند الجميع كفر.

وإن زعم أنه خلقه قائم بنفسه.

قيل له: أفيجوز أن يخلق لونا قائما بنفسه وطعما وذواقا؟

فإن قال: لا، قيل له: فما الفرق بينك وبين من أجاز ما أبيت من قيام الألوان والطعوم بأنفسها، وأنكر ما أجزت من قيام الكلام بنفسه؟!

ثم يسأل الفرق بين ذلك، ولا فرق. 

(الشرح)

يعني هذا أيضا من الجدل, ولكن هل يجوز أن يجادل هذا بمثل هذا, الذي يقول ان الكلام مخلوق؟ المجادلات يعني لبيان اللبس, وإبطال الباطل, فهذه لا بد منها لا بد من ذلك لأن ليس كل أحد من المسلمين يكون واضحا له الباطل, قد يكون عنده شيئا ملتبس فيبين له ذلك, وهذا منه.

وقوله: ومن أبى ما قلنا في ذلك؛ يعني أبى أن يقول إن الكلام صفة للمتكلم, والصفة لا تكون مخلوقة, صفة الخالق جل وعلا فالله بصفاته أزلي وأبدي وليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته, ولا في افعاله تعالى وتقدس.

قلنا له: أخبرنا عن الكلام الذي وصفت أن القديم –يعني أن الله- به متكلم مخلوق، أخلقه إذ كان عنده مخلوقا في ذاته؛ المعنى يقول: إذا كنت تقول أن القرآن مخلوق؛ أين خلقه! أخلقه في ذاته؟ فإن قال نعم؛ نقول هذا كفر بإجماع الناس, وإن كان يقول خلقه قائما يعني خارجا عن ذاته؛ فيقال: هل يوجد الكلام يعني يرى ويشاهد قائم بالذات؟ مثل اللون والطعم والرائحة والعلم والجهل وغير ذلك؛ هذا لا يوجد فإذا هذا باطل فلا بد إذا أن يكون الكلام صفة للمتكلم, هذا هو كلامه يعني هو خلاصة كلامه.

قوله رحمه الله : وإن قال: بل خلقه قائما بغيره. قيل له: فخلقه قائم بغيره وهو صفة له؟! فإن قال: بلى.

قيل له: أفيجوز أن يخلق لونا في غيره فيكون هو المتلون، كما خلق كلاما في غيره، فكان هو المتكلم به. وكذلك يخلق حركة في غيره فيكون هو المتحرك بها. 

(الشرح)

هذا أيضا نوع آخر من الجدل, يقول إذا كنت تقول مثلا أنه صفة له خلقه في غيره, فيكون هذا معناه أن مثلا صفات الناس مثلا أسماعهم وأبصارهم وغيرها الله خلقها هل يجوز أننا نصفه أننا نقول أنها تكون صفة لله, هذا أيضا كفر بالله جل وعلا, فلا بد أن تكون الصفة قائمة بالموصوف وتكون هذه صفة للمخلوقين, الله خلق العباد بل والحيوانات وغيرها فيها أسماع وأبصار فيها أيد وأرجل فهي صفة لها وليست صفة للخالق جل وعلا.

قوله رحمه الله : فإن أبى ذلك سئل الفرق.

وإن أجاز ذلك أوجب أن يكون -تعالى ذكره- إذا خلق حركة في غيره فهو المتحرك, وإذا خلق لونا في غيره فهو المتلون به. وذلك عندنا وعندهم كفر وجهل.

وفي فساد هذه المعاني التي وصفنا الدلالة الواضحة إذ كان لا وجه لخلق الأشياء إلا بعض هذه الوجوه، صح أن كلام الله صفة له، غير خالق ولا مخلوق. وأن معاني الخلق عنه منفية. 

(الشرح)

يعني معاني الخلق الذي.. هو كل هذا يرجع إلى الفرق بين الفعل والمفعول, فالذي يفرق بين الفعل والمفعول يعلم الحق في ذلك ويتبين له, أما الذي يقول الفعل هو المفعول؛ فإنه يجعل المفعول صفة للفاعل, وهذا ضلال بين, ولهذا تقول المعتزلة: ان الله متكلم ويريدون بذلك أنه يخلق الكلام في غيره وهذا الذي أبطله بن جرير” رحمه الله ” في هذه المجادلة.

هل فيه شيء من الكلام في هذا والخلاف فيه!

بقي اللفظ والملفوظ والتلاوة ما تعرض لها, وهي تبع لهذا, وكذلك الكتابة وكون القرآن مكتوب في المصاحف, وهل من يقول أن القرآن حال في المصحف أو أنه غير حال فيه أو ما أشبه ذلك كما هو قول كثير من.. هذه كلها تتفرع على هذا, فالكلام في التلاوة والمتلو يعني هل التلاوة فعل التالي أو.. فهذا أيضا نقول: الله جل وعلا خلق الانسان وخلق أفعاله فإذا تلى العبد كلام الله جل وعلا نقول المتلو والمسموع منه هو كلام الله أما حركة الأدوات مثل اللسان والشفتين وكذلك الصوت الذي يحدث منه, هذا كله مخلوق, يجب التفرقة بين ما لله وما هو صفة للمخلوق ما هو صفة الله, ولهذا يختلف الناس في تلاوتهم؛ نقول هذا تلاوته جيده وهذا تلاوته ردية ولا يجوز أن نقول القرآن أنه ردي, القرآن كلام الله جل وعلا, وكذلك يقال هذا صوته حسن وجميل وهذتا صوته ليس كذلك فالأصوات مخلوقة أفعال الناس, فإذا قرئالقرآن قرأه القارئ نقول: المتلو المسموع هو كلام الله ولكن بصوت القاري والصوت مخلوقكما أن حركة الشفتين واللسان وكذلك الحنجرة مخلوقة, أما المتلو فيه إذا كان كلام الله فهو غير مخلوق, ومثل ذلك الكتابة؛ فالكتابة تكون كتابة حسنة وتكون كتابة ردية ولا يجوز أن نصف القرآن بأنه ردي وأنه.. نقول هذه الكتابة فعل الكاتب, فعله وفعله مخلوق فالحبر والورق مخلوق, ولكن المكتوب في الكتاب في المصحف نقول هو كلام الله جل وعلا, فلهذا يذكر السلف أن الكلام سواء كتب أو حفظ أو قرئ ومهما تصرف فإنه كلام الله جل وعلاولكن الأدوات يجب أن يفرق بينها وبينه, والمروي عن الإمام أحمد في هذا أنهمن قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع, ,,(فمثلا),, يخفى على بعض من لم يفهم كلام الإمام أحمد عن هذا.. ذلك أنه إذا قال: لفظي؛ فاللفظ قد يراد به المصدر وقد يراد به الملفوظ به, فالمصدر الذي هو حركة اللسان وحركة الشفتين والصوت, هذا مخلوق, أما إذا أريد به المحرك به الملفوظ المتلو, فلا يجوز أن يقول مخلوق فلما كان فيه لبس وفيه اشتباه, منع أن يقال أن لفظي بالقرآن مخلوق, لألا يطلق الخلق على كلام الله جل وعلا, وإذا قال: غير مخلوق صار مبتدع أيضا لأنه يدخل فيه فعل الإنسان, وفعل الإنسان مخلوق, فلهذا السبب, والذي خفي عليهم مثل هذا الكلام يعني كأنهم استبعدوا أن يكون هذا كلام الإمام أحمد كما قال ابن قتيبة في كتابه اللفظ والملفوظ, له كتاب بهذا الاسم مطبوع (كُتيّب) قال: ما أظن هذا الكلام يصح عن الامام أحمد, مع أنه صح عن الامام أحمد, والبخاري يقول في خلق أفعال العباد لما ذكر هذا يقول أنهم يقولون الامام أحمد وهم لم يفهموا كلام الامام أحمد لدقته لأنه أراد هذا الشيء الذي أخبرنا به.

أما كلام قول أن القرآن حل في المصحف؛ هل يجوز أن نقول هذا! أن كلام الله حل في المصحف! نقول أن القرآن مكتوب في المصحف لا نقول حل, البيهقي رحمه الله في شعب الإيمان يقول “حلّ في المصحف” القرآن حال في المصحف, هل هذا يجوز والبيهقي معروف عنده اشياء كثيرة, ولهذا يقول في كتابه الصفات, باب إثبات اليدين لا من حيث الجارحة, باب إثبات العينين لا من حيث الجارحة, لماذا  (يجي)لا من حيث الجارحة ؟ ايش الداعي لهاذ, يقول إذا قال الله جل وعلا: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}[المائدة:64], نقول : لا من حيث الجارحة!كله من البدع بدع الضلال التي علقت في أذهان الناس وتصوروا أولا أن اليدين جارحة ولا يعرف منها إلا الجارحة, وكذلك العينين جارحة والوجه والرجل وما أشبه ذلك, فإذا ذكروها بادروا إلى نفي هذا المفهوم, لا من حيث كذا وكذا, فالجوارح هي صفات الناس صفات الخلق, والله جل وعلا لا يجوز أن نقول هذه جارحة والا غير جارحة, نقول هذه صفاته ونعلم أنها لا تشبه صفات الخلق يقينا, فلا داعي إلى أن نقول لا من حيث كذا وكذا.

 

… يقولون القرآن مخلوق خلقه الله في جسم, إما في الهواء وإما في الشجرة لما قال: {نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ}[القصص:30], يعني هذا يقولون ان الله جل وعلا أيضا يخلق الكلام في الأجسام, الأشاعرة ؛ لا , الأشاعرة يقولون أن جبريل عبر عما في نفس الله, فهذا كلامهم: أما كلامه فكلام محمد, الذي في المصحف عبارة عن كلام الله وليس هو كلام الله, وقبلهم الكلاّبية يقولون حكاية, هو حكاية عن كلام الله, الأشعرية ما رضو هذا لأن الحكاية يقولون تحاكي المحكي وتماثله وهو لا يحاكيها, قالوا عبارة, كل هذا باطل.

.. ما يجعلونه صفة يجعلونه مخلوق, بعض الإجازات القراء التي تكتب الآن بعضهم كتب يقول: أقرأني فلان أقرأه فلان إلى فلان, قال: أقرأني رسول الله r عن جبريل وجبريل أخذه من اللوح المحفوظ, يجوز هذا! هذا مذهب الأشاعرة أن القرآن أخذ من اللوح المحفوظ, فهذا لا يجوز هذا أن القرآن  كلام الله جل وعلا جبريل سمعه من الله هذا الواجب أن يقال, سمعه من الله فجاء به إلى محمد r, فبلغه الرسول والرسول r بلغه الأمة لم يترك منه حرفا واحدا حتى الأمر الذي وجه إليه بـ “قل” قاله لنا”قل هو الله أحد” قل أعوذ برب الفلق” “قل يا أهل الكتاب” فسئل عن هذا r المعنى, قال: (قيل لي (قل) فقلت لكم مثل ما قيل لي) يعني لم يترك حرفا واحدا منه, كله بلغنا إياه, ولهذا يقول أهل السنة: كلام الله الذي في المصحف من أوله إلى آخره, من أول الفاتحة إلى آخر سورة الناس, كله كلام الله حقا من جحد حرفا واحدا منه كفر, حرف واحد, يكون كافرا.

.. قالوا لماذا تقول لنا (قل) قال : (قيل لي (قل) فقلت لكم مثل ما قيل لي).

والمقصود يعني أن الكلام هذا له فروع كثيرة يعني ولكن يكفينا هذا.

وقوله رحمه الله : القول في الاختلاف في عذاب القبر                                       

قال أبو جعفر:

ثم كان الاختلاف بعد ذلك في ألفاظ العباد بالقرآن.

 وقد بينا ذلك فيما مضى من كتابنا هذا.

واختلف في عذاب القبر، وهل يعذب الله تعالى أحدا في قبره أو ينعمه فيه؟

فقال قوم: جائز أن يكون الله جل ذكره يعذب في القبر من شاء من أعدائه وأهل معصيته.

وقال آخرون: بل ذلك كائن لا محالة؛ لتواتر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الله -جل جلاله- يعذب قوما في قبورهم بعد مماتهم.

وقال آخرون: ذلك من المحال ومن القول خطأ. وذلك أن الميت قد فارقه الروح، وزايلته المعرفة. فلو كان يألم وينعم لكان حيا لا ميتا. والفرق بين الحي والميت الحس، فمن كان يحس الأشياء فهو حي، ومن كان لا يحسها فهو ميت.

قالوا: ومحال اجتماع الحس وفقد الحس في جسم واحد، فلذلك كان عندهم محال أن يعذب الميت في قبره.

قال أبو جعفر: والحق في ذلك عندنا ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((استعيذوا بالله من عذاب القبر، فإن عذاب القبر حق)). 

(الشرح)

هذا خلاف يعني مع أهل البدع وليس عند أهل السنة فيه اختلاف, أهل السنة يؤمنون به كما أخبر به رب العباد جل وعلا في كتابه وأخبر به الرسول r وبينه موضحا, ولكن قبل هذا يجب أن نعلم أن الموت ليس عدم, وإنما هو انتقال من حياة إلى حياة أخرى, وهذه الحياة الأخرى حياة غيبية لا نعرف حقيقتها غير أننا نعلم أنه يحسويألم وينعم وأيضا يتكلم ويخاطب ويسأل ويكون عنده أيضا عقله الذي خرج به من الدنيا, ثبت في الأحاديث الصحيحة عن النبي r كما في صحيح البخاري وفي غيره أن الميت إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وهو يسمع قرع نعالهم أتاه ملكان, فأجلساه فسألاه من ربك وما دينك وما هذا الرجل الذي بعث فيكم, فإن كان موقنا أجاب بالجواب الصحيح وإن كان مرتابا لم يستطع الجواب يقول: سمعت الناس يقولون شيئا فقلت, فيعذب ثم يقول يضرب بمطراق من نار أو قال من حديد يلتهب  عليه قبره فيصيح صيحة يسمعه كل من يليه إلا الجن والإنس, وهذا أيضا من أمور الغيب, يعني يسمعه من يليه يعني يلي القبر القريب منه من الشجر ومن الحجر ومن البهائم أيضا, والبهائم تسمع ولهذا يشاهد الآن كثيرا تجد مثلا البعير يرعي في المقبرة أو عندها ثم ما تدري إلا يفر يهرب بسرعة, لأنه سمع صوت والا سمع عذا ب والا سمع شيء, والعرب الذين كانوا في الجاهلية قديما كانوا يعتنون بالخيل كثيرا أكثر من عنايتهم بأولادهم لأن هذا الخيل يحمون أولادهم ويحمون أنعامهم, فكان أحيانا إذا احتبس الطعام في بطن الفرس يعني من باب التجربة التي وقعت بالصدفة عندهم, يذهبون به إلى المقبرة ثم يرتاع إلا وينطلق بطنه, فالآن كانوا يذهبون به إلى قبور اليهود وإلى قبور المشركين فيسمعون ذلك, الرسول r مر على قبرين كما في الصحيحين من حديث بن عباس: قال:(إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير, ثم قال: بلى, أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة,وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله) يعني لا يتنزه منه, وفي حديث الرؤيا التي رواها ابن المنذر, والمنذري رواها بسنده عبد العظيم الذي… يقول أن الرسول تأخر يوما عن العادة التي كان عليها في صلاة الفجر, ثم خرج وصلى صلاة تجوز بها ثم قال: أماكنكم أخبركم ما الذي حبسني, قال: (إني كنت صليت ما شاء الله ثم غلبتني عيناي, فأتاني آتيان من ربي فقالا لي انطلق, فانطلقت معهما فمررنا برجل قائم وعنده رجل معه كلوب من حديد يشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه ثم يتحول إلى الشق الثاني ويصنع به ذلك, فإذا فرغ منه إذا الشق الأول قد عاد, فيفعل به, فقلت سبحان الله ما هذا؟ فقالا لي انطلق انطلق, فانطلقنا فأتينا إلى رجل نائمعنده رجل يفلغ رأسه بحجر, فيتدهده الحجر فيذهب ويأخذه فإذا عاد فإذا رأسه قد عاد فيفعل به كذلك, فقلت سبحان الله ما هذا؟ فقالا لي انطلق انطلق, فانطلقنا فمررنا برجل يسبح في نهر مثل الدم وعنده رجل عنده حجارة فيسبح ويأتي فيفتح فاه فيلقمه حجرا ثم يعود يسبح, فقلت سبحان الله ما هذا؟ فقالا لي انطلق, فأتينا إلى بناء شبه التنور أسفله واسع وأعلاه ضيق وفيه نساء ورجال عراة, فيأتيهم لهب من أسفل منهم فيصيحون, فقلت سبحان الله ما هؤلاء؟ فقالا لي انطلق, ثم ذكر أشياء ثم قال فسروا ذلك فقالوا: أما الرجل الذي رأيته يشرشر شدقه إلى قفاه فهذا الرجل يكذب الكذبة تبلغ الآفاق, فهذا عذابه إلى يوم القيامة, وأما الرجل الذي يفلغ رأسه فالرجل يأخذ القرآن ثم ينام عن الصلاة المكتوبة فهذا عذابه إلى يوم القيامة, أما الرجل الذي يسبح في النهر فذاك آكل الربا, وأما الرجال والنساء فتلك الزواني والزانيات, هذا عذابهم إلى يوم القيامة) فهذا شيء نشاهده حقيقة, ولما عرج به r شاهد أشياء كثيرة في هذا وكل هذا في علام البرزخ الذي هو قبل البعث, بين الدنيا وبين الآخرة, فإذا يعني الموت نقلة من حياة إلى حياة أخرى, فإما أن يكون الانسان منعما أو معذبا, حسب ما عنده من ال.. وهذه أمور غيبية, وجاء في حديث الرسول r أنه قال: (لولا ألا تتدافنوا لدعوت الله أنيريكم عذا ب القبر) فالمقبور عنده إحساس وعنده حياة ولكنها حياة غيبية لا نعرفها فيألم بالعذاب وينعم بالنعيم, والعذاب يكون على روحه وعلى بدنه معا, هكذا يقول أهل السنة وليس على الروح فقط كما يقوله بعضهم, ,,, ومعلوم أن البدن قد يتحلل ويكون تراب ولكن ذرات التراب التي من البدن هي التي تألم وتنعم, أما الروح فلا تموت, الروح حية لا تموت وهي إما أن تكون مسجونة في مكان معين في القبر والا في غيره ولها تعلق في.. أو تكون أيضا في الجنة أو في غير ذلك, وقد جاء أن أرواح الشهداء في حواصل طير تعلق في شجر الجنة, وأما  نسمة المؤمن فهي طائر يذهب إلى الجنة ولها صلة بالقبر ما تفارقه.. تفارق البدن, فهذا الذي يبنى عليه ما ذكر.

وقوله: وقد بينا ذلك فيما مضى من كتابنا هذا.

واختلف في عذاب القبر، وهل يعذب الله تعالى أحدا في قبره أو ينعمه فيه؟

نقول نعم؛ كل إما يعذب وإما ينعم, فالمؤمن ينعم والكافر يعذب, ومن ذلك الفتنة والسؤال.

أما قوله: فقال قوم: جائز أن يكون الله جل ذكره يعذب في القبر من شاء من أعدائه وأهل المعصية, جائز أين! جائز بالعقل! جائز بالشرع! هو يقصد العقل, يعني جائز في عقولهم, أما الشرع فهو ثبت ذلك, في شرع الله جل وعلا الذي يقول جل وعلا: { وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}[السجدة:21], وقوله: { النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ}[غافر:46], فهذا واضح في أنه في عذاب القبر, وأن العرض هذا بأرواحهم مع أبدانهم يعرضون على النار, والآيات في هذا كثيرة كقوله جل وعلا: { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ}[الرعد:27], جاء أن هذا في القبر في سؤال القبر وفي عذاب القبر هذه الآية, وفي آيات أخر, قوله جل وعلا: { أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ} .. إلى آخر السورة, [سورة التكاثر], وفي آيات أخرى تدل على أن عذاب القبر أو نعيمه أنه واقع لكل أحد, وهذا يؤمن به أهل الكتاب كما ثبت في الصحيح أن يهودية دخلت على عائشة فقالت: وقاك الله عذاب القبر, تقول: فأنكرت ذلك, هل القبر له عذاب, فلما جاء رسول الله r ذكرت ذلك له, فقال: (نعم استعيذوابالله من عذاب القبر فإن عذاب القبر حق).

قوله رحمه الله : … ويقال لمن أنكر ذلك: أتجيزون أن يحدث الله حياة في جسم ويعدمه الحس؟

فإن أنكروا ذلك قيل لهم: وما المعنى الذي دعاكم إلى الإنكار لذلك؟

فإن زعموا أن الذي دعاهم إلى ذلك هو أن الحياة علة للحس وسبب له، وغير جائز أن يوجد سبب شيء ويعدم مسببه. وأوجبوا أن يكون المبرسم والمغمى عليه يحسان الآلام في حال زوال أفهامهما.

فيقال لهم: أتنكرون جواز فقد الآلام واللذات مع وجود الحياة؟

فإن أنكروا جواز ذلك، وقالوا: لا يكون حي إلا من يألم ويلذ. قلنا لهم: أفتحيلون أن يكون حيا إلا مطيعا أو عاصيا أو فاعلا أو تاركا؟ فإن قالوا: نعم. خرجوا من حد المناظرة لدفعهم الموجود المحسوس. وذلك أن الأطفال والمجانين موجودون أحياء لا مطيعين ولا عاصين. وأن المغمى عليه والمبرسم لا فاعل ولا تارك اختيارا.

وإن قالوا: بل لا نحيل ذلك ونقول: جائز وجود حي لا مطيعا، ولا عاصيا، ولا فاعلا، ولا تاركا، قيل لهم: أفتجيزون وجود حي لا حاس ولا مدرك كما أجزتم وجوده لا فاعلا ولا تاركا.

فإن أبو سئلوا الفرق بينهما.

وإن أجازوا وجود حي لا حاس ولا مدرك قيل لهم: فإذ كان جائزا عندكم وجود حي لا حاس ولا مدرك فقد جاز وجود الحياة في جسم، وارتفاع الحس عندكم منه.

فإذا جاز ذلك عندكم فما أنكرتم من وجود الحس في جسم مع ارتفاع الحياة منه؟! ويسألون الفرق بين ذلك.

ويقال لهم: أليس من قولكم: إنه جائز وجود الحياة في جسم، وفقد العلم منه في حال واحدة؟

فإن قالوا: نعم، قيل لهم: فما أنكرتم من وجود العلم في جسم مع فقد الحياة؟ وهل بينكم وبين من أنكر وجود الحياة في جسم مع فقد العلم، فأجازوا وجود العلم مع فقد الحياة؟!

فإن قالوا: الفرق بيننا وبينه أنا لم نجد عالما إلا حيا، وقد نجد حيا لا عالما.

قيل لهم: أوكل ما تشاهدوه أو تعاينوه أو مثله فغير جائز كونه عندكم؟ فإن قالوا: نعم.

قيل لهم: أفشاهدتم جسما حيا له حياة لا تفارقه الحياة بالاحتراق بالنار؟

فإن زعموا أنهم قد شاهدوا ذلك وعاينوه، أكذبتهم المشاهدة مع ادعائهم ما لا يخفى كذبهم فيه.                         

(الشرح)

وقال آخرون: ذلك من المحال ومن القول خطأ. وذلك أن الميت قد فارقه الروح، وزايلته المعرفة. فلو كان يألم وينعم لكان حيا لا ميتا. والفرق بين الحي والميت الحس، فمن كان يحس الأشياء فهو حي، ومن كان لا يحسها فهو ميت.

قالوا: ومحال اجتماع الحس وفقد الحس في جسم واحد، فلذلك كان عندهم محالا أن يعذب الميت في قبره.

أمور الآخرة ليست على الأمور الموجودة عندنا, وهذه المجادلة للإمام بن جرير” رحمه الله ” لهؤلاء الذين ينكرون عذاب القبر, والمجادلة لفظية وعقلية وجدلية فقط, والواجب الإيمان بخبر الله وخبر رسوله r وإن لم يعقل لأن عقل الانسانمحدود في أشياء معينة, وفرض ان هذا كما نصت عليه النصوص أن القبر فيه حياة ولكن حياة برزخية ليست كهذه الحياة الدنيا, فهؤلاء الذي يجادلون يقصدون أن تكون الحياة مثل حياتهم هذه, يحتاج إلى أكل وشرب وأكسجين وتنفس وغير ذلك, ولكن حياة القبر؛ لا؛ على خلف هذا فهم أموات ولكن يلذون وينعمون ويتألمون والبعث الذي يكون هو جمع ذرات الجسد الذي تفرق وصار ترابا, ثم ينبت فإذا نبت ونفخ في الصور النفخة الثانية دخلت الأرواح في أبدانها فصارت حية حياة أخرى جديدة, فهذا يجب أن نؤمن به حسب ما جاءت النصوص بدون أن نعقل هذا, ليس شرط أن نكون نعرف حقيقة هذه الحياة, ولكن يكفينا أن الحق جل وعلا أخبر بذلك وكذلك رسوله الذي أرسله إلينا أخبرنا أن الانسان يكون في قبره يألم وينعم, ويسأل فيجيب, ويشاهد, يعني يفتح له باب إلى الجنة فيشاهدها أو بابا إلى النار فيشاهدها, فهذه نصوص واضحة, ولما قام r على قتلى أهل بدر الذين ألقوا في البئر صار يناديهم بأسمائهم واسماء آبائهم, (يا فلان بن فلان؛ هل وجدتم ما وعد ربكم حقا فإني وجدت ما وعدني ربي حقا), قال له أصحابه ما تنادي من أناس قد جيفوا, قال: ما هم بأسمع مما أقول منكم غير أنهم لا يستطيعون الاجابة), والحق أن هذا عام في الأموات كلهم يسمعون كما جاءت النصوص, ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوا من يسمع لأنهم أموات فالموت هو مفارقة الروح ولكن البدن له حياة تليق به أما الروح فهي لا تموت ولها صلة بالبدن, وإن كان يتفتت فيم بعد ويصير ترابا, فيفنى إلا جزء بسيط كما أخبر به الرسول r وهو عجب الذنب في أسفل الظهر, شيء صغير جدا منه ينبت الإنسان, فهي بذرته, والله جل وعلا أخبرنا أن البعث أنه حق والذي ينكر مثل هذا ربما ينكر البعث أيضا, يقول كيف تجمع هذه الأجزاء! فتكون حيا, وقدرة الله جل وعلا لا يجوز أن يشك فيها بأي شيء والله على كل شيء قدير, والمقصود أن هذه من أمور الغيب, ما هي من الأمور المشاهدة حتى يحتاج إلى هذه المجادلة, فالذي لا يؤمن بأمر الغيب يعنيما يؤمن بالشيء الذي لا يرى نظيره, لأن نظير هذا النوم, الإنسان وهو نائم فقد ما حوله ولا يحس بشيء ولكنه في حياة, والله جل وعلا جعل تعلق الروح بالبدن مختلف؛ فأولا لما كان في بطن أمه ثم لما خرج إلى هذه الدنيا, ثم في حالة النوم, ثم في حالة الموت, وفي كل هذه الروح لها تعلق بالبدن لا تفارقه مفارقة شاملة, وقد قال الله جل وعلا: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى}[الزمر:42], يعني التي نامت في منامها يرسلها إلى بدنها حتى تستكمل العمر, ثم تقبض,فحالة النوم قريبة من الموت, وهي مثله, ثم صار في هذا أن العذاب والنعيم يكون على الروح والبدن معا, وليس على الروح كما يقول بن حزم ومن وافقه على هذا, فإن هذا لا دليل عليه فإن البدن هو الذي يقام وهو الذي يحيا وهو الذي يسمع في القبر وغير ذلك, فالمقصود أن هذه فوق عقل الانسان وهكذا كل أمور الآخرة, فهي غيب يلزم أن نؤمن بها على وفق النصوص فقط, ما هو على وفق العقل الذي فيه هذه المجادلة التي ذكرها بن جرير رحمه الله, فالذي لا يؤمن بما أخبر به الرسول r لا تفيد معه المجادلات, فإذا كان غيبا غير معروف لنا فما فيه فائدة المجادلة نقول انه فيه كذا وكذا, أما كونه مثلا يقول أن البدن لما فقد الاحساس يعني فقد الحياة التي بها الاحساس؛ إحساس الألم وإحساس النعيم؛ هكذا يقولون أنه يبقى في قبره هكذا, لهذا يقال: وما لميت بجرح إيلام, يعني أن الميت ما يحس بجرح ولا يحس..

نقول هذا ليس هذه حالته في القبر, حالته في القبر خلاف هذا فإنه يحس يألم وينعم, ويتكلم ويخاطَب, ويخاطِبمن يخاطبه وهو على حاله لو كشف عن قبره لوجد كما وضع لم يتغير, ولكنه يجري عليه السؤال والألم والنعيم والتعذيب في القبر وغير ذلك, وقد أظهر الله جل وعلا شيئا من هذا نماذج لمن يريد جل وعلا لمن يشاء, وهو كثير ولكن الأمر العام على خلاف هذا أنه مخفى عنا وهذا من بابا الاختبار حتى نؤمن به أولا نؤمن, فالذي لا يؤمن إلا بما يشاهد ويحس فهذا يسكت معه الكلام في هذا ولا فائدة في مجادلته.

وقوله رحمه الله : وإن زعموا أنهم لم يعاينوا ذلك ولن يشاهدوه.

قيل لهم: أفتقرون بأن ذلك كائن، أم تنكرونه؟ فإن زعموا أنهم ينكرونه خرجوا من ملة الإسلام بتكذيبهم محكم القرآن. وذلك أن الله تعالى ذكره قال فيه: {والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها}[فاطر:36]. فإن قالوا: بل نقر بأن ذلك كائن.

قيل لهم: فما أنكرتم من جواز وجود العلم وحس الألم واللذة مع فقد الحياة؟ وإن لم تكونوا شاهدتم ولا عاينتم عالما ولا حاسا إلا حيا له حياة، كما جاز عندكم وجود الحياة في جسم تحرقه النار، وإن لم تكونوا عاينتم جسما تتعاقبه الحياة مع احتراقه بالنار.

فإن قالوا: إنما أجزنا ما أجزنا من بقاء الحياة في الجسم الذي تحرقه النار في حال إحراقه النار، تصديقا منا بخبر الله -جل ثناؤه-. قيل لهم: فصدقتم بخبر الله -جل ثناؤه- بما هو ممكن في العقول كونه أو بما هو غير ممكن فيها كونه؟

فإن زعموا أنهم أجازوا ما هو غير ممكن في العقول كونه، زعموا أن خبر الله -عز وجل- بذلك تكذب به العقول وترفع صحته، وذلك بالله كفر عندنا وعندهم. ولا إخالهم يقولون ذلك.

فإن زعموا أنه -تعالى ذكره- أخبر من ذلك بما تصدقه العقول.

قيل لهم: فإذ كان خبره بذلك خبرا يصدقه العقل -وإن لم تكونوا عاينتم مثله- فأجيزوا كذلك أن عذاب الله -تعالى ذكره- ألما ولذة وعلما في جسم لا حياة فيه، وإن لم تكونوا عاينتم مثله فيما شاهدتم، ولا صح بذلك عندكم خبر عن الله -تعالى ذكره- أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم، كما كان غير محال عندكم في العقل وجود الحياة في جسم قد أحرقته النار قبل مجيء الخبر به.

وإن كان الخبر قد حقق صحة كون ذلك حتى يصح به عندكم خبر من الله أو من رسوله عليه الصلاة والسلام. 

(الشرح)

يعني هذا مثل ما سبق يعني مجادلة في أمور غائبة عنا لكن يريد أن يثبت إمكان ذلك عقلا, أنه يحس الألم ويحس النعيم وإن كان قد مات فمثال ذلك حالة النوم؛ الانسان قد يرى في منامه شيئا يلتذ به فيجد (..) حتى بعد اليقظة, وقد يلاقي شيئا يؤلمه فيجد مثلا ألمه وهو في النوم, فهذا أمر مشاهد والواجب أن يقايس ذلك بالنوم لأن النوم كما قال r: (أخو الموت), فهو نظيره, ومع ذلك كله كل هذه المجادلات قد لا تجدي فيمن ينكر ذلك, ثم نحن لسنا بحاجة إليها لأننا نؤمن بخبر الله وخبر الرسول r ولو لم نعقله, كما قال الإمام الشافعي رحمه الله: آمنت بالله وبما قال الله على مراد الله وآمنت برسول الله وبما قال رسول الله على مراد رسول الله r,يعني ولو لم أعرف ذلك وأعقله, وهذا شأن المؤمن؛ يجب عليه أن يقبل ما قاله الله جل وعلا ولو لم يعقل ذلك وهذا من باب الاختبار والامتحان, فهناك أمور من الأمور التي أوجبها الله جل وعلا على عباده أمور لا تدرك بالعقل, وإنما هي كما يقول العلماء تعبدية, تعبدي يعني ما نعرف علته, وإنما تعبدنا بهذا هل يخضع الانسان لذلك ويذل وينقاد أو أنه يتوقف حتى يعرف هذا الشيء فإن توقف معناه صار مثل إبليس الذي يقول: ربي {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ}[الأعراف:12],فتعلل بذلك, فيكون بهذا العناد, ولهذا كثير من أمور الحج على هذا المنوال؛ الوقوف بعرفة المبيت بمزدلفة رمي الجمار الطواف بالبيت وهكذا, والزنادقة يقولون: ما الفائدة من هذه الأمور ما نجد فيها فائدة إلا التعب, كون الناس مثلا يزاحم بعضهم بعض ويتعبون في هذه المواقف ويتزاحمون على رمي الجمار وغير ذلك وأي فائدة فيه, كذلك الطواف على بالبيت وغيره,فنقول أن هذا تعبد من الله جل وعلا هل يخضع الانسان ويذل لذلك, وينقاد له ولو مثلا نظرنا إلى أمور الشرع لرأينا كثيرا منها هكذا, وقد يقول زنديق من الزنادقة: ما الفائدة إذا أردنا أن نصلي أن نغسل وجوهنا وأيدينا وأرجلنا وأطرافنا هكذا! نقول هذا تعبد الله جل وعلا لنا تعبدنا بهذا فيجب علينا أن نقاد له, أما الأمور الغائبة عنا فهذه فوق التصور وفوق العقول, فأيضا مثل ما قال الإمام بن جرير: هل تؤمنون بأن الذين يلقون في جهنم التي حرها أشد من حر نار الدنيا بسبعين مرة؛ يحيون والا يموتون! وهذا لا يجدون شيئا يحرقه النار ويكون فيه الحياة, لذلك مثلا الناس يقفون في موقف في الأرض والجنة فوق السماء السابعة, ما الذي يوصلهم هناك! هل عندكم عقول انها تدرك هذا الشيء؟ ثم الناس الذين في الموقف يعبرون من فوق الصراط الذي يكون على متن جهنم, يعبرون عليه كيف يعبرون من فوق النار؟ والصراط أيضا متحرك وهو حار أشد الحرارة؟ كل هذه أمور على خلاف المعقول عندنا فيجب علينا أن نؤمن بها ولا نبحث عن علتها وأنها هل توافق ما في عقولنا فتدركه عقولنا أو أنها تنكره فإن كان الأمر هكذا فمعنى ذلك أنه يلزم أن تنكر أكثر ما يخبر الله به عن أمور الآخرة بل وعن أمور الديانة التي تدينا الله بها, فلا داعيلكثرة مجادلة من ينكر هذه الأمور لأنه إذا لم يؤمن بخبر الله وخبر الرسول فمن يؤمن بكلام الناس الذين يجادلونه.

قوله رحمه الله : والمسألة على من أنكر منكرا ونكير، ودفع صحة الخبر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الميت ليسمع خفق نعالهم)) ، يعني نعال من حضر قبره، إذا ولوا مدبرين.

والخبر الذي روي عنه عليه السلام: ((أنه وقف على أهل القليب فناداهم بأسمائهم: يا عتبة بن ربيعة، و يا شيبة بن ربيعة، ويا أبا جهل بن هشام، هل وجدتم ما وعد ربكم حقا، فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا. قالوا: يا رسول الله، أتكلم قوما قد ماتوا وجيفوا؟! فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)) . وما أشبه ذلك من الأخبار الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموتى، كالمسألة على من أنكر عذاب القبر سواء؛ لأن علتهم في جميع إنكار ذلك علة واحدة، وعلتنا في الإيمان بجميعه والتصديق به علة واحدة؛ وهوتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم به، مع جوازه في العقل وصحته فيه، وذلك أن الحياة معنى، والآلام واللذات والمعلوم معان غيره. وغير مستحيل وجود الحياة مع فقد هذه المعاني، ووجود هذه المعاني مع فقد الحياة، لا فرق بين ذلك.                                       (الشرح)

هذا الواجب الذي يجب أن نتبعه ويتبعه كل مؤمن, يعني التصديق بأخبار الرسول r وبأخبار الله جل وعلا, فالمسألة كون الموتى يسمعون أو لا يسمعون فيها خلاف بين.. بعض الناس خالف فيها ولكن جمهور العلماء لا يخالفون في ذلك والحق أنها واضحة, يعني حتى ادعى بعضهم أن هذا خاص بأهل القليب فقط مع أنه ثبت في الصحيح بالأحاديث الصحيحة ما هو عام, مثل الحديث الذي ذكره, أن الميت ليسمع قرع نعالهم إذا ولو بعد دفنه, وأحاديث كثيرة في هذا, أما قوله جل وعلا: { وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ}[فاطر:22], فالمقصود بإسماع من في القبور؛ السماع النافع, الذي ينتفعون به ويسلمون من العذاب بهذا الانتفاع, هذا مثلا جعل للكافرين الذين يدعوهم إلى الهدى وهم لا يسمعون, قال: “وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ” يعني ما تستطيع إسماعهم الإسماع الذي ينتفعون به كما أن الكافرين الذين كفروا بالله وإن كانوا يسمعون النداء والصوت والكلام ولكنهم سماعهم مجرد مثل سماع الحيوانات التي تسمع النداء والصوت فقط, ولا تنتفع به, فهذا هو الصواب في الآية, فلا تخالف الأحاديث التي جاءت عن رسول الله .

قوله رحمه الله : قد أوضحت سبيل الرشاد، وبينت طريق السداد لمن أيد بنصح نفسه، وطلب منه السلامة منها لها، والنجاة من المهالك، وترك التعصب للرؤساء، والغضب للكبراء، وإعراض منه عن تقليد الجهال، ودعاة الضلال، في جميع ما اختلفت فيه أمة نبينا صلى الله عليه وسلم بعده إلى يوم القيامة هذا، وما عساها أن تختلف فيه بعد اليوم من توحيد الله -جل ثناؤه- وأسمائه وصفاته وعدله ووعده ووعيده، وأحكام أهل الإجرام، والقول في أهل الآثام العظام وأسمائهم وصفاتهم.                                            

(الشرح)

يعني يقصد ما تقدم, يقول أني أوضحت السبيل في هذا ولكن ليس لأهل التقليد ولا لأهل التعصب, فأما الذي يتعصبون بأقوالهم أو لرؤسائهم ومعظميهم أو لمذاهبهم فهذا لا حيلة فيهم إلا أن يهديهم الله, لأنهم لن يقبلوا ما قيل لهم من الأدلة وما يجادلون فيه من الحق؛ لأن المتعصب أعمى وكذلك المقلد أعمى, لأنه غطى على عقله وعلى فكره حيث رأى أن الحق فيما يتقلده أو في مذهبه فقط أو في ما قاله رئيسه فقط, فهذه أمور ظاهرة, وكذلك الجاهل الذي عمي عن ذلك, فالمقصود أن البيان والأدلة لمن يريد الحق أما الذي قد اقتنع بجهة معينة فهذا كما قال الله جل وعلا في أمثالهم: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ}[البقرة:171], يعقلون يعني الشيء الذي ينفعهم والا الشيء.. كذلك قول الله جل وعلا: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}[الأعراف:179], يعني عما حولهم وعما يقال لهم, وليس معنى ذلك أنهم لا يسمعون الكلام وليس عندهم التمييز بين هذا وهذا, بل عمو لأنهم قصدوا شيئا معينا فأصبحوا يكرهون كل ما خالفهم, لهذا يعني ظاهر الأمر في ذلك.

فالمقصود أن الإمام ” رحمه الله ” يقول أن هذا البيان وهذه المجادلات وهذه الأدلة لمن يريد الاسترشاد ومن يريد الهدى أما من اقتنع برأيه أو بمذهبه أو تعصب لذلك فإنه لا فائدة فيه, إلا أن يسأل ربه أن يهديه وإذا لم يهدى فسوف يظل على هذا المنهج إلى أن يلاقيه الموت وهناك يتبين له ولكن لا يفيد.

وقوله في هذا “ما عساها أن تختلف فيه بعد اليوم من توحيد الله”  يعني يقول ان هذا في الأمور التي مضت أما الذي سيأتي من الخلافات أنه لا بد أن يقع خلاف, فيقول ينهج فيه هذا المنهج, يعني يتبع في ذلك كتاب الله وسنة رسوله r, مع أن كتاب الله جل وعلا وسنة رسوله لا تخالف العقل السليم ولكنها تأتي بشيء فوق إدراك العقل, كما قيل أن الرسل تأتي بمحارات العقول ولا تأت بما يخالف العقول, محارات العقول يعني العقول تحار في ذلك ما تستطيع أن تدرك, فيجب أن تستسلم تنقاد له تؤمن به إذا كانت تخاف عقاب الله وترجوا ثوابه أما إذا كان الانسان منفلت ولا يبالي بأنه ما آمن بأنه سوف يعاقبه الله  أو أن الله طبع على قلبه فهذا أمر آخر لا فائدة معه في المجادلة وفي الاستدلال, فهو يحتاج إلى هداية من الله جل وعلا يمده بها وإلا بقي على ما هو عليه.

وقوله رحمه الله : والقول في أهل الاستحقاق للإمارة والخلافة، وأحكام المرقة من الخوارج على الأئمة.

والصحيح من القول فيما لا يدرك علمه إلا حسا وسماعا، وفيما لا يدرك علمه إلا استدلالا، وما الذي لا يسع جهله من ذلك، وما الذي يسع جهله منه بما فيه الكفاية لمن وفق لفهمه إن شاء الله                                               

(الشرح)

يعني يقول أن هذا الشيء الذي مضى على هذا السبيل, والقول في أهل الاستحقاق للإمارة والخلافة، وأحكام المرقة من الخوارج على الأئمة؛ يقول أنه أمر واضح به النصوص التي جاءت وهو يقول: واضح ما يحتاج بأنه يجادل فيه لظهور النصوص الكثيرة من الرسول r ولأن الصحابة اتفقوا على هذا الأمر يعني كونهم اتفقوا على الخلفاء وهم الخلفاء الراشدون الذين أخبر عنهم الرسول r بالأخبار فالاتفاق وافق الأخبار التي جاءت عن الرسول r مع أنهم ايضا (اعتبروا) ذلك, لكن يوجد من الناس من خالف فيه ولا يزال الخلاف وسوف لا ينتهي الخلاف إلى يوم القيامة كما قال الله جل وعلا: { وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ}[هود:118-119], يعني هم خلقوالهذه التي يقعون فيها حيث قضي عليهم قبل وجودهم فيها ولكن الله لا يظلم أحدا وكل إنسان يضل بفكره وبعلمه متعمدا لذلك.

وقوله رحمه الله : القول في الاختلاف في الرؤية .

قال أبو جعفر:اختلف أهل القبلة في جواز رؤية العباد صانعهم:

فقال جماعة القائلين بقولهم جهم: لا تجوز الرؤية على الله -تعالى ذكره- ومن أجاز الرؤية عليه فقد حده، ومن حده فقد كفر.

 وقال ضرار بن عمرو: الرؤية جائزة على الله تعالى ذكره، ولكنه يرى في القيامة بحاسة سادسة.

وقال هشام وأصحابه وأبو مالك النخعي ومقاتل بن سليمان: الرؤية على الله -جل ثناؤه- جائزة بالأبصار التي هي أبصار العيون.

وقال جماعة متصوفة، ومن ذكر ذلك عنه مثل بكر بنأخت عبد الواحد: الله -جل وعز- يرى في الدنيا والآخرة، وزعموا أنهم قد رأوه، وأنهم يرونه كلما شاءوا – إلا أنهم زعموا أنه يراه أولياؤه دون أعدائه.

ومنهم من يقول: يراه الولي والعدو في الآخرة، إلا أن الولي يثبته إذا هو رآه؛ لأنه يتراءى في صورة إذا رآه بها عرفه، وأن العدو لا يثبته إذا رآه.

وقال بعض أهل الأثر: يراه المؤمنون يوم القيامة بأبصارهم، ويدركونه عيانا ولا يحيطون به.

وقال آخرون منهم: يراه المؤمنون بأبصارهم ولا يدركونه.

قالوا: وإنما زعمنا أنهم لا يدركونه؛ لأنه قد نفى الإدراك عننفسه بقوله: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار}[الأنعام:103] .

فهذه جملة أقاويلهم.                 

(الشرح)

الرؤية ثبتت في كتاب الله وفي أحاديث رسوله r, ولكنها في الموقف وفي الجنة للمؤمنين إلا أنها في الموقف يشترك مع المؤمنين المنافقون أما الكافرون فإنهم عن ربهم محجوبون, كما أخبر الله جل وعلا بذلك, وقوله اختلف أهل القبلة؛ المقصود بأهل القبلة الذين يصلون يؤدون الصلاة, وإن كان عندهم ذنوب كبيرة, ومخالفات ظاهرة, فما دامو يصلون فهم من أهل القبلة, وإن كان بعضهم قد يكفر بالله جل وعلا, وقوله: “في جواز رؤية العباد صانعهم” المفروض أن يقول “ربهم” ليش يقول صانعهم, لأن الصانع ما هو من أسماء الله, وإنما هذا اتباع للمتكلمين, رحم الله بن جرير؛ المفروض أنه لا يأخذ ألفاظ المتكلمين المخالفة للكتاب والسنة غير أن هذا كثر في كلامهم وفي كتبهم فصار أمر اصطلاحي فقط, أو أنه من باب الخبر يخبرون به لا من باب التسمية, لأن الصانع يطلق على الصانع الذي يحمد على صنعته وعلى الصانع الذي يلام عليها, فلا يكون ذلك من أسماء الله جل وعلا.

أما الذين أنكروا الرؤية يقول: الجهم ومن اتبعه,  والجهم هل هو مسلم, ومن الناس من يجادل عنه ومن يقول انه على حق, ولكن الناس اعتدوا عليه وشوهوا سمعته ووضعوا عليه شيئا لم يقله, والواجب أننا نرجع إلى كلامه هو, يقول وكلامه فقد لا يوجد إلا في كتب أعدائه ونحن لا نثق في كتب أعدائه حتى قال هذا القول بعض المتأخرين مثل القاسمي ” رحمه الله “, له كتاب في الجهمية يجادل عنهم ويرى أن عندهم حق وأنهم ينبغي أن نرجع إلى كتبهم وكلامهم حتى نعرف, ومعنى ذلك أن الأئمة تقولوا عليهم! الله المستعان, الجهم هو أساس الشر الذي وقع في الناس, وكذلك أتباعه الذين تجهموا مثل المعتزلة ثم الأشعرية, والأصل هو وإن كانوا فارقوه في بعض الأشياء, فهو لا يجيز الرؤية إلا إذا كان المرئي جسم؛ والله ليس بجسم فإذا الرؤية تكون عندهم مستحيلة ممتنعة, (كل) هذا يعني رد كلام الله وكلام رسوله r صراحة, فهل يقال مثل هذا مسلم! والله جل وعلا يقول: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}[القيامة: 22-23],ويقول جل وعلا: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}[يونس:26], وثبت في صحيح مسلم أن الزيادة النظر إلى وجه الله الكريم, يعني : ثبت عن  الرسول r أنه فسر الحسنى بالجنة والزيادة بالنظر إلى وجه الله جل وعلا والأحاديث كادت تتواتر في هذا حتى انه كما يقول شيخ الاسلام بن تيمية رحمه الله: لو أن إنسان تكلف البلاغة والفصاحة ما استطاع أن يعبر تعبيرات رسول الله r في ذلك, أنه مرة سُئل ومرة ابتدأ الصحابة بالقول؛ قال: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر ليس بينكم وبينه سحاب ولا قتر), وقال: ( هل تضامون في رؤية البدر ليس بينكم ولا بينه سحاب ولا حائل, قالوا: لا, قال إنكم ترون ربكم كما ترون القمر), حديث آخر:(كما ترون الشمس ضحى), هذا من أوضح الأشياء وأجلاها وهو تشبيه للرؤية في وضوحها وجلائها وليس تشبيها للمرئي بالمرئي, وهذه في أدلة كثيرة وقد جمعها العلماء في مؤلفات خاصة, الدارقطني له كتاب الرؤية وابن مندة له كتاب الرؤية, وغيرهم كثير مثل الآجُرِّي, وغيرهم يعني ألفوا مؤلفات خاصة بها وذكروا أحاديث كثيرة فيها وكذلك آيات من كتاب الله جل وعلا, فالذي ينكرها يسقط معه الكلام لأنه أنكر النصوص الواضحة التي لا تحتمل التأويل, لكن الأشعرية لاشتغال كثير منهم بالأحاديث, ولظهور الأدلة الواضحة الجلية قالوا بالرؤية ولكنهم في الواقع راوغوا فيها, وفي النهاية أصبحوا ينكرونها, ضمنا وليس نصا, فهم يريدون أن يفرضوا أصلهم لأنهم عندهم أن الله ليس فوق, فمن أين يُرى! قيل لهم هذا؛ إذا كنتم تنكرون علو الله فكيف تثبتون الرؤية, قالوا : يرى لا من جهة, في شيء يرى لا من جهة؟

هذا من تلاعب الناس وإلا إنكار للرؤية, و منهم من حاول أنه يثبت هذا ويقول أن الرؤية معناها رفع الحجب, متى؟ رفع الحجب, حتى في الدنيا, في النهاية قال أنها رفع الحجب فسروها برؤية عقلية وعلمية, ليست بصرية, يعني يُرى في القلوب أو نحو هذا, (..) رحمه الله له كتاب في الرؤية وهو على مذهب الأشعري فلهذا وصلت نتيجته إلى أنه يقول الرؤية رؤية قلبية, وهذا غريب, غريب جدا, كيف مثلا النصوص الواضحة الجلية تترك ويقال أنها رؤية قلب.

ولكن أهل السنة اختلفوا في مسألة من مسائل الرؤية؛ وهي رؤية النبي r ربه ليلة المعراج, والصحيح أنه لم يره, وإنما كما في صحيح مسلم عن أبي ذر, يقول : سألت النبي r هل رأيت ربك؟ فقال: (نور أنى أراه), وقد حاول بعض الصوفية أنه يحرف هذا النص, يحرفه تحريف لفظي حتى يتفق مع مذهبه أن الله يُرى في الدنيا, فقال: “نوراني أراه” يعني هذا تحريف لفظي, فالمقصود أن هذا يرده قوله: ( رأيت نارا) وفي رواية (رأيت نورا), هذا ما يستطيع أن يحرفه, والصوفية مثلما قال: بعضهم يثبت رؤية الله في الدنيا, وهم لا يكذبون ولكنهم بين اثنين؛ إما أنه يخيل له أمور خيالية لا حقيقة لها, لأنهم كثير الجوع والتعب فيخيل للواحد أنه يرى شيئا يتصوره في ذهنه فيرى أنه يحسه وليس كذلك, أو أنه يرى ربه الذي هو الشيطان, لأن كثير منهم يعبد الشياطين فيرى الشيطان وهو ربه, لأن الرسول r كما في صحيح مسلم يقول في الدجال لما ذكر التحذير منه أنه يقول أنا ربكم يقول: (تعلموا أن أحدا منكم لن يرى ربه حتى يموت) هذا نص عن النبي r أن أحدا لن يرى ربه, حتى يموت يعني في القيامة, فهذا أمر يجب أننا نعرفه ونقف عنده أما الأمور التي يعني تتعلق بالآخرة فهي التي فيها الخلاف, والخلاف ليس مع أهل السنة الخلاف مع أهل البدع والضلالات, والمفروض أن أهل الضلال الذين ضلوا فيه وتركوا النصوص كيف يجادلون, يترك النصوص الواضحة من كلام الله ومن كلام رسوله ويصبح يجادل, حتى الذين منهم يكتبون في التفسير, مثل الزمخشري … لما جاء إلى قوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}[القيامة:22-23], قال إلى يعني جمع آلة! ما معنى هذا! يعني تنظر إلى النعيم, وليس إلى الله, جعل الحرف اسم هنا “إلى” التحريف في كلام الله جل وعلا, ولا ينفع هذا لأن قوله جل وعلا: {عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ}[المطففين:23 وَ 35]وما أشبه ذلك يُبطل هذاالتأويل, وكذلك الآية التي في سورة يونس: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}[يونس:26], يبطل هذا التأويل, وكذلك قوله: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ}[المطففين:15], هذه في الكافرين, يقول الشافعي رحمه الله: لما حجب أهل الشقاء دل على أن أهل التقى أنهم يرونه, واستدلاله صحيح, هذا بالنسبة للآيات أما الأحاديث فهي واضحة كل الوضوح, الذي يحاول أنه يؤولها ما يستطيع, ولكن كيف يقال في هؤلاء مثلا موقفهم من الأحاديث! ماذا يكون, تكذيب والا..!! والشبه كثير, لأنهم يقولون هي أحاديث أخبارها آحاد فلا نقبلها في العقائد وهم الذين ابتدعوا هذا الشيء, يعني قالوا أن العقائد لا يقبل فيها إلا ما هو قطعي, أما الفروض وغيرها من الفروع فلا بأس أن نقبل الأحاديث.. وهو أمر مبتدع, أما أهل السنة فلا فرق عندهم بين الفروع والأصول كلها يقبل فيها الأخبار الصحيحة وأكثر الشرع آحاد لا سيما أحاديث رسول الله r.

فالمقصود أن هذه الرؤية من المسائل التي صار فيها خلاف كبير بين هؤلاء إلا أن أهل السنة لا خلاف بينهم فالخلاف مع أهل البدع ومنهم الأشعرية, فالأشعرية يثبتونها في الظاهر, ولكنهم في الحقيقة لا يثبتون رؤية معقوله لأنهم بناءً على مذهبهم أن الله جل وعلا ليس فوق بل هو في كل مكان, فيجوز أن تراه من خلفك ومن يمينك وعن شمالك وربما من تحتك على مقتضى مذهبهم وإلا لا يقولون مثل هذا لأن هذا كفر بالله جل وعلا, ولكن هذا اللازم, مادام أنهم يقولون أن الله في كل مكان فهل يخرج من الأمكنة شيء؟ حتى بطون الحيوانات والأماكن التي يُرغب عن ذكرها! فبئس المقالة ولهذا كفرهم بعض الناس في هذا القول, لأن هذا خلاف نصوص الكتاب وخلاف الفطرة وخلاف إجماع المؤمنين الذين يؤمنون بما تقوله الرسل؛ المؤمنون كلهم حتى من اليهود والنصارى, لكن المشكلة المذهب, الإنسان إذا صار له مذهب يريد أن يجادل دونه فهذا لا يزال الناس على هذا الشيء, إذا تبنى الانسان مذهب من المذاهب وجدته يتعصب له أشد التعصب, أو مثلا تبين رجل من الناس يتعصب له, التعصب يجب أن يكون لرسول الله r فقط, وغيره لا يجوز, إنما يتبع الحق, والإمام بن جرير عين بعض الناس هنا ولا خير في هؤلاء الذين عينهم, ولكن يقول ان ضرار بن عمرو أنه يقول الرؤية جائزة على الله تعالى ولكن أن يرى بحاسة سادسة, ويش هي الحاسة السادسة؟ وش هو البصر! الحاسة الحواس الخمس,,,خمس حواس, يعني السمع والبصر والشم والذوق واللمس, هذه الحواس خمسة, السادسة وش هي؟ هذا ما قال ضرارا الحاسة السادسة نبي نشوفها, سبحان الله العظيم! بنو آدم ما فيه أعجب منهم يأتون بأشياء عجيبة جدا, ولهذا شوف مثلا لما قال فرعون: “أنا ربكم الأعلى” اتبعوه وصدقوه, (…) قال هو صادق هو ربهم الأعلى, هذا الذي يسمونه محيي الدين, لأنه فوقهم وعال عليهم ولكن موسى u(في الواقع أقل)من هذافصار يلوم موسى ويصدق فرعون, وقال لهم: يقول لوزيرة: {ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى}[غافر:36-37],  فيه عقل له عقل مثلا يصدق!! يبني بناء ثم يطلع في السماء..!! كل هذه هذا مثل قول ضرار…

المقصود أن يعني هذا ما ينبغي أنها تذكر في كتب العلم, هذه أمور ساقطة والكفار لو اطلعوا على هذا الشيء ضحكوا منا, (ويش)هذا المسلمين ذولا؟ عندهم عقول؟ واجب أن يرمى بهذه الأشياء مثل قول هشام بن الحكم وهشام الجواليقي الذين قبحهم الله يشبهون الله بالإنسان تماما, يقول له كذا وله كذا وله كذا, مثل هؤلاء ماتوا ومات مذهبهم إلى مالا رجعة, هم وأيضا الرؤساء الرافضة.

المقصود أن المعتزلة الذين ينكرون الرؤية يستدلون يقولون: انك في بصركإذا كان أمامك شيء يستضم به البصر ترى ذلك الشيء, أما إذا كان ما أمامك شيء ما ترى شيء, فمعنى ذلك يقولون أن الرؤية لا بد أن تقع على جسم فالذين يثبتون الرؤية يلزمهم أن يثبتوا أن الله جسم هذه حجتهم, هذه حجة يعني عقلية ولكن هذه في الواقع قياس على الخلق, فهل الله جل وعلا يقاس على خلقه تعالى الله وتقدس, نقول نؤمن بأن الله أكبر من كل شيء وأعظم من كل شيء وهو جل وعلا الذي يخبرنا بهذا فيجب أن نؤمن به ونقول أن الله جل وعلا يُرى في الموقف كما ثبتت النصوص في ذلك, ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة وحديث أبي سعيد الخدري لما ذكر الشفاعة التي يتدافعها أولو العزم؛ أولا آدم ثم نوح ثم ابراهيم ثم موسى ثم عيسى, فإذا وصلت إلى محمد r يقول أنا لها, يقول: (فأذهب إلى مكان فإذا رأيت ربي خررت له ساجدا) إلى أن قال: (فيأت الله جل وعلا), وفي رواية أخرى ليست في الصحيحين أن الله يخاطبهم ويقول: (أليس عدلا مني أن أولي كل واحد منكم ما كان يتولاه في الدنيا) فيؤتى بالمعبودات التي في الدنيا فيقال لهم اتبعوهم, هذا الفصل بينهم, ثم يقول يتبقى المؤمنون وفيهم المنافقون – هذا الشاهد- والظاهر مثل ما هو ظاهر النص, يعني أكثر الناس ذهبوا بقي قلة منهم فيأتيهم الله جل وعلا في صورة غير التي يعرفونه بها, وفي صحيح مسلم “غير الصورة التي رأوه فيها أول مرة” فيقول: (ما الذي أبقاكم وقد ذهب الناس فيقولو تركناهم أحوج ما كنا إليهم أما اليوم فلا نحتاج لهم في شيء, ولنا رب ننتظره, فيقول أنا ربكم, فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه), وهذا من الابتلاء, الابتلاء أيضا ما ينتهي حتى في القيامة فيه نوع من الابتلاء, فيقول:(هل بينكم وبينه آية فيقولون نعم : الساق, فيكشف عن ساقه فيخرون له سجدا ويبقى المنافق ظهره طبقة واحدة, إذا أراد أن يسجد خر على قفاه), كما في الآية: { وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ –يعني في الدنيا- وَهُمْ سَالِمُونَ}[القلم:42-43], فلم (يفعل) سجودهم ,, فيقول فتضرب عليهم الظلمة وتوزع الأنوار, ويلقى كل إنسان نورا على قدر إيمانه وكل يسعى نوره بين أيديه والمنافقون يلقون شيئا من النور ثم يخفى نورهم لذلك ذكر الله جل وعلا أن المؤمنين يقولون: {رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا}[التحريم:8], ولا يكون مثل المنافقين طفأ نورهم, يبقون حائرين في أماكنهم ينادون المؤمنين: {انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ}[الحديد:13], فهذا في الموقف, فهل حصلت رؤية المنافقين فيه, نقول رأوه؟, الظاهر في أنهم رأوا ربهم ولكن رؤية تحسر وعذاب, أما المؤمنون فهم يتبعون ربهم في هذا ويبقى أولئك حيل بينهم وبين اتباع المؤمنين ثم إلى جهنم.

المقصود أن الرؤية أنها تكون في عرصات القيامة كما قال شيخ الاسلام بن تيمية في العقيدة الواسطية, يرونه في عرصات القيامة ويرونه في الجنة على حسب منازلهم.

قوله رحمه الله: واعتل الذين نفوا الرؤية عنه بأن قالوا: إن كل من رأى شيئا فلن يخلو في حال رؤيته إياه من أن يكون يراه مباينا لبصره أو ملاصقا.

قالوا: وغير جائز أن يرى الرائي، ويبصر المبصر ما لاصق بصره؛ لأن ذلك لو كان جائزا لوجب أن يرى الرائي عين نفسه.

فلما كان ذلك غير جائز في الدنيا، كان كذلك غير جائز في الآخرة، لأن ذلك إن جاز في الآخرة وهو غير جائز في الدنيا جاز أن يرى بسمعه في الآخرة ويسمع ببصره، فإذا كان ذلك في الدنيا محالا، وكان ذلك غير جائز كان كذلك رؤية البصر ما لاصقه في الآخرة محالا كما كان في الدنيا محالا. 

(الشرح)

هذا من العجب؛ الرؤية يقولون إذا كانت المرئي قريبا قربا مفرط يرى عينه, (يرى عينه) ما ترى شيء ما تراه, وإذا كان بعيدا بعدا مفرطا ما ترى شيء, ومعنى ذلك لا بد أن يكون شيء يستضم به النظر فقصدهم بهذا أنه يقول: لا يرى إلا جسم, لا يمكن ترى إلا ما هو جسم, فيلزمكم إذا أثبتم الرؤية أن تقولو أن الله جسم, هذا المقصود وهذه حجة المعتزلة كلامهم, الكلام مع هؤلاء ساقط في الواقع, الذي يقول الشيء الذي يكون مع عينك (..) إلى إبطال رؤية الله الذي هو فوق كل شيء وأعظم من كل شيء جل وعلا, ثم هذا كله تمثيل لله بالمخلوقات, تشبيه, لأن المخلوق جعلوه هو الأصل, المخلوق المشاهد المحسوس هو الأصل ثم الفرع أن الله لا يرى لأنه ليس كهذه الأشياء هذا الأصل من أصله فاسد, نقول أن الله ليس كمثله شيء وهو أكبر من كل شيء وأعظم من كل شيء, أما (اطلاق) الجسم أنه ليس بجسم أو جسم فالجسم هم يختلفون فيه, إذا كانوا يقصدون بالجسم الذي تصح الإشارة إليه, نقول أن الله يشار إليه, كما قال المصطفى: (أين الله ؟), وإن كان الجسم الذي يقولون أنه الذي يكون في مكان فالله جل وعلا نقول فوق عرشه بائن من خلقه تعالى وتقدس, فالجسم لهم اختلاف كبير فيه, والجسم عند أهل اللغة: البدن الذي يتكون من لحم ودم وعظام, والله جل وعلى لا يكون كذلك تعالى الله وتقدس فهو: صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.

والمقصود هذه المجادلة نقول ساقطة مع هؤلاء لأنه جعلوا الأصل الشيء الذي يشاهدونه ويرونه من المخلوقات فبنو على هذا قياس أن الله لا يرى تعالى الله وتقدس عن قولهم, فمثلا هل الانسان إذا كان عنده عقل وعنده يرجع إلى كلام هؤلاء بالأقيسة النظرية أو المحسوسة هذه ويترك النصوص من كتاب الله وسنة رسوله ويقول هذا معقول؟!

ما يقول هذا إلا من طمس الله على قلبه وأعمى بصيرته فهو بحاجة إلى الهدى أن يُهدى, ولكن إذا كان معاندا في مثل هذا فلن يُهدى سوف يتركه الله في عمه يعمه إلى أن يقال له يوم القيامة: إنك كنت تنكر هذا الشيء فيلقى جزاءه . 

(الشرح)

قوله : قالوا: وإذا فسد ذلك لم يبق إلا أن يقال: إن العبد في الآخرة يرى ربه مباينا ببصره؛ إذ كانت الأبصار في الدنيا لا ترى إلا ما يباينها، فكذلك الواجب في الآخرة مثلها في الدنيا لا ترى إلا ما باينها؛ وجب أن يكون العبد إذا رآه في الآخرة مباينا ببصره أن يكون بينه وبينه فضاء.. 

(الشرح)

هذا كلام ما يصح, كله كلام ما يصح, الواجب على الإمام بن جرير رحمه الله أن يذكر الأدلة من الكتاب والسنة على إثبات الرؤية ويعرض عن هذا الكلام الذي لا فائدة فيه بل هو شر, هذا لسنا بحاجة إلى كلام المعتزلة وكلام القياسيين الذين يقيسون رب العالمين بالمخلوقات التي يشاهدونها فإن هذا ضلال بين, والذي يشتبه عنده الضلال بالهدى يحتاج إلى علاج, ما هو يحتاج إلى أن يذكر.. أن يعالك والعلاج يكون مرضا قلبي مرض شبهات, ومرض الشبهات يزيله العلم مع الرجوع إلى الله جل وعلا,والعلم لا يكون إلا بكتاب الله وسنة رسوله r, فكله يدور, كل الكلام هذا يدور على أنه لا يرى إلا جسم, والله ليس بجسم فلا يرى, هذه النتيجة, وهي حجتهم حجة المعتزلة, وحجة اخوانهم الذين اتبعوهم على هذا وإن كانوا يراوغون مثل الأشعرية يراوغون على هذا الشيء يقول نثبت الرؤية ولكنها رؤية غير معقولة.

وقوله رحمه الله : وإذا كان ذلك كذلك كان معلوما أن ذلك الفضاء لو كان الصانع فيه كان أعظم مما مر به، وليس هو فيه.

قالوا: وفي وجوب ذلك كذلك وجوب حد له.

والقول بأنه يحد لو توهم بأكثر من ذلك من الحد كان أعظم مما هو به. قالوا: وذلك صفة لله عز وجل باللطف والصغر، وإيجاب الحدود له، وذلك عندهم خروج من الإسلام. 

(الشرح)

يكفي هذا؛ يقول خروج من الاسلام, يعني إن قالوا بذلك فهم خرجوا من السلام, لكنهم عندهم شبه قامت لديهم حسبوا أن هذا كفر, أنهم إذ أثبتوا هذا الشيء يلزمهم الكفر ففروا من هذا, أما رؤساؤهم وعلماؤهم فالله أعلم بمرادهم, ربما يريدون فسادا ولا يريدون إصلاحا, وسوف يحاسبهم الله جل وعلا , كيف يتركون كلام الله وكلام رسوله ويعدلون إلى مجادلات لا طائل تحتها إلا أنها أقيسة عقلية لأمور محسوسة من أمور الخلق, ثم يطبقونها على رب العالمين الذي ليس كمثله شيء, وابن جرير رحمه الله له العذر في هذا أن يقول أنهم خرجوا من الاسلام.

وقوله رحمه الله : قالوا وبعد: بعض من يخالفنا من أهل هذه المقالات ينفون الحدود عنه ويوافقوننا على ذلك.

قالوا: وفي نفيهم ذلك عنه -مع إجازتهم الرؤية عليه- نقض منهم لقولهم: إذا أثبتوه مرئيا على المباينة التي وصفنا، نقضوا قولهم بذلك أنه غير محدود.

وفي قولهم: إنه غير محدود نقض منهم لقولهم: إنه يرى؛ لأنه إذا كان مرئيا لم يكن مرئيا إلا على المباينة التي وصفنا، وذلك إيجاب حد لله تعالى ذكره.

قالوا: فكل قول من ذلك ناقض لصاحبه، ولن يسلم مخالفنا من المناقضة.

قالوا: وفي تناقض القولين الدلالة الواضحة على فساد قول مخالفنا القائل: برؤية الصانع، وصحة قولنا.                                                

(الشرح) 

الله المستعان, كلها تدور حول هذا الشيء, يعني أن هذا الذييقولون أن الأمور المحسوسة المشاهدة عندهم وأن الرؤية التي يقولون لله يقولون مثلها فمعنى ذلك إنكار الرؤية أصلا أنه لا يرى, وإنكارها في الواقع إنكار لكتاب الله وإنكار لسنة المصطفى r, وهؤلاء الواجب أن يسقط معهم الكلام لا يجادلوا, الذي ينكر الآيات وينكر الأحاديث كيف يجادل ويخاطب بالمجادلات! يعني لعله يرجع ولكن لن يرجعوا, لن يرجعوا, وقد وضعوا لهم قواعد هي الأصل في هذا, قالوا أن السمع إذا عارضه العقل لا يمكن أن نأخذ بالسمع, نأخذ بالعقل ولا نأخذ بالسمع. 

هذا السبب يعني في هذا: فهم قالوا كذا الرؤية, لماذا قالوا لما قال الرسول r: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر) قالوا: لا, الرؤية التي تكون لإنسان ما تخلوا إما أن تكون قريبة فهو لا يرى شيءأو تكون بعيدة فلا يرى شيء؛ لا بد أن تكون لجسم يستضم به النظر فيلزم أننا إذا أثبتنا الرؤية أننا نثبت أن الله جسم, هذا قولهم, فإذا يكون إثبات أن الله جسم كفر, فالرؤية عندهم يلزم منها الكفر.

هذه المجادلات لا خير فيها ، ولا فائدة فيها, وأصلها القياس, اصل هذا القياس. 

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد