الدرر النضيد

في إخلاص كلمة التوحيد
للإمام محمد بن علي الشوكاني
” رحمه الله تعالى “

شرح فضيلة الشيخ العلامة
عبدالله بن محمد الغنيمان
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين

اعتنى به
عبدالعزيز بن حمود البليهي

تقديم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على اشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه والتابعين أما بعد :

فبين يديك أخي الكريم شرحٌ لكتاب ” الدرر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد ” لمؤلفه الإمام محمد بن علي الشوكاني ” رحمه الله ” ، وقد قام بشرح الكتاب فضيلة الشيخ عبدالله بن محمد الغنيمان “حفظه الله ” في أحد  الدورات العلمية ، فقمت بتفريغه وإعداده للنشر، لعل الله أن ينفع به المسلمين ، فجزى الله المؤلف خير الجزاء ، وجزى الله شيخنا خيراً ، ووفقه إلى ما يحب ويرضى ، إنه ولي ذلك والقادر عليه ، والحمد لله رب العالمين .

عبدالعزيز بن حمود البليهي

a.h.albalhe@gmail.com

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أحمدك ، لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك ، وأصلي وأسلم على رسولك ، وآل رسولك .

وبعد :

 

فإنه وصل إلى الحقير الجاني ، محمد بن علي الشوكاني ، غفر الله له ذنوبه ، وستر عن الناس عيوبه ، سؤال عالم مفضال ، عارف بما قد قيل وما يقال ، في مدارك الحرام والحلال ، عند اختلاف الأقوال ، وتباين آراء الرجال ، هو العلامة الفهامة الأفخم ، محمد بن أحمد بن محمد مشحم اكثر الله فوائده ، ومد على أهل العلم موائده .

 

وحاصل السؤال :

هو عن التوسل بالأموات المشهورين بالفضل وكذلك الأحياء ، والاستعانة بهم ومناجاتهم عند الحاجة ، من نحو : على الله وعليك يافلان ، وأنا بالله وبك ، وما يشابه ذلك ، وتعظيم قبورهم ، واعتقاد أن لهم قدرة على قضاء حوائج المحتاجين ، وإنجاح طلبات السائلين ، وما حكم من فعل شيئاً من ذلك ؟

وهل يجوز قصد قبور الصالحين لتادية الزيارة ، ودعاء الله عندها من غير استعانة بهم ، بل التوسل بهم فقط ؟

فأقول مستعيناً بالله :

 

اعلم أن الكلام على هذه الأطراف يتوقف على إيضاح ألفاظ هي منشأ الاختلاف والالتباس ، منها : الاستغاثة بالغين المعجمة والمثلثة ، ومنها : الاستعانة بالعين المهملة والنون ، ومنها: التشفع ، ومنها : التوسل .

فأما الاستغاثة بالمعجمة والمثلثة فهي طلب الغوث ، وهو إزالة الشدة كالاستنصار، وهو طلب النصر، ولا خلاف أنه يجوز أن يُستغاث بالمخلوق فيما يقدر على الغوث فيه من الأمور ، ولا يحتاج مثل ذلك إلى استدلال ، فهو في غاية الوضوح ، وما أظنه يوجد فيه خلاف ، ومنه قوله تعالى { فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه } [  القصص : 15 ] ، وكما قال :{ وإن استنصروكم في الذين فعليكم النصر } [ الأنفال : 72 ] .

وكما قال تعالى : { وتعاونوا على البر والتقوى } [ المائدة : 2 ]

، وأما ما لا يقدر عليه إلا الله فلا يستغاث فيه إلا به كغفران الذنوب ، والهداية وإنزال المطر والرزق ونحو ذلك ، كما قال تعالى : { ومن يغفر الذنوب إلا الله } [ القصص : 56 ] ، وقال : { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء } [ القصص : 56 ] ، وقال : { يأيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض } [ فاطر : 3 ] .

 

الشرح

بسم الله الرحمن الرحيم، نحمد الله ونستعينه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحابته و سلم تسليمًا كثيرًا، وبعد:

إن التوحيد لا بد فيه من الإخلاص والمتابعة ، يعني : أن يكون التوحيد عبادة لله خالصة على الطريقة التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولهذا اتفق العلماء على أن العبادة لا بد ان تشتمل على أمرين :

الأمر الأول : الإخلاص لله جل وعلا كما قال الله جل وعلا :{ ألا لله الدين الخالص } ، وقال الله جل وعلا :{ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة } ، والعبد لو عبد الله وهو واقع في الشرك ، لا يكون قد أتى بالعبادة ، لأن العبادة في الشرع هي الخالية من الشرك .

الأمر الثاني : أن تكون على ضوء ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، يعني : المتابعة ،قال صلى الله عليه وسلم :” من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ” ، وفي رواية :” من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ” ، فإذا لم يشتمل العمل على هذين الأمرين الأساسين فهو عمل مردود وفاسد . وأن حق الله على عباده هو عبادته الخالصة من الشرك وهي طاعته بفعل ما أمر به واجتناب ما نهى عنه ، فلا يُخالف ما جاء عن الله جل وعلا ، أو ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم لغرض ، أو منفعة عاجلة ، أو آجلة ، أو غير ذلك .

ذكر المؤلف ” رحمه الله ” الاستغاثة وهي : نوع من نوع الدعاء ، وهي أخص من الدعاء ، ولكنها دعاء من مكروب وقع في كرب ، طلب الغوث الذي هو: إنجاء من وقع من الشدة وإخراجه منها ، فيجب أن يكون ذلك خاصاً بالله جل وعلا .

وقوله جل وعلا :{ فاستغاثة الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه } يدل على جواز مثل ذلك ، لأن هذا من باب الجواز ، وهذا من باب الاستحباب والندب ، وإن جازت في بعض الأشياء ، بشرط أن يكون المستغاث به حاضراً حياً قادراً ، لكن تركها أولى .

ومعلوم أن الاستغاثة تدل على صدق اللجأ والإخلاص غالباً ، وانكسار القلب وافتقاره ، ولهذا غالباً أن الله يستجيب للمستغيث ، لأن هذا من مقتضيات الربوبية ، فمن مقتضى كونه رب العباد أن يستجيب لهم ، والاستغاثة يجب أن تكون بالله جل وعلا .

(المتن)

وقوله : وعلى هذا يحمل ما أخرجه الطبراني في معجمه الكبير أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين ، فقال أبو بكر رضي الله عنه : قوموا بنا نستغيث برسول الله- صلى الله عليه وسلم – من هذا المنافق ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه لا يستغاث بي ، وإنما يستغاث بالله ، فمراده صلى الله عليه وسلم أنه لا يستغاث به فيما لا يقدر عليه إلا الله ..

الشرح

قوله :”  قوموا بنا نستغيث برسول الله ..” جاء أن الذي قال : هو أبو بكر رضي الله عنه .

قوله :” من هذا المنافق ”  المنافق : هو عبدالله بن أبي بن سلول .

وقوله :” إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله “ كل هذا حماية لجناب التوحيد ، وأدباً مع الله جل وعلا إذا نهاهم أن يطلقوا لفظ الاستعانة عليه صلى الله عليه وسلم .

والرسول صلى الله عليه وسلم يستطيع أن يغيثهم في مثل ذلك الأمر ، وذلك بأن يأمر بالمنافق فيقتل أو يضرب ، أو يمنع أقل شيء ، ولكن لما كانت الصيغة فيها شيء من الإيهام بترك الأدب مع الله استنكرها صلى الله عليه وسلم ولهذا قال : إنه لا يستغاث بي ، وإنما يستغاث بالله ” .

(المتن)

وقوله : وأما ما يقدر عليه المخلوق فلا مانع من ذلك ، مثل أن يستغييث المخلوق بالمخلوق ليعينه على حمل حجر ، أو يحول بينه وبين عدوه الكافر ، أو يدفع عنه صائلاً أو لصاً ، أو نحو ذلك .

وقد ذكر أهل العلم أنه يجب على كل مكلف أن يعلم : أن لا غياث ولا مغيث على الإطلاق إلا الله سبحانه ، وأن كل غوث من عنده ، وإذا حصل شيء من ذلك على يد غيره فالحقيقة له سبحانه ولغيره مجاز .

ومن أسمائه : المغيث والغياث ، قال أبو عبدالله الحليمي : الغياث هو المغيث وأكثر ما يقال : غياث المستغيثين ، ومعناه : المدرك عباده في الشدائد إذا دعوه ومجيبهم ومخلصهم ، وفي خبر الاستسقاء في الصحيحين : ” اللهم أغثنا اللهم أغثنا ” ، إغاثة وغياثة وغوثاً وهو في معنى المجيب والمستجيب ، قال تعالى : { إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم } [ الانفال : 9 ] ، إلا ان الإغاثة أحق بالأفعال ، والاستجابة أحق بالأقوال ، وقد يقع كل منهما موقع الآخر .

الشرح

الأولى والأفضل أن يكون تعلق العبد بالله وحده  ، وأن تكون الاستعانة بالله وحده حتى في الشيء الذي يقدر عليه الحي الحاضر .

وقوله : ومن اسماء الله جل وعلا المغيث ، والغياث ” الغياث : بالتخفيف .

وقوله جل وعلا : { إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدك بألف من الملائكة مردفين } هذا منة عليهم ، حيث ذكر فضله وأنهم استغاثوا بربهم وأثنى عليهم بذلك فدل على أن الاستغاثة عبادة .

(المتن)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض فتاواه ما لفظه : والاستغاثة بمعنى أن يطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم ما هو اللائق بمنصبه لاينازع فيها مسلم ، ومن نازع في هذا المعنى فهو إما كافر إن أنكر ما يكفر به وإما مخطئ ضال ، وأما بالمعنى الذي نفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أيضاً مما يجب نفيه ، ومن أثبت لغير الله ما لا يكون إلا لله فهو أيضاً كافر ، وإذا قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها ، ومن هذا الباب قول أبي يزيد البسطامي : استغاثة المخلوق بالمخلوق ك استغاثة الغريق بالغريق ، وقول الشيخ أبي عبدالله القرشي : استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون .

وأما الاستعانة بالنون : فهي طلب العون ، ولا خلاف أنه يجوز أن يستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه من أمور الدنيا ، كأن يستعين به على أن يحمل معه متاعه أو يعلف دابته أو يبلغ رسالته ، وأما ما لا يقدر عليه إلا الله جل وعلا فلا يستعان فيه إلا به ، ومنه : { إياك نعبد وإياك نستعين } [ الفاتحة : 5 ] .

وأما التشفع بالمخلوق فلا خلاف بين المسلمين أنه يجوز طلب الشفاعة من المخلوقين فيما يقدرون عليه من أمور الدنيا ، وثبت بالسنة المتواترة ، واتفاق جميع الأمة ان نبينا – صلى الله عليه وسلم – هو الشافع المشفع ، وأنه يشفع للخلائق يوم القيامة ، وأن الناس يستشفعون به ، ويطلبون منه ان يشفع لهم إلى ربه ، ولم يقع الخلاف إلا في كونها لمحو ذنوب المذنبين ، أو لزيادة ثواب المطيعين ، ولم يقل أحد من المسلمين بنفيها قط .

الشرح

الاستعانة : عبادة يحب ان تكون خاصة بالله جل وعلا ، كما قال جل وعلا : { وإياك نستعين } فحصر الاستعانة في الله جل وعلا ، وتدل على أن الاستعانة يجب أن تكون بالله وحده

وقوله جل وعلا : { إياك نعبد وإياك نستعين } هذا يجمع العبادة كلها ، لأن العبادة امتثال أمر الله جل وعلا ولا تحصل العبادة من الإنسان إلا إذا حصل العون له من ربه جل وعلا ، فلهذا لا تنفك العبادة عن الاستعانة ، فلا بد للعبادة من استعانة ، فإذا لم تحصل الاستعانة فاتت العبادة ، وان العبادة تكون لله وإذا حصلت منا فهي بعونه ، ومعنى ذلك : أن الفضل لله وأننا لا نستطيع أن نأتي بشكر نعمته ، لأن الشكر نفسه نعمة ، فوقوع العبادة نعمة وشكره عليه نعمة ، والاستعانة تكون في الأمور العامة والخاصة كلها ، ويجب أن يكون ذلك كله بالله .

وبهذا يتبين أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أوضح ما يجب على المسلم أن يعتقده في حق الله جل وعلا نفياً وإثباتا، وأوضح ما يجب لله على عباده ، بجميع أنواع التوحيد ، فلم يترك الأمر مشتبهاً ، وهذا واضح جلي من دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومن حاله ، وهو موجب الرسالة ، ومن حالة أصحابه أيضاً .

أما الاستعاذة فهي: العوذ والاحتماء بمن يدفع المكروه ، ويرفع البلاء بعد نزوله ، وهي من أفضل أنواع العبادة ، فيجب أن تكون لله وحده جل وعلا ، فلا حامي إلا الله جل وعلا للإنسان ، فإذا خاف الإنسان من أمر من الأمور ، سواءاً كان عذاباً من أمور الآخرة والدنيا ، فإنه يلوذ بجانب الله جل وعلا ، بعدما امتثل أمر الله جل وعلا .

والاستعاذة بالجن وغيرهم من الأموات ، أو ممن لا يستطيع إذا استعاذ بهم ، فإنه يكون مشركاً ، ولكن إذا استعاذ الإنسان من إنسان فقال : أعوذ بالله من شرِك ،وجب عليه أن يعيذه ، أما الاستعاذة بالإنسان نفسه فهو شرك ، سواء كان قادراً أو غير قادر ، لأن الاستعاذة عبادة أمر الله جل وعلا بها كما قال جل وعلا :{ قل أعوذ برب الناس } وقوله جل وعلا :{ وغما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله } ، فيجب أن تكون الاستعاذة بالله وحده ، فإذا جُعلت لمخلوق ، فقد وقع ذلك المستعيذ في الشرك ، نسأل الله العافية .

(المتن)

وقوله : وفي سنن أبي داود أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا نستشفع بالله عليك ونستشفع بك على الله فقال : شأن الله أعظم من ذلك إنه لا يستشفع به على أحد من خلقه ، فأقره على قوله : نستشفع بك على الله ، وأنكر عليه قوله : نستشفع بالله عليك وسيأتي تمام الكلام في الشفاعة .

الشرح
جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله نُهكت الأنفس ، وجاع العيال ، وهلكت الأموال فاستسق لنا ربك ، فإنا نستشفع بالله عليك ، وبك على الله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :” سبحان الله ، سبحان الله ” فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه ، ثم قال : ” ويحك ، أتدري ما الله ؟ إن شأن الله أعظم من ذلك ، إنه لا يستشفع بالله على أحد ” الحديث .

قوله :” جاء أعرابي ..” :الأعرابي هو : ساكن البادية ، من كان في البادية مع ماله ، من الرحل الذين يترحلون ، ولم يسكنوا المدن ، والأعرابي مظنة الجهل .

وقوله ” أعرابي “ أي : ليس من الذين يجلسون عند النبي صلى الله عليه وسلم ، ويسمعون منه العلم والإيمان .

وقوله :” نُهكت ..” : يعني : هلكت من الجوع ، بسبب تأخر المطر ، فإذا تأخر المطر جاعت الإبل والأغنام وغيرها ، فيبس ما في ضرعها ، فيجوع الناس ، وقد تموت .

وقوله :” ..الأنفس “ : التي هي أعم من العيال ، مثل البهائم وغيرها .

وقوله :” وهلكت الأموال “ يعني : الإبل والغنم هذه أموالهم .

وقوله :”فاستسق لنا ربك “ أي : أطلب لنا السقيا من الله جل وعلا ، وهذا الطلب لا بأس به .

وقوله :” فإنا نستشفع بالله عليك “ هذا الذي أنكره الرسول صلى الله عليه وسلم ، جعل الله شفيعاً عليه تعالى وتقدس ، والله جل وعلا لا يشفع عند أحد ، إنما الخلق يشفعون عنده إذا شاء ،والشفاعة تكون بإذنه وبأمره .

والشفاعة : ضم الدعاء إلى دعاء الطالب المستشفِع ، لأن دعاءه اولاً كان فرداً ، فلما انضم دعاء غيره إليه صار شفعاً ، والشفاعة كلها لله جل وعلا .

وقوله :” نستشفع بالله عليك “ أنكر النبي صلى الله عليه وسلم أشد الإنكار على هذا الأعرابي ، والأعرابي مظنة الجهل ، وهذا جاهل بالله جل وعلا ، وذلك أن الله جل وعلا لا يستشفع به على أحد من خلقه ، فعظمته وقدره أعظم من ذلك ، فكيف يكون شافعاً عند أحد ؟! فهل يجوز أن الله جل وعلا يسأل أحداً من المخلوقين ؟!

تعالى وتقدس عن هذا القول ، وكما هو معلوم أن الشافع يكون أدنى مرتبة من الذي يشفع عنده ، ولهذا تغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ” ويحك ” وهي كلمة توجع وتوبيخ ، ثم علم النبي صلى الله عليه وسلم الأعرابي فقال له :  ” أتدري ما الله ؟ شأن الله أعظم .

قوله : ” وبك على الله ” هذا لم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم ، والاستشفاع به على الله هو طلب دعائه ، وهذا ليس خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم  .

وقوله :” سبحان الله ..” يعني : إبعاداً لله جل وعلا وتنزيهاً له أن يستشفع به أحد من خلقه تعالى وتقدس ، أي : تنزيهاً لله أن يكون كما قلت ، هو تنزيهاً لله وإبعاد له أن يكون شافعاً عند أحد من خلقه ، لأن هذا فيه تنقص لله جل وعلا ، يجب أن ينزه عنه ، وهذا هو السبب في كون النبي صلى الله عليه وسلم سبح وكرر التسبيح وأكثره .

وقوله :” فما زال يسبح …” لعظم زلة هذا الأعرابي ، فأكثر صلى الله عليه وسلم من التسبيح واستمر عليه .

وقوله :” حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه “ لأن أصحابه يرحمونه ، والشيء الذي يشق عليه يشق عليهم ، فهذا شق عليه صلى الله عليه وسلم ، ولأن الصحابة رضي الله عنهم تتغير وجوههم للشيء الذي يشق على النبي صلوات الله وسلامه عليه .

وقوله :” ويحك أتدري ما الله ؟ ويحك : كلمة توجع ، لأن هذا الرجل وقع في أمر مُهلك ، فقال صلى الله عليه وسلم أتدري ما الله ؟ أي : أتدري عظمة الله جل وعلا .

وقوله :” إن شأن الله أعظم “ أي : أعظم من أن يُجعل شفيعا عند أحد من خلقه .

وقوله :” إنه لا يُشفع بالله على أحد “ يعني : لا يطلب أن يكون الله شفيعاً عند أحد تعالى وتقدس .

(المتن)

وقوله : وأما التوسل إلى الله سبحانه بأحد من خلقه في مطلب يطلبه العبد من ربه ، قال الشيخ عز الدين بن عبدالسلام : إنه لا يجوز التوسل إلى الله تعالى إلا بالنبي صلى الله عليه وسلم إن صح الحديث فيه ، ولعله يشير إلى الحديث الذي أخرجه النسائي في سننه والترمذي وصححه ، وابن ماجه وغيرهم . أن أعمى أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يارسول الله إني أصبت في بصري فادع الله لي . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : توضأ وصل ركعتين ، ثم قل : اللهم إني أسألك ، وأتوجه إليك بنبيك محمد ، يامحمد إني أستشفع بك في رد بصري ، اللهم شفع النبي فيّ ، وقال : فإن كان لك حاجة فمثل ذلك ، فرد الله بصره .

وللناس في معنى هذا قولان :

 

أحدهما : ان التوسل هو الذي ذكره عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما قال : كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا ، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا ، وهو في صحيح البخاري وغيره ، فقد ذكر عمر رضي الله عنه : أنهم كانوا يتوسلون بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته في الاستسقاء ، ثم توسل بعمه العباس بعد موته .

وتوسلهم : هو استسقاؤهم بحيث يدعو ويدعون معه ، فيكون هو وسيلتهم إلى الله تعالى ، والنبي صلى الله عليه وسلم كان في مثل هذا شافعاً وداعياً لهم .

 

والقول الثاني : أن التوسل به صلى الله عليه وسلم يكون في حياته وبعد موته ، وفي حضرته ومغيبه ، ولا يخفاك أنه قد ثبت التوسل به صلى الله عليه وسلم في حياته ، وثبت التوسل بغيره بعد موته بإجماع الصحابة إجماعاً سكوتياً ، لعدم إنكار أحد منهم على عمر رضي الله عنه في التوسل بالعباس رضي الله عنه . وعندي أنه لا وجه لتخصيص جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم كما زعمه الشيخ عز الدين ابن عبدالسلام لأمرين :

الأول : ما عرفناك من إجماع الصحابة رضي الله عنهم .

والثاني : أن التوسل إلى الله بأهل الفضل والعلم هو في التحقيق توسل بأعمالهم الصالحة ، ومزاياهم الفاضلة ، إذ لا يكون الفاضل فاضلاًَ إلا بأعماله .

فإذا قال القائل : اللهم إني أتوسل إليك بالعالم الفلاني فهو باعتبار ما قام به من العلم ، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما ان النبي صلى الله عليه وسلم حكى عن الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة : ” أن كل واحد منهم توسل إلى الله بأعظم عمل عمله فارتفعت الصخرة ” ، فلو كان التوسل بالأعمال الفاضلة غير جائز ، أو كان شركاً كما يزعمه المتشددون في هذا الباب ، كابن عبدالسلام ومن قال بقوله من أتباعه ، لم تحصل الإجابة من الله لهم ، ولا سكت النبي صلى الله عليه وسلم عن إنكار ما فعلوه بعد حكايته عنهم .

وبهذا تعلم ان ما يورده المانعون من التوسل إلى الله بالأنبياء والصلحاء ، من نحو قوله تعالى : { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } [ الزمر : 3 ] ، ونحو قوله تعالى : { فلا تدعوا مع الله أحد } [ الجن : 18 ] ، ونحو قوله تعالى : { له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء } [ الرعد : 14 ] ، ليس بوارد ، بل هو من الاستدلال على محل النزاع بما هو أجنبي عنه ، فإن قولهم :  { مانعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } ، مصرح بأنهم عبدوهم لذلك ، والمتوسل بالعالم مثلاً لم يعبده ، بل علم أن له مزية عند الله بحمله العلم فتوسل به لذلك ، وكذلك قوله تعالى : { فلا تدعوا مع الله أحد } فإنه نهى عن أن يدعى مع الله غيره ، كأن يقول : ياالله ويافلان ، والمتوسل بالعالم مثلاً لم يدع إلا الله ، وإنما وقع منه التوسل إليه بعمل صالح عمله بعض عباده ، كما توسل الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة بصالح أعمالهم ، وكذلك قوله : { والذين يدعون من دونه } الآية ، فإن هؤلاء دعوا من لا يستجيب لهم ، ولم يدعوا ربهم الذي يستجيب لهم ، والمتوسل بالعالم مثلاً لم يدع إلا الله ، ولم يدع غيره دونه ، ولا دعا غيره معه .

فإذا عرفت هذا لم يخف عليك دفع مايورده المانعون للتوسل من الأدلة الخارجية عن محل النزاع خروجاً زائداً على ما ذكرناه ، كاستدلالهم بقوله تعالى :  { وما أدراك ما يوم الدين * ثم ما أدراك ما يوم الدين * يوم لا تملك نفساً لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله } [ الأنفطار : 17-19 ] ، فإن هذه الآيات الشريفة ليس فيها إلا انه تعالى المنفرد بالأمر في يوم الدين ، وانه ليس لغيره من الأمر شيء ، والمتوسل بنبي من الأنبياء أو عالم من العلماء لا يعتقد أن لمن توسل به مشاركة لله جل جلاله في أمر يوم الدين ، ومن اعتقد هذا لعبد من العباد سواء كان نبياً أو غير نبي فهو في ضلال مبين .

وهكذا الاستدلال على منع التوسل بقوله تعالى : { ليس لك من الأمر شيء } [ آل عمران : 128 ] ، { قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً } [ الأعراف : 188 ] ، فإن هاتين الآيتين مصرحتان بأنه ليس لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أمر الله شيء ، وأنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ، فكيف يملك لغيره ؟ وليس فيهما منع التوسل به أو بغيره من الأنبياء والأولياء أو العلماء ، وقد جعل الله لرسوله صلى الله عليه المقام المحمود مقام الشفاعة العظمى ، وأرشد الخلق إلى أن يسألوه ذلك ويطلبوه منه ، وقال له : ” سل تعطه ، واشفع تشفع ” وقيد ذلك في كتابه العزيز بأن الشفاعة لا تكون إلا بإذنه ، ولا تكون إلا لمن ارتضى ولعله يأتي تحقيق هذا المقام إن شاء الله تعالى .

وهكذا الاستدلال على منع التوسل بقوله صلى الله عليه وسلم لما نزل قوله تعالى : { وأنذر عشيرتك الأقربين } [ الشعراء : 214 ] ، ” يا فلان ابن فلان لا أملك لك من الله شيئاً ، يافلانة بنت فلان لاأملك لك من الله شيئاً ” ، فإن هذا ليس فيه إلا التصريح بأنه صلى الله عليه وسلم لا يستطيع نفع من أراد الله تعالى ضره ، ولا ضر من أراد الله نفعه ، وأنه لا يملك لأحد من قرابته فضلاً عن غيرهم شيئاً من الله ، وهذا معلوم لكل مسلم ، وليس فيه أنه لا يتوسل به إلا الله ، فإن ذلك هو طلب الأمر ممن له الأمر والنهي ، وإنما أراد أن الطالب أن يقدم بين يدي طلبه ما يكون سبباً للإجابة ، ممن هو المنفرد بالعطاء والمنع ، وهو مالك يوم الدين .

الشرح

الحقيقة أن هذه المسائلة تفرق الناس فيها حتى بعض العلماء أخطأ في هذا الموضوع، وجعل التوسل بذوات الناس كالتوسل بالأعمال التي أمر الله  جل وعلا بها، فمثلاً الشوكاني ” رحمه الله ” وقع في أخطاء فظيعة في هذا، وقال: لا فرق بين التوسل بذات الرجل وبالعمل، وتبعه في هذا صاحب كتاب ” الدين الخالص ” ، الذي ينسب إلى محمد صديق خان، والظاهر أنه ليس له ، لأن محمد صديق خان يقول في كتابه الذي جعله في المرأة ” الأسوة فيما ورد في الكتاب والسنة في النسوة ” لما ذكر فيه قصة ملكة سبأ، قال في أثناء الكلام: ” وقد ظهر في وقتنا هذا كتاب كبير في مسائل الـشرك والتوحيد سماه صاحبه: الدين الخالص “، فهذا الكلام يظهر منه أنه ليس له، وأن ” الدين الخالص ” ليس لمحمد صديق خان، وما يضاف إليه الآن. وهذا الكتاب حقق في جامعة أم القرى على أنه لمحمد صديق خان، فصاحبه إتبع الشوكاني في جواز التوسل بالذوات ! ، واستدل بأدلة لا تدل على الموضوع البتة، مثل: قصة أصحاب الغار الذين توسلوا بصالح أعمالهم ونحوها، فهذا في جانب من الاستدلال لأنهم توسلوا بصالح أعمالهم التي عملوها لله خالصة، وهذا لا خلاف فيه، فهذا التوسل المطلوب.

ولكن الذوات لم يأت -لا في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم – ما يدل على جواز ذلك إلا حديث موضوع على قول كثير من العلماء، وهو حديث عبدالرحمن بن زيد بن أسلم الذي رواه الحاكم في مستدركه وغيره يقول: ” إن آدم لما أصاب الذنب أنه سأل ربه فقال: اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم ، وأن الله تعالى تاب عليه من أجل ذلك، فقال: كيف عرفت؟، قال: رأيت اسمه مكتوباً في قائمة العرش مع اسمك، فعلمت أنه أحب الخلق إليك، فأنا أوسل به إلي أن تغفر لي؛ فغفر الله له ” والحاكم الذي رواه كان يقول في كتابه ” المدخل ” لا تحل الرواية عن عبدالرحمن بن زيد، ويقول: إن من تأمل الأحاديث التي يرويها يجده هو المسوؤل عنها، يقلبها ويأتي بأشياء لا تصح فلا تحل الرواية عنه.

فالمقصود أن الذين يستدلون على الباطل إنما يستدلون بأحاديث وآيات صحيحة، ولكنها لا تدل على الموضوع بصلة، أو أنهم يستدلون بأحاديث وحكايات موضوعة مكذوبة ومنامات وما أشبه ذلك، وأوضاع يجدون عليها مَنْ هم على شاكلتهم، ومَنْ يدعوا إلى  ما هم عليه، فالحق من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على خلاف ذلك؛ فلهذا الأمر نقول: إن هذه المسألة صار لها أهمية في ذلك حتى لا يقع الإنسان أو يتوهم الخطأ، وأن هذه المسألة مهمة، لأنها تتعلق بالعقيدة وبالعمل الذي يُسأل عنه العبد يوم القيامة ولا ينجيه إلا إذا كان خالصاً لله جل وعلا  ، وعلى الكتاب والسنة.

وليس كتاب الشوكاني ، وكتاب الدين الخالص فقط في هذا الموضوع ، بل الكتب في هذا كثيرة، ولاسيما كُتب دعاة القبور الذين يدعون إليها، ككتاب الربيع وغيره من المـصريين الذين لهم صولات وجولات في هذا، وغيرهم كثير من المتقدمين والمتأخرين من الصوفية والذين ألفوا  دعوة القبور -نسأل الله العافية-

المقصود أن التوسل ، يعني : التوسل بدعائه وليس بذاته ، التوسل بالدعاء ، الذي هو دعاء الله تعالى وتقدس ، أما لو أنهم يتوسلون بحياته ، لأن التوسل هو طلب الوسيلة ، وهو القربى ، ولا هذا إلا بعبادة ، والعبادة تكون من الحي ليس من الميت .

وقد أخطأ الشوكاني ” رحمه الله ” في قوله هذا ، حيث أنه جعل التوسل لا فرق بين كونه يكون بالدعاء أو بالذات ، وهذا خطأ ظاهر يجب أن يرد على قائله ، يعني : في الذوات ، التوسل بذوات الناس وذوات الصالحين ، هذا خطأ ، واستدل بأدلة لا تدل عليه ، مثل حديث أصحاب الغار ، وغيره ، لا تدل على مراده ، ومعلوم أن الإنسان ما يخلو من خطأ ، العصمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن العلماء لا يقصدون الخطأ وإنما من باب الاجتهاد ، فإذا وقع في الخطأ مجتهداً وهو أهل لذلك ، فإنه يؤجر على خطأه وخطؤه يكون مغفوراً .

أما الإستشفاع بالرسول صلى الله عليه وسلم فإنه كان معروفاً عند الصحابة ، يطلبون شفاعته سواءً في الأمور المهمة مثل الاستسقاء أو في الأمور التي تخص العبد ، وهذا أمر مشهور ، وهذا ليس خاصاً به صلى الله عليه وسلم ،  كل من ترجى إجابة دعوته يطلب منه ، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر رضي الله عنه : ” لا تنسانا يا أُخي من دعائك ” ، وقد اغتر الشوكاني ” رحمه الله ” في هذا المعنى وزعم أن الاستشفاع يجوز بالشخص مطلقاً ، يعني : ليس بدعائه بل بذاته !!، وقال : لا فرق أيضاً في كونه حياً أو ميتاً ما دام أن الاستشفاع بالذات فلا فرق !! ، ولو كان بالذات مايلزم أن يأتي إليه بل  يسشفع به إذا كان حياً حاضراً ترجى إجابة دعوته ، أما إذا كان ميتاً أو غالباً فهذا لا يجوز وهذا من وسائل الشرك ، وقد يصل إلى الشرك .

والميت يُدعى له ، ولا يدعى ، مثل الصلاة على الميت يدعو له ، يشفع له .

وقوله تعالى :” عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً الشفاعة للناس ليريحهم ربهم من عظيم ماهم فيه من شدة ذلك اليوم ، كما قاله ابن جرير .

أما قول مجاهد : أن المقام المحمود : أن يجلسه معه على عرشه ، قال ابن جرير هذا غير مدفوع صحته سنداً ، ولا نظراً ، إذ لا خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن صحابته ، ولا التابعين بإحالة ذلك .

وقوله :” ليس لك من الأمر شيء “ يعني : أن الأمر الذي هو التصرف في الخلق لله وحده ، فيهدي من يشاء ويضل من يشاء .

(المتن)

وقوله : وإذا علمت هذا فاعلم أن الرزية كل الرزية والبلية كل البلية امر غير ما ذكرناه من التوسل المجرد ، والتشفع بمن له الشفاعة ، وذلك ما صار يعتقده كثير من العوام ، وبعض الخواص في أهل القبور وفي المعروفين بالصلاح من الأحياء ، من أنهم يقدرون على ما لايقدر عليه إلا الله جل وجلاله ، ويفعلون ما لا يفعله إلا الله عز وجل ، حتى نطقت ألسنتهم بما أنطوت عليه قلوبهم ، فصاروا يدعونهم تارة مع الله ، وتارة استقلالاً ، ويصرحون بأسمائهم ويعظمونهم تعظيم من يملك الضر والنفع ، ويخضعون لهم خضوعاً زائداً على خضوعهم عند وقوفهم بين يدي ربهم في الصلاة والدعاء ، وهذا إذا لم يكن شركاً فلا ندري ما هو الشرك !، وإذا لم يكن كفراً فليس في الدنيا كفر ، وها نحن أولاء نقص عليك أدلة في كتاب الله سبحانه وتعالى ، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم فيها المنع مما هو دون هذا بمراحل ، وفي بعضها التصريح بأنه شرك ، وهو بالنسبة إلى هذا الذي ذكرناه يسير حقير ، ثم ذلك نعد إلى الكلام على مسألة السؤال .

فمن ذلك ما أخرجه أحمد في مسنده بأسانيد لا بأس بها عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً بيده حلقه من صفر فقال : ” ما هذه ؟ ” ، قال : من الواهنة ، قال : ” انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهناً ولو مت وهي عليك ما أفلحت ”

الشرح

قوله :” رأى رجلاً ” فيه الأدب كون الإنسان يعبر عن الشيء المكروه بما لم يسم ، لأن هذا مكروه أن يضيف الرجل إلى نفسه شيء فيه شرك .

قوله :” بيده حلقة من صفر ” الصفر : معدن من نحاس .

وقوله :” فقال : ما هذه ؟” إما من باب الإنكار ، وإما من باب الاستفسار عن المقصد ، والأول أقرب .

والرسول صلى الله عليه وسلم لم يسئل عن ماهيتها ، ماهي ؟ هل هي من نحاس أو حديد أو ما أشبه ذلك ؟

لكن الاستفهام عن المقصود ، وهذا يدلنا على أنه لو جعلها لشيء غير هذا الذي جعله له فإنه قد يختلف الحكم .

قوله :” الواهنة ” هي مرض يأخذ عضد الإنسان إلى كتفه وقد يكون في رجله ويعتقدون أنه يصيب الرجل دون المرأة .

قوله :” انزعها ” والذي في المسند ” انبذها ” والنبذ أبلغ من النزع ، معناه أطرحها بعيدا.

وقوله :” فإنها لاتزيدك إلا وهنا ” الوهن : الضعف ، فهو واهن ضعيف .

وقوله :” فإنك لومت وهي عليك ما أفلحت أبدا ” الفلاح : هو إدراك المقصود من السعادة والنعيم ، وهذا يدل على أن هذا ليس من الشرك الأصغر ، لأنه قال  ما أفلحت أبدا بالتأكيد والشرك الأصغر لا يجعل الإنسان خالدا في جهنم ، وإن دخلها فإنه إذا طهر فإنه يخرج منها ، ولهذا قال له : ” ما أفلحت أبدا ” لأنه تعلق على غير الله جل وعلا .

(المتن)

وقوله : وأخرج أيضاً عن عقبة بن عامر مرفوعاً : ” من تعلق تميمة فلا أتم الله له ، ومن علق ودعة فلا ودع الله له ” ، وفي رواية : ” من تعلق تميمة فقد أشرك ” .

 الشرح

التميمة ليست هي من الرقى ، الرقية غير التميمة .

وقوله :” فلا أتم الله له ” يحتمل أمرين :

 الأمر الأول : أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليه ، ومن دعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم فلن يتم أمره أبدا .

 الأمر الثاني : يحتمل أنه خبر ، والخبر أبلغ في هذا أنه لا يتم أمر مطلقا وأن يعامل بعكس مراده .

وقوله :” من تعلق ودعة ” الودعة شيء يؤخذ من البحر ثم يعلقونه على أنفسهم أو أولادهم أو غير ذلك من أجل دفع الجن والعين .

والودعة : هي السعة والسكون ، يعني أن يجعله في ضيق وحرج ، هذا إذا كان دعاء من الرسول صلى الله عليه وسلم ، أما إذا كان خبر فهو كذلك فيعامل بعكس مراده .

وقوله :” من تعلق تميمة فقد أشرك ” هذا صريح في أن تعلق التمائم شرك .

 (المتن)

 وقوله : ولابن أبي حاتم عن حذيفة أنه رأى رجلاً في يده خيط للحمى فقطعه وقرأ : { وما يؤمن اكثرهم بالله إلا وهم مشركون } [ يوسف : 106 ] .

 الشرح

هذا الأثر موقوف على حذيفة رضي الله عنه ، واستدل بآية من كتاب الله فقطع هذا الخيط وتلا قوله جل وعلا :{ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } ، ففي هذا الحديث الاستدلال على الشرك الأصغر بما نزل في الشرك الأكبر ، يعني : أن هذا ظاهره أنه من الشرك الأصغر ، أما إذا كان هناك مقاصد ونيات قد يتغير .

هذا مما يدلنا على أن الصحابة رضي الله عنهم يعرفون هذا تماماً ، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم بلغ ذلك .

وقوله جل وعلا :{ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } جاء عن ابن عباس رضي الله عنه أن قال : من إيمانهم ، إذا قيل لهم : من خلق السموات ؟ ومن خلق الأرض ؟ ومن خلق الجبال ؟ قالوا ” الله ” وهو مشركون به ، وكذا قال مجاهد رحمه الله : إيمانهم قولهم الله خالقنا ، ويرزقنا ويميتنا ، وهم يشركون به ، فهم يعلمون هذا تماماً ، ومع هذا هم في النار إذا ماتوا على شركهم .

وشركهم أنهم يعبدون مع الله غيره ، وجعل حذيفة رضي الله عنه تعليق ذلك من الشرك ، وفي رواية أنه قال ” لو مت وهي عليك ما صليت عليك ” ..لأنه تعلق بغير الله جل وعلا ، وهو من الشرك سواء من الشرك الأصغر أو الأكبر .

(المتن)

وقوله :وفي الصحيح عن أبي بشير الأنصاري أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره ، فأرسل رسولاً أن لا يبقين في رقية بعير قلادة من وتر إلا قطعت “.

الشرح

الحديث في الصحيحين ، وهذه طريقته رحمه الله كثيراً ما يقول في الصحيح ويكون الحديث في الصحيحين ، يعني : في الحديث الصحيح .

وقوله : ” في بعض أسفاره ” لم يعين السفر ، أي سفر من الأسفار هو ، ولايلزم أن نعرف هذا السفر ، المقصود الحكم الذي بينه في هذا الحديث .

وقوله : ” فأرسل رسولاً ” قال الحافظ ابن حجر رحمه الله ، الذي أرسل هو زيد بن حارثة .

وقوله :” أن يبقين ” ، وفي رواية :” لاتبقين ” : وهذا لتأكيد إزالة ذلك ، مما يدل على أنه ممنوع .

وقوله :” في رقبة بعير “ أو غيره من الدواب أو رقبة إنسان ..

وقوله :” قلادة من وتر ، أو قلادة إلا قطعت “ القلادة : هي الشيء الذي يوضع في رقبة المخلوق سواء كان بعيراً أو غير ذلك ، ولكن هنا خصت بالوتر ، والوتر : هو الحبل الذي يربط به طرفي القوس  ، فإذا ضعف غيروه ووضعوه قلادة للبعير تفاؤلاً ، بل اعتقاداً بأنه يمنع الجن ، ويمنع عين الإنسان أن تصيب البعير ! ، أما  الحبل الذي قد يوضع في رقبة البعير ليقاد أو ليعقل به ، وليس فيه اعتقاد النفع أو الضر فهذا جائز.

وقوله :” أو قلادة “ يعني مطلق ، والصحيح أنه مقيد ، لأن هذا بسبب اعتقادهم في الوتر أنه يمنع عين الإنسان ، ويمنع الجان حسب خرافاتهم وزعمهم ، ولهذا وقعوا في الشرك من هذا الجانب ، والقلادة أيضاً قد تكون لمقاصد أخرى .

(المتن)

وقوله : واخرج أحمد وأبوداود عن ابن مسعود سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” إن الرقى والتمائم والتولة شرك ” .

 الشرح

الرقى : جمع رقية وهي القراءة على المريض مع تفل عليه بريق أو نفث .

قوله “..الرقى “ هنا جاء فيها بالتعريف ، يعني الرقى المعهودة المعروفة للجاهلية التي يصنعونها ويفعلونها ، يتعلقون بها بأنها تنفع من الشيء الذي لم يقع ومن الشيء إذا وقع، أنها ترفعه أو تخففه أو تزيله من مكان إلى آخر ، فمن اعتقد ذلك في الرقية ، فإنه يكون شركاً .

قوله :” إن الرقى ” هذا عام في الرقى فلم يخص منه شيئاً ، وقد رخص من الرقى ما كان من كلام الله ، وبأسمائه وصفاته فإنه جائز أو مستحب كما دلت الأحاديث على ذلك .

قال السيوطي ” رحمه الله ” : أجمعوا على جواز الرقية إذا جمعت ثلاثة شروط :

الشرط الأول : أن تكون بأسماء الله وصفاته وبالقرآن .

الشرط الثاني :أن تكون باللسان العربي،أو بما يعرف معناه .

الشرط الثالث : أن يعتقد أن الرقية لاتؤثر بنفسها  .

فهذا جائز بالإجماع ، أما إذا كانت بأسماء الشياطين أو الطلسمات أو الحروف التي لا تفهم ، فهذه ممنوعة ولا تجوز خشية أن تكون من الشرك .

التمائم : جمع تميمة ، وهي ما يعلق من خرزات أو ودع أو وتر يعلقونها لدفع العين أو دفع الجن وما أشبه ذلك ،وقد تكون التمائم بالكتابة في أوراق أو جلد أو أو حجر أو عظام أو خشب ونحوها  ثم تعلق ، فيعتقد أنها إذا علقت أنها تنفع في تخفيف المرض أو إزالته أو منع حصوله ووقوعه ، وهذا من الشرك ، ويستثنى من هذا ما كان من القرآن ، وقد أختلف فيه، فرخص فيه بعض السلف وبعضهم لم يرخص فيه ويجعله من المنهي عنه ، والصحيح أن هذا ممنوع لأمور ثلاثة :

الأمر الأول : أن الأدلة التي جاءت عامة ، ومن ادعى الخصوص فعليه الدليل .

الأمر الثاني : أن هذا وسيلة إلى تعليق ما لا يجوز ويكون منعه من باب سد الذرائع .

 الأمر الثالث : أن تعليق شيء من القرآن أو من أسماء الله وصفاته لا يخلو من امتهان .

وهذه أمور ثلاثة تدل على أن الراجح أن التمائم إذا كانت من القرآن أنها لا تجوز.

وقوله :” والتولة ” هي نوع من السحر ، ويسمونه محبباً ، لأنه يحبب المرأة إلى زوجها ، وكذلك يحبب الرجل إلى امرأته ولهذا قال :” شرك “ والسحر لا ينفك عن الشرك ، لأنه لا بد من أن يكون بواسطة الشياطين ولا يعمل عمله إلا بذلك .

(المتن)

وقوله : واخرج أحمد والترمذي عن عبدالله بن حكيم مرفوعاً : ” من تعلق شيئاً وكل إليه ” .

 الشرح

الغالب أن كلمة ” تعلق “ أنها من فعل القلب ، و” علًّق ” من فعل اليد ، فمن تعلق بشيء وكل إلى ذلك الشيء ، يعني : أن الله يتخلى عنه ويقطع الأسباب التي يمكن أن تنفعه ، لأن الأمور  كلها بيد  الله جل وعلا .

المقصود أن التعلق يكون بالقلب ويكون بالفعل ، فإذا تعلق ذلك وكله الله جل وعلا إليه ، فمن تعلق على غير الله جل وعلا وكل إليه ، ومن وكل إلى خيط أو وتر أو عظم فقد ضاع وهلك ، نسأل الله العافية .

وقوله :” شيئاً “ نكرة يعم كل ما تعلق به سواء كان من الأفعال التي يعلقه هو ، أو تعلق قلبه بأمور أخرى من أمور الدنيا فإنه يوكل إليه .

(المتن)

 وقوله : وأخرج أحمد عن رويفع قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” يارويفع لعل الحياة ستطول بك فاخبر الناس أن من عقد لحيته ، أو تقلد وتراً ، أو استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمداً بريء منه ” ، فانظر كيف جعل الرقى والتمائم والتولة شركاً ، وما ذلك إلا لكونها مظنة لأن يصحبها اعتقاد أن لغير الله تأثيراً في الشفاء من الداء ، وفي المحبة والبغضاء ، فكيف بمن نادى غير الله ، وطلب منه مالا يطلب إلا من الله ، واعتقد استقلاله بالتأثير أو اشتراكه مع الله عز وجل .

الشرح

قوله :” لعل الحياة ” لعل : ترجي ، وقد طالت به الحياة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم .

وقوله :” فأخبر الناس ” إخبار الناس هو إعلامهم بأن هذا لا يجوز ، وليس هذا خاص برويفع رضي الله عنه ، بل كل من كان عنده علم فإنه مأمور بإخبار الناس ، وفيه وجوب نشر العلم الذي يحتاج الناس إليه ، وإلا ألجم بلجام من نار يوم القيامة ، لأن كاتم العلم ملعون .

وقوله :” أن من عقد لحيته ” أختلف شراح الحديث في عقد اللحية على ثلاثة أقوال :

القول الأول : معالجتها وتعقيدها بالفعل ، حتى يكون المنظر كريه ومخيف ، وكانوا يفعلونه في الحرب ، كما يفعله بعض الأعاجم .

القول الثاني : معالجة الشعر حتى يتعقد ويتجعد ، تشبهاً بالنساء .

القول الثالث : عقد اللحية في الصلاة ، ذكره أبوزرعة ” رحمه الله “.

والصحيح : أن الأمور السابقة كلها داخلة فيه .

وقوله :” أواستنجى برجيع دابة “ استنجى : أزال أثر النجو ، يعني : أثر النجاسة .

والرجيع : هو روث البعير أو روث البقر أو روث الحمار غيرها وكذلك العظم أيضا .

وقوله :” فإن محمداً بري منه ” أي : من الإنسان نفسه ، الرسول صلى الله عليه وسلم بري منه ، ومن تبرأ منه النبي صلى الله عليه وسلم يكون هالكاً ، وهذا من نصوص الوعيد ، فالصحيح أنه يبقي على ظاهره ، ليكون هذا أردع وأبعد عن اقتراف هذه المعاصي .
(المتن)

وقوله : ومن ذلك ما أخرجه الترمذي وصححه عن أبي واقد الليثي قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر ، وللمشركين سدرة يعكفون عليها ، وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط ، فمررنا بسدرة فقلنا : يارسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :” الله أكبر قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل ” : { اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون } [ الأعراف : 138 ] ، لتركبن سنن من كان قبلكم ” ، فهؤلاء إنما طلبوا أن يجعل لهم شجرة ينوطون بها أسلحتهم كما كانت الجاهلية تفعل ذلك ، ولم يكن من قصدهم أن يعبدوا تلك الشجرة ، أو يطلبوا منها ما يطلبه القبوريون من أهل القبور ، فأخبرهم صلى الله عليه وسلم أن ذلك بمنزلة الشرك الصريح ، وأنه بمنزلة طلب آلهة غير الله تعالى .

الشرح

قوله : ” خرجنا مع رسول الله ..” يعني : عام الفتح ، فتح مكة .

قوله :” إلى حنين ” : يعني : بعد فتح مكة ، وحنين اسم وادي كانت فيه الواقعة .

وقوله :” ونحن حدثاء ..” هذا من باب الاعتذار ، يعني : أنهم دخلوا في الإسلام قريباُ فخفي عليهم هذا الأمر ، وهذا يدل على أن الإنسان قد يرتكب الأمر العظيم يظنه خيراً وهو شر.

وقوله :” وللمشركين سدرة ” : ليس هذا خاص بالسدرة ، بل أي شجرة أعتقد فيها تكون من هذا النوع .

وقوله : ” يعكفون عندهم ” يعني : يجلسون عندها لطلب البركة ، والعكوف عبادة لله جل وعلا ، لأن الجلوس عند الشيء نوع من العبادة ، فالجلوس في المسجد عبادة ، ولا يجوز أن يكون إلا في المساجد لله جل وعلا ، ولا يكون عند الأشجار والأحجار والقبور ، فمن فعل ذلك فقد صرف عبادة الله لمخلوق وهو الشرك .

وقوله : ” وينوطون بها أسلحتهم ” يعني : يعلقونها طلباً للبركة ، ويعتقدون أن الأسلحة تكسب البركة منها ، ويكون بذلك سبب النصر لهم .

وقوله : ” يقال لها : ذات أنواط “ يعني : أخذوا هذا الاسم لها مما يفعلونه بها ، لأنهم ينوطون بها أشياءهم .

وقوله : ” قالوا : اجعل لنا “ يعني : طلبوا ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم ظناً انه يجوز ، ولم يقع الفعل وإنما وقع طلب مبني على ظن انه محبوب لله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا أمر لا يجوز وأنه من الشرك ، وهذا دليل على أن الإنسان الذي دخل حديثاً في الإسلام أنه قد يقع في أمور عظيمة وهو لا يدري .

وقوله : ” الله أكبر ” : في الترمذي قال صلى الله عليه وسلم : ” سبحان الله ” ، والمعنى واحد ، وكله صحيح أي : الله أكبر أن يجعل للمسلمين ذات أنواط ، وهذه عادته صلى الله عليه وسلم انه يكبر عند الأمور التي فيها انتهاك لحق الله جل وعلا أو الأمر العجيب ، وهذا من الأمور العجيبة ، لأن الشجر والحجر ليس عندها شيء من نفع ولا ضر !

وقوله : ” السنن “ يعني : سنن الأمم السابقة ، الطرق التي كانت مسلوكة .

وقوله : ” والذي نفسي بيده ..” هنا أقسم الرسول صلى الله عليه وسلم ، ليكون ذلك تأكيداً ، ومعنى : ” الذي نفس محمد ” صلى الله عليه وسلم بيده ” هو الله جل وعلا ، يعني : الذي يملك إماتتي وإحيائي هو الله جل وعلا .

وقوله : ” كما قالت بنو اسرائيل ..” جعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الطلب كطلب بني إسرائيل من موسى عليه السلام أن يجعل لهم إلهاً كما للمشركين آلهة يعبدونها من دون الله جل وعلا ، وأن المشركين يعكفون عند هذه الشجرة ويعلقون به أسلحتهم ، فعكوفهم عبادة ، ويرون أنها تكتسب بذلك البركة ، فهذا أيضاً نوع من العبادة فصار مطابقاً لما قالته بنو إسرائيل .

وقوله : ” لتركبن سنن من كان قبلكم ” بضم السين ، الطرق التي يتبع فيها المتأخر الأول ، يعني : طرق الاعتقاد والعمل .

وقوله :” من كان قبلكم “ بنو إسرائيل ويدخل فيهم النصارى أتباع عيسى عليه السلام ، وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، لأن كل نبي بعث بعد إبراهيم عليه السلام فهو من ذريته وكلهم أولاد إسرائيل .

وقوله : ” حذوا القذة بالقذة ” القذة : هي ريشة السهم ، والمعنى:  أنهم يكونون مثلهم في أعمالهم وأفعالهم .

وقوله :” حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه “ خص جحر الضب من بين الجحور ، لأن الضب لا يمكن أنه يحفر سامتاً ، وإنما يحفره متلوياً متجهاً إلى التحت حتى يكون عسر الدخول عليه، فهو أعسر الجحور دخولاً .

وقوله : ” لتركبن “ أو لتتبعن ، المقصود : أن من الأمة من يجانبون الهدى ويتبعون الكفار ، ويختلفون في ذلك :

منهم : من تكون متابعته كاملة تامة .

ومنهم : من يكون دون ذلك ، ولكنه لا بد أن يقع .

(المتن)

وقوله : ومن ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه عن علي بن أبي طالب ” كرم الله وجهه ” ، قال : حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات : ” لعن الله من ذبح لغير الله ،لعن الله من لعن والديه ، لعن الله من آوى محدثاً ، لعن الله من غير منار الأرض ” .

الشرح

قول :  ” كرم الله وجهه ” ، هذه من النُساخ !، وهي  بدعة ، كما ذكر ذلك الحافظ ابن كثير ” رحمه الله ” في تفسير سورة الأحزاب عند قوله جل وعلا { إن الله وملائكته يصلون على النبي ..الآية } يقول صار شعار أهل البدع !، ويقول : أن شعار أهل السنة أن الصلاة على الأنبياء ، والترضي على الصحابة جميعهم ،والترحم على العلماء وعامة المسلمين ، فإذا خص واحد من الناس بأنه يصلي عليه أو يقال : كرم الله وجهه أو ما أشبه ذلك فهذا من شعار أهل البدع ، وليس هذا محرم ، ولكن شعار أهل البدع يجب أن يُجتنب .

ويجوز أن تقول : فلان صلى الله عليه وسلم ، ما فيه مانع أن تقوله ، ولكن صار هذا شعاراً لرسل فلا ينبغي أن يوضع على غيرهم ، وإلا كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا جاءه من يأتيه بالصدقة يصلي عليه كما قال صلى الله عليه وسلم ” اللهم صلي على آل فلان ” لم جاءه أبي أوفى بصدقته قال : ” اللهم صلي على آل أوفى ” لأن الله أمره بذلك ، وليس هذا خاصاً به ، ولكن صار شعار، فإذا جاءت ” فلان عليه السلام ” أو ” فلان كرم الله وجهه ” نقول : هذا خلاف ما سار عليه العلماء ،وصار مثل هذه الأشياء شعاراً لأهل البدع مثل الزيدية ،ومثل الرافضة وغيرهم .

وهذا الحديث له مناسبة  ، قال : كنا عند علي رضي الله عليه عنه فجاء رجل فقال : ما الذي أسره الرسول صلى الله عليه وسلم إليكم أهل البيت ؟ فغضب رضي الله عنه غضباً شديداً فقال : ما أسر إليّ شيئاً كتمه الناس  ، ولكن سمعته يقول ثم ذكر الحديث .

اللعن : هو الطرد والإبعاد من رحمة الله جل وعلا ، والله يلعن من يشاء من عباده حقيقة ، كما أنه يرضى على من يشاء ويرحم ، ومن لعنه الله فقد بعد عن مظان الخير كلها ، فالملعون هو البعيد عن الرحمة ، نسأل الله العافية .

والذبح من أعظم العبادات ، فإذا كان من أعظم العبادات فصرفه لغير الله جل وعلا من أعظم الشرك .

ومعلوم أن أفعال الناس في الذبح تختلف باختلاف المقاصد ،  فمن يذبح نسكاً لله جل وعلا متقرباً إلى الله ، كالأضحية أو العقيقة أو النحيرة التي تكون نسك في الحج وفي العمرة ، فهذه من العبادات العظيمة التي يجب أن تكون خالصة لله جل وعلا ، ويجب أن تكون مقترناً بالإخلاص وقوة اليقين ، وحسن الظن بالله جل وعلا ، واليقين بجزائه وموعوده ، فإذا صرف الذبح  لمخلوق فقد وقع الذابح في الشرك الأكبر .

وقوله :” لعن الله من ذبح لغير الله ” من لعنه الله فهو الملعون المبعد المطرود ، ومن لعن من بني آدم صار مع إبليس ، وهذا يدلنا على عظم هذا الأمر ، وبدأ بالذبح لغير الله لأنه هو أعظم المذكورات هنا .

وقوله :” لعن الله من لعن والديه “ حق الوالدين جاء مقروناً في كتاب الله بعبادة الله جل وعلا :{ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً } ، واللعن للوالدين قد يكون صراحة نسأل الله العافية ، وقد يكون سبباً كما في قوله صلى الله عليه وسلم :” يلعن أبا الرجل فيلعن الرجل أباه ، ويلعن أمه فيلعن أمه ، وفي رواية قال : ” يسب أيا الرجل فيسب أباه ، ويسب أمه فيسب أمه ” يعني : يكون سبباً في لعن والديه ، فيكون ملعوناً بهذا .

وقوله :” لعن الله من آوى مُحدثاً ” محدِثاً ومحدَثاً، كلاهما صحيح ، بكسر الدال وبفتحها ، ولكل واحد معنى .

والإيواء : الحماية ، إذا كان محدِثاً يعني : أن صاحب الحدث يكون في حمايته ، ويحول بينه وبين أن يقام عليه الحد أو يمنع من الإحداث ، فيكون ملعوناً .

أما إذا كان محدَثاً فيكون الحدث نفسه ، وإيواؤه عمله والرضا به والدعوة إليه ، فيكون من وقع في هذه يكون ملعوناً .

وقوله :” لعن الله من غير منار الأرض “ منار الأرض : هي المراسيم والعلامات التي تفصل بين الحقوق .

وتغييرها : إما بالتقديم والتأخير أو بالإزالة ، فإنه ملعون وهو ظالم بذلك ، ففي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم :” من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أراضين يوم القيامة ” يعني : يُجعل طوقاً له في رقبته ، ويدخل في هذا تغيير علامات الطرق التي توضع للدلالة على الطريق ، لأن كلام الرسول صلى الله عليه وسلم يكون جامعاً .

(المتن)

وقوله : وأخرج أحمد عن طارق بن شهاب ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” دخل رجل الجنة في ذباب ودخل النار رجل في ذباب ” ، قالوا : كيف ذلك يارسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب إليه شيئاً، فقالوا لأحدهم :قرب ولو ذباباً فقرب ذباباً فخلوا سبيله فدخل النار ، وقالوا للآخر : قرب فقال : ما كنت اقرب لأحد غير الله عز وجل فضربوا عنقه فدخل الجنة ” .

الشرح

هذا الحديث رواه الإمام احمد في ” كتاب الزهد ” ، لأن العلماء عندهم إذا قيل : رواه أحمد ينصرف الأمر إلى مسند الإمام أحمد ، الذي هو جامع لأحاديث كثيرة جداً .

قوله : ” رجل ” : يجوز أن يكون هذا الرجل من بني إسرائيل .

وقوله :  ” في ذباب ” الفاء سببية ، يعني : بسبب الذباب ، وهذا يدل على أن هذا الرجل كان مسلماً إذ لو كان مشركاً أو كافراً ما ناسب أن يذكر أنه دخلها في ذباب ، ومع ذلك صار فعله ذلك سبباً لدخوله النار ، المقصود عمل القلب ، يعني : التوجه إلى هذا الصنم ، وهذا يدل على عظم الشرك ، وأن الذبح لغير الله جل وعلا لا يجوز ولو كان شيئاً حقيراً ، فكيف بمن يسمن الخروف وغيره ، فيغذيه وينميه حتى يكون من أحسن ما يكون فيذهب ليقربه للميت في القبر أو يقول أنه نذر لفلان ، أو الولي الذي يدعي انه ولي ، فإن هذا من أعظم الشرك .

المقصود أن الذبح لغير الله ، ولو كانت بشيء تافه ، قُصد التقرب إليه أنه موجب للنار ، لأنه شرك أكبر ، و لافرق بين كونه يذبح جملاً أو يذبح دجاجة ، لجني أو لغيره .

وقوله : ” لا يجاوزه أحد ” : يعني أنهم كانوا على الطريق يمنعون أحداً أن يجاوزه بلا تقريب لصنمهم .
(المتن)

وقوله : فانظر : لعنه صلى الله عليه وسلم لمن ذبح لغير الله ، وإخباره بدخول من قرب لغير الله النار ، وليس في ذلك إلا مجرد كون ذلك مظنة للتعظيم الذي لا ينبغي إلا الله فما ظنك بما كان شركاً بحتاً .

قال بعض أهل العلم : إن إراقة دماء الأنعام عبادة لأنها إما هدي أو ضحية أو نسك ، وكذلك ما يذبح للبيع لأنه مكسب حلال فهو عبادة .

ويتحصل من ذلك شكل قطعي هو: أن إراقة دماء الأنعام عبادة ، وكل عبادة لا تكون إلا الله فإراقة دماء الأنعام لا تكون إلا الله ، ودليل الكبرى قوله تعالى : { اعبدوا الله مالكم من إله غيره } [ الأعراف : 59 ] ، { فإياي فاعبدون } [ العنكبوت :56 ] ، { إياك نعبد } [ الفاتحة : 5] ، { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه } [ الإسراء : 23 ] ، { وما امروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين } [ البينة : 5 ] .

الشرح

الذبح المقصود بها إراقة الدماء تعظيماً للمذبوح له وتقرباً إليه ، ولهذا أمر الله جل وعلا عباده أن يخلصوا ذلك له وحده : { قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين } ، والنسك يقصد بها الذبيحة التي تذبح لله مثل الأضحية والهدي وما أشبه ذلك ،

والذبيحة له أثر عظيم في القلب ، يعني : النسك ، والمتقرب بها إلى الله ، ولهذا قرنت بالصلاة في عدة آيات كما في هذه الآية في قوله : { قل إن صلاتي ونسكي } ، فدل ذلك على أنها من أعظم العبادات ، فيجب أن تخلص لله جل وعلا ،فإذا وقعت لغير الله فهي شرك .

وقوله جل وعلا : { فصل لربك وأنحر } يعني : اجعل الصلاة لله والنحيرة لله التي هي الذبيحة .

فإذا ثبت هذا أن النحيرة عبادة لله يجب أن تكون خالصة ، تبين أن الذبح لغير الله جل وعلا أنه من الشرك الأكبر ، وأن فاعله يكون مستحقاً لدخول النار إذا لم يتب منه ، ومات على ذلك بلا توبة ،نٍسأل الله العافية ، وكونه يذهب يذبح عند القبر ، أو يذبح للجن ،أو يذبح لمخلوق ، فإنه يتقرب إليه بإراقة الدماء ، لأن الميت مايأكل !، وإنما يريدون ان يتقربون إليه بهذا ، فهم يأكلون ، أو يأكلها السدنة الذين يزينون الشرك للناس ، فهذه من أكبر أنواع الشرك ، الذي إذا فعله الإنسان ومات عليه يكون خالداً في جهنم ، وبهذا يتبين أن الذبح لغير الله شرك أكبر .

وقوله جل وعلا :{ واعبدوا الله ..} العبادة تكون بامتثال أمر الله جل وعلا واجتناب نهيه ، على وجه ترغب في ثوابه ، وترهب من عقابه ، ممتثلاً لأمره مؤمناً به ، فلا بد للعبد من إخلاص العمل حتى يكون عابداً لله جل وعلا ، فإن لم يكن كذلك فهو كافر ، أو مشرك .

وقوله :{ ألا تعبدوا إلا إياه } يعني : أنه أمر أمراً شرعياً أن تكون العبادة له وليس الأمر قضائياً ، ولهذا خالف أكثر الناس هذا الأمر ، لأنه أمر شرعي ، والواقع يدل على أن هذا ليس قدرياً كما قد يتوهمه بعض من لا يفهم هذا .

(المتن)

وقوله : ومن ذلك : أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الحلف بغير الله ، وقال : ” من حلف فليحلف بالله أو ليصمت ” ، وقال : ” من حلف بملة غير الإسلام لم يرجع إلى الإسلام سالماً ” أو كما قال ، وسمع رجلاً يحلف باللات والعزى فأمره أن يقول : ” لا إله إلا الله ” ، وأخرج الترمذي وحسنه والحاكم وصححه من حديث عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” من حلف بغير الله فقد أشرك ” .

وهذه الأحاديث في دواوين الإسلام ، وفيها أن الحلف بغير الله يخرج به الحالف عن الإسلام ، وذلك لكون الحلف بشيء مظنة تعظيمه فكيف بما كان شركاً محضاً ، يتضمن التسوية بين الخالق والمخلوق في طلب النفع أو استدفاع الضر ، وقد يتضمن تعظيم المخلوق زيادة على تعظيم الخالق كما يفعله كثير من المخذولين ، فإنهم يعتقدون أن لأهل القبور من جلب النفع ودفع الضر ما ليس لله ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً .

فإذا أنكرت هذا فانظر احوال كثير من هؤلاء المخذولين ، فإنك تجدهم كما وصف الله سبحانه : { وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون } [ الزمر : 45 ] .

الشرح

المقصود بالحلف : تأكيد الخبر بذكر اسم الله العظيم ، الذي يوقع بالكاذب العقوبة ، ففي ضمن ذلك : أن المحلوف به مطلع على حقيقة الأمر ن ولذلك صار الحلف بغير الله شركاً ، لقوله صلى الله عليه وسلم :” من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك ” ، وقوله صلى الله عليه وسلم :” لا تحلفوا بآبائكم ، ومن كان حالفاً فليحلف بالله ” .

فمن حلف بالنبي  أو جبريل أو ميكائيل ، أو بالكعبة أوناقة صالح أو غير ذلك ما فيها فرق كلها مخلوقة وهي داخلة في قوله الرسول e «من حلف فلا يحلف إلا بالله» من كان حالف فليحلف بالله أو ليصمت وقوله من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك .

وقد ثبت في الصحيحين قوله e في الرجل الأعرابي الذي يسأل عن أصول الإيمان والدين فأخبره ثم قال أفلح وأبيه إن صدق وقال والله لا أزيد على هذا ولا انقص منه شيء ثم أدبر.. أفلح وأبيه إن صدق. قال ابن عبد البر : هذه الكلمة محرفة أصلها «أفلح والله إن صدق» ولكن جاء الحديث أيضًا في روايات أخرى وأحاديث أخرى فيها الحلف بالأب! هذا يحتاج للجواب !، وللعلماء على هذا خمسة أجوبة ، كلها ضعيفة ، ما عدا جواب واحد : هو النسخ ، أن هذه منسوخة كانت أولاً كانوا يحلفون بأبنائهم ثم نهوا عن ذلك فدل على هذا أحاديث مذكورة في السنن وغيرها، فالصواب أن هذا منسوخ ، أما قول النووي : في شرح مسلم: يقول ذكره من باب التأكيد وليس من باب الحلف فهذا جواب فاسد أصل ذكر المقسم به للتأكيد والجواب الثاني أيضًا أفسد منه الذي ذكره أيضًا قال إن هذا جرى على ألسنتهم بدون قصد، ليس كذلك أيضًا فالمقصود أن أصح أقوال العلماء فيه أنه منسوخ بالأحاديث التي عن عبد الله بن عمر وغيرها «من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله» وفيه أنه أدرك عمر يحلف بأبيه فقال: لا تحلفوا بآبائكم إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم.

المقصود أنه لا يجوز للمسلم أن يحلف إلا بالله أو بصفة من صفاته ، لأنه قال صلى الله عليه وسلم :” ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ، من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت ” ، فإذا حلف إنسان بغير الله فقد جعل ذلك المخلوق شريكاً لله جل وعلا في خصيصة من خصائص الله التي هي : أن الحلف يجب أن يكون باسم من أسماء الله أو بصفة من صفاته .

وقوله صلى الله عليه وسلم :” اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد ” هؤلاء عباد القبور لو قيل لهم أن هذا القبر الذي تعبدونه وثن لغضبوا واشتد غضبهم ، وقالوا كيف تسميه وثناً ، وهو من الأولياء ، فيكون مثل من قال الله جل وعلا:{ وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون }  يعني : ذكر الولي وأنه يعبد ، وأنه يستعاذ به و يلاذ به فرحوا واستبشروا كإخوانهم الذين ذكر الله عنهم .

ومن العجب ، كيف أن الإنسان العاقل المفكر ، يذهب إلى ميت لا يملك شيئاً ، ثم يطلب منه أن يتوجه له عند الله ، أو أن يقربه ، أو أن يعطيه مباشرة شيئاً مما يطلبه ، وهو لا يستطيع أن يوجد لنفسه حسنة أو يمحو من سيئاته سيتة واحدة ، ثم تجده يذهب إلى الميت !!، ولكن هذا من وسوسة الشياطين وتزيينهم لبنى آدم ما يكون سبيلاً لإيقاعهم في النار ، نسأل الله العافية .

(المتن)

وقوله : ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم عند موته أنه كان يقول : ” لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ” يحذر ما صنعوا .

الشرح

قوله :” لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ” اللعن : هو الطرد عن مظان الرحمة يعني وهو صلى الله عليه وسلم في هذه الحالة من المرض يحذر أمته من فعل اليهود والنصارى .

وقوله :” اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد “ المساجد هي البيع والكنائس ، وأنهم يبنون عليه بناء  ثم يتحرون عندها الدعاء  .

وقوله :” يحذر ما صنعوا “ يعني : يحذر أمته ، وليس المقصود به اليهود والنصارى وإلا هم قد فُرغ منهم  ، ولكن المقصود به تحذيرنا أن نقع في مثل ما وقعوا فيه .

(المتن)

وقوله : وأخرج مسلم عن جندب بن عبد الله أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد فلا تتخذوا القبور مساجد ، وإني أنهاكم عن ذلك ”

الشرح

وقوله :” إن من كان قبلكم ..” هم اليهود والنصارى .

وقوله :” ..مساجد ” المقصود لا تصلوا عندها ، أي : لا تجعلوا أماكن القبور مساجد ، وقد اتفق علماء السنة الذين يعتد فيهم على تحريم اتخاذ  المساجد على القبور ، وأن الصلاة عند القبور لا تصح .

وقوله :” فإني أنهاكم عن ذلك “ هذا التكرار مبالغة من الرسول صلى الله عليه وسلم ، تدل على أن الأمر شديد ، وقد وقع الشيء الذي خافه صلى الله عليه وسلم ، لأن الله قد أطلعه  على ما يكون في أمته فقام بهذا التحذير والإنذار إبلاغاً من الله وإقامة للحجة وألا يكون عذراً لأحد من الناس ، ولهذا كرره وأبدا فيه و أعاده ، فإن الصلاة عند القبور اتخاذها مساجد فكل موضع يصلى فيه يسمى مسجداً ، كما قال صلى الله عليه وسلم :” جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً “

(المتن)

وقوله : وأخرج أحمد بسند جيد، وأبو حاتم في صحيحه عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعاً : ” إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد ” .

والأحاديث في هذا الباب كثيرة ، وفيها التصريح بلعن من اتخذ القبور مساجد مع أنه لا يعبد إلا الله ، وذلك لقطع ذريعة التشريك ، ودفع وسيلة التعظيم ، وورد ما يدل على أن عبادة الله عند القبور بمنزلة اتخاذها أوثاناً تُعبد .

الشرح

قوله :” إن من شرار الناس من تدركهم الساعة ..” المقصود بالساعة أحد أمرين :

الأمر الأول  : تدركهم علاماتها الكبرى مثل : الدجال ، والدابة ، طلوع الشمس من مغربها ، كما قال صلى الله عليه وسلم :” ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل ، أو كسبت في إيمانها خيراً : طلوع الشمس من مغربها ، والدجال ، ودابة الأرض “

الأمر الثاني : النفخ بالصور النفخة الأولى كما فسره بعض المفسرين ، فيكون أخص من كونها علاماتها ، وهذا لا يخالف حديث ثوبان وحديث معاوية وحديث جابر وحديث معاذ رضي الله عنهم ، وان المقصود بساعة الطائفة المنصورة هي إتيان الريح التي تقبض كل مؤمن ومؤمنة ، فيبقى شرار الناس وعليهم تقوم الساعة ، وفي هذا دليل على أن الناس يبقون إلى قرب النفخ في الصور ، قال النبي صلى الله عليه وسلم :” إن الله يبعث ريحاً من اليمن ألين من الحرير فلا تدع أحداً في قلبه مثقال حبة – مثقال ذرة – من إيمان إلا قبضته ” ، فيبقى شرار الناس وعليهم تقوم الساعة كما قال صلى الله عليه وسلم :” لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض : الله الله ” .

يعني : ذكر أن الذين في آخر الزمان ما يعرفون الله ، وإنما يتهارجون تهارج الحمر مثلهم مثل الذين يتخذون القبور مساجد ، لأن هذه الفتنة من الفتن التي كثيراً ما يقع منها الشرك ، فأخبر أن هؤلاء هم شرار الناس .

(المتن)

وقوله : أخرج مالك في الموطأ أن  رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ”

الشرح

وقوله : ” اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد “ استجاب الله جل وعلا للنبي صلى الله عليه وسلم دعائه فحمى قبره من أن يكون معبوداً ، وفي هذا دليل على أنه لو عبد لصار وثناً ، فأحيط بعدة جدران فأصبح لا أحد يستطيع الوصول إليه ،وكثير من الناس الذين يزعمون أنهم يتبعون الرسول صلى الله عليه وسلم يعبدونه ، فإذا كانوا يستغيثون به ويدعونه ويتوجهون إليه في الضراء والسراء ، ويطلبون الرزق والنصر على العدو ..، لأن قلوب كثير من الناس أُشربت حب الباطل ، نسأل الله العافية .

وقوله :” اشتد غضب الله ..” في هذا الحديث أن الله موصوف بالغضب وهو من صفاته الفعلية التي يجب إثباتها ، كالصفات الأخرى وهو يتعلق بمشيئة الله جل وعلا ، اشتد غضب الله جل وعلا على من جاء بوسيلة من وسائل الشرك  ، وهي كونه يتحرى العبادة عند القبور.

وقوله :” على قوم ” هم اليهود الذي اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ولكن اليهود لعبوا على النصارى وأفسدوا دينهم فصاروا ضلالاً بأيدي أهل الغضب وأهل الجفاء وأهل العناد، فيعبدون كبارهم وعبادهم ومن كان معظماً عندهم ، ويوجدون الصور لعيسى عليه السلام ولأمه فيعبدونها !

وقوله ” اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد “ يعني: جعلوها أماكن يصلون عندها ويدعون عندها ، ثم بعد ذلك صارت معبودات .

المقصود أن غضب الله جل وعلا على هؤلاء الذين اتخذوا القبور مساجد ، سواء كانت قبور أنبياء أو صالحين ، فإن غضب الله اشتد عليهم بخبر الرسول صلى الله عليه وسلم ، فكيف إذا كانت القبور قبور طواغيت ؟!

(المتن)

 وقوله : وبالغ في ذلك حتى لعن زائرات القبور ، كما أخرجه أهل السنن من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : ” لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور ، والمتخذين عليها المساجد والسرج ” .

ولعل وجه تخصيص النساء بذلك لما في طبائعهن من النقص المفضي إلى الاعتقاد والتعظيم بأدنى شبهة ، ولا شك أن علة النهي عن جعل القبور مساجد، وعن تسريجها وتجصيصها ورفعها وزخرفتها : هي ما ينشأ عن ذلك من الاعتقادات الفاسدة، كما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن أم سلمة رضي الله عنها ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور ، فقال : ” أولئك إذا مات فيهم الرجل ، أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور ، أولئك شرار الخلق عند الله ” .

الشرح

وقوله :” لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور ”  من لعنه الله فهو الملعون ، ومن لعنه الرسول صلى الله عليه وسلم فهو المستحق لذلك ، والنساء لا يجوز لهن زيارة القبور ، وزائرات القبور ملعونات ، وسواء كانت قبوراً جمعاً أو قبراً واحداً لا فرق بينها .

وقوله :” والمتخذين عليها المساجد والسرج ..” المساجد يدخل فيها المساجد المبنية ، وما يكون محلاً للسجود فهو يعم هذا كله .

قرن معها السرج يدل على تعظيمها كونها تنور ،وتمييز عن غيرها ، وكذلك كونها تكون محل لصلاة .

قوله :” كنيسة ” معبد النصارى ، كانت أرض الحبشة أرض نصرانية ولا يزال النصارى فيها ، وهم الذين يحكمونها .

قوله :” وما فيها من الصور “ الصور التي رؤوها فيها هي صور المعظمين عندهم ديناً ، وليس الكبراء والملوك ، ولهذا يصورون صورة مريم ، وصورة عيسى والحواريين الذين هم أصحاب عيسى ، وهم يصورون هؤلاء ويضعونهم في الكنائس تعظيماً لهم ..

قوله :” إذا مات فيهم الرجل الصالح او العبد الصالح ..” المعنى واحد ، هذا شك من الراوي .

الصالح هو : الذي صلح عمله بموافقة الشرع ظاهراً وباطناً .

وقوله :” بنوا على قبره مسجداً ” يعني : أنهم وضعوا على القبر موضعاً للصلاة والتعبد فيكون مسجداً بهذا الفعل ، أنهم يتبركون بنفس القبر أو المقبور أو أنهم يرون أن العبادة عنده يكون فيها بركة ، ويكون فيها فضل ،  وكلا الأمرين لا يجوز ، إما أن يكون وسيلة إلى الشرك أو هو الشرك .

وقوله :” وصوروا فيه تلك الصور ” يعني : وضعوا الصور فيها ، فهم يصورون فيه من يتخيلونه مثل مريم أو عيسى أو الحواريين ، ويجعلون هذه الصور في الأماكن التي يصلون فيها ، وهذا من أسباب الشرك .

وقوله :” أولئك شرار الخلق عند الله “ لكثرة الاستعمال قيل : شرار الخلق ، لأنهم أكثر شراً من غيرهم ، وهذا من أعظم التحذير وأعظم التغليظ .

(المتن)

 ولابن خزيمة عن مجاهد { أفريتم اللات والعزى } [ النجم : 19 ] ، قال : كان يلت لهم السويق فمات فعكفوا على قبره .

الشرح

اللاَتَ : على قراءة التخفيف ، وهي قراءة سبعية ، ومعناها أنهم اشتقوا لهذا الوثن اسماً من أسماء الله جل وعلا فسموه اللات من الإله وهي مؤنثة ، وهذا أحد المعاني في الإلحاد في أسمائه تعالى وتقدس .

أما اللاَّتَ : على قراءة التشديد ، قراءة ابن عباس ومجاهد وغيرهما ، واللات أخذت من اللت ولذلك فسره ب ” يليت ” واللت هو: الخلط ، يخلط السويق بالسمن أو مع الزيت فيقدمه لمن يأتي حاجاً او غيره من قاصد السبيل ، وأنه كان إذا  قدم شيئاً لمن يأكله يقولون : أنه يسمن  ففتتنوا به واعتقدوا أنه رجل صالح فلما مات دفنوه تحت صخرة ونقشوا عليها نقوشاً وكتابات ثم صاروا يطوفون بها تعظيماً لها ، ويعكفون عندها، ثم صارت معبودة من اكبر المعبودات  ، وكانت في الطائف .

وقوله :” فمات فعكفوا على قبره ” جلسوا عند قبره تعظيماً له ، وطلباً لبركة ، ثم تمادى بهم الأمر حتى عبدوه وصار من أعظم المعبودات ، وهذا صريح بأنه رجل وأنه قبر .

المقصود أن تعظيم القبور والزيادة على المشروع يجعلها معبودات وطواغيت تعبد من دون الله جل وعلا .

والعزى : معروف أنه صنم من أصنام الكفار ، وقيل : العزى من العزيز ، يعني : اشتقوا لها أسماء من أسماء الله تعالى وتقدس ، وهذا من إلحاد عظيم ، لا يجوز أن يشارك الرب جل وعلا في شيء من أسمائه ولا من معانيها أيضاً ، قال الله جل وعلا :{ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ماكانوا يعملون } ، وهذا وعيد شديد ، نسأل الله العافية .

(المتن)

وقوله : وعلى كل عاقل يعلم أن لزيادة الزخرفة للقبور ، وإسبال الستور الرائعة عليها ، وتسريجها والتأنق في تحسينها تأثيراً في طبائع غالب العوام ، ينشأ عنه التعظيم والاعتقادات الباطلة ، وهكذا إذا استعظمت نفوسهم شيئاً مما يتعلق بالأحياء ، وبهذا السبب اعتقد كثير من الطوائف الإلهية في أشخاص كثيرة .

ورأيت في بعض كتب التاريخ أنه قدم رسول لبعض الملوك على بعض خلفاء بني العباس ، فبالغ الخليفة في التهويل على ذلك الرسول ، وما زال أعوانه ينقلونه من رتبة إلى رتبة ، حتى وصل إلى المجلس الذي يقعد الخليفة في برج من أبراجه، وقد جمل ذلك المنزل بأبهى الآيات، وقعد فيه أبناء الخلفاء واعيان الكبراء ، وأشرف الخليفة من ذلك البرج ، وقد انخلع قلب ذلك الرسول مما رأى ، فلما وقعت عيناه على الخليفة قال : لمن هو قابض على يده من الأمراء أهذا الله ؟ فقال ذلك الأمير : بل هذا خليفة الله ، فانظر ما صنع ذلك التحسين بقلب هذا المسكين .

وروي لنا أن بعض أهل جهات القبلة وصل إلى القبة الموضوعة على قبر الإمام أحمد بن الحسين صاحب ذي بين ” رحمه الله ” فرآها وهي مسرجة بالشمع ، والبخور ينفخ في جوانبها ، وعلى القبر الستور الفائقة ، فقال عند وصوله إلى الباب : أمسيت بالخير يا أرحم الراحمين .

وفي الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : { ولا تذرن وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً } [ نوح : 23 ] ، قال : هذه أسماء رجال من قوم نوح لما هلكوا ، أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التى كانوا يجلسون عليها أنصاباً ، وسموها بأسمائهم ، ففعلوا فلم يعبدوا ، حتى إذا هلك أولئك ، ونسي العلم عبدت ، وقال غير واحد من السلف : لما ماتوا عكفوا على قبورهم .

الشرح
قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان قبل نوح عشرة قرون من بني آدم كلهم على التوحيد ثم طرأ عليهم الشرك بسبب حدث عندهم ، وهو أنه كان عندهم رجال صالحون يقتدون بهم ويقومون بينهم في الأمر الذي فيه الصلاح والخير ، ثم ماتوا في زمان متقارب حتى انتهوا ، فأسف عليهم قومهم أسفاً شديداً ، فجاءهم الشيطان في صورة ناصح وقال لهم : صورا صورهم وانصبوها في المجالس التي كانوا يجلسون فيها ، فإذا رأيتم صورهم تذكرتم أفعالهم واجتهدتم اجتهادهم ، فاستحسنوا هذا وفعلوه ، فصاروا على هذه الطريقة زمناً ثم ماتوا ونسي السبب الذي من أجله صورت هذه الصور ، فجاء قوم بعدهم فجاءهم الشيطان وقال لهم : هذه الصور التي صورها قومكم ما صوروهم إلا لأنهم يتوسلون بها ويتشفعون بها ، ومن هنا بدأ الشرك ، نسأل الله العافية .

(المتن)

وقوله : ومن ذلك ما أخرجه احمد بإسناد جيد ، عن قطن بن قبيصة ، عن أبيه انه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت ”

الشرح

فسر عوف الأعرابي : العيافة : زجر الطير : معناه : أثارته حتى يسمع صوته أو يرى طيرانه ، فهي من الطيرة ، لأن الطيرة للتشائم والشر ، والعيافة في الفأل للتفائل ، وقد تستعمل بما تستعمل به الطيرة .

وإثارة الطير حتى يستدل بذلك على الأمور المستقبلية ، وعلى هذا يكون زجر الطير من السحر ، لأنه يعمل عمله حيث أن الساحر يخبر بخبر الشياطين ..

وقوله :” الطرق ” بعض العرافين يخطون خطوطاً بالأرض يستدلون بها على المغيب ، وكل هذا من أمور الشرك ، ومن أمور الجاهلية ، وهي كلها أمور وهمية من الشيطان لا حقيقة لها ، ولهم طرق أخرى أيضاً في الخط ، لأنه دعوى لما هو من خصائص الله جل وعلا وهو علم الغيب ، والغيب لا يعلمه إلا الله جل وعلا فهذا يكون منافي للتوحيد .

وقوله :” الطيرة “ والتطير هو : فعل المتطير أخذ اسمُها من الفعل الذي يفعله الناس وهو : أنهم يتشاءمون بالطيور ، ويتفاءلون بها ، التشائم بالطيور بأصواتها وأفعالها وطيرانها ، وليس هذا مقصوراً على الطير ، فإذا كان مثلاً  ثعلباً تفاءل ، لأنهم يرون أن الثعلب مكار ومتحيل ، وإذا كان أرنباً تشاءموا ، لأنها كل يطمع بها ، ولا تدافع عن نفسها ، وكل هذا من الشرك بالله جل وعلا ، وهو شرك في الربوبية ، والشرك في الربوبية أعظم من الشرك في العبادة ، لأن الله جل وعلا هو المدبر لكل شيء ، وهوالمتصرف في كل شيء ، وليس مع الله مدبر في ذلك ولا متصرف ، فاعتقاد أن الطيور أو نحوها تدل على شيء في المستقبل ، فإن هذا قدح في العقيدة ، وسخافة في العقل ، لأن الطيور ونحوها مخلوقة مسخرة مُدبرة .

وقد ذكر الله جل وعلا التطير عن الكفار وانه سنتهم وطريقتهم وأنهم يتطيرون بالرسل ، كما قال جل وعلا :{ يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائركم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون } [ الأعراف : 131 ] ، وقال جل وعلا :{ قالوا إنا تطيرنا بكم لإن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم } [ يس : 18] ، قوله جل وعلا :{ إنما طائركم عند الله } أي: إنه شيء مكتوب عند الله ، فهو من عند الله جزاءً على أعمالهم ، والله جل وعلا يجازيهم بما يستحقون ، وقوله جل وعلا : { طائركم معكم أين ذكرتم } أي: بسببكم ، فأنتم السبب فيما يصيبكم من عقاب الله جل وعلا ، أنتم الذين فعلتم الكفر ، ورددتم الحق ، فأصابكم العقاب لذلك ، المقصود أن الآية الأولى لا تخالف الآية الثانية .

فالطيرة لا حقيقة لها وإنما هو أمر متوهم ، يتوهم الإنسان ثم يلقي الشيطان في نفسه ذلك ، وقد يُعاقب بسبب كونه تطير وأطاع الشيطان في ذلك والجزاء من جنس العمل ، بخلاف الذي لا يتطير فإنه لا تضره ، وعن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعاً : ” الطيرة شرك ، الطيرة شرك ” وما منا إلا ! ولكن الله يذهبه بالتوكل .

وقوله : الطيرة شرك : هذا تصريح واضح بأن الطيرة من الشرك .

 ولهذا تكون الطيرة شركاً من وجهين :

 الوجه الأول : أن الإنسان إذا توهم فيها أنها يترتب عليها أصبح عنده مرض في قلبه وظنون سيئة ، فإما ان يمضيها ويعمل بها ، وإما أن يصبح متردداً ، الواجب أن يجزم وأن الأمور بيد الله وهذه المخلوقات لا تصرف عندها ولا علم ، فإن إنضاف إلى ذلك تعطي الأمور المستقبلية فإنه يكون شركاً على شرك ، حيث أنه أدعى أن هذه تُعلم بها الأمور الغيبية ، وهذا من خصائص الله جل وعلا .

 الوجه الثاني : أن الإنسان يجعلها سبباً لما يقع ، وهذا شرك في الربوبية .

 وقوله :” من الجبت ” أصل الجبت : الشيء الخبيث الذي لا خير فيه ، وقد فسير الحسن أنه رنة الشيطان ، وقد جاء عن السلف تفسيرهم الجبت بالشيطان ، فيدخل في الجبت السحر ، وعمل الشياطين وعمل الشيطان- رنته – ينتج عنها التحريش بين الناس وإغوائهم فيكون من هذا الباب كعمل الساحر أو أشد .

 

 (المتن)

وقوله : وأخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان أيضاً ، وأخرج أبو داود بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر ”

 الشرح

يعني : من علم الغيب ، يستدل بالنجوم على الأمور المستقبلية من هبوب الرياح أو أن فلان ولد بهذا النجم ، وانه يكون له كذا وكذا ، وما أشبه ذلك .

وقوله :” اقتبس “ اخذ ، اقتباس الشيء أخذه واستفاده .

وقوله :” شعبة “ القطعة من الشيء والطائفة منه .

قوله :” النجوم ” يعني : العلم الذي يتعلق بها ، أي : الاستدلال بحركاتها وأفولها واقترانها ومسيرها ونحو ذلك على ما يحدث في الكون أو ما يحصل للناس من سعادة ونحوس وغير ذلك .

والتنجيم ثلاثة أقسام :

 القسم الأول : تعلم المنازل حتى يعرف بها الإتجاهات ، ويعرف الحساب فقط ، مثل معرفة اوقات الصلوات والصيام والحج ، من تعلم هذا فلا بأس ، وهذا نص الله جل وعلا عليه في كتابه .

 القسم الثاني :  الاستدلال بطلوع النجوم واقترانها ، وأفولها ، وحركاتها على الحوادث التي تحدث في الأرض، ويزعمون أن هذه الحوادث لها صلة بالنجوم ، وهذا من اقسام التنجيم . المقصود أن نسبة الأمطار والرياح أو حصول الجدب او تغير الدول ، وأن هذه الحوادث لها صلة بالنجوم ، وإن كانت النجوم مخلوقه لله جل وعلا ، فهذا كفر من الكفر الأكبر ، ويجب أن لا يكون فيه خلاف في كفره .

المقصود أن نسبة الحوادث التي تحدث في الأرض أو نسبة الأمور الغيبية إلى الكوكب ، إن هذا قسم من أقسام التنجيم المحرم .

 القسم الثالث : الذين يعبدون النجوم ويبنون لها المواضع التي يجعلون فيها صورها ويدعونها ويسجدون لها ، ويزعمون أن لها روحانيات تتنزل عليهم وتخاطبهم وتقضي حاجاتهم، ويعملون الأعمال التي لا يجوز أن تُعمل إلا لله جل وعلا ، وهو ما كان عليه الصابئة والكنعانيون ونحوهم ، وهذا كفر بالاتفاق ، ولا خلاف فيه .

(المتن)

وقوله: وأخرج النسائي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه : ” من عقد عقدة ، ثم نفث فيها فقد سحر ، ومن سحر فقد أشرك ، ومن تعلق شيئاً وكل إليه “، وهذه الأمور إنما كانت من الجبت والشرك لأنها مظنة للتعظيم الجالب للاعتقاد الفاسد .

                            

الشرح

وقوله :” من عقد عقدة ، ثم نفث فيها فقد سحر ” يعني : تشبه بالسحرة ومن سحر فقد أشرك ، والسحر إذا مات عليه فهو في جهنم .

الإنسان يعقد العقدة في الخيط ثم ينفث فيها ، حتى ينعقد ما يريده في المسحور ، قال الله جل وعلا :{ ومن شر النفاثات في العقد } يعني : السواحر التي يفعلن ذلك .

والنفث : هو النفخ مع الريق دون التفل ، وهذا قد يكون من الراقي وقد يكون من الساحر ، فمن عقد عقدة ثم نفث فيها وإن كان لا يحسن السحر لأنه تشبه بالساحر ، وأراد أن يحصل له ما يحصل لهم ، ولهذا قال : ” فقد سحر “ فإنه يعطى حكمه في الإثم ، وهذا يدل على انه راضياً بهذا الفعل .

وقوله :” ومن سحر فقد أشرك “ الساحر يكون مشركاً ، فهو لا ينفك عن الشرك ، وهذا هو السحر الحقيقي الذي يكون بواسطة الشياطين .

وقوله :” ومن تعلق شيئاً وكل إليه “ من وكل إلى مخلوق فإنه ضائع وهالك والله يتخلى عنه ، وهذا فيه وعيد شديد ، والواجب على الإنسان أن يكون اعتماده على ربه ، وتعلقه به ، ومن تعلق قلبه بالله جل وعلا فإنه يكفيه ويكون هو حافظه  وكافيه .

 (المتن)

وقوله : ومن ذلك ما أخرجه أهل السنن ، والحاكم وقال : صحيح على شرط الشيخين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” من أتى كاهناً او عرافاً فصدقه فقد كفر بما انزل على محمد ” ، وأخرج أبو يعلى بسند جيد مرفوعاً : ” من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ” ، وأخرج نحوه الطبراني من حديث ابن عباس بسند حسن ، والعلة الموجبة للحكم بالكفر ليست إلا اعتقاد أنه مشارك لله تعالى في علم الغيب ، مع انه في الغالب يقع غير مصحوب بهذا الاعتقاد ، ولكن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه .

 الشرح

الكهانة هي : الأخذ عن الشياطين ، والأخبار بالمستقبل ، يعني : إدعاء معرفة الأمور المغيبة في المستقبل والإخبار عنها .

ويلحق بالكاهن من كان بهذه الصفة أو قريباً منها مثل العراف وهو: الذي يتعاطى معرفة الأشياء المغيبة عن الناس مثل مكان الضالة ، ومكان الغريب الذي ذهب عن أهله والمسروق وما أشبه ذلك ، غير أنه لا يعرف ذلك بنفسه وإنما هو بواسطة الشياطين .

والعراف أعم من الكاهن ، وان الكاهن يدخل في العراف كما عرَّف ذلك شيخ الإسلام وذكر أن العراف اسم للكاهن والمنجم والرمال والزاجر وغيرهم ممن يتعاطى هذه الأمور .

وقوله :” ” من أتى كاهناً او عرافاً فصدقه فقد كفر بما انزل على محمد ” الكفر هنا يجب أن يكون على ظاهره ، لأن تصديقه هو تصديق بأنه يعلم الغيب والذي يدعى علم الغيب هو من رؤوس الطواغيت ، فإذا صدقه فمعنى ذلك أنه وافقه وربما رضي بعمله وهو لم يأت إليه إلا هو راض بذلك ، وعنده الدافع الذي دفعه لذلك وهذا هو الراجح في قوله :” كفر “ولا يجوز أن نتأوله فنخرج عن قوله صلى الله عليه وسلم ، لأن كلام الله جل وعلا وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم يجب أن يأخذ على ظاهره ، ولا يجوز تأويله إلا بدليل ، ولا دليل هنا .

والكفر : هو جحود ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم أو تركه ..

ولا يدخل فيه الإتيان للإنكار والمنع من هذا ومعاقبته ، وفي هذا دليل على أن الإتيان يكون أعم من التصديق ، ولهذا قيل فيمن ” صدقه “ انه كفر .

والمصدق بالسحر : هو الذي يعمل به أو يتعلمه .. ، فليس المصدق بالسحر هو المصدق بوجوده هذا لا يُقصد ، وإنما المقصود هو العامل به ، أو الذي يذهب إلى الساحر ويطلب منه إما دفع ضر أو طلب نفع ، لأن السحر من قديم الزمان ، فلأمم الكافرة من قديم ترمي الرسل بأنهم سحرة وبأنهم مسحورون ، فالسحر في الدنيا لا أحد يُنكره .

 (المتن)

وقوله : ومن ذلك ما في الصحيحين وغيرهما عن زيد بن خالد قال : صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح على إثر سماء كانت من الليل ، فلما انصرف أقبل على الناس بوجهه الشريف ، فقال : ” هل تدرون ماذا قال ربكم ؟ ” قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : ” أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال : مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافرٌ بالكوكب ، وأما من قال : مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي ومؤمن بالكوكب ” .

ولا يخفى على عارف أن العلة في الحكم بالكفر : هي ما في ذلك من إيهام المشاركة ، وأين ذلك ممن يصرح في دعائه عندما يمسه الضر بقوله : يالله ويافلان ،وعلى الله وعلى فلان ؟! فإن هذا يعبد ربين ، ويدعو اثنين ، وأما من قال : مطرنا بنوء كذا ، فهو لم يقل أمطره ذلك النوء ، بل قال : أمطر به ، وبين الأمرين فرق ظاهر .

 الشرح

قوله :” صلى لنا “ يعني : صلى بنا ، ويجوز إطلاق صلى لنا وإن كانت الصلاة لله ، لأن الصلاة معروف أنها لله جل وعلا ليست لنا .

قوله : إثر سماء كانت من الليل : أي نزل عليه المطر ليلاً ، وسُمي سماء لأنه ينزل من العلو ، فكل ما كان فوق فهو سماء .

وقوله :” بالحديبية “ بتخفيف الباء وتشديدها موضع معروف ،وهي موضع بين مكة وجدة ، وهو معروفة الآن بالشميسي ، وليست من الحرم ، كان فيها بئر  فنزله رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صده المشركون عن الوصول إلى البيت وتفاوض معهم في ذلك المكان .

وقوله :” فلما انصرف أقبل على الناس ” يعني أنصرف من صلاته، كان إذا انصرف من صلاته أقبل بوجهه على الناس .

وقوله :” هل تدرون.. ؟ “ هذا من التعليم بطريقة الاستفهام ، وهذه كانت عادته صلوات الله وسلامه عليه ، وهذا من حسن تعليمه صلى الله عليه وسلم ذلك أن الإنسان إذا سئل عن الشيء وهو لا يعرفه ، تطلعت نفسه وتشوقت إلى الجواب ، فإذا جاء الجواب قبلت وثبتت ، فلذلك كان يفعله صلى الله عليه وسلم كثيرا.

وقوله :” ماذا قال ربكم ؟ ” فيه أثبات صفة القول لله جل وعلا ، وأنه يقول ويتكلم متى يشاء ، والقول معروف أن الكلام الذي يشمل على النطق وعلى الحروف والصوت ولا بد ، ولا يسمى كلاماً بدون هذا ، وهذه من صفاته التابته ، التي يجب أن نؤمن بها ، ومنكرها منكر للحق ، فهو ضال ، وأيضاً هذا يدل على أن الله جل وعلا له قول غير القرآن ، وهذا الحديث قدسي .

وقوله :” الله ورسوله أعلم ” هذا من الأدب ، في وقت الرسول صلى الله عليه وسلم يقال : الله ورسوله أعلم ، أما بعد ذلك فيقال : الله أعلم .

وقوله :” قال : أصبح من عبادي ” يدل على أن النعمة قد تكون سبباً للكفر والبعد عن الله  ، وقد تكون سبباً للإيمان والقرب من الله جل وعلا ، فإن الناس يتفاوتون فيها .

وقوله :” من عبادي “ الإضافة يُقصد بها العموم ، لأن الخلق كلهم عباد الله جل وعلا ، لأنها جاءت ” من ” التي للتبعيض ، فالمقصود بها الناس كلهم الذين يقولون هذا القول أو يفعلون هذا الفعل .

وقوله : مؤمن بي وكافر : جاء بيان ذلك في نفس الحديث ، حيث قال : ” فأما من قال : مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافرٌ بالكوكب ، وأما من قال : مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي ومؤمن بالكوكب ” .

ومعنى الإيمان هنا : الاعتراف بفضل الله جل وعلا ، ونسبة النعم وإنزال المطر والتصرف في الكون إلى الله جل وعلا ، لأنه هو مالك كل شيء ، وخالقه والمدبر شؤون خلقه .

ومعنى الكفر هنا : نسبة النعم ، وإنزال المطر ، والتأثير في الكون ، إلى غير الله جل وعلا ، كقولهم : مطرنا بالنوء الفلاني .

النوء هو : مأخوذ من ناء ينوء ، وسمى نواء، لأنه إذا غاب ناء مقابله من جهة الشرق ، وهي منازل القمر التي ينزلها في كل ليلة ، ولكل واحد منها ثلاثة عشر يوما ، إذا انتهت طلع مقابله من جهة الشرق ، فتنتهي بدورة في السنة كلها .

وقوله :” وأما من قال : مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي ومؤمن بالكوكب ” أضافوا نزول المطر إلى طلوعه ، وأضافوه إلى الكوكب ، وإلا هم يعلمون أن الله هو المنزل للمطر، ولكنهم يضيفون هذه الأشياء إلى طلوعه أو غروبه .

فلا يجوز نسبة نزول المطر ، وغيره إلى النجم ، وإن لم يكن ذلك عن اعتقاد ، فإن النجوم لا تفعل شيئاً ، وليس لها تأثير ، وتصريف لأحوال الجو وغيره .
(المتن)

وقوله : ومن ذلك ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” يقول الله عز وجل : أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه ”

الشرح

قوله :” أنا اغنى الشركاء عن الشرك ” أغنى : أفعل تفضيل ، أي : أن الله غني وكريم ، فإذا وجد عمل فيه شرك ، فإنه لا يقبله ، فلابد أن يكون العمل صافياً خالصاً له جل وعلا .

وقوله : ” تركته ” الضمير يعود على العمل أو على صاحب العمل ، الظاهر أن المقصود هنا العمل ، ” تركته ” أي : تركت العمل .

وقوله : ” وشركه ” يعني : وشريكه ، تركتُه للتشريك ، وكلا المعنيين صحيح .

أي : الشريك الذي أشرك معي فيه غيري ، فأنا منه برئ ، ومعنى ذلك أنه لا يقبل ، وإنما يقال له يوم القيامة : اذهب إلى من أشركت في هذا العمل ، واطلب جزاءك منه ، فهل يجد شيئاً ؟ كلا ، فهذا فيه الإطلاق ، أن كل عمل فيه إشراك يتركه ، ولا فرق بين كونه كبيراً أو صغيراً ، وإذا كان من الشرك الصغير ، فهو داخل في الحديث .

(المتن)

وقوله : وأخرج أحمد عن أبي سعيد مرفوعاً: ” ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم من المسيح الدجال ؟ قالوا : بلى ، قال : الشرك الخفي : يقوم الرجل فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل ”

الشرح

لما ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم الدجال وأكثر من ذكره ، صار الصحابة يتخوفون ويتحدثون فيما بينهم فقال لهم : ” ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم من المسيح الدجال ؟ فأخبرهم أن الشرك الخفي ، أنه أخوف عليهم عند الرسول صلى الله عليه وسلم من هذه الفتنة العظيمة .

قوله :” المسيح الدجال ” المسيح سمي مسيحاً ، لأنه ممسوح العين اليمنى ، كما في الحديث الصحيح ، والدجال فعال من الدجل ، وهو الكذب ، فهو أكبر كاذب ، لأنه يقول : أنا بكم ، ومع ذلك يُصدق ويُتبع !

وقوله :” أخوف عليكم “ معناه ، أن الرسول صلى الله عليه وسلم يخاف علينا من فتنة المسيح الدجال ، ولكن هذا أخوف ، وكان هذا الخطاب للصحابة الذين هم خير الناس بعد الأنبياء ، ومعنى ذلك أن الخوف علينا أشد وأكثر ، يعني : من الرياء .

والرياء : مأخوذ من الرؤية ، وهو مراءاة الإنسان بعمله ، كأنه يريد الله والدار الآخرة ، وهو يريد وجوه الناس ، والثناء عليه والمدح ، أي : أنه تحسين العمل وزيادة صفة فيه من أجل النظر ، والغرض المدح والثناء وحظ النفس فيه .

وقوله ” قال : الشرك الخفي ..” هذا يدلنا على أن الشرك يكون جلياً ويكون خفياً ، وسمي خفياً ، لأنه في النية والإرادة والمقصد ، وهذا لا يطلع عليه إلا الله جل وعلا ، والريا يظهر للناس ، ويقولون : هذا مُراءٍ ، فإن الله يظهره ، فيكون مفضوحاً في الدنيا قبل الآخرة .

وقوله :” ..يقوم الرجل فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل ” هذا تفسير للرياء ، وانه من الخفي ، لأن هذا في النية والمقصد ،  معناه : أنه يزيد صفة ما كان يعملها مثل تحسين الصلاة وإطالتها من أجل نظر رجل،فهذا لا يخلو من حالتين :

الحالة الأولى :أن يسترسل معه إذا كان العمل مرتبطاً أوله بآخره كالصلاة والحج ، القراءة ، الذكر ، فظاهر النصوص أن عمله باطل ، وأنه معاقب أيضاً على هذا العمل ، ويحتاج إلى تجديد نية .
الحالة الثانية :أن يكون خاطراً ثم يدفعه ويزيله عن عمله ويجتهد في الإخلاص ويبتعد عن الرياء ، فهذا لا يضره .

الذي خافه عليهم هو الشرك الأصغر ، وليس الشرك الأكبر ، لأن الدافع إلى الشرك الأكبر معدوم ، أو ضعيف جداً ، لأن المؤمن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه  كما يكره أن يلقى في النار ، أما الشرك الأصغر فإن له دوافع ودواعي تدعوا إليه ، فإن النفوس مجبولة على حب المدح والثناء والتقدم في الناس وأن يشار إليها ، وهذا من الفتن ، ولهذا نهى صلى الله عليه وسلم عن المدح في الوجه فقال : ” إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب ” ، ويجب أن يقطع العبد علاقته من الناس ويجعل تعلقه بالله جل وعلا وحده ، وهمه إخلاص العمل لله جل وعلا ، وأن يكون عبداً لله جل وعلا ، وأن يقدم محبوبات الله على محبوبات نفسه ، وأن يكون عبداً مخلصاً لربه جل وعلا ، ، فلا يجوز أن يأتي بالأعمال التي تكون سبباً للإنحراف عن الإخلاص ، وعن الصدق مهما كانت ، لأنها تقدح في دين المرء ثم يميل إليه ، والنية هي التي يبني عليها العمل ، فإذا كانت خالصة لله جل وعلا قُبل العمل ويجب أن تستمر معالجة النية ، لأنها تتغير وتتقلب تقلبات كثيرة فلا بد من المجاهدة في هذا .

وقد قسم بعض العلماء الشرك إلى ثلاثة أقسام :

القسم الأول : شرك أكبر .

 القسم الثاني : شرك أصغر.

 القسم الثالث : شرك خفي .

وهذا التقسيم فيه نظر ، لأن الخفي قد يكون أكبر ، وقد يكون أصغر ، فهو دائر بين الأكبر والأصغر ، والأصغر كذلك ، فإذا كان التقسيم لأجل الصفة فليس فيه بأس ، ولكنه لا يكون قسماً ثالثاً .

المقصود أنه يجوز أن نقول : هو قسم ثالث ، ويجوز أن نقسم الشرك إلى قسمين فقط ، لأن الخفي لا يخلو إما أن يكون كبيراً أو يكون صغيراً ، فصات القسمة ثنائية وليست ثلاثية .

قال صلى الله عليه وسلم :” إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر ؟ قالوا : وما الشرك الأصغر يا رسول الله ؟ قال : الريا ، يقول الله جل وعلا يوم القيامة إذا جزي الناس بأعمالهم : اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء ” وقوله :” أخوف ما أخاف عليكم “ : وكما سبق أن هذا  الخطاب موجه للصحابة مع كمال إيمانهم ، وتلقيهم العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولهذا الإيمان عندهم أمثال الجبال رسوخاً ويقيناً رضي الله عنهم أجمعين ، كذلك هم أفضل الأمة كما قال صلى الله عليه وسلم :” خير أمتي القرن الذين بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ” ، فإذا كان الشرك الأصغر مخوفاً على الصحابة ، الذين هم أكمل الناس إيماناً وعلماً ، فكيف بمن دونهم بدرجات كثيرة ؟! .

(المتن)

وقوله : ومن ذلك قوله تعالى : { فمن كان يرجو لقاء ربه ليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحدا } [ الكهف : 110 ] ، فإذا كان مجرد الرياء الذي هو فعل الطاعة لله عز وجل ، مع محبته أن يطلع عليها غيره أو يثني عليه بها أو يستحسنها شركاً ، فكيف بما هو محض الشرك .

الشرح

قوله جل وعلا : { فمن كان يرجوا لقاء ربه.. } ، هذا الشرط الأول ، أي : يخاف ملاقاة الله ، ويؤمن بها ، يعني : من كان يؤمن بأنه سوف يموت ويبعث فيقوم بين يدي الله جل وعلا فيعمل عملاً صالحاً وهو الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم .

وقوله :{ ولا يشرك بعبادة ربه أحداً }، وهذا الشرط الثاني ، أي : أن يكون على وفق السنة ، ووفق أمر الله جل وعلا ، والعبادة إذا وقع فيها الشرك فليست عبادة شرعية ، فلا تكون العبادة عبادة صحيحة إلا بترك الشرك ، فعبادة الله جل وعلا مع الشرك باطلة ومردودة وإلا الخلق : أي الكفار الذين بُعثت فيهم الرسل ، كلهم يعبدون الله ، ولكنهم يعبدون معه غيره فصاروا مشركين ، فيجب أن يكون هذا التعبد خالصاً لله جل وعلا .

وقوله :{ أحداً } نكرة في سياق النهي ، فهي تعم كل شريك ،من ملك أو نبي أو ولي أو جني وغير ذلك  يعني : { أحداً } مطلقاً سواء كان نبياً أو ملكاً أو حجراً أو غير ذلك ، فهذا عموم مطلق يدل على أن كل أحد لو اتجه إليه بالعبادة فإنه يكون محبطاً للعمل .

والرياء قد يكون أكبر ، وقد يكون أصغر ، فإذا كان الباعث على العمل من أصله هو الريا ، فهذا شرك أكبر ، أما إذا كان العمل الباعث عليه الخوف من الله ، ورجاء فضله ، ثم طرأ عليه الريا ، في أثناء العمل ، فإن دفعه وأعرض عنه لم يضره ، وإن استرسل معه ، فإن عمله حابط ، بدليل الأحايث والآيات الواردة في هذا وهي كثيرة .

ومعلوم أن الشرك الأصغر لا يساوي الشرك الأكبر ، ولكن هل يكون مثل الكبائر ، يعني : داخل في مشيئة الله جل وعلا ؟

هو وإن كان لا يخلد في النار لا بد من عقاب ، لقوله جل وعلا :{ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً } ” أن ” المصدرية ، فأن وما دخلت عليه مصدر يفيد العموم ، فيكون الشرك الأصغر داخلاً في هذا  الحكم ، وهذا هو الأقرب والله أعلم ، ولكن يفارق الشرك الأكبر بأنه لا يخرج به من دين الإسلام ، يكون مسلماً ، ولكنه سيعاقب ، إما في الدنيا ، وإن لم يكف عوقب في القبر ، وإن لم يكفي عوقب في الموقف ، وإن لم يكفي عوقب في النار ، حتى يأخذ جزاءه ،  ثم يكون مآله إلى  الجنة .

(المتن)

وقوله : ومن ذلك ما أخرجه النسائي : ” أن يهودياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إنكم تقولون : ما شاء الله وشئت ، وتقولون : والكعبة ، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يقولوا : ورب الكعبة ، وأن يقولوا : ما شاء الله ثم شئت “

الشرح

وقوله :” أن يهودياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إنكم تقولون : ما شاء الله وشئت..” فيه أن اليهود يعرفون التوحيد ويعرفون الشرك ، وفيه أن الحق إذا أتى به من أتى يحب أنه يقبل منه وإن كان عدواً ، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قبل قول اليهودي ، وأن هذا القول أنه من الشرك الأصغر إذ لو كان من الأكبر لا يمكن أن يترك الرسول صلى الله عليه وسلم أحداً يقوله أو يقره عليه ، وفيه أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب وإنما يعلم ما علمه الله جل وعلا .

وقوله :” إنكم تقولون : ما شاء الله وشئت ..” يعني : أمتك وليس هو صلى الله عليه وسلم ، فالخطاب يكون لرسول صلى الله عليه وسلم والمقصود به قومه .

يعني : يأتون ب ” ثم ” والفرق بين ” الواو” و ” ثم “: أن ثم تدل على الترتيب مع التراخي وإذا جاء الترتيب زال المحذور ، لأن المحذور هو الجمع بين ما هو لله وما هو للعبد .

فالواجب أن تضاف الأمور إلى الله جل وعلا ، وإذا ذكر السبب يعطف على ما أضيف إلى الله ب ” ثم ” وإذا لم يعطف ويترك لله وحده فهو أولى كما جاء في الحديث : ” بل ما شاء الله وحده “

وقوله :” فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يقولوا : ورب الكعبة ..” يعني : أن يحلفوا بالله جل وعلا .

وقوله :” ورب الكعبة ” حلف بالله جل وعلا والكعبة مربوبة ، والمربوب مخلوق ، لأن معنى الرب المالك المتصرف الذي يرب عبده بما يصلحه ويقوم عليه بذلك ، تعظيم الكعبة بالطواف عليها وبالتوجه إليها في الصلاة وبالحج إليها ، فالكعبة لا تعبد ، وإنما يُعبد ربها الذي أمر بذلك .

(المتن)

 وقوله : وأخرج النسائي أيضاً عن ابن عباس مرفوعاً أن رجلاً قال : ما شاء الله وشئت ، قال : ” أجعلتني لله ندا ؟ قل : ما شاء الله وحده ”

الشرح

وقوله :” أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم ما شاء الله وشئت ..” أنك صلى الله عليه وسلم عليه هذا القول ، وقال : أجعلتني لله ندا ” ، وقوله :” أجعلتني ”  استفهام إنكاري .

والند : المثل والنظير ، ولو بصفة من الصفات ، ولا يلزم أن يكون الند مماثلاً لما ينادده من كل وجه .

وقوله :” بل ما شاء الله وحده ” يعني : قل ما شاء الله وحده ، وهذا يدل على أن توحيد الله جل وعلا يجب أن يكون في كل شيء ، وان نعظم رسوله صلى الله عليه وسلم فإذا أمرنا بشيء امتثلنا ونحرص على طاعته وإتباعه صلى الله عليه وسلم  .

(المتن)

وقوله : وأخرج ابن ماجه عن الطفيل قال : رأيت كأني أتيت على نفر من اليهود فقلت : إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون : عزير ابن الله ، وقالوا: وإنكم لأنتم القوم ، لولا أنكم تقولون : ما شاء الله وشاء محمد ، ثم مررت بنفر من النصارى فقلت : إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون : ما شاء الله وشاء محمد ، فلما أصبحت أخبري بها من أخبرت ، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، قال : ” فهل أخبرت بها أحدا ً ؟ قلت : نعم ، قال : فحمد الله ، وأثنى عليه ، ثم قال : ” أما بعد ، إن طفيلاً رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم ، وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم ، فلا تقولوا : ما شاء الله وشاء محمد ، ولكن قولوا : ماشاء الله وحده ” .

الشرح

وقوله :” رأيت كأني على نفر من اليهود ” هذه رؤيا منام .

وقوله :” قلت : إنكم لأنتم القوم ” يعني : القوم الكاملون .

وقوله :” إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون : عزير ابن الله ، وقالوا: وإنكم لأنتم القوم ، لولا أنكم تقولون : ما شاء الله وشاء محمد ” دليل على أن هذا واقع في اليقظة ، وأنهم يقولون ذلك ، فهي رؤيا حق .

وقوله :” قالوا لأنتم القوم لولا أنكم تقولون : ماشاء الله وشاء محمد ..” اتفق اليهود والنصارى على هذا الإنتقاد الذي يقوله المسلمون ، وجعلوه مقابل ما قالوه أن الله جل وعلا له ابن تعالى الله وتقدس .

مشيئة الله جل وعلا يجب أن تكون عامة شاملة ، والمخلوق لا يشاركه فيها ، وكذلك سائر الصفات مثل العلم والسمع والبصر وغير ذلك ، يعني : جميع صفاته تكون خاصة به جل وعلا ، وإن كان المخلوق يشارك في الاسم وفي المعنى أيضاً ، ولكن عند الإضافة تزول هذه المشاركة سواء كانت الإضافة لله كغضب الله ، ورحمة الله ، ورضى الله ، أو كانت للمخلوق كغضب عمرو أو زيد ورضاه ورحمته ، وهذه يجب أن تكون قاعدة نسلكها في جميع الصفات .

وقوله :” تقولون : ما شاء الله وشاء محمد ” هذا شرك .

وقوله :” فلما أصبحت أخبري بها من أخبرت “ جاء أنه أخبر بعض أهله .

وقوله :” ، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته ” إذا من أراد أن يأتي الرسول صلى الله عليه وسلم فالأمر سهل ، وليس هناك بواب وحجاب ولا غيره ، بل هو قريب منهم صلوات الله وسلامه عليه .

(المتن)

وقوله : والوارد في الباب كثير ، وفيه أن التشريك في المشيئة بين الله ورسوله ، أو غيره من عبيده فيه نوع من الشرك ، ولهذا جعل ذلك في هذا المقام الصالح كشرك اليهود والنصارى ، بإثبات ابن لله عز وجل ، وفي تلك الرواية السابقة أنه إثبات ند لله عز وجل .

ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لمن قال : من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصيهما فقد غوى :  ” بئس خطيب القوم أنت ” وهو في الصحيح ، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى : { فلا تجعلوا لله انداداً وأنتم تعلمون } [ البقرة : 22 ] ، أنه قال : الأنداد هو الشرك ، أخفى من دبيب النمل ، على صفاة سوداء ، في ظلمة الليل ، وهو أن يقول : والله وحياتك يافلان وحياتي ، ويقول : لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص البارحة ، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص ، وقول الرجل لصاحبه : ما شاء الله وشئت ، وقول الرجل: لولا الله وفلان ، لا تجعل فيها فلان ، هذا كله شرك . اهـ .

الشرح

وهذا تنبيه بالأدنى من الشرك على الأعظم ، وذلك ان الشرك أن يجعل المخلوق مشاركاً لله في شيء من خصائص الله مطلقاً ، فالحلف بغير الله شرك ، سواء كان المحلوف به معظماً كالنبي والكعبة ، أو غير معظم .

قوله جل وعلا :{ فلا تجعلوا لله أنداداً } يعني : لا تعبدوا معه غيره ، فالأنداد التي تُجعل لله جل وعلا يدخل فيها التنديد باللفظ ويدخل فيها التنديد بالاعتقاد ، ويدخل فيها التنديد بالعمل ، ويدخل فيها التنديد بالدعوة ، والعبادة، والملك ،كذلك بالاشتراك بالاسم والصفة، فكل هذا يجب أن يكون العبد مبتعداً عنه،{ وأنتم تعلمون } أن هو المنفرد بهذه المذكورات ، فيجب عليكم أن تعبدوه وحده .

وقوله : الأنداد :هو الشرك : فسر ابن عباس رضي الله الأنداد بالشرك ، والشرك يدخل فيه الشرك الفعلي : الذي يفعله الإنسان ، أي : يعبد الله ويعبد معه غيره ، وابن عباس رضي الله عنه يقصد أن من الشرك ما هو بهذه المثابة من الخفي ، وبين أن هذا يكون بالألفاظ أيضاً .

وقوله : والله وحياتك يافلان وحياتي ، ويقول : لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص البارحة ، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص ، وقول الرجل لصاحبه : ما شاء الله وشئت ، وقول الرجل: لولا الله وفلان ، لا تجعل فيها فلان ، هذا كله شرك .

الحلف بغير الله ، وقول الرجل : لولا الله وأنت ، أو لولا كذا لكان كذا ، وما أشبه ذلك من الألفاظ الشركية ، وهذا قد يكون أكبر ، حسب ما يقوم في قلب الإنسان .

(المتن)

وقوله : ومن ذلك ما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” لا يقل أحدكم : أطعم ربك وضئ ربك ، ولا يقل أحدكم : عبدي وأمتي ، وليقل : فتاي وفتاتي وغلامي ” . ووجه هذا النهي ما يفهم من مخاطبة السيد بمخاطبة العبد لربه ، والرب لعبده وإن لم يكن ذلك مقصوداً .

الشرح

هذا من الأدب مع الله جل وعلا في الألفاظ التي يجب على العبد أن يجتنب الشيء الذي فيه إيهام الاشتراك مع الله ، أو التسوية في ذلك ، لأن العبد يجب أن يكون متأدباً مع الله في الألفاظ والأفعال .

وقوله : لا يقل أحدكم : عبدي أمتي “ الصحيح أن النهي للتحريم ، وليس للكراهة كما قيل ، لأن الأصل إذا جاء النهي من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم يجب أن يجتنب .

وقوله :” لا يقل ..” الرسول صلى الله عليه وسلم إذا نهى عن شيء أرشد إلى ما يقوم مقامه ، ولهذا قال صلى  الله عليه وسلم : ليقل : فتاي وفتاتي ..” .

وقوله :” ..أحدكم ” يشمل الأمة كلها ، سواءً كان المخاطِب الله جل وعلا أو رسوله صلى الله عليه وسلم .

وقوله :” اطعم ربك وضىء ربك ، وفي زيادة :” اسق ربك “ ، أو يقول اذهب إلى ربك أو أجب ربك وما أشبه ذلك ، فالحكم واحد ، والواجب أن يقول فتاي أو فتاتي أو غلامي .

وقوله :” وليقل : سيدي ومولاي “ هذا بالنسبة للعبد ، يعني : المملوك ، وهذا ليس خاص بالمملوك ولا المالك ، فهو لعامة الناس كلهم ، فلا يقال : هذا عبد فلان أو يقال : هذا رب فلان ، فهذا داخل في النهي .

وفي هذا جواز إطلاق السيد على الإنسان ، وهذا فرد من أفراد الأدلة ، وهناك فرق بين أن يأتي بالألف واللام أو ” سيد ” .

وقوله : ” عبدي ..” العبد هو المعبد المذلل الخاضع .

وقوله :”..أمتي ” الأمة : بمعناه ، غير أن هذه تقال للأنثى .

وأصل العبودية الكفر ، فإذا وجد الجهاد من المسلمين وجدت العبودية ، وإذا لم يوجد الجهاد فلا عبودية إلا بالظلم والتعدي ، فالعبودية أصلها كلها لله ، اما عبودية الرق فهي أمر عارض .

وقوله :” فتاي وفتاتي ” لأن الغالب أن المملوك يكون بهذه الصفة أنه فتى أو  فتاة ، والفتى هو : الشاب سواء كان مملوكاً أو غير مملوك ، والفتاة كذلك الشابة .

وقوله :” غلامي ” بدبل عبدي ، وإذا نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن أمر من الأمور يخبرهم في الشيء الذي لا محذور فيه ، ويكون بديلاً عن ذلك .
(المتن)

وقوله : ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال الله تعالى : ” ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة ، أو ليخلقوا حبة ، أو ليخلقوا شعيرة ” ، ولهما عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهئون خلق الله ” ، ولهما عن ابن عباس رضي الله عنهما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفساً يعذب بها في جهنم ” ، ولهما عنه مرفوعاً : ” من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيهما الروح وليس بنافخ ” ، وأخرج مسلم عن أبي الهياج الأسدي قال : قال لي علي : ألا أبعثك على ما بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ألا تدع صورة إلا طمستها ولا قبراً مشرفاً إلا سويته .

فانظر إلى ما في هذه الأحاديث من الوعيد الشديد للمصورين ، لكونهم فعلوا فعلاً يشبه فعل الخالق ، وإن لم يكن ذلك مقصوداً لهم ، وهؤلاء القبوريون قد جعلوا بعض خلق الله شريكاً له ومثلاً ونداً ، فاستغاثوا به فيما لا يستغاث فيه إلا الله ، وطلبوا منه ما لا يطلب إلا من الله مع القصد والإرادة .

الشرح

قوله : ” ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة ، أو ليخلقوا حبة ، أو ليخلقوا شعيرة ” هذا من الأحاديث القدسية التي يرويها النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه جل وعلا عن طريق الإلهام ، أو بواسطة الملك أو المنام .

قوله : ومن أظلم : يعني أن فاعل ذلك ظالم ظلماً لم يبلغه أحد ، يعني : الذي يفعل هذا قد بلغ النهاية في الظلم ، فلا أحد أظلم منه ، فإنه أظلم الظالمين ،  نسأل الله العافية .

ومعنى قوله :” ذهب ” : قصد وفعل ذلك .

وقوله ” كخلقي ” يعني : يصور الصور التي هي من خصائص الله ، الخلق من خصائص الله لا أحد يستطع أن يخلق شيئاً ، يعني : في الصورة فقط ، وإلا فلا أحد من الخلق يقدر أن يوجد حياة فيما يصوره ! لهذا قال : ” فليخلقوا ذرة ” أي : ليوجدوا فيها الحياة أو ليوجدوها من العدم ، وليس هذا بمقدور الخلق ولو اجتمعوا له ، ثم ذكر ما هو أسهل من ذلك ” فيخلقوا حبة ” الحبة التي تكون بها حياة النبات ، ولن يستطيع المصورون أن يخلقوا تلك الحبة ، وهذا ليس في مقدور الخلق كلهم .

وقوله : ” أو ليخلقوا شعيرة ” ، الشعيرة أقل قيمة من الحبة ، ولكن فيها من الحياة ما في الحبة ، لا يستطيعون أن يُوجدوا شيئاً من ذلك

والمقصود بالأمر في قوله : ” فليخلقوا ذرة ..” التعجيز وإذلالهم بذلك ، أي : إنهم عاجزون عن لأن يخلقوا ذرة ، ولو اجتمع بنو آدم كلهم ما أستطاعوا أن يخلقوها ، ويدخل في التصوير التخطيط باليد ، والتصوير بالفيديو فهذه ليست صوراً في الحقيقة ، وإنما هي نقل للواقع  ، إنما ينقل الشيء ، كما إذا وضعت مرآة ، ما عدا هذا فكله تصوير ، سواءٌ كان خطا باليد ، أو بالأجهزة التي تمسك الشيء ، ويكون أدق من الخطوط باليد .

وقوله ” أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهئون خلق الله “ أطلق لفظة الناس ، ولم يقل المؤمن ، أو المسلم .

وقوله : الذين يضاهئون خلق الله ” يعني : يشهبون خلق الله ، يأتون بشيء يشابهون به ، وهو التصوير .

وقوله : ” كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفساً يعذب بها في جهنم “ : ” كل ” من أدوات العموم التي لايخرج عنها شيء ،  والمصور يشمل ما كان بيده أو بأجهزة ، وهذا صريح في أن هذا من الأمور العظيمة التي يُعذب عليها الإنسان ، نسأل الله العافية .

وقوله : ” من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيهما الروح وليس بنافخ “ أي : كلف أن يجعلها ، كحياة الذي يخلقه الله جل وعلا ، وهذا من التكليف بما لا يُستطاع .

وقوله : “ألا تدع صورة إلا طمستها ولا قبراً مشرفاً إلا سويته “ كان صلى الله عليه وسلم يرسل رسلاً بهذين الأمرين :
الأمر الأول : طمس الصور .

الأمر الثاني : تسوية القبور  المرتفعة بالأرض ، لأنهما أصل الشرك في الله جل وعلا ، وأصل المخالفة ، فأول شرك وقع في الأرض كان بسبب الصور ، ولا سيما صور المعظمين ، سواء كان من العباد أو العلماء ، وكذلك القبور تلحق بهذا .

المقصود أن التصوير نوع من التنديد والشرك بالله جل وعلا ، فالتصوير تشبُّه بالله جل وعلا ، فهو من أعظم المحرمات ، وعلى الوعيد الشديد للمصورين ، ومن أسماء الله تعالى المصور ، وهو الذي يصور المخلوقات كلها ، ولا أحد يستطع أن يخلق شيئاً  ، والرسول صلى الله عليه وسلم حذر من التصوير تحذيراً عظيماً ، وأكثر من ذكر ذلك ، مع أنه لم يكن التصوير فاشياً في وقته ، وأن هذه من علامات النبوة ، فقد وقعت بعد ذلك بأزمان كثيرة ، وانتشرت في الناس ، حتى أصبح التصوير الآن منتشراً جداً ، نسأل الله العافية .

(المتن)

وقوله : ومن ذلك ما أخرجه النسائي بسند جيد عن عبدالله بن الشخير قال : ” انطلقت في وفد بني عامر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا : أنت سيدنا ، قال : السيد الله تبارك وتعالى ، قلنا : وأفضلنا وأعظمنا طولاً ، قال : قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان ، وفي رواية : لا يستهوينكم الشيطان ، أنا محمد عبدالله ورسوله ، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل ” .

الشرح

وقوله : ” انطلقت في وفد بني عامر ” هذا في آخر حياة الرسول صلى الله عليه وسلم حتى أتى وفود العرب ، والوفود كانت سنة تسع .

وقوله :” فقلنا : أنت سيدنا ” السيد : هو المتقدم في القوم ، والسيد يطلق أيضاً على المولى ، وعلى المالك ، وله إطلاقات كثيرة .

وقوله :” السيد الله تبارك وتعالى ” ، لأنه جاء ب ( أل ) التي تدل على الكمال والاستغراق ، وهذا لا يكون إلا لله جل وعلا .

السيد الله أي : الذي بلغ الكمال والسيادة : أي في الملك والتصرف ، له الكمال المطلق .

وقد اختلف العلماء في جواز إطلاق السيد على الله وكذلك على المخلوق ، والصحيح أنه جائز وأنه يطلق على الله وعلى المخلوق ، وأن إطلاقه على الله يخالف إطلاقه على المخلوق  ، فإذا أطلق على الله فإنه يقصد به الكمال المطلق .

وهناك فرق بين أن يأتي بالألف واللام أو ” سيد ” وقد جاء عن  ابن عباس رضي الله عنه في قوله جل وعلا :{ الله الصمد } : هو السيد الذي قد كمل في سؤدده .

، ولهذا كره الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقابل بالمدح فنهى عنه .

المقصود أن الناس اختلفوا في إطلاق هذه اللفظة على الله على المخلوق ، أما المخلوق فشيء واضح أن السيد : هو المقدم في قومه ، أو الذي سادهم بنوع من الأمور التي يحتاجون إليها ، ولا بأس في إطلاقها ، لقوله صلى الله عليه وسلم للأنصار :” قوموا إلى سيدكم ” ، أي : سعد بن معاذ رضي الله عنه ، لما جاء ليحكم في بني قريضة .

وقوله : ” وقلنا : وأفضلنا فضلاً ” هذا حق ، الرسول صلى الله عليه وسلم أفضل البشر ، ومع ذلك نهى عن هذا ، فيجب أن يحمل هذا على كراهة المواجهة في الثناء والمدح ، فهو كره ذلك لنفسه ، وكره أن يكون هذا بين المؤمنين ، فإذا كره ذلك لنفسه فكراهيته لغيره من باب أولى .

وقوله :” وأعظمنا طولاً ” الطول : هو الفضل والإحسان والإنعام فنهاهم عن ذلك ، أي : إنعاماً وإحسانا .

وقوله :” قولوا : بقولكم أو بعض قولكم ” يعني : ما تقولونه لبعضكم مع بعض ، وكما يخاطب بعضكم بعضا خاطبوني ، يعني : لا تأتوا بشيء يخصني .

وقوله :” ولا يستجرنكم الشيطان ” أي : لا يتخذكم مراكب يجركم في الباطل ، احذوا ذلك ، وهذا لا يكون إلا في الأمور التي ظاهرها جائزة ، ولكن تؤول إلى يحبه الشيطان .

وقوله :” وفي رواية : لا يستهوينكم الشيطان ” الاستهواء : أن يتخذكم بما يهواه ويريده ، فلا تكونوا مطيعين ، يعني : يستهوينكم مثل يستجرينكم ، يعني : اجتنبوا الأمور التي قد تقود إلى فساد ومنها مقابلة الإنسان بالمدح ، ونهى عن المدح في الوجه ، لأن المدح في الوجه قد يكون فيه مفسدة عظيمة ، لأن النفوس كلها تحب أن تُمدح ، ولهذا لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يثني على آخر قال صلى الله عليه وسلم :” ويلك قطعت عنق صاحبك ” ، والمدح في الوجه لا يجوز ، ونهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم :” احثوا التراب في وجوه المداحين ” .

وقوله :” أنا محمد عبدالله ورسوله ..” جمع بين العبودية وبين الرسالة فقال ” أنا محمد عبدالله ورسوله ” ، وقدم لفظ العبد على الرسول ، لأن هذا أمر لازم ، والرسالة من اصطفاء الله جل وعلا ، والرسول صلى الله عليه وسلم هو أكمل الخلق ، وقد أثنى الله جل وعلا بلفظ العبد في أشرف المقامات التي يقومها لله جل وعلا :

قال في مقام الإسراء والمعراج ، فقال الله جل وعلا :{ سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا الذى بركنا حوله }  .

وقال في مقام التحدي :{ وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهدآءكم من دون الله إن كنتم صدقين } .

وقال في مقام الدعوة إليه قال الله جل وعلا :{ تبارك الذى نزل الفرقان على عبده ليكون للعلمين نذيراً } .

وهذه المقامات أشرف ما قام به صلى الله عليه وسلم فيها بلفظ العبد ، وكفى شرفا أن يضيفه إليه ، والله جل وعلا سماه عبده ورسوله ، وهذه غاية الرفعة ، فقد فقام بالعبودية وقام بالرسالة وشرفه بها على الخلق صلوات الله وسلامه عليه .

وقوله : ” ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي “ يعني : انه عبده ورسوله ، فهذه أعلى المنازل وأرفعها ، فعلامة حب الرسول صلى الله عليه وسلم إتباعه وامتثال أمره والاقتداء به صلى الله عليه وسلم ، أما المدح والإطراء بالكذب والباطل بما يخص الله جل وعلا فهو يسخطه وهو يكرهه أشد الكراهة ، بل يعادي من فعل ذلك ، ومنزلته أنه عبدالله ورسوله ، مع أنه يجب أن يُحب أكثر من حب الإنسان لنفسه ولولده والناس أجمعين ، والواجب على المسلم أن يتبع النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن يمتثل قوله ، وان يجتنب نهيه ، فمحبة الرسول صلى الله عليه وسلم تقتضي إتباعه ، فمن كان محبا له اتبعه ، كما قال الله جل وعلا :{ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } .

(المتن)

وقوله : وبالجملة فالوارد عن الشرع من الأدلة على قطع ذرائع الشرك وهدم كل شيء يوصل إليه في غاية الكثرة ولو رمت حصر ذلك على التمام لجاء في مؤلف بسيط فلنقتصر على هذه المقدار، ونتكلم على حكم ما يفعله القبوريون من الاستغاثة بالأموات ومناداتهم لقضاء الحاجات وتشريكهم مع الله في بعض الحالات وإفرادهم بذلك في بعضها فنقول:

اعلم أن الله لم يبعث رسوله ولم ينزل كتبه لتعريف خلقه بأنه الخالق لهم والرازق لهم ونحو ذلك، فإن هذا يقر به كل مشرك قبل بعثة الرسل قال الله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}[الزخرف:87] ، وقال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} [الزخرف:9] ، وقال تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ}[يونس:31] ، وقال تعالى: {قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ}[المؤمنون:84-89] .

ولهذا نجد كلما ورد في الكتاب العزيز في شأن خالق الخالق ونحوه في مخاطبة الكفار معنونًا باستفهام التقدير قال الله تعالى: {هل من خالق غير الله}, وقال تعالى: {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ}[إبراهيم:10] ، وقال تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ}[الأنعام:14] ، وقال تعالى: {فأروني ماذا خلق الذين من دونه}, بل بعث الله رسله وأنزل كتبه لإخلاص توحيده وإفراده بالعبادة قال تعالى: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}[الأعراف:59] ، وقال تعالى: {ألا تعبدوا إلا الله}, وقال تعالى: {أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون}, وقال تعالى: {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا}[الأعراف:70]، وقال تعالى: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}[الأعراف:59]، وقال تعالى: {وإياي فاعبدون}[ العنكبوت : 56 ] .

 وإخلاص التوحيد لا يتم إلا بأن يكون الدعاء كله لله، والنداء، والاستغاثة، والرجاء واستجلاب الخير واستدفاع الشر له ومنه لا لغيره ولا من غيره، قال تعالى: {فلا تدعوا مع الله أحدًا}, وقال تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ}[الرعد:14]، وقال تعالى: {وعلى الله فليتوكل المؤمنون}, وقال تعالى: {وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين}.

الشرح

ذكر ” رحمه الله ” هذا الأمر مع أنه ظاهر جدًا, والأدلة عليه كثيرة، ولهذا ذكر جملة منه من كتاب الله جل وعلا، ومقصوده بهذا أن يبين أن الشيء الذي حصل فيه الخلاف هو العبادة التي تصدر من الناس، أما الأدلة التي تدل على وجود الله فهي كثيرة جدًا ومتضافرة:

منها: الأدلة الخلقية كما أشارت الآيات هذه إليها, خلق السموات والأرض الجبال والسحاب وغير ذلك، وكذلك خلق الناس.

ومن الأدلة أيضًا أدلة الفطرة وأدلة العقل وغير ذلك، ومقصوده بهذا أن يبين أن الذي يسلكه المتكلمون ويفنون أعمارهم فيه الاستدلال على وجود الله أنه أمر ظاهر, وأنه تحصيل حاصل، ويغفلون عن هذا الأصل العظيم الذي بعثت به الرسل وهو وجوب الإخلاص لله جل وعلا في الأمر والنهي الذي أمرهم الله جل وعلا به وهذا هو الذي أيضًا حصل فيه الخلل من كثير من المسلمين, ولا يزال كثير من الناس منحرف فيه وهو الذي سيتكلم فيه، وهو الذي يكون منجٍ للإنسان من عذاب الله جل وعلا, وهو إخلاص الدين لله جل وعلا أن يكون التدين خالص لله ليس فيه شيء لا لميت ولا لحي, ولا مقصد دنيا ولا غيرها, بل يجب المقصود وهو وجه الله جل وعلا.

(المتن)

وقوله : وقد تقرر أن شرك المشركين الذين بعث الله إليهم خاتم رسله صلى الله عليه وسلم  لم يكن إلا باعتقادهم أن الأنداد التي اتخذوها تنفعهم وتضرهم وتقربهم إلى الله وتشفع لهم عنده مع اعترافهم بأن الله سبحانه هو خالقها وخالقهم ورازقها ورازقهم, ومحييها ومحييهم, ومميتها ومميتهم, قال الله تعالى: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}[الزمر:3]، وقال تعالى: {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:22]، وقال تعالى: {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ}[الشعراء:97-98]، وقال تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ}[يوسف:106] ، وقال تعالى: {هؤلاء شفعاؤنا عند الله}, وكانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك.

الشرح

في هذا أيضًا كون بعثة الرسل كلهم في هذا الأمر، وقصص الرسل في القرآن واضحة كل رسول يبدأ دعوته بقوله: {اعبدوا الله ما لكم من إله غيره}, وهكذا خاتمهم صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين فإنه كان يقول لهم: «قولوا لا إله إلا الله تفلحوا, وتملكوا بها غيركم», فينفرون من ذلك يعلمون أنها تبطل دينهم الذي يتدينون به وورثوه عن آبائهم, ولهذا تكون هذه الدعوة بقي عليها صلوات الله وسلامه عليه عشر سنوات وهو يدعوهم إلى قول: لا إله إلا الله. لم تفرض عليه صلاة، ولا صوم، ولا حج، ولا زكاة، لأن هذا هو الأصل, فإذا لم يأت الإنسان بعبادة الله خالصًا فكل الأعمال لا فائدة فيها بل هي باطلة ووجودها مثل عدمها.

والآيات في هذا كثيرة: فقوله: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}, هذا الذي يعتقدونه يعني يعلمون أنهم مخلوقين لأنهم ما بين شجر أو حجر أو ميت أو حي أو نجم أو غير ذلك, ويعلمون أنها مخلوقة مدبرة ولكنهم يقولون: نحن أصحاب ذنوب مذنبون وهذه عباد لله لا ذنوب عليها فنحن نتوسط بها نجعلها واسطة بيننا وبين ربنا ليعفو عنا, هذا هو معنى قولهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}, أما قوله: {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}, فالند هو المثل والنظير ولو في صفة من الصفات أو في أمر من الأمور, ولهذا لما قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم  ما شاء الله وشئت, قال: «أجعلتني لله ندا»؟, لأنه عطف مشيئته على مشيئة الله بالواو التي تدل على مطلق الجمع, ولهذا قال: «قل ما شاء الله وحده», وإذا كان العطف فعل من الأفعال على فعل لله جل وعلا يجعل ذلك تنديدًا وشركًا, فكيف إذا جعلت الحقوق الواجبة لله لغيره أو أشرك غيره فيها، ولهذا جعل الله جل وعلا ذلك هذا مانعًا من دخول الجنة بل محرمًا للجنة على من فعل ذلك ومات عليه, كما قال جل وعلا: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}[النساء:48] .

وقوله جل وعلا: {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ}, هذا كما ذكر الله جل وعلا يقوله بعض أهل النار لبعض يعني يقولونه لسادتهم ومعبوداتهم, يخاطبونها ولا شك أن المخاطب هنا أنه عاقل لأنه مثلهم وجمع معهم في النار، فهم يعودون على أنفسهم باللوم في وقت لا يفيد، قالوا مخاطبين لهم: {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ}, وتسويتهم برب العالمين ليس إلا في المحبة فقط, وإلا فهم يعلمون حقًا أن الله هو المتفرد بالخلق والإيجاد والتصرف في الكون كله .

وقوله جل وعلا : {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ}, وقد جاء تفسيرها عن مجاهد وغيره من السلف أن إيمانهم إذا سألتهم من خلقهم؟ قالوا: الله. وإذا سألتهم من خلق الأشياء؟ قالوا: الله. ثم هم يشركون في العبادة، فالإيمان هنا يقصد به إقرارهم بتوحيد الربوبية, وكفرهم شركهم كونهم يعبدون مع الله غيره .

وقوله جل وعلا عن الكفار: {وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ}يقول الله جل وعلا: {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}[يونس:18] ، يعني هو كذب وظن خاطئ ليس له من الحقيقة شيء بل هي دعوى لا تجدي شيء فالشفعاء لا يكونون شفعاء إلا إذا أمرهم الله بالشفاعة وكل ذلك جلي واضح لإبطال شرك المشركين, وشرك القدامى أسهل من شرك هؤلاء المتأخرين بدرجات متفاوتة لأن هؤلاء عقولهم أسخف من عقول أولئك، وأولئك أيضًا يفهمون اللغة ويفهمون الخطاب الذي يخاطبون به أما هؤلاء ففسدت ألسنتهم وفسدت تصوراتهم وفسدت عقولهم, ولهذا تجد أحدهم إذا مسه الضر والشدة أخلص الدعاء والعبادة والتضرع والذل لمخلوق ضعيف لا يملك لنفسه دفعًا ولا نفعًا, بخلاف أولئك، وهذا في الواقع من الأمور التي تدل على عظيم قدرة الله جل وعلا أين ذهبت العقول؟! فصاروا يتعلقون بأشياء لا تنفع وليس لهم فيها أي دليل لا عقلي ولا سمعي وإنما أدلتهم فقط التقليد الأعمى الذي وجدوا عليه أكابرهم وأوائلهم فصاروا عليه عمي البصائر لا ينظرون في العواقب ولا ينظرون في الواقع, وإذا حكم الله جل وعلا على مخلوق بالضلال فلا حيلة فيه.

(المتن)

وقوله : وإذا تقرر هذا فلا شك أن من اعتقد في ميت من الأموات، أو حي من الأحياء أنه يضره أو ينفعه إما استقلالًا أو مع الله تعالى, أو ناده، أو توجه إليه أو استغاث به في أمر من الأمور التي لا يقدر عليها المخلوق فلم يخلص التوحيد لله ولا أفرده بالعبادة.

الشرح

وهذا معناه إذا قلنا كذا أين خبر إن ؟ لا بد أن تحذف الفاء لأن إيجاد الفاء غلط يفسد الكلام، لأن لم يخلص التوحيد لله هذا هو خبر إن, (إن من اعتقد في ميت من الأموات أو حي من الأحياء أنه يضره أو ينفعه إما استقلالًا أو مع الله تعالى أو نداه أو توجه إليه أو استغاث به في أمر من الأمور التي لا يقدر عليها المخلوق) كل هذا اسم إن، خبرها (لم يخلص التوحيد لله ولا أفرده بالعبادة) فلابد من حذف الفاء حتى يستقيم الكلام, وهذا ظاهر معناه واضح.

(المتن)

وقوله :.. إذ الدعاء بطلب وصول الخير إليه ودفع الضر عنه هو نوع من أنواع العبادة, ولا فرق بين أن يكون هذا المدعو من دون الله أو معه حجرًا أو شجرًا أو ملكًا أو شيطانًا كما كان يفعل ذلك في الجاهلية وبين أن يكون إنسان من الأحياء أو الأموات كما يفعله الآن كثير من الناس, وكل عالم يعلم هذا ويقر به, فإن العلة واحدة .

وعبادة غير الله تعالى وتشريك غيره معه يكون للحيوان كما يكون للجماد, وللحي كما يكون للميت، فمن زعم أن ثم فرق بين من اعتقد في وثن من الأوثان أنه يضر أو ينفع وبين من اعتقد في ميت من بني آدم أو حي منهم أنه يضر أو ينفع أو يقدر على أمر لا يقدر عليه إلا الله تعالى ، فقد غلط غلطاً بيناً ، وأقر على نفسه بجهل كثير .

فإن الشرك : هو دعاء غير الله في الأشياء التي تختص به, أو اعتقاد القدرة لغيره فيما لا يقدر عليه سواه أو التقرب إلى غيره بشيء مما لا يتقرب به إلا إليه .

ومجرد تسمية المشركين لما جعلوه شريكًا بالصنم والوثن والإله لغير الله زيادة على التسمية بالولي والقبر والمشهد كما يفعله كثير من المسلمين بل الحكم واحد إذا حصل لمن يعتقد في الولي والقبر ما كان يحصل لمن كان يعتقد في الصنم والوثن، إذ ليس الشرك هو مجرد إطلاق بعض الأسماء على بعض المسميات, بل الشرك هو أن يَفعل لغير الله شيئًا يختص به سبحانه, سواء أطلق على ذلك الغير ما كانت تطلقه عليه الجاهلية أو أطلق عليه اسمًا آخر فلا اعتبار بالاسم قط, ومن لم يعرف هذا فهو جاهل لا يستحق أن يخاطب بما يخاطب به أهل العلم, وقد علم كل عالم أن عبادة الكفار للأصنام لم تكن إلا لتعظيمها واعتقاد أنها تضر وتنفع، والاستغاثة بها عند الحاجة والتقرب لها في بعض الحالات بجزء من أموالهم .

وهذا كله قد وقع من المعتقدين في القبور فإنهم قد عظموها إلى حد لا تكون إلا لله سبحانه وتعالى, بل ربما يترك العاصي منهم فعل المعصية إذا كان في مشهد من يعتقده أو قريبًا منه مخافة تعجيل العقوبة من ذلك الميت وربما لا يتركها إذا كان في حرم الله أو في مسجد من المساجد أو قريبًا من ذلك, وربما حلف بعض غلاتهم بالله كاذبا ولم يحلف بالميت الذي يعتقده.

وأما اعتقادهم أنها تضر وتنفع فلولا اشتمال ضمائرهم على هذا الاعتقاد لم يدعو أحد منهم ميتًا أو حيًا عند استجلابه لنفع أو استدفاعه لضر, قائلًا: يا فلان افعل لي كذا وكذا، وعلى الله وعليك، وأنا بك، وأنا بالله وبك.

الشرح

هذا الكلام الذي ذكره هذا هو الواقع في كثير من الناس, ولا يزال ذلك موجودًا في بلاد المسلمين وللأسف، يصرفون عبادتهم للأموات, ويجعلون لها شيئا من الأموال والنذور, وربما يكون من الذين يتولون خدمة هذه الأوثان تضليل كبير لهؤلاء, فإن الإنسان يعجب من كثرة الذين يأتون إلى هذه الأضرحة والقبور, الذين يأتون إلى قبر البدوي في طنطا في وقت المولد يبلغون ثلاثة ملايين يعني أكثر من الذين يأتون إلى مكة في وقت الحج, فميت لا ينفعهم بشيء، فأين العقول التي جعلت لهم مميزة لهم عن البهائم؟!

في الواقع أن البهائم صارت أحسن منهم في هذا، ثم هذه الأمور التي تخالف الشرع وتخالف أمر رسول الله r من الزينة على القبور وجعل الستور عليها وتعظيمها التعظيم الذي يدل على أن في قلوبهم مرض الشرك و الوثنية، ولهذا تجدهم يبكون عند القبر أشد البكاء, وفي المسجد غافل ساهٍ ما يدرى ماذا يقال ولا ماذا يقول, ما يدلك على أن المقبور أعظم عندهم من الله جل وعلا بكثير, وعلى هذا كان شركهم متأصل وهم في الواقع يعبدون الأموات لا يعبدون الله جل وعلا, بخلاف المشركين القدامى فإنهم شركهم أسهل من هذا بكثير, حيث كان في وقت الرخاء فقط، وكان لأجل تعظيم الآباء فقط، وإلا هم يعلمون حقا أنها لا تنفع وإذا سئلوا عن ذلك قالوا: أنها لا تضر ولا تنفع وهي مخلوقة لله جل وعلا كما مضى بالآيات السابقة، أما هؤلاء فهم يقولون: يتصرفون مع الله، أو يقولون: أن الله فوض إليهم. حتى يقولون: أن مثل هذه البلد لا يدخله شيء إلا بإذن الولي الفلاني, ولا يخرج منه شيء إلا بإذنه, فجعلوه أعظم من الله جل وعلا أو بمنزلة الله تعالى وتقدس, وإذًا مثلًا كلم أحدهم في هذا اشتد غضبه وكاد يبطش بالذي يكلمه وينهاه عن هذا الأمر, مما يدل على تأصل الوثنية في قلوبهم تأصلًا من الصغر, وتربوا عليه، وشابوا عليه, وأصبحوا لا يسمعون إلا ما يعظم هذا الميت الذي لا يضر ولا ينفع بل هو ضرره هو الأقرب, لأنه في الواقع ما يستطيع أن يمنع عن نفسه العذاب الذي يلزمه بأعماله, فهؤلاء إذا خوطبوا بمثل هذا الخطاب زاد شركه وزاد تمسكهم في عبادتهم, وإنما يحتاجون إلى معالجة أخرى، ومع هذا كله العلماء يقصرون في هذا في كل بلد, ولهذا تجد كثرتهم وشركهم ظاهر جدًا, وقد مثلًا يكون عندهم من العلماء من يكون عنده معه أعلى شهادة من الجامعات ولا يكون له أي أثر في صرفهم ووثنهم عن هذا الاعتقادات الخبيثة وهذا الشرك, وهو الشرك الأكبر الذي إذا مات عليه الإنسان فهو خالد في النار, وكل ما ذكر الشيخ هنا وأكثر منه موجود ولا يزال هو يذكر عن شيء كان في وقته, ولكن ما السبب في هذه الأمور؟

نقول السبب: هو مخالفة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم  في تعظيم القبور وكذلك تعظيم الأموات والبناء عليها، وتجصيصيها، وإسراجها، وتطييبها، وما أشبه ذلك, هذا من الأسباب.

ومن الأسباب الظاهرة :عدم الإنكار في هذه الأمور وتربى عليها كثير من الناس وصار كأنها أمور مسلمة لهؤلاء, فإذا جاء من ينكر قيل له: أنت الذي تنكر وقد سبق العلماء غيرك وموجودون لم ينكروا هذا بل عدوهم موافقين لهم لأنهم سكتوا في هذا الأمر, سوف يسألهم الله جل وعلا.

وقوله : ” ولا فرق بين أن يكون هذا المدعو من دون الله أو معه حجرًا أو شجرًا أو ملكًا أو شيطانًا..

يقول ” رحمه الله ” : لا فرق بين كون المعبود حجر، أو شجر، أو حي، أو ميت، أو صالح، أو ملك، أو نبي, المسألة واحدة كلها سواء، لأن العبادة يجب أن تكون لله وحده فإذا صرفت إلى مخلوق من المخلوقات مهما كان فهو الشرك الأكبر الذي توعد الله جل وعلا صاحبه في النار، ثم لا فرق بين التسميات سواء سميت آلهة أو سمى الفعل تشفعًا أو استغاثة أو تقربًا أو اعتقادًا كما يقولون: يعتقد في فلان. أو سمى توسلًا أو غير ذلك، فالتسميات لا تغير من المعنى شيء, كالذي مثلًا يسمى الخمر ماء أو يسميها الشراب الروحي فالأمر لا يتغير يعني الحكم مع أنها تسمية المعبودات من دون الله آله قد بين الله جل وعلا إنها كذب وأنها ليس لها من المعنى شيء وإنما هي أسماء تتابع عليها المشركون: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ} [النجم:23]، قوله: {أسماء سميتموها}, يعني مجرد أسماء فقط ليس لها من المعاني شيء لأن التأله لله وحده ملك له, وهو الذي يجب أن يفهمه الناس يفهمون هذا الشيء، فإذا وجدت شيء من العبادة صرف لغير الله من الأموات والأحياء فهو الشرك الذي يكون مانعًا لمن فعله ومات عليه من دخول الجنة.

(المتن)

وقوله : وأما التقرب للأموات فانظر ماذا يجعلونه من النذور لهم وعلى قبورهم في كثير من المحلات؟! ولو طلب الواحد منهم أن يسمح بجزء من ذلك لله تعالى لم يفعل، وهذا معلوم يعرفه من عرف أحوال هؤلاء.

الشرح

يعني يفعله يتصدق به على فقير أو ما أشبه ذلك يثقل عليه جدًا أو لا يستطيع أن يفعله, بينما يبذل الأموال الطائلة في القبور إما في الذبح لها، أو للطيب الذي يصب عليها, أو الستور، أو غير ذلك من البناء فيبذلون بسخاء في تشييد القبور, وتحسينها، وتزينها، لأنهم يعتقدون أنها تنفعه وأنها هذه الأموال التي تصرف لهم سوف يجدونها في مستقبلهم, يعني بعد موتهم أوفر ما كانت, والذي يوفرها لهم هو الميت، هذا هو الواقع واقع عقيدتهم.

(المتن)

وقوله : فإن قلت: إن هؤلاء القبوريين يعتقدون أن الله تعالى هو الضار النافع والخير والشر بيده وإن استغاثوا بالأموات قصدوا إنجاز ما يطلبونه من الله سبحانه. قلت: وهكذا كانت الجاهلية فإنهم كانوا يعلمون أن الله هو الضار النافع وأن الخير والشر بيده, وإنما عبدوا أصناهم لتقربهم إلى الله زلفى كما حكاه الله عنهم في كتابه العزيز.

الشرح

يعني كقوله جل وعلا:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} [الزمر:38]، يقول ابن عباس: سألهم فسكتوا. لأنهم يعلمون أنها ليست كذلك لا تنفع ولا تضر، ولا تستطيع أن تمنع رحمة الله ولا تستطيع أن تكشف عذابه, فما الفائدة إذًا؟ ما الفائدة في دعائها؟

إنما هو التقليد الأعمى فقط، أما هؤلاء فاعتقادهم غير اعتقاد أولئك, يرون أن الميت يتصرف و أنه يجلب الخير ويدفع الضر و الشر، أما كونهم يعتقدون أن الشر والخير كله بيد الله هذا لبعضهم لعقلائهم إذا كان فيهم عقلاء, أما أكثرهم فهم يقولون: أن الولي الفلاني هو الذي يجلب الخيرات ويدفع الشرور والضرور، ويكشف الضر، ويكسر العدو, واعتقادهم في هذا ظاهر وشاهر لمن اختلط معهم ونظر حالتهم هذا هو الذي ميزهم عن المشركين القدامى.

(المتن)

وقوله : نعم إذا لم يحصل من المسلم إلا مجرد التوسل الذي قدمنا تحقيقه فهو كما ذكرناه سابقًا.

الشرح

وتقدم الكلام في التوسل في هذا أنه ” رحمه الله ” يعني في الواقع جانب الصواب في هذه المسألة, حيث استدل على جواز التوسل بالذات أو بالأعمال, سواء بالذات أو بالأعمال في أمور أجنبية لا تدل عليها، هذا شيء.

الشيء الثاني: أننا نعلم قطعًا أن هذا لم يحصل في القرون المفضلة وإنما حدث فيما بعد، وإذا كان حدث فيما بعد القرون المفضلة فهو بدعة، والبدع كلها ضلالة وشر.

(المتن)

وقوله : ولكن من زعم أنه لم يقع منه إلا مجرد التوسل فهو يعتقد من تعظيم ذلك الميت ما لا يجوز اعتقاده في أحد من المخلوقين, وزاد على مجرد الاعتقاد فتقرب إلى الأموات بالذبائح ، وناداهم مستغيثًا بهم عند الحاجة فهذا كاذب في دعواه أنه متوسل فقط، فلو كان الأمر كما زعمه لم يقع منه شيء من ذلك, والمتوسل به لا يحتاج إلى رشوة بنذر أو ذبح ولا تعظيم ولا اعتقاد لأن المدعو هو الله سبحانه ، وهو أيضًا المجيب، ولا تأثير لمن وقع به التوسل قط ، بل هو بمنزلة التوسل بالعمل الصالح ، فأي جدوى في رشوة من قد صار تحت أطباق الثرى بشيء من ذلك، وهل هذا إلا فعل ما يعتقد التأثير اشتركًا أو استقلال؟

الشرح

التوسل هذا الذي يعتقد أنه دعوى لله يعني ليس شرك ولكنه دعوى بشيء أجنبي بشيء مبتدع, وهو وسيلة إلى الشرك في الواقع, فإذا كان وسيلة إلى الشرك وهو أمر مبتدع وشيء أجنبي عن الداعي نفسه فكل هذه من مقتضيات الرد ومقتضيات البطلان بطلان هذا التوسل مع الأدلة الخاصة التي سبق ذكرها.

(المتن)

وقوله : ولا أعدل من شهادة أفعال جوارح الإنسان على بطلان ما ينطق به لسانه من الدعاوى الباطلة العاطلة.

الشرح

يقصد أفعال الجوارح يعني أعماله التي تصدر منه, فالأعمال تكذب الدعوى والقول، الذي يقول: أنا في أفعالي هذا لا يعتقد فيه أنه ينفع ويضر وإنما هو رجل صالح فأحب أن أتوسل به حتى يقبل الله جل وعلا عملي أو يعفو عن سيئاتي .

فنقول: الأفعال التي تصدر منك تكذب هذه الدعوى ليس مجرد توسل بل أن تعتقد أنه يضر وينفع, وإلا كيف بأقوالك وأعمالك حينما تستغيث وتدعوه وتلهج باسمه وذكره عند القربات وفي الرخاء ودائمًا, ثم تصفو بتقديم الأموال والنذور وغيرها، وتذهب بها إلى قبره وتذبح عنده، إذا كنت صادق أنك ما تدعو إلا الله جل وعلا لماذا ما يكون هذا بعيدًا عن القبر ويكون أيضًا لمن أمر الله جل وعلا أن تكون له النذور وتقسم بينهم وكذلك الصدقات من الفقراء الذي يوجدون في كل مكان ؟ّ!.

(المتن)

وقوله : بل من زعم أنه لم يحصل منه إلا مجرد التوسل فهو يقول بلسانه: يا فلان مناديا لمن يعتقده من الأموات فهو كاذب على نفسه، ومن أنكر حصول النداء للأموات والاستغاثة بهم استقلالًا فليخبرنا ما معنى ما نسمعه في بعض الأقطار [ اليمنية من قولهم يا ابن العُجَيل، يا زيلعي، يا ابن علوان، يا فلان، يا فلان ]  ، من التوسل بالأولياء والصالحين والمقربين ، والذين يدّعون الولاية ؟

الشرح

يعني الذين يزعمون أنهم أولياء ولهم قبور مشيدة ومزارات هائلة, وفي غيرهم كثير، وكذلك في غير اليمن, في أماكن لا تزال، الذي يذهب مثلًا إلى مصر أو إلى السودان، أو إلى سوريا، أو إلى أي بلد من البلاد، مثل البلاد الشرقية مثل باكستان الهند وغيرها يشاهد الأشياء العجيبة في القبور كيف يأتون إليها من أماكن بعيدة، والعجيب أنهم يزعمون أن المقبور وإن كان بلده بعيد أنه يأتي إليهم ويضيفهم, والشيطان يضلهم ضلالًا بينًا حتى يبقوا على هذا الشيء .

وقال لي أحد الإخوان أنه في الهند: شاهدت مشركًا كبير من الذين يعبدون القبور، يعبدون عبد القادر الجيلاني, فحاولت معه أن أبين له الحق والواجب الذي يجب عليه لله جل وعلا فقال: لا أسمع كلامك، ولا أقبل نصحك، إذا كنت ناصح لأنك لست بناصح, تأمرني أن أترك الاستغاثة بعبد القادر وأنا رأيت هذا فائدته ظاهرة يقول: فقلت له ما هي الفائدة؟

قال: إني ذهبت إلى بلد من هذه البلاد في وقت بارد شديد البرد أنا واثنان من إخواني فلم نجد من يؤوينا فاستغثنا بعبد القادر الجيلاني فجاء إلينا وعلى يده بطانيات فأعطانا كل واحد أعطاه بطانية فتلحفنا بها عن البرد فانتفعنا والناس ما نفعونا، يقول: فقلت له: هذا شيطان سرق البطانيات من حانوت من هذه الحوانيت وجاء بها ليضلك وإلا عبد القادر في العراق مدفون ولا يخرج من قبره, إنما هذه الشياطين التي تضلكم.

ولكن لا فائدة في هذا, فهم في الواقع يعني الشياطين أيضا تضلهم في هذا و تأتيهم بأشياء تجعلهم يتمسكون بالشرك, وهذه من البلاوي، من الفتن .

وكذلك مثلا الذي يدعون أحمد البدوي يزعمون أنه يأتي إليهم ويصرف عنهم الأذى ويجلب لهم المنافع، مع أن في الوقت الحاضر الآن مع انتشار العلم يصدر فيه أشياء عجيبة, حتى أن رجل منهم طلب ممن يعتقد أنه من الأولياء، هذا الولي طلب منه ليس ولي، أحد العلماء طلب أنه يشترى منه مكان يملكه, فقال: لا أبيعك هذا المكان إلا بقصر في الجنة, فكيف؟ نخن نقول: إن النصارى كانوا يبيعون صكوك للجنة, هذا عندنا قريب فقال: ما في مانع أعطيك صك على أنك تملك القصر الذي إذا دخلت الجنة على يمينك فقال: أعطني الصك فكتب له ثقة بالله أنني أرجو من الله أن يعطي فلان القصر الذي إذا دخل الجنة يكون على يمينه, فأخذ الصك هذا المسكين وحفظه ثم وصى أهله قال: إذا مت اجعلوا الصك في كفني، هذه من الخرافات !، والناس صاروا يبيعون الجنة، كيف مثل هذا يحصل في بلاد العلم وفي بلاد المسلمين؟ وما هو أعظم من هذا فهي أمور عجيبة.

(المتن)

وقوله : وهل ينكر هذه منكر أو يشك فيه شاك؟ وما عدا ديار اليمن فالأمر فيها أطم وأعم ففي كل قرية ميت يعتقد أهلها وينادونه، وفي كل مدينة جماعة منهم, حتى أنهم في حرم الله ينادون يا ابن عباس، يا محجوب. فما ظنك بغير ذلك؟

الشرح
ابن عباس رضي الله عنهما كان مدفونًا في هذا البلد في الطائف، وكان له قبة عظيمة وتقصد وتعبد في وقت طويل, حتى إن ابن غنام ” رحمه الله ” ذكر في تاريخه يقول: إنه أتي رجلان من اليمن لطلب العلم في مكة وكان أحدهما أفقه من الآخر يقول: فلما أقبل على الطائف قال أحدهما لزميله: أهل الطائف لا يعرفون الله وإنما يعرفون ابن عباس. فقال له زميله: معرفتهم لابن عباس تكفيهم عن معرفة الله, ابن عباس يعرف الله بهم أو يعرفهم بالله. كيف يعني هذا أحد طلبة العلم يقول مثل هذا الكلام؟ وكذلك غيره من القباب ومن الأموات والأشياء التي في الطائف وفي مكة وفي جدة وفي كل بلد في ذلك الوقت, فنحمد الله الذي أزال هذا الشرك الظاهر الجلي، وأصبح إذا ذكر هذا تشمئز القلوب منه الجلود, كيف كان هذا في هذه البلاد الطاهرة المقدسة التي هي محل الدعوة للتوحيد ومحل نزول الوحي فيها؟ كيف استطاع الشيطان أنه يوجد الجاهلية السابقة بعبادة الأوثان؟ وإن كان هذا ليس عامًا يعني لبعض الناس فقط, أما كثير من الناس يعرف الحق وينكر هذا الشيء، ولكن الإنكار إذا عظم الشيء وكثر واستولى على القلوب قد لا يجدي شيء.

(المتن)

وقوله : فلقد تلطف إبليس وجنوده أخزاهم الله تعالى بغالب أهل الملة الإسلام بلطفة تزلزل الأقدام عن الإسلام، فإنا لله وإنا إليه راجعون .

أين من يعقل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ}[الأعراف:194] وقوله: {فلا تدعو مع الله أحدا}, وقوله: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ}[الرعد:14] .
الشرح

هذا قد تلطف إبليس أيضًا في منعهم من تدبره وقال: إن القرآن لا يفهمه إلا المجتهد. والمجتهد يأتون بأشياء مثل ما قال شيخ الإسلام ربما لا توجد في أبي بكر من الأوصاف, لابد أن يكون عالمًا باللغة، عالما بالناسخ والمنسوخ, عالمًا بالسنة، عالمًا بالمتقدم والمتأخر، يأتون بأشياء ما يقرب من عشرين شرط, كل هذا للحيلولة بينهم وبين تدبر القرآن وفهمه، وهذا أيضًا من كيد الشيطان, ولهذا وقعوا فيما وقعوا فيه.

(المتن)

وقوله : وقد أخبرنا الله سبحانه أن الدعاء عبادة في محكم كتابه بقوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}[غافر:60]وقوله:{إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}[غافر:60] .

وأخرج أبوا داوود والترمذي وقال: حسن صحيح من حديث النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الدعاء هو العبادة», وفي رواية: «مخ العبادة», ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم  الآية المذكورة، وأخرجه أيضًا النسائي، وابن ماجة، والحاكم، وأحمد، وابن أبي شيبة باللفظ المذكور.

الشرح

يعني الدعاء هو العبادة وقوله: «الدعاء هو العبادة» يعني أنه هذا يدل على عظم الدعاء والدعاء, والدعاء إذا كان لغير الله جل وعلا فقد عبد ذلك الداعي غير الله, فإن كان العلماء يقسمون الدعاء إلى قسمين:

القسم الأول : دعاء المسألة .

القسم الثاني : دعاء العبادة  .

والقبوريون يزعمون أن دعاء المسألة ليس عبادة حتى يسلم لهم شركهم, وإنما الدعاء الذي يكون عبادة هو دعاء العبادة, دعاء العبادة مثل التسبيح، ومثل التلاوة، ومثل الصدقة، وما أشبه ذلك, أما السؤال الذي يصدر من العابد فيقولون: هذا لا يكون عبادة فهو مسألة سؤال, ولو مثلًا سلم لهم الأمر مع أنه لا يمكن تسليمه له قيل: المسألة إذا سألت ربك مثلًا هل تكون عبادة أو لا تكون عبادة ؟

فالله أمرنا بسؤاله فإذا كان أمر فهو لا شك عبادة, كل ما أمر الله به جل وعلا فهو عبادة, لا دليل لهم في هذا, وهذه الآية قد فسرها جماعة من المفسرين بدعاء المسألة وبعضهم فسرها بدعاء العبادة, بعضهم يقول: في: {أستجب لكم}, أثبكم وبعضهم يقول: {أستجب لكم} أعطكم، فالذي يقول: أثبكم فسره بدعاء العبادة، ومن يقول: أعطكم فسره بدعاء المسألة، والصواب أن المسألة والعبادة كلاهما يدخل في هذا, لا فرق بينهما الآية تدل على هذا .

وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}[غافر:60]بعد قوله: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}, دل على أنه من المقصود بالاستكبار عن العبادة يعني عدم الدعاء، ثم هذا يدل على كرم الله جل وعلا أنه يأمرنا بأن ندعوه ويعدنا الاستجابة, والمعروف في بني آدم حتى الكرماء لا يأمرون الناس بأنهم يدعونهم, فإنما هذا كرم لله جل وعلا يختص به يأمر عباده بأن يدعوه حتى يعطيهم مع أنه جل وعلا هو الغني عنهم وعن غيرهم الغني بذاته ولا ينتفع بدعائهم ولا بعبادتهم, وإنما يدعوهم لنفعهم ولصالحهم وسعادتهم فقط.

(المتن)

وقوله : وكذلك النحر للأموات عبادة لهم، والنذر لهم بجزء من المال عبادة لهم, والتعظيم عبادة لهم، كما أن النحر للنسك وإخراج صدقة المال والخضوع والاستكانة وعبادة لله جل وعلا بلا خلاف, ومن زعم أن ثم فرق بين الأمرين فليُهدِه إلينا.

الشرح

لا فرق بين هذا وهذا ، لأن كلاهما عبادة، والأمر في هذا واضح.

(المتن)

وقوله : ومن قال: إنه لم يقصد بدعاء الأموات والنحر لهم النذر عليهم عبادتهم فقل له: فلأي مقتضىً صنعت هذا الصنيع؟ فإن دعائك للميت عند نزول أمر بك لا يكون إلا لشيء في قلبك عبر عنه لسانك, فإن كنت تهذي بذكر الأموات عند عروض الحاجات من دون اعتقاد منك لهم فأنت مصاب بعقلك, وهكذا إن كنت تنحر لله فلأي معنى جعلت ذلك للميت وحملته إلى قبره؟ فإن الفقراء على ظهر البسيطة في كل بقعة من بقاع الأرض وفعلك وأنت وعاقل لا يكون إلا لمقصد قد قصدته أو أمر قد أردته وإلا فأنت مجنون قد رفع عنك القلم, ولا نوافقك على دعوى الجنون إلا بعد صدور أفعالك وأقوالك في غير هذا على نمط أفعال المجانين.

الشرح

في غير الذبح وقصد القبور، إذا فعلت أفعال المجانين في غير هذا الأمر يمكن, لكن هذا الأمر يدل على قدرة الله جل وعلا كيف تذهب العقول وتذهب الأفكار عن الآيات ودعوة الرسول صلى الله عليه وسلم  والوضوح الجلي ؟

لأجل أنه وجد شيئًا يناسب هواه مثلًا، وكذلك سبقه من يعظمهم ومن يعتقد فيهم فأصبح لا يثنيه عن هذا الشرك لا دليل ولا لوم, وإذا أضل الله جل وعلا إنسان فلا حيلة فيه.

(المتن)

وقوله : فإن كنت تصدرها مصدر أفعال العقلاء فأنت تكذب على نفسك في دعواك الجنون في هذا الفعل بخصوصه فرارًا عن أن يلزمك ما لزم عباد الأوثان الذين حكي الله عنهم في كتابه العزيز ما حكاه بقوله: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا} [الأنعام:136]وبقوله: {وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ}[النحل:56].

الشرح

فهم جعلوا أيضًا حتى من أبنائهم جعلوا نصيبا للمقبورين، فبعضهم ينذر ولده ويكون خادمًا لحضرة السيد فلان, يكون خادمًا لقبره في حياته، فهذا أعظم مما كان المشركون يجعلون شيئا من الأنعام من الإبل وغيرها لآلهتهم، ويسيبون بعض السوائب للآلهة, وبعض الحوامي التي ذكر الله جل وعلا لألهتهم فهؤلاء جعلوا شيئًا من أولادهم.

(المتن)

[ وقوله : فإن قلت: إن المشركين كانوا لا يقرون بكلمة التوحيد وهؤلاء المعتقدون في الأموات يقرون بها ].

الشرح

يعني هذه شبهة تشبهون بها يقولون: نحن نقول: لا إله إلا الله أما المشركون فأبوا أن يقولوها, فكانوا مشركين بذلك فكيف تلحقوننا بهم؟ فأجاب المؤلف على هذا.

(المتن)

[ قلت: هؤلاء إنما قالوها بألسنتهم وخالفوها بأفعالهم, فإن من استغاث بالأموات أو طلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه أو عظمهم أو نذر عليهم بجزء من ماله أو نحر لهم فقد نزلهم منزلة الآلهة التي كان المشركون يفعلون لها هذه الأفعال، فهو لم يعتقد معنى لا إله إلا الله, ولا عمل بها بل خالفها اعتقادًا وعملًا, فهو في قوله: لا إله إلا الله كاذب على نفسه فإنه قد جعل إلهًا غير الله يعتقد أنه يضر وينفع فعبده بدعائه عن الشدائد والاستغاثة به عند الحاجة، وبخضوعه له وتعظيمه إياه، ونحر لهم النحائر، وقرب إليه نفائس الأموال, وليس مجرد قوله: لا إله إلا الله من دون عمل بمعناها مثبتًا للإسلام, فإنه لو قالها أحد من أهل الجاهلية وعكف على صنمه يعبده لم يكن ذلك إسلامًا ].

الشرح

يعني هم يقولون: لا إله إلا الله. ويناقضون معناها تمامًا, وهذا لأمور:

 

الأمر الأول : لأنهم جهلوا معنى لا إله إلا الله.

الأمر الثاني: جهلوا معنى العبادة.

الأمر الثالث: جهلوا معنى الإله.

فبجهلهم هذه الأمور صار الشرك عندهم من باب الواجب والمستحب بل من باب الفرض الذي لابد منه.

(المتن)

[ وقوله : فإن قلت: قد أخرج أحمد بن حنبل والشافعي في مسنديهما من حديث عبد الله بن عدي بن الخيار أن رجلًا من الأنصار حدثه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم  وهو في مجلسه فساره ليستأذنه في قتل رجل من المنافقين فجهر رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقال: «أليس يشهد أن لا إله إلا الله» قال الأنصاري: بلى يا رسول الله ولا شهادة له. قال: «أليس يشهد أن محمدًا رسول الله؟» قال: بلى ولكن لا شهادة له. قال: «أليس يصلى؟» قال: بلى ولا صلاة له. قال: «أولئك الذين نهى الله عن قتلهم».

وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد في قصة الرجل الذي قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم  اتق الله. وفيه فقال خالد بن الوليد t: يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ فقال: «لا، لعله أن يكون يصلى» فقال خالد: كم من مصلى يقول بلسانه ما ليس في قلبه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إني لم أؤمر أن أنقب على قلوب الناس ولا أشق قلوبهم».

ومنه قوله صلى الله عليه وسلم  لأسامة بن زيد t لما قتل رجل من الكفار بعد أن قال: لا إله إلا الله فقال له صلى الله عليه وسلم : «فما تصنع بلا إله إلا الله؟» فقال: يا رسول الله إنما قالها تقية فقال: «هل شققت عن قلبه؟», هذا معنى الحديث وهو في الصحيح.

قلت: لا شك أن من قال: لا إله إلا الله ولم يتبين من أفعاله ما يخالف معنى التوحيد فهو مسلم محقون الدم والمال إذا جاء بأركان الإسلام المذكورة في الحديث: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة يؤتوا الزكاة ويحجوا البيت ويصوموا رمضان» ] .

الشرح

هذه الأحاديث التي ذكر يتشبث بها أهل المشركون هؤلاء, وكل هذا تبريرًا لفعلهم وليس اعتقادًا أنها تدل على ما يقولون، وإن كان المبطل قد يفهم شيئًا فيه دقة، ولكن في الواقع هذه لم يفهموها, لأن الرسول صلى الله عليه وسلم  في قوله ومخاطبة للأنصار أنه يقول: لا إله إلا الله ويشهد. هذا المنافق, المنافق يأتي بأمور ظاهرة ونفاقه وكفره في قلبه لا يظهره، وهذا أمره إلى الله جل وعلا ولهذا كان يقول صلى الله عليه وسلم : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله فإذا قالوها حقنوا دمائهم وأمواله وحسابهم على الله», يعني حسابهم على الله إذا كانوا صادقين أثابهم وإذا كانوا كاذبين فالله هو الذي يتولى حسابهم وما يكون لجزائهم، وكذلك قصة الرجل الذي أقام نفسه ناصحًا للنبي صلى الله عليه وسلم  وهذا هو مقدم الخوارج الذي خرجوا عن الإسلام, صاروا يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الكفر, فقال له: دعني أضرب عنقه. في الصحيح أنه قال: «لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه», صار المانع هنا خوفًا من أن يكون هذا يحول بين الذي لا يعرف الحقيقة, وبين الدخول في الإسلام إنه قد يقول: إذا كان يقتل بعض أصحابه كيف أدخل؟ أخشى أني إذا دخلت الإسلام يقتلني، فيتمنع من ذلك.

وأما قصة أسامة فهي ظاهرة لأنه كافر أصلي، يقول: أنه كنا لما صبحنا الحرقات كان رجل من الكفار لا يدع شاذة ولا فاذة من المسلمين إلا اتبعها، يقول: فتبعته أنا ورجل من الأنصار, فلما أدركته قال: لا إله إلا الله فكف الأنصاري وضربته بالسيف فقتلته فأخبر رسول الله فدعاني وقال: «أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟» قلت: إنما قالها تعوذًا من السيف وفعل كذا وكذا، فصار يرددها «كيف لك بلا إله إلا الله ألا شققت عن قلبه تعرف أنه قالها تعوذًا», حتى قال: تمنيت أني لم أسلم قبل هذا اليوم، فبعدما قال: استغفر لي يا رسول الله فصار يقول: «كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة» فهذا كافر أصلي، والكافر الأصلي إذا قال: لا إله إلا الله كف عنه حتى يتبين هل هو ملتزم للإسلام أم لا؟ فإن كان ملتزمًا حكم له بالإسلام، يعني التزام يعني أنه يصلي ويأتي بأركان الإسلام وبما أمر به, وإذا تبين أنه ليس ملتزمًا قتل ولا تنفعه كلمة لا إله إلا الله، ولكن هؤلاء يقولون: لا إله إلا الله ويأتون بمناقضها لأن لا إله إلا الله تقتضي أن يكون التأله لله وحده، هو المألوه الذي يؤله ويعبد، وهؤلاء يألهون الأموات ويعبدونهم فصار نطقهم بها وكلام بها شبه الهذيان, شبه كلام السكران والمجنون الذي لا ينفع ولا يجدي وليس له معنى.

(المتن)

[ وقوله : وهكذا من قال: لا إله إلا الله متشهدًا بها شهادة الإسلام, ولم يكن قد مر عليه من الوقت ما يجب فيه شيء من أركان الإسلام فالواجب حمله على الإسلام عملًا بما أقر به لسانه وأخبر به من أراد قتاله, ولهذا قال صلى الله عليه وسلم  لأسامة بن زيد ما قال.

وأما من تكلم بكلمة التوحيد وفعل أفعالًا تخالف التوحيد كاعتقاد هؤلاء المعتقدين في الأموات فلا ريب أنهم قد تبين من حالهم خلاف ما حكته ألسنتهم من إقرارهم بالتوحيد .

.. ولو كان مجرد التكلم بكلمة التوحيد موجبًا للدخول في الإسلام والخروج من الكفر, سواء فعل المتكلم بها ما يطابق التوحيد أو يخالفه لكانت نافعة لليهود مع أنهم يقولون: عزير ابن الله وللنصارى مع أنهم يقولون: المسيح ابن الله..].

الشرح

يعني جاءوا بمناقض للقول، وهذا لا ينفع، بل ينقض القول, فعل الأفعال أبلغ من الأقوال بلا شك، فلو مثلًا كان عندنا طبيب وقدم لنا طعام فقال الطبيب مثلًا: إياكم أن يأكل أحد منكم شيء من هذا الطعام فإنه مسموم. ثم رأيناه يأكل قد يده وصار يأكل ماذا نحكم عليه؟ نقول: صادق في قوله أو كاذب؟

هذا كذب لأن الفعل أبلغ من القول, فهؤلاء في الواقع يقولون أقوالًا تكذبها أفعالهم, مع أن الإنسان إذا أتى بشي مما أتوا به وكان مسلمًا صار بذلك مرتد خرج من الإسلام.

 (المتن )

وقوله : وللمنافقين مع أنه يكذبون بالدين ويقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم, وجميع هذه الطوائف الثلاث يتكلمون بكلمة التوحيد, بل لم تنفع الخوارج فإنهم من أكمل الناس توحيدًا وأكثرهم عبادة وهم كلاب النار..

الشرح

أمر و حض عليه قال: «اقتلوهم فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم», فقاتلهم علي t وفرح بذلك واستبشر به بخلاف ما كان يصنعه مع أهل العراق، فإنه كان يأسف ويحزن كثيرا لما وقع ويقول: ليتني لم أدرك هذه الأمور. أما هؤلاء فكان عنده علم من رسول الله صلى الله عليه وسلم  فيهم لأنه قال: «يمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين يقتلهم أقرب الطائفتين إلى الحق», فكان هو أقرب الطائفتين للحق .

المقصود أن هؤلاء مَثَل اليهود والنصارى وكذلك المنافقين يقولون: لا إله إلا الله ولا تنفعهم, لأنهم لم يحققوها ولم يأتوا بما تقتضيه هذه الكلمة, فالمقصود العمل ليس المقصود مجرد القول.

 (المتن)

وقوله : وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم  بقتلهم مع أنهم لم يشركوا بالله ولا خالفوا معنى لا إله إلا الله بل وحدوا توحيده.

 الشرح

وقتلهم لدفع ضررهم وليس لشركهم وإنما لدفع الضرر لأنهم يقتلون المسلمين, فالذي يقتل المسلمين يقاتل بمقتضى قول الرسول صلى الله عليه وسلم : «اقتلوهم فإن في قتلهم أجرًا».

 (المتن)

وقوله : وكذلك المانعون للزكاة هم موحدون لم يشركوا ولكنهم تركوا ركنًا من أركان الإسلام، ولهذا أجمعت الصحابة رضي الله عنهم على قتالهم, بل دل الدليل الصحيح المتواتر على ذلك وهو الأحاديث الواردة بألفاظ منها «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويحجوا البيت ويصموا رمضان فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا منى دمائهم وأموالهم إلى بحقها», فمن ترك أحد هذه الخمس لم يكن معصوم الدم ولا المال, وأعظم من ذلك التارك معنى التوحيد أو المخالف له بما يأتي به من الأفعال .

                             

الشرح

كل هذه الأقوال فإن قلت هذه شبه كانوا يقولونها هم، فهو يجيب على هذه الشبه التي يتعلقون بها, فهم يتركون الشيء الواضح الجلي مثل ما في القرآن من الأمر بتوحيد الله جل وعلا والنهي عن الشرك ويأتون بأمور فيها غموض يتعلقون بها لتكون دليلًا لهم وتبريرًا لهم على الشرك.

(المتن)

وقوله : فإن قلت: هؤلاء المعتقدون في الأموات لا يعملون بأن ما يفعلونه شرك بل لو عرض أحدهم على السيف لم يقر بأنه مشرك بالله ولا فاعل لما هو شرك, بل لو علم أدنى علم أن هذا شرك لم يفعله .

قلت: الأمر كما قلت ولكن لا يخفى عليك ما تقرر في أسباب الردة أنه لا يعتبر في ثبوتها العلم بمعنى ما قاله من جاء بلفظ كفري أو فعل فعلًا كفريًا .

وعلى كل حال فالواجب على كل من اطلع على شيء من هذه الأقوال والأفعال التي اتصف بها المعتقدون في الأموات أن يبلغهم الحجة الشرعية ويبين لهم ما أمره الله بيانه وأخذ عليه الميثاق ألا يكتمه.

الشرح

وليس معنى ذلك أنهم لهم عذر وأنهم معذورون في جهلهم هذا, لأن الشرك لا يخفى، والتوحيد لا يخفى، وإنما هذا بسبب تقصيرهم وإعراضهم, وتمسكهم بالتقليد الأعمى فعميت أبصارهم, لأنهم رأوا أن هذا لا يجوز تركه, ومن تمسك بشيء وصار هذا الشيء عنده أمر مهم فإنه لا يلتفت إلى ما يخالفه, فلو مثلًا حاججتهم وكلمتهم ما قبلوا، هذا في جملة وليس معنى هذا كل واحد منهم, فإنه يجوز أنه يرجع من يرجع إذا بلغ ودعي وقد حصل كثير من هذا رجوعهم إلى الحق بالدعوة ولكن نقول: ليس هذا عذرًا لهم يعذرون في الشرك في كونهم يقولون: ما عرفنا أن هذا شرك ولا عرفنا معنى لا إله إلا الله، وما عرفنا معنى العبادة، لأن هذه أمور ظاهرة، وعدم معرفتهم بسبب إعراضهم عنها وتقصيرهم, فاللوم يكون عليهم مع وجوب قيام الحجة لله جل وعلا في كل وقت ولا بد من إقامة الحجج، وهذا بالنسبة لما يقع منهم.

أما بالنسبة للتكفير فهو أمر آخر لأن التكفير للمعين للشخص لابد أن تقيم عليه الحجة الخاصة التي تخصه وتزيل الشبهة التي تتعلق بها, وبعد ذلك يحكم عليه أما قبل هذا فلا يجوز, ولا يمنع كونه يحكم بأنه مشرك وأنه بدون أن يكفر أو يخرج من الدين الإسلامي بنفس الفعل الذي فعله لأنه يكون جاهلًا، فقال: بأنه يكون جاهلًا. فلا ملازمة بين التكفير وبين كونه يكون كافرًا عند الله جل وعلا, لأن الله جل وعلا لم يجعل للناس عذرًا حيث أعطاهم عقول وأفكار وأقام أدلة كثيرة من المخلوقات, ثم الشيء الذي لابد منه ويلزم هو كتاب الله وسنة رسوله لأن الله جل وعلا أزال الأعذار بما أنزل من كتابه وبما أرسل به رسوله, فإذا كان الإنسان يقول: أنا جاهل. نقول: أنت الذي أعرضت عن هذا, الواجب أن تطلب هذا الشيء وتبحث عنه لأنك مكلف بهذا، فلا تنتظر أن أحد يعطيك يدخل عليك في بيتك ويقول: إن كلام الله كذا وأن الرسول قال لك كذا, فإن هذا موكول إليك، ما دام أنك تعلم أن لله كتاب وأن الله أرسل رسول وجب عليك أن تبحث عن الشيء الذي كلفك الله به، فإذا أعرض فاللوم عليه.

(المتن)

وقوله : كما حكى ذلك لنا في كتابه العزيز فيقول: لمن صار يدعو الأموات عند الحاجات ويستغيث بهم عند حلول المصيبات، وينذر لهم النذور، وينحر لهم النحور ويعظمهم تعظيم الرب سبحانه, إن هذا الذي يفعلونه هو الشرك الذي كانت عليه الجاهلية وهو الذي بعث الله رسوله بهدمه, وأنزل كتبه في ذمه، وأخذ على النبيين أن يبلغوا عباده أهم لا يؤمنون حتى يحدثوا له التوحيد ويعبدوه وحده .

فإذا علموا بهذا علمًا لا يبقى معهم شك ولا شبهة, ثم أصروا على ما هم فيه من الطغيان والكفر بالرحمن وجب عليه أن يخبرهم بأنهم إذا لم يقلعوا عن هذه الغواية ويعودوا إلى ما جاءهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم  من الهداية فقد حلت دمائهم وأموالهم, فإن رجعوا وإلا فالسيف هو الحكم العدل كما نطق به الكتاب المبين وسنة سيد المرسلين في إخوانهم المشركين.

الشرح

هذا عند القتال أنه لابد أن يبين لهم، وفرق بين هذا وبين ما يقوم بهم من الشرك وما يعاقبهم الله عليه جل وعلا, فإنما عند القتال أو الحكم عليهم بالكفر لابد من إقامة الحجج ولابد من إزاحة الشبه ثم بعد ذلك الحكم.

(المتن)

فإن قلت: فقد ورد الحديث الصحيح بأن الخلائق يوم القيامة يأتون آدم فيدعونه ويستغيثونه ثم نوحًا، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، ثم محمدًا صلى الله عليه وسلم  وسائر إخوانه من الأنبياء .

قلت: أهل المحشر إنما يأتون هؤلاء الأنبياء يطلبون منهم أن يشفعوا لهم إلى الله سبحانه, ويدعون لهم بفصل الحساب والإراحة من ذلك الموقف وهذا جائز, فإنه من طلب الشفاعة والدعاء المأذون فيهما, وقد كان الصحابة يطلبون من رسول الله صلى الله عليه وسلم  في حياته أن يدعوا لهم..

الشرح

لم يأت كلمة استغاثة أنهم استغاثوا بآدم، وبنوح، أو بموسى، أو بعيسى أو بمحمد وإنما جاء أنهم يطلبون الشفاعة فقط وهم معهم في الموقف, يعني هؤلاء الأنبياء معهم, لهذا جاء في صحيح مسلم «إذا أراد الله جل وعلا رحمتهم ألهمهم طلب الشفاعة», ولا يلزم أن يكون هذا الإلهام لهم كلهم بل لبعضهم، فيتشاورون فيما بينهم ويقولون: أنه أولى من يشفع لك آدم, فتتدرج الأمور إلى أن تصل إلى خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم , فيطلبون منه ذلك فيجيبهم، ثم إجابته لهم جاءت بيانها, ما يذهب يشفع مباشرة بل يقول: «أذهب إلى مكان تحت العرش فأسجد أخر ساجدًا لربي فيدعني قدر أسبوع ساجد، ويفتح على من المحامد والثناء ما لا أحسنه الآن, ثم يقول: ارفع رأسك وسل تعطى واشفع تشفع», قبل أن يقول: له اشفع ما يشفع لا هو ولا غيره, الشفاعة لله جل وعلا ولهذا قال:{قل لله الشفاعة جميعًا}, وليس لأحد من الخلق يملك شيء من الشفاعة ، وإنما الشفاعة حقيقتها: إرادة رحمة الله للمشفوع له وإظهار كرامة الشافع ، وإلا فالأمر كله لله جل وعلا, ولهذا التعلق بها تعلق بشيء بعيد, وفيها غرور كثير واغتر فيها كثير من الناس.

(المتن)

كما في حديث يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم لما أخبرهم بأنه يدخل الجنة سبعون ألفًا, وحديث «سبقك بها عكاشة».

الشرح

يقول عكاشة نفسه: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: «أنت منهم», وفي رواية «اللهم اجعله منهم», أما الثاني الذي قام بعده فهو الذي قيل له: «سبقك بها عكاشة» حتى لا يتتابع الناس بذلك, وهذا يعني طلب الدعاء أمر مشروع، كون أنك تطلب الدعاء من حي حاضر وهو الذي يكون الشفاعة في الموقف هم طلبوا من حي حاضر معهم أن يشفع لهم.

(المتن)

وقول أم سليم: يا رسول الله خادمك أنس ادع الله له. وقول المرأة التي كانت تصرع: يا رسول الله ادع الله لي. وآخر الأمر سألته الدعاء بألا تنكشف عند الصرع فدعا لها.

ومنه إرشاده صلى الله عليه وسلم  لجماعة من الصحابة بان يطلبوا الدعاء من أويس القرني إذا أدركوه.

ومنه ما ورد في دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب وغير ذلك مما لا يحصر حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال لعمر لما خرج معتمرًا: «لا تنسني يا أُخَي من دعائك» .

فمن جاء إلى رجل صالح واستمد منه أن يدعو له فهذا ليس من ذلك الذي يفعله المعتقدون في الأموات بل هو سنة حسنة وشريعة ثابتة, وهكذا طلب الشفاعة ممن جاءت الشريعة المطهرة بأنه من أهلها كالأنبياء.

الشرح

شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله فصل في هذا وقال: إن طلب الدعاء قد يكون سنة وقد يكون مكروهًا أو محرمًا, فإذا كان الإنسان يريد بطلب الدعاء من غيره أنه ينتفع هو وينتفع الداعي فهذا سنة، أما إذا كان يريد نفع نفسه خاصة, فهذا يكون مثل سؤال …., ولكن هذا يعود إلى النية ومثل هذا كونه ينفع نفسه خاصة قد لا يوجد إلا نادرًا.

(المتن)

ولهذا يقول الله لرسوله يوم القيامة: «سل تعطى واشفع تشفع», وذلك هو المقام المحمود الذي وعده الله به كما في كتابه العزيز.

والحاصل أن طللب الحوائج من الأحياء جائز إذا كانوا يقدرون عليها، ومن ذلك الدعاء فإنه يجوز استمداده من كل مسلم, فليحسن ذلك وكذلك الشفاعة من أهلها الذين ورد الشرع بأنهم يشفعون، ولكن ينبغي أن يعلم أن دعاء من يدعو له لا ينفع إلا بإذن الله وإرادته ومشيئته.

الشرح

هذه كل شيء ما يقع شيء إلا بإرادة الله ومشيئته لا دعاء ولا غيره، لأن الله جل وعلا هو الملك لكل شيء وهو المتصرف في كل شيء, ولكن الله جل وعلا جعل أسبابًا مشروعة وأسبابًا محظورة، من الأسباب المشروعة الأمر بالدعاء, كونه يدعو بعضهم لبعض وهو من التعاون على البر والتقوى, والله جل وعلا جعل المؤمنين أخوة بعضهم يحب لأخيه ما يحب لنفسه, فيدخل في الدعاء وكل نصح يقدمه له، حتى الدعاء الذي يصدر منه لا ينبغي أن يكون لنفسه خاصة, بل يدعو له والمسلمين الأحياء منهم والأموات, الله أمر رسوله صلى الله عليه وسلم  بهذا: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}[محمد:19]، وهذا تشريع ليس خاصًا بالرسول صلى الله عليه وسلم .

(المتن)

وقوله : وكذلك شفاعة من يشفع لا تكون إلا بإذن الله كما ورد بذلك القرآن العظيم فهذا تقييد للمطلق لا ينبغي العدول عنه بحال .

واعلم أن من الشبه الباطلة التي يريدها المعتقدون في الأموات أنهم ليسوا كالمشركين من أهل الجاهلية, لأنهم إنما يعتقدون في الأولياء والصالحين وأولئك اعتقدوا في الأوثان والشياطين.

وهذه الشبهة داحضة تنادي على صاحبها بالجهل فإن الله سبحانه لم يعذر من اعتقد في عيسى عليه السلام وهو نبي من الأنبياء, بل خاطب النصارى بتلك الخطابات القرآنية ومنها: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ}[النساء:171]، وقال لمن كان يعبد الملائكة: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ}[سبأ:40-41] .

ولا شك أن عيسى والملائكة أفضل من هؤلاء الأولياء والصالحين, الذي صار هؤلاء القبوريون يعتقدونهم ويغلون في شأنهم مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  هو أكرم الخلق على الله, وسيد ولد آدم، وقد نهى أمته أن تغلوا فيه كما غلت النصارى في عيسى عليه السلام, ولم يمتثلوا أمره، ولم يمتثلوا ما ذكره الله في كتابه العزيز من قوله: {ليس لك من الأمر شيء}, ومن قوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ* ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ}[الانفطار:17-19].

وما حكاه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  أنه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، وما قاله صلى الله عليه وسلم : لقرابته الذين أمره الله بإنذارهم بقوله: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} [الشعراء:214]، فقام داعيًا لهم ومخاطبًا لكل واحد منهم قائلا: «يا فلان ابن فلان لا أغني عنك من الله شيئًا، يا فلانة بنت فلان لا أغني عنك من الله شيئًا, يا يني فلان لا أغني عنكم من الله شيئا».

الشرح

الأمر في العبادة أمرها واضح ظاهر، ولكن هذه الشبه التي يوردها هؤلاء هي شبه مجرد شبهة داحضة ومخالفة للأمور الواضحة الجلية، وتدل على تمسكهم بالشرك, وأنهم لا يريدون الحق، ومثل هذا يحتاج على مجادلة ويحتاج إلى بيان حتى يعذر الناس إليه، وإلا لو كان مراده الحق فيترك أمور جلية واضحة ويتعلق بأشياء بعيدة جدًا, فالمؤلف بين أن داحض وأن هذا أنه لو كان يريد الحق لكان في مثلا عيسى, وفي غيره ممن كان يدعي ويعبد من دون الله اعتبار, لأن عيسى من أولوا العزم وما كان لمن عبده أو طلب من ما يطلب من الله عذر عند الله جل وعلا.

(المتن)

 فانظر رحمك الله ما وقع من كثير من هذه الأمة من الغلو المنهي عنه المخالف لما في كتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم  كما يقوله صاحب البردة رحمه الله تعالى.

الشرح

قوله: رحمه الله تعالى. فيها نظر يعني هذا يظن أنه لعله تاب من هذا الشرك, وإلا هذا شرك واضح أن يستغيث بالرسول على الله جل وعلا.

(المتن)

كما يقوله صاحب البردة رحمه الله تعالى:

يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به * سواك عند حلول الحادث العمم.

الشرح

قوله : ” حلول الحادث العمم ” يعني : الذي يعم الخلق كلهم, والحادث العمم يقصد به يوم القيامة, وهل الرسول يستغاث به في ذلك الموقف فيكون ما له من يلوذ به إلا الرسول فقط أين الله؟ يعني ما يلوذ بالله! لو لاذ بالله لكان أجدى وأنفع وهو الواجب، ولكنه أنزل الرسول فوق منزلة الله تعالى الله وتقدس, هذا مقتضى هذا الكلام يدل على ذلك قوله أيضًا:

فإن من جودك الدنيا وضرتها * ومن علومك علم اللوح والقلم

ثم يقول:

إن لم تكن في معادي أخذًا بيدي * فضلًا وإلا فقل يا زلة القدم

يعني معناه أنه ما له إلا الرسول فقط وإلا زلت أقدامه

ثم يقول:

ولن يضيق رسول الله جاهك به

رسول : هنا نصب على النداء يعني يا رسول الله !

ولن يضيق رسول الله جاهك بي * إذا الكريم تحلى باسم منتقم

كيف يعني يلوذ بالرسول من انتقام الله؟ هذا إذا ما كان هذا شرك، فماذا يكون الشرك؟ نسأل الله العافية، هذا غلو زائد، فهذا مثل ما قالت النصارى غير أنه جاء باللباب وبالمعنى وترك اللفظ، وهذا الذي يريده الشيطان.

(المتن)

فانظر نفي كل ملاذ ما عدا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .

الشرح

يعني أنه حتى الله جل وعلا دخل في النفي هذا المقصود نفى كل من يلاذ به حتى الله ما عدا الرسول فقط, هذا يجوز أن يقع من مسلم مثل هذا؟!

(المتن)

وغفل عن ذكر ربه ورب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إنا لله وإن إليه راجعون .

وهذا باب واسع قد تلاعب الشيطان بجماعة من أهل الإسلام حتى ترقوا إلى خطاب غير الأنبياء بمثل هذا الخطاب, ودخلوا من الشرك في أبواب بكثير من الأسباب ومن ذلك قول من يقول مخاطبا لابن العجيل:

هات لي منك يا ابن موسى *** إغاثة عاجلًا في سيرها حثاثة

فهذا محض الاستغاثة التي لا تصلح لغير الله بميت من الأموات قد صار تحت أطباق الثرى منذ مئين من السنين, ويغلب على الظن أن مثل هذا البيت والبيت الذي قبلة إنما وقع من قائليهما لغفلة وعدم تيقظ, ولا مقصد لهما إلا تعظيم جانب النبوة والولاية ولو نبها لتنبها ولرجعا وأقرا بالخطأ.

الشرح

في الواقع أنه ليس من غفلة ولا من جهل بل من قصد وإرادة لهذا الشيء, وإنما هو الغلو الذي أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم  أنه لابد أن يقع في هذه الأمة, ولو كان غفلة ما جاء بهذه المعاني الدقيقة التي يستغيث بها، وادعى أنه يعلم الغيب ويعلم ما في اللوح المحفوظ وما جرى به القلم إلى يوم القيامة, وجعل هذا كله للرسول صلى الله عليه وسلم  كيف يكون هذا غفلة وسهو؟ ولكنه الغلو نسأل الله السلامة.

(المتن)

وكثيرًا ما يَعرِض ذلك لأهل العلم والأدب و الفطنة، وقد سمعنا ورأينا فمن وقف على شيء من هذا الجنس لحي من الأحياء فعليه إيقاظه بالحجج الشرعية, فإن رجع وإلا كان الأمر فيه كما أسلفناه .

وأما إذا كان القائل قد صار تحت أطباق الثرى فينبغي إرشاد الإحياء إلى ما في ذلك الكلام من الخلل..

الشرح

يعني ما في كلامه وما في أشعاره من الخلل، يعني من الشيء الذي خالف لئلا يغتر به، أما هو أمره إلى الله نقول: ما يدرى ماذا مات عليه؟ يجوز أنه تاب، يحوز أنه رجع، والحكم عليه من خلال هذه الكلام لا يجوز, إلا إذا كان الإنسان اطلع على أنه مات على هذا الشيء, فإنه يجوز أنه يتنبه ويرجع.

(المتن)

وقوله : وقد وقع في البردة والهمزية شيء كثير من هذا الجنس.

الشرح

الهمزية هي لصاحب البردة أيضًا, لكن الهمزية في السيرة، وهي ليست كالبردة في حسن الألفاظ والمعاني الجميلة إنما فيها سيرة الرسول, وفيها أيضًا من الشرك الواضح أيضا مثل ما في البردة, والعجيب أنه يقول: أنشدتها وأنا مكشوف الرأس أمام القبر, وهذا عبادة، كشف الرأس تعظيمًا لا يجوز إلا لله جل وعلا كالانحناء الذي يقع الآن من بعض الناس عند اللقاء فهو سجود لا يجوز أن يكون لمخلوق لأن قول الله جل وعلا: {قلنا ادخلوا الباب سجدًا}, لا يمكن أن يدخل الباب وهو واضع جبهته على الأرض وإنما المقصود ينحنون يدخلون الباب ركع، والركوع سجود، والانحناء سجود، فلا يجوز أن يكون لغير الله جل وعلا وقد الآن صار هذا الفعل من تقليد الغربيين, لأن كثير منهم ينحني بعضهم لبعض, ويشاهد بالتلفاز وفي غيره في القنوات, فربما بعض المسلمين يقلد أولئك, ونشاهد شيء يقع من هذا القبيل، فهذا يجب أيضًا أن يتنبه له لأن هذه عبادة, والعبادة لا يجوز أن تكون لمخلوق، فهذا خاص بالله جل وعلا السجود.

(المتن)

وقوله : ووقع أيضا لمن تصدى لمدح نبينا محمد صلى الله عليه وسلم  ولمدح الصالحين و الأئمة الهادين ما لا يأتي عليه الحصر ولا يتعلق بالاستكثار منه بفائدة فليس المراد إلا التنبيه والتحذير لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ}[الذاريات:55]، {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}[آل عمران:8].

الشرح

ومع هذا لا يجوز إقرار الباطل، بل يجب أن ينكر على من قال مثل هذه الأقوال أو فعل مثل هذه الأفعال, لأن الإقرار يجعل الإنسان يتمادى ويجعل الذي لا يعرف يغتر فيتبع في ذلك, وكذلك الله جل وعلا سائل الإنسان الذي عنده المقدرة على الإنكار وعلى معرفة الحق وإنكار المنكر سوف يسأله يوم القيامة إذا سكت, فلا تبرأ ذمته إلا بالإنكار وبيان الحق الذي يعرفه غير أنه لابد من معرفة الحق ومعرفة أن هذا الذي ينكر أنه باطل بالدليل, لأن مجرد الظن لا يكفي.

(المتن)

وقوله : واعلم أن ما حررنا وقررنا من أن كثيرًا مما يفعله المعتقدون في الأموات يكون شركًا, قد يخفى على كثير من أهل العلم, وذلك لا لكونه خفيًا في نفسه بل لإطباق الجمهور على هذا الأمر, وكونه قد شاب عليه الكبير وشب عليه الصغير، وهو يرى ذلك ويسمعه ولا يرى ولا يسمع من ينكره, بل ربما يسمعه من يراقب فيه ويندب الناس إليه، وينضم إلى ذلك ما يظهره الشيطان للناس من قضاء حوائج من قصد بعض الأموات الذين لهم شهرة, وللعامة فيهم اعتقاد، وربما يقف جماعة من المحتالين على قبرهم ويجلبون الناس بأكاذيب يحكونها عن ذلك الميت ليستجلبوا منهم النذور, ويستدروا منهم الأرزاق، و يقتنصوا النحائر، ويستخرجوا من عوام الناس ما يعود عليهم وعلى من يعولونه ويجعلون ذلك محسبًا ومعاشًا, وربما يهولون على الزائر بذلك الميت بتهويلات، ويجملون قبره بما يعظم في عين الواصلين إليه، ويوقدون في المشهد الشموع، ويوقدون فيه الأطياب, يجعلون لزيارته مواسم مخصوصة يتجمع فيها الجمع الجم فينهر الزائر, ويرى ما يملأ عينه وسمعه من ضجيج الخلق وازدحامهم وتكالبهم على القرب من الميت، والتمسح بأحجار قبره وأعواده، والاستغاثة به، والالتجاء إليه، وسؤاله قضاء الحاجات, ونجاح الطلبات مع خضوعهم واستكانتهم وتقريبهم إليه نفائس الأموال ونحرهم أصناف النحائر.

ففي مجموع هذه الأمور مع تطاول الأزمنة وانقراض القرن بعد القرن يظن الإنسان مبادئ عمره وأوائل أيامه أن ذلك من أعظم القربات وأفضل الطاعات, ثم لا ينفعه ما تعلمه من العلم بعد ذلك، بل يذهل عن كل حجة شرعية تدل على أن هذا هو الشرك بعينه, وإذا سمع من يقول ذلك أنكره ونبا عنه سمعه وضاق به ذرعه, لأنه يبعد كل البعد أن ينقل ذهنه دفعة واحدة في وقت واحد عن شيء يعتقده من أعظم الطاعات إلى كونه من أقبح المقبحات, وأكبر المحرمات مع كونه قد درج عليه الأسلاف ودب فيه الأخلاف, وتعاودته العصور وتناوبه الدهور, وهكذا كل شيء يقلد الناس فيه أسلافهم ويحكمون العادات المستمرة .

وبهذه الذريعة الشيطانية والوسيلة الطاغوتية بقي المشرك من الجاهلية على شركه، واليهودي على يهوديته، والنصراني على نصرانيته، والمبتدع على بدعته, فصار المعروف منكرًا والمنكر معروفًا, وتبدلت الأمة بكثير من المسائل الشرعية غيرها، وألفوا ذلك، ومرنت عليه نفوسهم، وقبلته قلوبهم, وأنسوا إليه حتى لو أراد من يتصدى للإرشاد أن يحملهم على المسائل الشرعية البيضاء النقية التي تبدلوا لها غيرها فنفروا عن ذلك، ولم تقبله طبائعهم، ونالوا ذلك المرشد بكل مكروه ومزقوا عرضه بكل لسان، وهذا كثير موجود في كل فرقة من الفرق لا ينكره إلا من هو منهم في غفلة .

وانظر إن كنت ممن يعتبر مما ابتليت به هذه الأمة من التقليدات للأموات في دين الله حتى صارت كل طائفة تعمل في جميع مسائل الدين بقول عالم من علماء المسلمين, ولا تقبل قول غيره ولا ترضى به, وليتها وقفت عند عدم القبول والرضا لكنها تجاوزت ذلك إلى الحط على سائر علماء المسلمين، والوضع من شأنهم، وتضليلهم، وتبديعهم، والتنفير عنهم، ثم تجاوزا ذلك إلى التفسيق والتكفير, ثم زاد الشر حتى صار أهل كل مذهب كأهل ملة مستقلة لهم نبي مستقل وهو ذلك العالم الذي قلدوه, فليس الشرع إلا ما قاله به دون غيره وبالغوا وغلوا فجعلوا قوله مقدمًا على قول الله ورسوله r, وهل بعد هذه الفتنة والمحنة شيء من الفتن والمحن؟ فإن أنكرت هذا فهؤلاء المقلدون على ظهر البسيطة قد ملئوا الأقطار الإسلامية، فاعمد إلى أهل كل مذهب وانظر إلى مسألة من مسائل مذهبهم هي مخالفة لكتاب الله أو لسنة رسوله r, ثم أرشدهم إلى الرجوع عنها إلى ما قاله الله أو رسوله r, وانظر بماذا يجيبونك؟

فما أظنك تنجوا من شرهم ولا تأمن من مضرتهم, وقد يستحلون لذلك دمك ومالك, وأورعهم يستحل عرضك وعقوبتك، وهذا يكفيك إن كان لك بطانة سليمة وفكرة مستقيمة .

فانظر كيف خصوا بعض علماء المسلمين واقتدوا بهم في مسائل الدين ورفضوا الباقين؟ بل جاوزا هذا إلى أن الإجماع ينعقد بأربعة من علماء هذه الأمة, وأن الحجة قائمة بهم مع أن في عصر كل واحد منهم من هو أكثر علمًا منه فضلًا عن العصر المتقدم على عصره والعصر المتأخر عن عصره، وهذا يعرفه كل من يعرف أحوال الناس, ثم تجاوزوا في ذلك أنه لا اجتهاد لغيرهم بل هو مقصور عليهم فكأن هذه الشريعة كانت لهم لا حظ لغيرهم فيها, ولم يتفضل الله على عباده بما تفضل عليهم, وكل عاقل يعلم أن هذه المزايا التي جعلوها لهؤلاء الأئمة رحمهم الله تعالى إن كانت باعتبار كثرة عملهم وزيادته على علم غيرهم, فهذا مدفوع عند كل من له اطلاع على أحوالهم وأحوال غيرهم, فإن في إتباع كل واحد منهم من هو أعلم منه لا ينكر هذا إلا مكابر أو جاهل, فكيف بمن لم يكن من أتباعهم من المعاصرين لهم والمتقدمين عليهم والمتأخرين عنهم .

 وإن كانت تلك المزايا لكثرة الورع والعبادة، فالأمر كما تقدم فإن في معاصريهم والمتقدمين عليهم والمتأخرين عنهم من هو أكثر عبادة وورعًا منهم, لا ينكر هذا الأمر إلا من لم يعرف تراجم الناس بكتب التواريخ .

 وإن كانت تلك المزايا بتقدم عصورهم فالصحابة رضي الله عنهم والتابعون أقدم منهم عصرًا بلا خلاف, وهم أحق بهذه المزايا ممن بعدهم لحديث: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذي يلونهم». وإن كانت تلك المزايا لأمر عقلي فما هو؟ أو لأمر شرعي فأين هو؟ ولا ننكر أن الله قد جعلهم بمحل من العلم والورع وصلابة الدين وأنهم من أهل الصدق في الفضائل والفواضل، ولكن الشأن في المتعصب لهم من أتباعهم القائلين: إنه لا يجوز تقليد غيرهم ولا يعتد بخلافه إن خالف ولا يجوز لأحد من علماء المسلمين أن يخرج عن تقليدهم، وإن كان عارفًا بكتاب الله وسنة رسوله r قادرًا على العمل بما فيهما متمكنًا من استخراج المسائل الشريعة منهما, فلم يكن مقصودنا إلا التعجب لمن كان له عقل صحيح وفكر رجيح نهون الأمر عليه فيما نحن بصدده من الكلام على ما يفعله المعتقدون للأموات وأنه لا يغتر العاقل بالكثرة و طول المهلة مع الغفلة, فإن ذلك ولو كان دليلًا على الحق لكان ما زعمه المقلدون المذكورون حقًا, ولكان ما يفعله المعقدون للأموات حقًا, وهذا عارض من القول أوردناه للتمثيل ولم يكن من مقصودنا.

الشرح

ما ذكر المؤلف رحمه الله من استمرار الناس وتمسكهم بعبادة القبور والتعلق بأصحابها أمر ظاهر وجلي, ولا يزال هذا الأمر موجودًا في كثير من البلاد, ولكن هناك أسباب أخرى لم يذكرها وهي الإعراض عن كتاب الله جل وعلا وعن سنة رسوله r، وتقصير الدعاة في هذا, تقصير العلماء في بيان الحق والحيلولة بينهم وبين الشرك الأكبر الذي يعيشون عليه ثم يهرمون عليه، وكذلك يربون عليه أولادهم حتى يكون متمكنًا في عقائدهم فيصبح صرفهم عنه صعبًا, وبمجموع ما ذكر من تعظيم القبور وإيجاد الستور لها والطيب وما أشبه ذلك بهذا خالفوا ما أرشد إليه رسول الله r فكان هذا من أسباب التعلق بها وتعظيمها، ولكن الأهم من هذا كله الإعراض عن كتاب الله جل وعلا، ففيه الحق والهدى ومن أعرض عن كتاب الله عاقبه الله جل وعلا بأن ينحرف في فكره وفي عقله وفي سلوكه, كما هو الواقع لمن له اعتبار في الناس, وعلى كل حال الأمر في هذا واضح وجلي وليس فيه إشكال لمن كان له عقل ولمن كان له أدنى معرفة في دعوة رسول الله r وما جاء به من محاربة الشرك, لأن هذا مضاد لدعوته تمام المضادة, ثم هو أيضًا لا يختلف عما كانت عليه الجاهلية السابقة, من عبادة الأصنام والأوثان وغيرها, بل هو بعينه هو ما كانت تفعله, فلو كان هناك اعتبار لما مضى وبما هو الواقع الآن لتبين لمن له عينان وله عقل أن هذا هو نفس الشرك, أما ما ذكره من تقليد الأئمة الأربعة هذا قد يكون فيه مبالغة، وإن كان يوجد ممن يقلدهم التعصب الممقوت والتمسك بأقوالهم بدلًا من الأدلة ولكن هذا بالنسبة لمجموع الأمة قليل، فالأمة والحمد لله هي تتبع كتاب الله وسنة رسوله r, وإذا تبين الحق فقليل الذين ينصرفون عنه لأجل تقليد فلان وفلان, أما كون الأئمة الأربعة يكون الإجماع هو إجماعهم، أو كأن الشرع أنزل إليهم فهذا فيه في الواقع مبالغة, وليس الأئمة الأربعة فقط ولا يزال الناس يأخذون بكتاب الله ويستنتجون الأدلة منه والأحكام, ولكن الله جل وعلا مَنَّ على هؤلاء فجعل لهم أصحاب كتبوا ما استنتجوه من الفقه وصار لهم في هذا اهتمام كبير, فانتشر بسبب ذلك، انتشرت مذاهبهم بهذا السبب، وإلا كما قال: هناك علماء في وقتهم يساوونهم وقد يفضلون عليهم غير أنهم لم تدون آرائهم وأقوالهم التي هي نظير أقوال هؤلاء الأربعة, وقد لا تختلف معهم، وهذا شيء قد عرف وعلم, والله جل وعلا يمن على من يشاء كما في حديث أبو موسي الأشعري الذي أخبر الرسول في طبقات الناس فيه جعل منهم الفقهاء الذين يستنتجون الأحكام الكثير من النصوص القليلة, ومنهم الحفاظ، ومنهم العُباد، ولكن الأمة مكلفة بإتباع الشرع في الجملة, والشرع جاء بكليات وقواعد ما كل يستطيع أنه يستنتج أحكام الحوادث الكثيرة التي تتحدث للناس من النصوص, ولهذا احتاج الناس إلى أقوال الأئمة حتى يكون فيها لهم مستند في ذلك، ثم عرضها على كتاب الله وسنة رسوله, أما أنهم يتركون كتاب الله جل وعلا وسنة رسوله أخذًا بأقوال الأئمة فهذا نادر إذا وجد، وإذا عرف فيُعلم أن من يفعل هذا الفعل أنه متعصب، وأنه ممقوت عند العلماء وعند سائر الأمة.

وإنما المقصود: أن التقليد الذي يكون لهؤلاء لمن لا يستطيع أن يستنتج الأحكام أو يعرف الأدلة وقد قال الله جل وعلا: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل:43]، أمر بسؤالهم لمن لا يعلم، وهذا أمر مفروغ منه وقد ألف فيه مؤلفات, وإنما الكلام في أصل الدين الذي لا يقبل فيه تأويل ولا يسامح فيه في الخطأ الذي هو عبادة الله جل وعلا إذا صرفت إلى الأموات وإلى القبور فهذا هو المصيبة الكبرى, لأن من فعل ذلك فارق دين الإسلام رأسًا وإن كان قد يكون جاهلًا، ولكن الجهل في مثل هذا لا مبرر له، لوجود كتاب الله وسنة رسوله r, وقصارى الأمر في هذا أن يعتذر بأنه ما علم وهذا عذر غير مقبول لأن الله جل وعلا جعل فيه عقلًا جعل فيه فكرًا، وأوجد من الأدلة حوله القائمة ما هو ظاهر جلي كما يقول جل وعلا: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }[البقرة:164]، والآيات كثيرة في هذا يأمر الله جل وعلا بالتفكر والنظر في مخلوقاته حتى يكون هو المعبود وحده, ومعلوم أن الميت أنه أقل قدرة من الحي, الحي الذي يتجه إليه أقدر منه على التصرفات وعلى العبادة وغيرها, وإن كان أيضًا الاتجاه إلى جماد أو موات من أشجار ونحوها فالأمر أسوأ, ولا فرق بين هذا وهذا في الواقع, فهذه هي الطامة الكبرى التي يجب أن يهتم بها أكثر، خلاف تقليد الأئمة في المسائل التي لا يستطيع الإنسان استنتاجها من النصوص وإن كان المؤلف رحمه الله قصد بذلك التمثيل فقط، أن الناس إذا تتابعوا على شيء وألفوه فإنهم يجعلونه دينًا, ومخالفته تكون جريمة عندهم، ولا يقبلون المناقشة في ذلك, ولكن هذا للجهل في الواقع, ووظيفة العلماء أنهم ينزلون هذا الركام الذي يتجمع على أهل الجهل وأهل الانحراف, حتى يكون الدين لله جل وعلا، وقد كلفوا بذلك وقد قال الله جل وعلا مخاطبا نبيه والأمة تبعًا له في ذلك: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف:108]، فأتباعه لابد أن يكون لهم نصيب من إرثه الذي جاء به صلوات الله وسلامه عليه, فإذا اعتبر ذلك وامتثل تزول هذه الأمور أو أكثرها, ولكن إذا ترك الأمر لهؤلاء وأصبح حتى العلماء ينظرون إليهم ويسكتون, تصوروا أن هذا حق وأنهم أقروا عليه, وصار عندهم هذا دين، فإذا جاء منكر بعد وقت بعيد أو منكر ليس له من يعاضده ويساعده ربما لا يقبل قوله بل كما قال المؤلف: إنه يرمي بكل عظيمة. وعلى كل حال الحق واضح والباطل يقابل الحق, فلابد من بيان الحق وقمع الباطل لمن يكون له نصيب من العلم والدعوة إلى الله جل وعلا, أما التعلل بكون الأسباب كثيرة فهذا لا يكفي, هذا شيء.

الشيء الثاني: العابد نفسه هو مكلف بعبادة الله جل وعلا، وسوف تنتهي حياته ويلاقي ربه فإذا كان غير واثق بما هو عليه فهو مفرط بلا شك, ولن يثق العاقل إلا بالنصوص التي جاء بها الوحي, أم الأوضاع والتقاليد وأقوال الناس أو الحكايات المكذوبة أو المرائي التي ترى فهذه كلها لا تجدي شيء ولا تنفع عند تمحيص النظر والنظر بالعقل, وإنا ما كلفنا بما أنزل الله جل وعلا من قوله آمرًا وناهيًا وكذلك ما بينه الرسول r, ولا خفاء في هذا فالأمر في هذا واضح.

(المتن)

وقوله : والذي نحن بصدده هو أنه إذا خفي على بعض أهل العلم ما ذكرناه وقررناه في حكم المعتقدين للأموات بسبب من أسباب الخفاء التي قدمنا ذكرها, ولم يتعقل ما سقناه من الحجج البرهانية القرآنية العقلية فينبغي أن نسأله ما هو الشرك؟ فإن قال: هو أن تتخذ مع الله آله آخر كما كانت الجاهلية تتخذ الأصنام آله مع الله سبحانه.

 قيل له: وماذا كانت الجاهلية تصنعه لهذه الأصنام التي كانت اتخذوها حتى صاروا مشركين؟ فإن قال: كانوا يعظمونها ويقربون لها ويستغيثون بها وينادونها عند الحاجات وينحرون لها النحائر ونحو ذلك من الأفعال الداخلة في مسمى العبادة. فقل له: لأي شيء كانوا يفعلون لها ذلك؟ فإن قال: لكونها الخالقة الرازقة أو المحيية أو المميتة. فأقرأ عليه ما قدمنا لك من البراهين القرآنية المصرحة بأنهم مقرون بأن الله الخالق، الرازق، المحيي، المميت, وأنهم إنما عبدوها لتقربهم إلى الله زلفى, وقالوا: هم شفعاؤهم عند الله ولم يعبدوها لغير ذلك فإنه سيوافقك ولا محالة إن كان يعتقد أن كلام الله حق، وبعد أن يوافقك أو يوضح لك أن المعتقدين في القبور قد فعلوا هذه الأفعال أو بعضها على الصفة التي قررناها وكررناها في هذه الرسالة, فإنه إن بقي فيه بقية من إنصاف وبارقة من علم وحصة من عقل فهو لا محالة يوافقك, وتنجلي عنه الغمرة، وتنقشع عن قلبه سحائب الغفلة، ويعترف بأنه كان في حجاب عن معنى التوحيد الذي جاءت به السنة والكتاب .

  فإن زاغ عن الحق وكابر وجادل فإن جاءك في مكابرته ومجادلته بشيء من الشبه, فادفعه بالدفع الذي ذكرناه في ما سبق, فإن لم ندع شبهة يمكن أن يدعيها مدعٍ إلا وقد أوضحنها أمرها, وإن لم يأت بشيء في جداله بل اقتصر على مجرد الخصام الدفع المجرد لما أوردته عليه من الكلام, فاعدل معه عن حجة اللسان بالبرهان والقرآن إلى محجة السيف والسنان, فآخر الدواء الكي هذا إذا لم يكن دفعه بما هو دون ذلك من الضرب والحبس والتعذير, فإن أمكن وجب تقديم الأخف على الأغلظ عملًا بقوله تعالى: {فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}[طه:44]وبقوله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}[المؤمنون:96].

الشرح

في هذا القول يعنى في المجادلة وفي الدعوى أنه يمكن أنه يرجع في هذا كما ذكر هنا، فإذا تبين الحق فكثير من الناس لا يعدل عن الحق ولكنهم يتصورون أن الحق معهم, فبالمجادلة وبالبيان تنقشع سحب الجهل، وسحب الركام ركام الشرك الذي يتتابع عليه الناس, ولكن الأمر في هذا أنه لابد من بيان الأصول وهي التي يكون فيها أشباه على كثير من الناس, فمثلًا بيان العبادة ما هي؟ لأنهم يتصورون أن تعلقهم بالقبور ليس عبادة, فلابد أن تبين العبادة وأنها كل فعل يكن أن يكون فيه ثواب أو بفعله اندفاع و عقاب, وهي مبنية على أمر الله جل وعلا ونهيه وأن العبادة إذا جاءت عبادة لله جل وعلا لا جوز أن تكون لمخلوق مهما كانت الحاجة, ثم كذلك التأله يجهلون مثلا معنى الإله ما هو ولهذا يجعلون تألههم للمخلوق الضعيف وكل ما يفعلونه يزعمون أنهم يتقربون بذلك إلى النفع ودفع المضرات العاجلة والآجلة, وكذلك أيضًا لابد من بيان معنى لا إله إلا الله, التي هي أصل الدعوة وهي التي جاءت بها الرسل كل رسول يبدأ قومه بهذه المسألة: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف:59]، فما هو الإله ؟

هو الذي يتألهه الناس والذي أمر الله جل وعلا أن يكون وحده الذي يقصد به بالتأله, فلابد إذا بين ووضح بالأدلة السمعية والعقلية لابد أن يكون لذلك أثر, أثر لمن يكون مقصوده الحق, أما عند المكابرات وعند العناد فمثل ما قال أمير المؤمنين عثمان t: (إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن), ولكن القتال والمناحرة هذه لا يجوز أن تكون من الأفراد, بين أفراد، فإنه لو مثلًا قاتلهم أو اجتمع جماعة وقاتلوهم لكثر الفساد وعرض, فهم كذلك يقابلونهم بمثل ذلك ويقاتلونه, فالمقاتلة إذا كانت لابد أن تكون من الإمام إمام المسلمين هو الذي يقاتلهم على الباطل ويرجعهم إلى الحق والمسلمون يكونون معه, كما كان الصحابة إمامهم رسول الله r هو الذي يقودهم ويقتدون به، ولهذا هذا السبب أمر الله جل وعلا بطاعته وطاعة رسوله وطاعة أولي الأمر, لأن أولي الأمر هم الذين ينفذون الأوامر التي كلفوا بها من الله جل وعلا, وهم الذين ينفذون الحدود ويقاتلون، ولهذا ينص العلماء على هذا أنه يقاتل مع الإمام مهما كان برًا أو فاجرًا، أما مقاتلة فردية فهذه لا يجوز أن الإنسان أن يقع فيه ويقول: إذا لم يجدِ معه الحجة والبيان و صاروا إلى السيف والسنان, ومقصوده ليس الفرد الذي يحاج والذي يجادل لأنه هو الذي يأخذ السيف, مقصوده أن هذا موكول إلى الأئمة هم الذين يقاتلونه, وهو كما قال يعني أن هذا هو آخر علاج, ولابد قبل ذلك من الدعوى ومن البيان، والبيان والدعوى إذا حصلت بالطرق التي كان الرسول r يسلكها لابد أن يكون لها أثر بالغ.

(المتن)

وقوله : ومن جملة الشبة التي عرضت لبعض أهل العلم ما جزم به السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير رحمه الله تعالى في شرحه لأبيات التي يقول في أولها:

   ”  رجعت عن النظم الذي قلت في النجدي “

الشرح

في النجدي يعنى : محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، له قصيدة كان أرسلها لما بلغته دعوة الشيخ, يثنى على دعوته ويقول: كانت أظن هذه الطريقة لي وحدي، الحمد لله الذي جعل من عبادة من يقوم بهذا الأمر, وفرح بذلك وأيد الشيخ والقصيدة مشهورة معروفة ثم بعد فطرة طويلة ظهرت هذه القصيدة التي يقول فيها: رجعت عن القول الذي قلته في النجدي. مشروحة، واعتمد الشارح فيها على أنه بلغ عن رجلين أتيا إليه من قبل نجد: أحدهما: يقال له: مربد. والآخر يقال له: كذا، وأنهما أخبراه عن دعوة الشيخ وأنه كان يكفر الناس, وأنه كان يستولي على أموالهم فيقول: فتبين أن دعوته خطأ فرجع، والشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله رد على هذه القصيدة وعلى هذا النظم بما في كتب الأمير محمد بن إسماعيل مثل تطهير الاعتقاد وغيره, وأن هذا مقول عليه وليس له, فالصحيح أن هذا قول ابن ابنه, تكلم على لسانه وإلا كتب محمد بن إسماعيل رحمه الله ولاسيما تطهير الاعتقاد يصرح تصريحات بأن هؤلاء القبوريين ليسوا بمسلمين يقول: أنهم كفار أصليون, لأنهم عاشوا على الكفر ولم يدخلوا في الإسلام, وهذا واضح في كلامه فكيف يقول مثل: أن فعل هؤلاء الآن أنه كفر عملي؟ مثل قول الإنسان: مطرنا بكذا بنجم كذا, أو مثل النياحة أو مثل الطعن في النسب, وما أشبه ذلك الذي قال فيه الرسول r: «إنها كفر في هذه الأمة لا تدعها», يعني أن الكفر العملي عنده أنه لا يخرج من الدين الإسلامي, وربما يكون هؤلاء معذورون عندهم, فهذا جهل فظيع وقد بين الشيخ الشوكاني ” رحمه الله ” تهافت هذه الحجج الذي ذكرها وأنها متناقضة وأنها ليست إلا مجرد شبه لمن يكون جاهلًا، أما من كان عنده العلم والبرهان فهي لا تنطلي عليه, ويقول أن ابن سحمان رحمه الله كتب كتاب سماه تبرئة الشيخين محمد بن إسماعيل والإمام محمد بن عبد الوهاب من هذا النظم ومن هذا الافتراء، فهو مفترى عليهم, ويظهر أن الشوكاني ” رحمه الله ” أنه ظن أن هذا أو جزم أن هذا للأمير محمد بن إسماعيل هذا الكلام، ولو مثلًا نظر في كتابه تطهير الاعتقاد لتبين له الأمر جليًا أنه ليس له, لأنه مناقض لقوله تمامًا, ويستبعد أن يكو قد رجع عن الحق واعتنق الوثنية والقبورية هذا بعيد جدًا وهو معروف من صيغته ومن طريقته ومن كتبه وممن كان يتعلم عليه أنه شديد في الأمر في هذا، فهو من أشد الناس في إنكار ما كان عليه أهل القبور, وله قصائد في هذا وله كتب كثيرة ولاسيما في القصائد التي نص فيها على أن هذه الأمور التي تعمل عند القبور أنها أسوأ مما كان عليه في الجاهلية, فتقرأ مثلًا قصيدته البائية التي يقول: ويا ليت يطير بنا عما نراه غراب, إلى آخرها، ففيها التصريح الجلي في أن هؤلاء أنهم خرجوا عن دين الإسلام، وأنهم جاءوا بشيء لم تأت به الجاهلية السابقة, وكذلك كتابه تطهير الاعتقاد واضح حتى أنه يصرح تصريحات متكررة, بأن هؤلاء كفار أصليين لأنهم لم يدخلوا في الإسلام تربوا على الشرك منذ ولدوا وعاشوا عليه, فكيف يحكم بأنهم على الإسلام ثم يقال: أنهم ارتدوا في ذلك؟ يقول: إنهم لم يدخلوا فيه حتى يحكم عليهم بالردة وإن كان قوله هذا فيه نظر.
(المتن)

وقوله : فإنه قال: إن كفر هؤلاء المعتقدين للأموات هو من الكفر العملي لا الكفر ألجحودي, ونقل ما ورد في كفر تارك الصلاة كما ورد في الأحاديث الصحيحة.

الشرح

وينبغي أن نعرف ما هو الكفر العملي؟ يعنى الكفر العملي يختلف عن الكفر ألجحودي الاعتقادي؟ يمكن أن يكون مثلًا مفارقًا له؟

نقول: الكفر العملي لا يمكن أن يكون بلا اعتقاد, كما أن العمل كله لا يمكن خالي من الاعتقاد لأن الاعتقاد هو الذي يبعث على العمل, أما أن يوجد عمل بلا عقيدة فهذا ما يكون إلا من المجانين أو من السكارى لأن الأمر مثل ما قال r: «إن في القلب مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد, وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد», القلب هو الأصل في هذا، فلا يمكن أن يوجد عمل إلا وسبقته النية والإرادة هذا أمر من نظر فيه تيقن يقينًا، فإذًا الكفر العملي لا يساوي الكفر الاعتقادي وكله تشقيقات و أمور فيها نظر في الواقع, إلا إذا أريد بالعمل الذي قلته أنه الكفر اللفظي والكفر الذي لا يخرج من الدين الإسلامي ككفر النعمة، وإضافة الأشياء إلى أسبابها وما أشبه ذلك, فهذا سمى كفرًا عملي غير مخرج من الدين الإسلامي, أما أن تجعل مثلًا عبادة القبور من هذه فهذا ضلال بين ولا يمكن أن يؤتى بدليل يؤيد هذه القول, فهو مجانب للصواب تمامًا.

(المتن)

وقوله : .. وكفر تارك الحج لقوله تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ }[آل عمران:97]وكفر من لم يحكم بما أنزل الله كما في قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}[المائدة:44].

الشرح

نقول: هذه شبهة لا دليل عليه فيها, لأن الراجح من أقوال العلماء أن تارك الصلاة يكون خارجًا من الدين الإسلامي, والأدلة على هذا واضحة كما هو في الصحيحين في صحيح مسلم وغيره: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة», وكذلك قول الله جل وعلا : {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}[التوبة:5]ومعنى ذلك أنه إذا لم يفعلوا ذلك أنهم يقاتلون على الكفر الذي كانوا عليه سابقًا، وكذلك ترك الحج, بل ترك ركن من أركان الإسلام له هذا الحكم كما قال شيخ الإسلام, ليس الأمر في هذا فقط متعلق بالصلاة بل المنازعة في هذا ليست منازعة بين من يرى يعني من المرجئة من يرى أن الأعمال ليست داخلة في مسمى الإيمان, بل المنازعة في أركان الإسلام كلها, فهي لا يسلم بأن مثلًا ترك الحج رأسًا بلا عذر أنه ليس بكفر، قد جاء عن الصاحبة في ذلك ما هو صريح في هذا, وكذلك غيره الرسول r كان إذا بعث الدعاة يأمرهم بهذا، يدعوهم إلى ذلك, يقول كما في حديث معاذ: «إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، فإن هم أجابوك إلى ذلك فأعلمهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات لكل يوم وليلة, فإن هم أجابوك إلى ذلك فأعلهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم», إلى آخره وهكذا كان يأمر من يرسله للدعوة إلى الله جل وعلا الدخول في الإسلام, وكذلك الحكم بما أنزل الله إذا كان الحكم بما أنزل الله جل وعلا في قضايا معينة مع الإقرار بأن هذا ظلم وأن الفاعل لذلك مستحق للعقاب فهذا نعم لا يخرج من الدين الإسلامي بذلك, أما إذا استبدلت الشريعة جملة بقوانين ونبذ شرع الله وحكمت القوانين فهذا لا أحد من العلماء يقول: أن هذا كفر عملي لا يخرج من الدين الإسلامي.

(المتن)

وقوله : ونحو ذلك من الأدلة الواردة فيمن زنا، ومن سرق ومن أتي حائضًا أو امرأة في دبرها أو أتي كاهنًا أو عرافًا أو قال لأخيه يا كافر.

الشرح

كل هذه التي جاء فيها النصوص ونصوص الوعيد للعلماء فيها قولان, أما القول الثالث فغير معتبر, لأن بعض العلماء يقول: ثلاث أقوال, ويجعل قول الخوارج داخل في هذا, الصحيح أن الخوارج ليسوا من أهل العلم, وإنما هم قوم أهل سيف وأهل قتل يقتلون المسلمين ويدَعون الكافرين, وهم في الواقع تأولوا كتاب الله على غير تأويله فجعلوا الآيات التي في الكافرين في المؤمنين, فلا عبرة في أقوالهم، وإنما الأقوال في هذه قولان فقط التي تعتبر.

قول جمهور العلماء: أن هذه يجب أن تأول حتى تتفق مع النصوص الأخرى لأن علمنا أن الزاني لا يكون خارجًا من الدين الإسلامي, فالرسول r لما أتاه الزاني مقرًا رجمه ثم صلى عليه, وكذلك المرأة لما قيل له: كيف تصلى عليها وقد زنت؟ قال: «لقد تابت توبة لو وزعت على كذا وكذا لوسعتهم», وكذلك الذي يشرب الخمر مما لعنه حينما تقرر لعنه رجل قال: «لا تلعنه إنه يحب الله ورسوله», وكذلك قوله r في السارق ونحوه، وكذلك سائر المعاصي فهذه إذا جاءت النصوص فيها فمعنى ذلك أن هذا من باب الزجر والردع, وليس ذلك أنها دليل على أنه خرج من الدين الإسلامي, كقوله جل وعلا: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء:10]، كذلك قوله: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا}[النساء:93]، الآية، وكذلك في آكل الربا أنه توعده بالخلود في النار.

كل هذه نصوص إما أنها تؤول حتى تتفق مع النصوص الأخرى أو أنها تترك على ما جاءت عليه مع اعتقاد أن الفاعل لهذه الأمور لا يكون خارجًا من الدين الإسلام, هذا هو الحق، أما أن نستدل بها على أن الشرك أن الإنسان فيه معذور وأنه مثل الزاني والسارق، فهذا ضلال، والضلال فيه بين وواضح.

(المتن)

وقوله : قال: فهذه الأنواع من الكفر وإن أطلقها الشارع على فعل هذه الكبائر فإنه لا يخرج به العبد عن الإيمان, ويفارق به الملة، ويباح به دمه وماله وأهله كما ظنه من لم يفرق بين الكفرين ولم يميز بين الأمرين، وذكر ما عقده البخاري في صحيحة من كتاب الإيمان في كفر دون كفر وما قاله العلامة ابن القيم: إن الحكم بغير بما أنزل الله وترك الصلاة من الكفر العملي وتحقيقه أن الكفر كفر عمل وكفر جحوداً وعنادً..

الشرح

هذا ما يدل على أن ابن القيم أنه لا يرى أن ترك الصلاة أنها كفر, فقد صرح بذلك في كتابه في كتاب الصلاة والكلام هذا منقول منه من كتاب الصلاة وحكم تاركها, فهو وإن كان قسم الكفر إلى اعتقادي وعملي يرى أن الكفر العملي يخرج من الدين الإسلامي مثل ترك الصلاة ونحوها, أما المعاصي التي يطلق عليها كفر, فهذه ليست كلها عملية بل بعضها اعتقادي مثل اعتقاد أن النجم له تأثير بنزول المطر وما أشبه ذلك.

(المتن)

وقوله : فكفر الجحود هو أن يكفر بما علم أن الرسول r جاء به من عند الله جحودا وعنادًا فهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه وأما كفر العمل فهو نوعان:

نوع يضاد الإيمان, ونوع لا يضاده، ثم نقل عن ابن القيم كلامًا في هذا المعنى .

ثم قال السيد المذكور:     

الشرح

السيد تطلق عندهم على من كان من أهل البيت, والصنعاني رحمه الله تعالى منهم, ولهذا يخاطبه بالسيد, والواقع مثل ما سمعنا أن هذا القول الذي يقوله ما يقوله الصنعاني لأنه قول متهافت ومتناقض, وليس عليه دليل ولا يقول مثل هذا من يكون بصفة الصنعاني ” رحمه الله ” بالعلم, وكونه مثلًا يستدل على تبرير فعل الشرك وتبرير القبوريين وينافح دونهم يكفيك في كونهم مجانب ما كان عليه محمد بن إسماعيل.

(المتن)

وقوله : ثم قال السيد المذكور: قلت: ومن هذا. يعنى الكفر العلمي من يدعوا الأولياء ويهتف بهم عند الشدائد ويطوف بقبورهم ويقبل جدرانها وينذر لهم بشيء من ماله فإنه كفر عملي لا اعتقادي، فإنه مؤمن بالله وبرسوله r وباليوم الآخر لكن زين له الشيطان أن هؤلاء عباد الله الصالحين ينفعون ويشفعون ويضرون فاعتقدوا ذلك كما اعتقد ذلك أهل الجاهلية في الأصنام ..

الشرح

هذا تناقض، كيف يقول: كفر عملي ثم يقول: فاعتقدوا ذلك؟ !

صارت يعني المسألة مجرد تهويش نفس كلامه صار يتناقض, مرة يذكر عملي ومرة يقول: اعتقدوا ذلك كما اعتقد ذلك أهل الجاهلية.

والصواب أن هذا لا ينفك عن العقيدة, عمل يأتي به عاقل لابد أن تسبقه العقيدة والإرادة, والمجادلات فقط مجادلة الباطل.

(المتن)

وقوله : فاعتقدوا ذلك كما اعتقد ذلك أهل الجاهلية في الأصنام ، لكن هؤلاء المثبتون للتوحيد لله لا يجعلون الأولياء آلهة..

الشرح

وهذا من العجائب يقول: أنهم موحدون ! وهم يعبدون القبور, يقول: أنهم ما أنكروا التوحيد، فهم يقولون كلمة التوحيد, الكلام هذا الذي يقولونه لا يجدي شيء ولا ينفع لأنهم خالفوا مدلوله، خالفوا ما دلت عليه الكلمة فجاءوا بنقيضها تمامًا, هذا ينقض قوله ويصبح القول شبه الهذيان الذي لا فائدة فيه.

(المتن)

وقوله : كما قاله الكفار إنكارًا على رسول الله r لما دعاهم إلى كلمة التوحيد لما دعاهم إلى كلمة التوحيد: {أجعل الآلهة إلهً واحدًا} فهؤلاء جعلوا لله شركاء حقيقة فقالوا بالتلبية: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك. فأثبتوا للأصنام شركة مع رب الأنام, وإن كانت عبارتهم الضالة قد أفادت أنه لا شريك له, لأنه إذا كان يملكه وما ملك فليس شريك له تعالى, بل هو مملوك, فعباد الأصنام الذين جعلوا لله أندادًا واتخذوا من دونه شركاء, وتارة يقولون: شفعاء يقربونهم إلى الله زلفى بخلاف جهلة المسلمين الذي اعتقدوا في أوليائهم النفع والضر..

الشرح

عاد مرة ثانية للاعتقاد اعتقادهم في أوليائهم النفع والضر, فهذا نقض قوله، مرة يقول: عملي، ومرة يقول: اعتقادي.

 (المتن)

وقوله :..فإنهم مقرون لله بالوحدانية وإفراده بالإلهية, وصدقوا رسله..

الشرح

هذا من العجائب يعبدون القبور ويقرون بإفراده من الإلهية, هذا يدل على جهله أنه جاهل، ولا يستحق أن مثل هذا لا يخاطب خطاب العلماء, يأتي بكلام متهافت متناقض ينقض بعضه بعضًا ثم يزعم أنه للأمير محمد بن إسماعيل رحمه الله, وكل هذا تدجيل وتهويش ومجادلة في الباطل التي لا تجدي شيئا, المجادلة يجب أن تكون بالعلم, بالحجج التي تعود إلى الحق، أما بهذه الترهات وهذه التناقضات هذا يدل على جهله فإنه ليس من أهل العلم ولا يستحق أنه يرد عليه أو ينظر في كلامه, ولكن العجيب أن الشوكاني ” رحمه الله ” كيف انطلى عليه هذا الكلام؟ كيف يعني ظن أنه للأمير محمد بن إسماعيل؟

(المتن)

 وقوله : ..فالذي أتوه من تعظيم الأولياء كفر عمل لا اعتقاد، فالواجب وعظهم وتعريفهم جهلهم وزجرهم ولو بالتعذير كما أمرنا بحد الزاني والشارب والسارق من أهل الكفر العملي, إلى أن قال: فهذه كلها قبائح محرمة من أعمال الجاهلية فهو من الكفر العلمي, وقد ثبت أن هذه الأمة تفعل أمورًا من أمور الجاهلية هي من الكفر العملي, كحديث: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء في النجوم والنياحة», أخرجه مسلم في صحيحة من حديث أبي مالك الأشعري, فهذه من الكفر العملي لا تخرج به الأمة عن الملة بل هم مع إتيانهم بهذه الخصلة في الجاهلية أضافهم إلى نفسه فقال: «من أمتي» .

فإن قلت: أهل الجاهلية تقول في أصنامها: أنهم يقربونهم إلى الله زلفى كما يقول القبوريون, ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله كما يقوله القبوريون.

 قلت: لا سواء فإن القبوريين مثبتون التوحيد لله قائلون: أنه لا إله إلا هو ولو ضربت عنقه على أن يقول: إن الولي إله مع الله لما قالها, بل عنده اعتقاد جهل أن الولي لما أطاع الله كان له بطاعته عنده تعالى جاه به تقبل شفاعته ويرجى نفعه, لا أنه إله مع الله بخلاف الوثني فإنه امتنع عن قول: لا إله إلا الله, حتى ضربت عنه زاعمًا أن وثنه إله مع الله ويسميه ربًا وإلهًا, قال يوسف عليه السلام: {أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}[يوسف:39]، سماهم أربابا لأنهم كانوا يسمونه بذلك كما قال الخليل هذا ربي في الثلاث الآيات, مستفهمًا لهم مبكتًا متكلمًا على خطابهم حيث يسمون الكواكب أربابًا, وقالوا: {أجعل الآلة إلهًا واحدا}وقال قوم إبراهيم: {قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا}[الأنبياء:59]، وقوله: {قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ}[الأنبياء:62]، وقال إبراهيم: {أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ}[الصافات:86]ومن هذا يعلم أن الكفار غير مقرين بتوحيد الإلوهية و الربوبية كما توهمه من توهم من قوله: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}[الزخرف:87]، قوله: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ}[الزخرف:9]، وقوله: {قل من يزقكم من السماء والأرض}إلى قوله: {فسيقولون الله} .

فهذا بإقرار بتوحيد الخالقية والرازقية ونحوهما, لا أنه إقرار بتوحيد الإلهية لأنهم يجعلون أوثانهم أربابًا كما عرفت, فهذا الكفر الجاهلي كفر اعتقاد ومن لازمه كفر العمل بخلاف من اعتقد في الأولياء النفع والضر مع توحيد الله والإيمان به وبرسوله واليوم الآخر فإنه كفر عمل.

الشرح

وهذا العجب يقول: من اعتقد في الأولياء النفع والضر مع توحيد الله, كيف يكون الشرك مع التوحيد يجتمع؟ هذا الخلط والجهل فظيع، فيجعل هذا ردًا على دعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله, وردًا لآيات الله جل وعلا الواضحة الجلية.

(المتن)

وقوله : فهذا تحقيق بالغ وإيضاح لما هو الحق من غير إفراط و لا تفريط ، انتهى كلام السيد المذكور رحمه الله تعالى.

الشرح

هذا تلفيق بالغ وجهل فظيع في الواقع مجانب للتحقيق كل المجانبة, ولكن هكذا أصحاب الجهل وأصحاب الشرك, الذي يتعلقون بالقبور يريدون أن يبرروا أفعالهم, وأنهم لم يخرجوا عن مصاف العقلاء ولا عن الموحدين, ولكن هذا مجرد دعوى اليهود والنصارى يدعون أن هم أولياء الله وأبناء الله, ويدعون أن الجنة لهم, الله جل وعلا يقول: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة:111]فهكذا نقول لمثل هذا: هات برهانك هات الحجج التي تستدل بها ولن تجد حجة على تبرير الشرك.

(المتن)

وأقول: هذا الكلام في التحقيق ليس بتحقيق بالغ فالكلام متناقض متدافع وبيانه أنه لا شك أن الكفر ينقسم إلى: كفر اعتقاد وكفر عمل, لكن دعوى أن ما يفعله المعتقدون في الأموات من كفر العمل في غاية الفساد, فإنه قد ذكر في هذا البحث أن كفر من اعتقد في الأولياء كفر عمل, وهذا عجيب ! كيف يقول كفر من يعتقد في الأولياء ويسمي ذلك اعتقادًا ثم يقول إنه من الكفر العلمي ؟

 وهل هذا إلا التناقض البحت والتدافع الخالص ؟ انظر كيف ذكر في أول البحث أن كفر من يدعو الأولياء ويهتف بهم عند الشدائد ويطوف بقبورهم ويقبل جدرانها وينذر لها بشيء من ماله هو كفر عملي .

  فليت شعري ما هو الحامل له مع الدعاء والاستغاثة وتقبيل الجدران، ونذر النذورات هل مجرد اللعب والعبث من دون اعتقاد؟ فهذا لا يفعله إلا مجنون أم الباعث عليهم اعتقاده في الميت ؟ فكيف لا يكون هذا من كفر الاعتقاد الذي لولاه لم يصدر فعل من تلك الأفعال؟ ثم انظر كيف اعترف بعد أن حكم على هذا الكفر بأنه كفر عمل لا كفر اعتقاد بقوله: لكن زين الشيطان أن هؤلاء عباد الله الصالحين ينفعون ويشفعون فاعتقد ذلك جهلًا كما اعتقده أهل الجاهلية في الأصنام, فتأمل كيف حكم بأن هذا كفر اعتقاد ككفر أهل الجاهلية وأثبت الاعتقاد واعتذر عنهم بأنه اعتقاد جهل .

  وليت شعري أي فائدة لكونه اعتقاد جهل فإن طوائف الكفر بأسرها وأهل الشرك قاطبة إنما حملهم على الكفر ودفع الحق والبقاء على الباطل الاعتقاد جهلًا وهل يقول قائل: إن اعتقادهم اعتقاد علم حتى يكون اعتقاد الجهل عذر لإخوانهم المعتقدين في الأموات, ثم تمم الاعتذار بقوله لكن هؤلاء مثبتون للتوحيد, إلى آخر ما ذكره, ولا يخفى كأن هذا عذر باطل، فإن إثباتهم التوحيد إن كان بألسنتهم فقط فهم مشتركون في ذلك هم واليهود والنصارى والمشركون والمنافقون, وإن كان بأفعالهم فقد اعتقدوا في الأموات ما اعتقده أهل الأصنام في أصنامهم, ثم كرر هذا المعنى في كلامه وجعله السبب في رفع السيف عنهم وهو باطل فما ترتب عليه مثله باطل فلا نقول برده .

  بل هؤلاء القبوريون قد صلوا إلى حد في اعتقادهم في الأموات لم يبلغه المشركون في اعتقادهم في الأصنام, وهو أن الجاهلية كانوا إذا مسهم الضر دعوا الله وحده وإنما يدعون أصنامهم مع عدم نزول الشدائد من الأمور كما حكاه الله عنهم بقوله: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا}[الإسراء:67]وبقوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ}[الأنعام:40]وبقوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ} [الزمر:8]وبقوله تعالى: {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}[لقمان:32].

 بخلاف المعتقدين في الأموات فإنها إذا داهمتهم الشدائد استغاثوا بالأموات ونذروا لهم النذور وقل من يستغيث بالله سبحانه وتعالى في تلك الحال وهذا يعلمه كل من له بحث عن أحوالهم, ولقد أخبرني بعض من ركب البحر للحج أنه اضطرب اضطرابًا شديدًا فسمع من أهل السفينة من الملاحين وغالب الراكبين معهم ينادون الأموات ويستغيثون بهم ولم يسمعهم يذكرون الله قط, قال: ولقد خشيت في تلك الحال الغرق لما شاهدته من الشرك بالله, وقد سمعنا عن جماعة من أهل البادية المتصلة بصنعاء أن كثير منهم إذا حدث له ولد جعل قسطًا من ماله لبعض الأموات المعتقدين ويقول: إنه قد اشترى ولده من ذلك الميت الفلاني بكذا..

الشرح

قوله :” لبعض الأموات المعتقدين “ يعني : أنهم يعتقدون فيهم.

(المتن)

 وقوله :..فإذا عاش حتى يبلغ سن الاستقلال دفع ذلك الجعل لمن يعتكف على قبر ذلك الميت من المحتالين لكسب الأموال .

  وفي الجملة فالسيد المذكور رحمه الله تعالى قد جرد النظر في بحثه السابق إلى الإقرار بالتوحيد الظاهري, واعتبر مجرد التكلم بكلمة التوحيد فقط من دون نظر إلى ما ينافي ذلك من أفعال المتكلم بكلمة التوحيد ويخالفه من اعتقاده الذي صدر عنه تلك الأفعال المتعلقة بالأموات .

 وهذا الاعتبار لا ينبغي التعويل عليه ولا الاشتغال به, فالله سبحانه إنما ينظر إلى القلوب وما صدر من الأفعال عن اعتقاده لا إلى مجرد الألفاظ وإلا لما كان فرق بين المؤمن والمنافق .

  وأما ما نقله السيد المذكور رحمه الله تعالى, عن ابن القيم في أول كلامه من تقسيم الكفر إلى عملي واعتقادي فهو كلام صحيح وعليه جمهور المحققين, ولكن لا يقول ابن القيم ولا غيره: إن الاعتقاد بالأموات على الصفة التي ذكرها هو من الكفر العلمي .

  وسننقل ها هنا كلام ابن القيم في أن ما يفعله المعتقدون في الأموات من الشرك الأكبر كما نقل عنه السيد رحمه الله تعالى في كلامه السابق, ثم نتبع ذلك بالنقل عن بعض أهل العلم، فإن السائل كثر الله فوائده قد طلب ذلك في سؤاله فنقول: قال ابن القيم في شرح المنازل في باب التوبة: وأما الشرك فنوعان: أكبر وأصغر، فالأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه وهو أن يتخذ من دون الله ندًا يحبه كما يحب الله بل أكثرهم يحبون آلهتهم أعظم من محبة الله, ويغضبوا لمنتقصي معبوديهم من المشايخ أعظم مما يغضبون إذا انتقص أحد رب العالمين, وقد شاهدنا هذا نحن وعيرنا منهم جهرة ونرى أحدهم قد اتخذ ذكر معبوده على لسانه إن قام وقعد وإن عثر وهو لا ينكر ذلك ويزعم أنه باب حاجته إلى الله و شفيعه عنده, وهكذا كان عباد الأصنام سواء .

  وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم وتوارثه المشركون بحسب اختلاف آلهتهم فأولئك كانت آلهتهم من الحجر وغيرهم اتخذها من البشر، قال الله تعالى حاكيًا عن أسلاف هؤلاء: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر:3].

الشرح

وهذا الكلام لابن القيم فيه رد بليغ على الرجل هذا الذي يزعم أن الشرك أنه كفر عملي لأنه جعل هذا أعظم من شرك المشركين, الاعتقاد في القبور ومناداة أصحابها وإنزال الحاجات بهم لأن هذا ما كان المشركون يصنعونه ولهذا يقول: يجعل مثلًا ذكر شيخه هو ديدنه دائمًا مثل الذي يذكر ربه جل وعلا, ويقول: أنهم عيرونا إذا أنكرنا عليهم شيء من ذلك, بل كانوا يضربونهم ويرمونهم بكل عظيمة, لأنهم عاشوا على هذا الشيء كما قال الشوكاني رحمه الله فيما سبق.

فالمقصود: أن كلام ابن القيم هنا واضح وجلي في أن عبادة القبور أنها شرك أكبر لا يكون كفر عملي كما زعم هذا الزاعم، وكيف يستدل بشيء هو دليل عليه؟!

(المتن)

وقوله : وهكذا حال من اتخذ من دون الله وليًا يزعم أنه يقربه إلى الله تعالى, وما أعز من تخلص من هذا بل ما أعز من لم يعادي من أنكره, والذي قام بقلوب هؤلاء المشركين أن آلهتهم تشفع لهم عند الله وهذا عين الشرك.

وقد أنكر الله ذلك في كتابه وأبطله, وأخبر أن الشفاعة كلها له ثم ذكر الآية التي في سورة سبأ وهي قوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ}[سبأ:22]، وتكلم عليها ثم قال:

 والقرآن مملوء من أمثالها..

الشرح

ومع ذلك قال: إن هذه الآية عروق شجرة الشرك من القلوب, لكن هذا لمن يفهم, لأن الله جل وعلا في هذه الآية عطل كل تقدير يمكن أن يقدره المشرك, قال جل وعلا: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ}، الذي لا يملك هذا المقدار كيف يدعى؟ وكيف يتعلق به؟ ثم قد يكون هناك تقدير غير هذا, قد يكون مثلًا الداعي هب أنه لا يملك مثقال ذرة ولكن يمكن أن يكون شريكًا للمالك فنفي هذا وقال: {وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ}، ثم قد يأتي تقدير ثالث: يقول: ليس معه شريك ولكن يكونون معاونين ومعاودين أو مساعدين فنفى هذا التقدير: {وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ}، هذه ثلاثة انتفت بقيت الشفاعة يقال: ما يملكون شيئًا ولا شركة له ولا وزراء ولا معاونين ولكن يشفعون فنفاها قال: {وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ}، ثم قال: إن هذه الآية لها أيضا نظائر كثيرة في كتاب الله جل وعلا ولكن لمن يعقل, أما هؤلاء فهم لا يعقلون.

(المتن)

وقوله : ثم قد أنكر الله ذلك في كتابه وأبطله وأخبر أن الشفاعة كله له ثم ذكر الآية في سورة سبأ وهي قوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ}، وتكلم عليها ثم قال: والقرآن مملوء من أمثالها ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع كافة ويظنه في قوم قد خلوا ولم يعقبوا وارثه, وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن, كما قال عمر بن الخطاب t: (إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية) .

  وهذا لأنه إذا لم يعرف الشرك وما عابه القرآن وذمه وقع فيه وأقره ودعا إليه وصوبه وحسنه، وهو لا يعرف أنه هو الذي كان عليه أهل الجاهلية أو نظيره أو شر منه أو دونه، فتُنقض بذلك عرى الإسلام فيعود المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، والبدعة سنة والسنة بدعة، ويكفر الرجل بمحض الإيمان وتجريد التوحيد, ويبدع بتجريد متابعة الرسول r، ومفارقة الأهواء والبدع ومن هل بصيرة وقلب حي سليم يرى ذلك عيانًا والله المستعان . ثم في ذلك الكتاب..

الشرح

ثم قال: فصل. يعنى هذا لا يزال في كلام ابن القيم.

(المتن)

فصل

 وأما الشرك الأصغر فكيسير الرياء، والتصنع للخلق، والحلف لغير الله كما ثبت عن النبي r لأنه قال: «من حلف بغير الله فقد أشرك بالله», وقول الرجل للرجل: ما شاء الله وشئت، هذا من الله ومنك، وأنا بالله وبك، وما لي إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، ولولا أنت لم يكن كذا وكذا، وقد يكون هذا شركًا أكبر بحسب حال قائله ومقصده.

ثم قال ابن القيم – رحمه الله تعالى – في ذلك الكتاب بعد فراغه من ذكر الشرك الأكبر والأصغر والتعريف لهما ومن أنواع الشرك..

الشرح

هذا ليس تعريفًا، في الواقع أن هذا ليس تعريفًا للشرك الأصغر, وإنما عرفه بالمثال ولهذا تعريف الشرك الأصغر ليس متفق عليه، فبعض الناس يقولون: أنه كل عمل يكون وسيلة إلى الشرك الأكبر. هذا أيضًا ليس مستقيمًا لأن هناك أعمال تكون وسائل للشرك الأكبر ولا تكون شركًا أصغر مثل الصلاة عند القبر مثلا, الصلاة عند القبر محرمة وهي من وسائل الشرك، فالصلاة لله جل وعلا، الإنسان يصلى لله عند القبر, هذا لا يجوز محرم وهي من وسائل الشرك الأكبر, وليست هي من الشرك الأصغر, ولهذا عدل ابن القيم عن تعريف الشرك الأصغر بالمثال .

وقوله: الشرك الأصغر كيسير الرياء، والتصنع للخلق .. ” هذا تعريف بالأمثلة وليس تعريف بالضابط الذي يكون جامعًا مانعًا.

(المتن)

وقوله :..ومن أنواع الشرك سجود المريد للشيخ، ومن أنواعه التوبة للشيخ فإنها شرك عظيم, ومن أنواعه النذر لغير الله، والتوكل على غير الله، والعمل لغير الله، والإنابة والخضوع والذل لغير الله, وابتغاء الرزق من عند غير الله، وإضافة نعمة إلى غيره، ومن أنواعه طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم والتوجه إليهم, وهذا أصل شرك العالم فإن الميت قد انقطع عمله وهو لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا فضلًا لمن استغاث به أو سأله قضاء حاجته, أو أن يشفع له إلى الله فيها، وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده, فإن الله تعالى لا يشفع عنده احد إلا بإذنه, والله لم يجعل استعانته وسؤاله سبب لإذنه .

  وإنما السبب لإذنه هو كمال التوحيد, فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن وهو بمنزلة من استعان في حاجته بما يمنع حصولها وهذا حال كل مشرك, والميت محتاج إلى من يدعو له ويترحم عليه ويستغفر له كما أوصانا النبي r إذا زرنا قبور المسلمين أن نترحم عليهم ونسأل الله لهم العافية والمغفرة, فعكس المشركون هذا وزاروهم زيارة العبادة لقضاء الحوائج والاستعانة بهم وجعلوا قبورهم أوثانًا تعبد، وسموا قصدها حجًا, واتخذوا عندها الوقفة وحلق الرؤوس فجمعوا بين الشرك بالمعبود وتغيير دينه ومعاداة أهل التوحيد ونسبتهم إلى التنقص بالأموات, وهم قد تنقصوا الخالق بالشرك وأوليائه الموحدين المخلصين له الذين لم يشركوا به شيئًا بذمهم ومعاداتهم, وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص إذ ظنوا أنهم راضون منهم بذلك, وأنهم أمروهم به، وأنهم يوالونهم عليه, وهؤلاء أعداء الرسل في كل مكان وزمان, وما أكثر المستفيدين لهم !

 ولله در خليله إبراهيم r حيث يقول: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ}[إبراهيم:35-36]، وما نجا من هذا الشرك الأكبر إلا من جرد توحيده لله, وعادى المشركين في الله ، وما نجا من شَرِك هذا الشرك الأكبر إلا من جرد توحيده لله وعادى المشركين في الله، وتقرب بمقتهم إلى الله, انتهى كلام ابن القيم.

الشرح

وما نجا من شَرِك هذه الشرك الأكبر سقطت هذه الكلمة.

(المتن)

وقوله : فانظر كيف صرح بأن ما يفعله هؤلاء المعتقدون في الأموات هو شرك أكبر, بل أصل شرك العالم و ما ذكره من المعاداة لهم فهو صحيح قال تعالى: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة:22]وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ}[الممتحنة:1]إلى قوله: {كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ}[الممتحنة:4].

وقال شيخ الإسلام تقي الدين في الإقناع : ..

الشرح

الإقناع ليس لشيخ الإسلام ، الإقناع لموسى الحجاوي, ولكن صاحب الإقناع ذكر هذا الكلام عن شيخ الإسلام، فكلمة الإقناع ما ينبغي أن تثبت هنا, لو قال مثلًا: صاحب الإقناع نقلًا عن شيخ الإسلام ممكن.

(المتن)

وقوله :قال شيخ الإسلام تقي الدين في الإقناع ” إن من دعا ميتًا وإن كان من الخلفاء الراشدين فهو كافر, وإن من شك في كفره فهو كافر”.

وقال أبو الوفاء ابن عقيل في الفنون: لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها, فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم وهم عندي كفار بهذه الأوضاع مثل تعظيم القبور وخطاب الموتي بالحوائج وكتب الرقاع فيها: يا مولاي افعل لي كذا وكذا, أو إلقاء الخرق على الشجرة اقتداء بمن عبد اللات والعزى، انتهى.

الشرح

هذا الكلام يعنى كثير جدًا عن العلماء في كون عباد القبور أنهم خرجوا عن الدين الإسلامي وأنهم جاءوا من الشرك بأكثر ما كانت الجاهلية تفعله, وهو أمر ظاهر لمن يعرف الشرك ويعرف التوحيد لا خطأ في هذا، ولكن كون بعض الناس مثلًا بعض من يكون من العلماء أنه يجادل عن الشيء هذه سنة الله جل وعلا أن الباطل له أنصار وله علماء كما أن الحق له أنصار وله وعلماء, أسأل الله جل وعلا أن لا يجعل الحق ملتبسا علينا لنضل, وأن يرزقنا إتباع الحق واجتناب الباطل .

(المتن)

وقوله : وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في إغاثة اللهفان في إنكار تعظيم القبور: وقد آل الأمر بهؤلاء المشركين إلى أن صنف بعض غلاتهم من كتابًا سماه مناسك المشاهد، ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام, و دخول في دين عباد الأصنام، انتهى.

وهذا الذي أشار إليه هو ابن المفيد .

وقال في النهر الفارق : “ اعلم أن الشيخ قاسمًا قال في شرح درر البحار: أن النذر الذي يقع من أكثر العوام بأن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء قائلا: يا سيدي فلان إن رد غائبي أو عوفي مريضي فلك من الذهب، أو الفضة، أو الشمع، أو الزيت كذا، باطل إجماعًا لوجوه, إلى أن قال: ومنها لو ظن أن الميت تصرف في الأمر واعتقاد هذا كفر” . انتهى.

وهذا القائل من أئمة الحنفية وتأمل ما أفاده من حكاية الإجماع على بطلان النذر المذكور وأنه كفر عنده مع ذلك الاعتقاد.

وقال صاحب ” الروض ” : إن المسلم إذا ذبح للنبي صلى الله عليه وسلم  كفر انتهى.

وهذا القائل من أئمة الشافعية وإذا كان لسيد الرسل صلى الله عليه وسلم  كفرًا عنده فكيف بالذبح لسائر الأموات.

وقال ابن حجر في شرح الأربعين له: من دعا غير الله فهو كافر انتهى.

وقال شيخ الإسلام تقي الدين رحمه الله تعالى في الرسالة السنية: إن كل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعًا من الإلهية مثل أن يقول: يا سيدي فلان أغثني, أو انصرني, أو أرزقني, أو أجرني, وأنا في حسبك ونحو هذه الأقوال فكل هذا شرك وضلال, يستتاب صاحبه فإن تاب نجا وإلا قتل, فإن الله إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده لا يجعل معه إله آخر, والذي يدعون مع الله آلهة أخرى مثل المسيح، والملائكة، والأصنام، لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق, أو تنزل المطر, أو تنبت النبات, وإنما كانوا يعبدونهم أو يعبدون قبروهم أو صورهم ويقولون: إنما نعبدهم ليقربونا إلى زلفى, ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله, فبعث الله رسله تنهى أن يدعى احد من دونه لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة, وقال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ}[الإسراء57:56], قالت طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح وعزيرًا والملائكة, ثم قال في ذلك الكتاب أي الإمام ابن تيمية: وعبادة الله وحده لا شريك له هي أصل الدين, وهي التوحيد الذي بعث الله ربه الرسل وأنزل به الكتب, قال الله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}[النحل:36]، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:25]وكان صلى الله عليه وسلم  يحقق التوحيد ويعلمه أمته حتى قال رجل: ما شاء الله وشئت. قال: «أجعلتني لله ندا قل ما شاء الله وحده», ونهى عن الحلف بغير الله وقال: «من حلف بغير الله فقد أشرك », وقال صلى الله عليه وسلم في مرض موته: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا», وقال صلى الله عليه وسلم : «اللهم لا تجعل قبري وثن يعبد», وقال صلى الله عليه وسلم : «لا تتخذوا قبري عيدًا ولا بيوتكم قبورًا وصلوا على حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني».

ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور ولا الصلاة عندها, وذلك لأن من أكبر الأسباب لعبادة الأوثان كان تعظيم القبور, ولهذا اتفق العلماء على أنه من سلم على النبي صلى الله عليه وسلم  عند قبره, أنه لا يتمرغ بحجرته ولا يقبلها, لأنه إنما يكون لأركان بيت الله فلا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق, كل هذا لتحقيق التوحيد الذي هو أصل الدين ورأسه الذي لا يقبل الله عملا إلا به, ويغفر لصحابه ولا يغفر لمن تركه, كما قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء:48]ولهذا كانت كلمة التوحيد أفضل الكلام و أعظمه وأعظم آية الكرسي: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم}، وقال صلى الله عليه وسلم : «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة», والإله هو الذي يألهه القلب عبادة له واستغاثة به ورجاء له وخشية وإجلالًا، انتهى .

الشرح

قد علم من دعوة الرسل وما بالغ فيه خاتمهم صلوات الله وسلامه عليه, أن أول ما يؤمر به أصل الدين كله هو أن تكون العبادة لله وحده, ولهذا بقي صلوات الله وسلامه عليه يدعو إلى كلمة الإخلاص عشرة سنوات تقريبا, لم يؤمر لا بصلاة ولا بصوم ولا بصدقة ولا بغيرها, بل ما كان ينهي عن الفواحش حتى يمتثل الإنسان بالتوحيد بكلمة لا إله إلا الله وكانوا يعرفون معناها لأنها بلغتهم, ويعرفون أنها تبطل كل تعلق بغير الله جل وعلا, ثم لما تحقق صحابته هذا الأمر وصار له أصحاب يجتمعون ولهم نشاط في الدعوة إلى الله جل وعلا وهاجر إلى دار المؤمنين, المهاجرين تنزلت الشرائع وأول ما نزل الأمر بالصلاة, إن كان نزل قبل الهجرة بسنوات قليلة, ذلك لأن مبنى العبادات كلها على التوحيد على أن يكون الدين لله وحده فقط, أما إذا وزع الدين بين بالله وبين عباده فهذا ليس دينا لله, بل هو الشرك الذي لا يقبل الله معه عملا, ودعوته صلى الله عليه وسلم  صارت على ها النهج, وكذلك الذين اتبعوه, ما دام الإنسان عنده شرك فلا فائدة في أي عمل يعمله, أعماله كلها ضلال ولا قيمة له فهي هباء، الأصل الذي يبنى عليه هو أن يكون الدين خالصا لله جل وعلا ولما كانت في الفتن فتنة القبور, وكذلك ما يتبعها من الصور كانت هي أصل الشرك الذي وقع في بني آدم, بالغ صلوات الله وسلامه عليه في إزالة هذا المبدأ الذي يتعلق به من يتعلق بالوثنية, فكان صلى الله عليه وسلم  يبعث البعوث لتسوية القبور وطمس الصور كما في صحيح مسلم عن أبي هياج الأسدي قال: قال لي علي بن ابي طالب: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم  ألا تدع قبرًا مشرفًا إلا سويته ولا صورة إلا طمستها) يعنى أيضا الخلفاء صاروا على مسيره, وكونه يسوى القبر بالأرض حتى لا يكون فيه متعلق بمن يتعلق بغير الله جل وعلا والغالب أنها تكون في القبور, ولما فتح الصحابة رضوان الله عليهم تستر وجدوا فيها في خزائنها خزائن الملوك, رجل ميت له سنين كثيرة على سرير, وعنده كتاب فعلموا أنه أحد الأنبياء أنبياء بني إسرائيل, فأخذوه وحفروا في النهار قبورًا متعددة أكثر من عشرة قبور, فلما صار في الليل دفنوه في واحد منها وسووها كلها بالتراب بالأرض حتى لا يعلم أين هو, وفي رواية أنهم أجروا عليه نهرًا, إمعانًا بتخفية قبره، وكل هذا تعلموه من رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولهذا لما نسي هذا الأمر عاد الناس إلى الوثنية إلى التعلق بالأموات, من غير ما برهان لا عقلي ولا سمعي مما جاءت به الرسل, فإنها جاءت بضد ذلك, فالعقل أيضًا يمج هذه الأمور ويمقتها ولكن إذا جاءت الفتن ذهبت العقول, وما ذكره ابن القيم أن بعضهم صنف كتابًا سماه مناسك المشاهد, يعنى مناسك القبور, وهذا من أئمة الرافضة, وهم أول من بنى القبور ودعا إليها, دعا الناس إلى عبادتها, ولا تزال المسألة إلى الآن تزداد في هذا الشيء, فهم يعبدون القبور عبادة صريحة ويدعون إلى حجها, ويزعمون أن الحج إليها أفضل من الحج إلى الكعبة, ولكن هذا لا يستغرب منهم لأنهم أصل دينهم مبني على الوثنية, وعبادة الأشخاص كما هو ظاهر في أنهم يعبدون يعبد بعضهم بعضًا, وإنما المصيبة أن يحصل هذا في أهل السنة في جميع بلادهم، ولا يخفى على الإنسان العاقل الذي ينظر ويسبر الحال كيف فتنة القبور الآن في أماكن متعددة؟ ودخول عبادة القبور في سائر البلاد تحتاج إلى توعية للناس ودعوة بعد دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم  وإتباعه في ذلك حتى يعلم الناس أن العبادة يجب أن تكون لله جل وعلا, وهذا أمر متفق عليه لا خلاف فيه بين العلماء أن هذا من الشرك الأكبر, وإنما يجادل فيه من لا يفهم أو من كان في قلبه مرض، مرض التعلق بعبادة الأرض أو عبادة الناس وعبادة القبور وغيرها, ولهذا كثر رفع القبور والبناء عليها والمبالغة في تزويقها حتى جعلوا لها ستور, تشبيهًا بالكعبة يشبهونها بالكعبة ولا يزال ذلك موجودًا، وكذلك يقدمون لها الأموال الكثيرة, مما يدل على أن عبادتها متأصلة في قلوبهم وهم شابوا على هذا الشيء, نقول: أن كون مثلًا هذا الأمر ظاهر وهو أيضًا من الشرك الظاهر الجلي لا يخفى إلا إما على جاهل أو متجاهل متعامٍ عن الحق, ولهذا النقول في هذا عن العلماء لا يمكن أن تنحصر, وكلهم يحذرون من ذلك ويبينون أن هذا منافٍ لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم  من الدعوة إلى عبادة الله وحده, ولا يقبل الله جل وعلا عملًا إلا إذا كان خالصا لوجهه تعالى وتقدس, والقرآن من أوله إلى آخره كله في هذا الأمر وفي جزاء من ارتكب وفعل أو جزاء الذين أخلصوا العبادة وما يكون لهم في الدنيا والآخرة, ولهذا قص الله علينا قصص الأنبياء وما قالوا لقومهم وما قيل لهم حتى نعتبر بذلك, وإلا فالأمم التي مضت لاقت ما تستحق من الجزاء في الدنيا وكذلك في البرزخ, وإنما هذا نحن المقصودون به، فيجب أن نعتبر.

من ذلك كونه صلى الله عليه وسلم  بالغ في النهي عن الإتيان إلى قبره صلوات الله وسلامه عليه, وكذلك بالغ في كون الأمر يكون لله وحده حتى لا يتطرق الشيطان إلى الدخول إلى أصل الدين وإفساده على المسلمين كما قال للرجل لما قال له: ما شاء الله وشئت. قال: «أجعلتني لله ندًا؟», يعني إذا كان مثلًا تشريك المخلوق مع الخالق في المشيئة يجعل ذلك ند يعني شرك من الشرك فكيف تعلق القلب؟ وكيف الذبح؟ وكيف الطواف والعكوف؟ وكيف طلب الحاجات؟ والاستغاثة عند الملمات, هذا هو أصل التوحيد، أصل العبادة التي أمر الله جل وعلا بها, وهذا لا يجوز أن يخفى على مسلم وكذلك من ذلك المبالغات النهي عن الحلف إلا بالله أو بصفة من صفاته, والخبر بأن من حلف بغير الله فقد أشرك أو كفر, لأن الحلف هو ذكر المعظم عند الخبر الذي يخبر به القادر على عقاب من كذب, وإثابة من صدق فكان بهذا ولهذا من استشعر هذا الشيء لا يقول: أن الحلف من الشرك الأصغر, إنما يكون من الشرك الأصغر إذا جرى على اللسان بدون ملحوظ ما يترتب عليه مما وضع له الحلف أصلًا, وكذلك كونه حتى في مرض موته صلوات الله وسلامه عليه يلعن الذين يبنون المساجد على القبور, أو يجعلونها في أماكن العبادة يحذر صنعهم وفعلهم, ثم هو صلوات الله سلامه عليه يبتهل إلى ربه ويقول: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد», يقول هذا في مرض موته صلوات الله وسلامه عليه, فدل هذا على أن قبره لو عبد لكان وثنًا، وهو قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد», وبالغ في هذا حتى نهى عن ارتياده وقال: «صلوا علي أينما كنتم, فإن صلاتكم تبلغني» وقال: «لا تجعلوا قبري عيدًا», يعنى لا تعتادوا المجيء إلي وتترددوا إلي, يعني كل هذا لأجل سد الطرق إلى الشرك التي يمكن أن يدخل منها الشيطان ويزين الشرك للناس من باب تعظيم الأنبياء أو الأولياء أو نحو ذلك, لأن خلط الباطل بالحق حتى يلتبس هو الذي يكون طريقًا للشيطان كثيرًا, والغلو الذي هو التجاوز عن المشروع أيضًا من السبل في هذا, قال: «لا تتخذوا قبري عيدًا ولا بيوتكم قبورا وصلوا على حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني», «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا» يعني لا تجعلوها شبيهة بالقبور، وليس المعنى أنكم لا تدفنون موتاكم في قبوركم، هذا ما كان أحد يعتاده ولا يفعله, فالبيوت ليست مقابر وإنما يقول: لا تجعلوها شبيهة بالقبور معطلة من العبادة, بهذا يتبين أن الصحابة أنه قد تقرر عندهم أن المقابر ليست محل للعبادة بل معطلة عن العبادات, ثم قال صلى الله عليه وسلم : «وصلوا على حيثما كنتم»,يعني بأي مكان, يعني أنه لا داعي إلى أن تأتوا إلى القبر تصلوا على فيه, الصلاة تصل إليه في أي مكان كان، وأفضل الصلاة عليه في الصلاة التي علمنا إياه صلوات الله وسلامه عليه, ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يشرع بناء المساجد ليس لا يشرع, بل هذا من أعظم المحرمات، وهذا من شرائع الشيطان أن يبنوا مساجد على القبور من شرائع الشيطان كما يفعله عباد القبور والوثنيون, وهذا من المحرمات التي لا يرتاب فيها من عنده شيء من العلم الشرعي, فتعظيم القبور ورفعها والمبالغة في تزويقها هو من وسائل الشرك بل من الدعوة إلى الشرك, ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم  أن يوضع في القبر غير ترابه, التراب الذي حفر منه هو الذي يدفن فيه فقط و لا يؤتى بشيء زايد، وأمر بتسويتها بالأرض, ولا يكون هناك أشياء لا كتابة و لا تجصيص، ولا غيرها مما قد يدعو إلى تعظيمها ويكون فيه تعلق لمن قد يسول له الشيطان أن التقرب بأصحابها إلى الله جل وعلا يكون وسيلة إلى حصول المطلوب كما يفعله كثير من الناس, ثم يرتقون إلى عبادتها نفسها استقلالًا بدون أن تكون وساطة, أما كون النهي عن التمسح بقبره أو بجدرانه هذا ليس فقط في قبره صلى الله عليه وسلم  في جميع القبور ولكن قبره يكون له ميزة, فإذا كان ينهى عنه أن يتمسح أو يقصد حتى عند الدعاء يقول العلماء: لا يجوز أن يستقبله إذا أراد أن يدعوا لنفسه, بل يستقبل القبلة ويدعو إذا أراد الدعاء, ولا يجوز أيضًا تحرى الدعاء عند القبر, فإن هذا من الوسائل الشركية التي قد يزين الشيطان للإنسان حتى في وقت ما يدعو, لأنه يلحظ أن هذا المكان مكانًا معظم لوجود القبر مثلًا, فهذا نوع من العبادة التي تكون وسيلة إلى ما هو أعظم من ذلك, فتحقيق التوحيد هو أن يكون خالصًا لله جل وعلا ومبناه على إخلاص القلب, وإصلاح النية في ذلك, أن يكون القلب متعلق بالله وحده جل وعلا, ولا يلاحظ أمور أخرى إا الأمور التي تتعلق بالمخلوق في تعظيمه أو جعله مثل وساطة أو وسيلة بينه وبين ربه جل وعلا فإذا حصل ذلك فإن الإنسان يسعى إلى إبطال عمله وإلى ما يتحصل على ما فيه مقته عند الله جل وعلا و إبعاده عن رحمته: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا}[النساء:48]، وهذا أمر لا يجوز أن يجهل كما هو الواقع الآن وللأسف في كثير من البلاد, إذا حضر الإنسان عند القبر وجدت البكاء والخشوع والذل وإذا كان في الصلاة لا يكون من ذلك شيء, وما هذا إلا لأن صاحب القبر أعظم عنده وأكبر في قلبه من الله جل وعلا, فكيف بمثل هذا يقال: إنه مسلم أو يقال: إنه يرجى أن يكون له شيء عند الله من الجزاء إلا جزاء جهنم، نسأل الله السلامة.

(المتن)

وقوله :    وقال أيضا شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه: اقتضاء الصراط المستقيم في الكلام على قوله: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} [البقرة:173]، إن الظاهر ما ذبح لغير الله سواء لفظ به أو لم يلفظ, وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه, وقال فيه: بسم المسيح ونحوه, كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله كان أزكى مما ذبحناه باللحم وقلنا عليه: بسم الله, فإن عبادة الله بالصلاة والنسك له أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور, والعبادة لغير الله أعظم من الاستعانة بغير الله, فلو ذبح لغير الله متقربًا إليه لحرم وإن قال فيه: بسم الله. كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة وإن كان هؤلاء المرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال لكن يجتمع في الذبيحة مانعان, ومن هذا ما يفعل بمكة وغيرها من الذبح.

الشرح

الذبح للجن، هكذا يعني جاء ولكن الظاهر أنها سقطت الكلمة, وجاء في …. ومن هذا  ما يفعل في مكة وغيرها من الذبح للجن, في هذا الكلام الذي ذكره عن شيخ الإسلام رحمه الله, يقول: يعني مفهومه ومراده أن عمل القلب أعظم مما يعمله بلسانه ويقولوه, أو يعمله بجوارحه, فإذا قصد بالذبيحة في قلبه أنها لفلان ولم يتكلم بل قال: بسم الله هذه لله في قلبه ولكن مقصوده أنها للقبر أو للجني أو للشيطان, فهذه ذبيحة أهل بها لغير الله, فهي مذبوحة لغير الله ولهذا يقول: فإن عبادته جل وعلا أعظم من الاستعانة باسمه, لأنك إذا ذكرت اسمه بمبدأ الأمر تقصد بذلك الاستعانة, تقول: باسمه أستعين وافتتح أموري. و هذا عبادة ولكن قصد القلب أعظم من ذلك, و قوله: أن هذه إذا فعل ذلك فإنه يكون مرتد, لأنه هذا إذا كان مسلم ثم ذبح لغير الله ذبح لقبر, أو للشيطان, أو للجن, أو ما أشبه ذلك, فإنه يخرج من الدين الإسلامي ويكون كافرًا بالله جل وعلا, وقوله: إن الذبيحة هنا لا تباح لأنها ذبيحة مرتد, ويقول: يجتمع فيها مانعان:

المانع الأول: أنها ذبيحة مرتد.

المانع الثاني: أنها مما أهل به لغير الله، يعنى ما ذبح لغير الله.

كل واحد من هذين المانعين يجعل الذبيحة محرمة لا يحوز أكلها, بل هي الميتة أحسن منها, وهذا يدلك على أن أصل الأعمال ما في القلوب, والمقاصد, والنيات, هذا بين في كتاب الله جل وعلا كذلك في سنة رسول صلى الله عليه وسلم ، بل يقول: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى», فالإنسان ليس له إلا ما نوى وعمله مبني على ذلك .

وقوله: كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة وإن كان هؤلاء المرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال لكن يجتمع في الذبيحة مانعان ..أن هذا قد يحصل من بعض منافقي هذه الأمة. يعني أنه يظهر أنه يذبح الذبيحة لله ولكنه في نيته أنها لغير الله, كالذي مثلًا يذبح عندما يريد أن يزل البيت أو يبنيه, فيذبح على العتبة فيقصد بذلك أنه يحمى نفسه و أهله من الجن, ويقول: بسم الله هذه ذبيحة لله أفرقها على الفقراء, فإذا كان نيته هذه فهي ذبيحة أهل بها لغير الله, كما ذكر هنا من أن هذا من صنيع المنافقين, يعني لأنهم أظهروا خلاف ما أبطنوا في قلوبهم, وما يذكره بأن الذي يذبح في مكة للجن كان هذا في وقت ما كانوا يذبحون خوفًا من الجن حتى يسلموا من شرها, وهذا أيضًا من الذبائح لغير الله جل وعلا.

والمقصود أن العبادة يجب أن تكون من الأساس مبنية على الإخلاص لله جل وعلا وما يظهر من قول اللسان وفعل الجوارح يجب أن يكون تابعًا للصدق الذي يكون في القلب إخلاص النية والإرادة لله وحده, وإن كانت الإرادة والنية لغير الله جل وعلا, فعمله باطل وهو ممن يعبد غير الله جل وعلا.

(المتن)

وقوله : ثم قال في موضع آخر من هذا الكتاب: إن العلة في النهي عن الصلاة عند القبور ما يفضي إليه ذلك من الشرك, ذكر ذلك الإمام الشافعي رحمه الله تعالى وغيره, وكذلك الأئمة من أصحاب أحمد ومالك كأبي بكر الأكرم عللوا بهذه العلة، انتهى.

الشرح

يعني يريد بذلك الرد على الفقهاء الذي يقولون: إن العلة في المنع من الصلاة في المقبرة مظنة النجاسة, مما يكون في القبور من الصديد ومن غيرها، هذه علة واهية وهو يرد بذلك عليهم, ويقول: العلة نجاسة الشرك ليست نجاسة المكان, المكان لا يكون نجس لأن القبر يكون مدفون تحت, وظاهر الأرض طاهر, وإنما يُخاف أن تكون العبادة لغير الله وهذا هو الصواب الذي يدل عليه النصوص.

(المتن)

وقوله : وكلامه في هذا الباب واسع جدًا، وكذلك كلام غيره من أهل العلم.

وقد تكلم جماعة من أئمة أهل البيت رضوان الله علهم ومن أتباعهم رحمه الله في هذه المسألة لما يشفي و يكفي، ولا يتسع المقام لبسطه.

الشرح

قصده بأهل البيت هنا: أئمة اليمن, لأنهم من أهل البيت, وفيهم العلماء، وفيه الحكام, وفيهم من بالغ في النهي عن هذا الشرك، وعرف أنه شرك وهدم القباب ومنع الناس من قصدها, وهذا من الأعمال التي تشكر لهم, ويرجى أن يرفع الله مقامهم بها لأن هذه دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم  وفيها إنقاذ الناس من الشرك والوثنية.

(المتن)

وقوله : وآخر من كان منهم نكالًا على القبوريين وعلى القبور الموضوعة على غير الصفة الشرعية مولانا الإمام المهدي العباس بن الحسين بن القاسم رحمه الله, فإنه بالغ في هدم المشاهد التي كانت فتنة للناس وسببا لضلالهم, وأتى على غالبها ونهى الناس عن قصدها والعكوف عليها فهدمها, وكان في عصره جماعة من أكابر العلماء ترسلوا إليه برسائل, وكان ذلك هو الحامل له على نصرة الدين بهدم طواغيت القبوريين .

  وبالجملة فقد سردنا من أدلة الكتاب والسنة فيما سبق ما لا يحتاج معه إلى الاعتضاد بقول أحد من أهل العلم, ولكنا ذكرنا ما حررناه من أقوال أهل العلم مطابقة لما طلبه السائل كثر الله فوائده.

وبالجملة فإخلاص التوحيد هو الأمر الذي بعث الله لأجله رسله وأنزل به كتبه, وفي هذا الإجمال ما يغنى عن التقسيم ولو أراد رجل أن يجمع ما ورد في هذا المعنى من الكتاب والسنة لكان مجلدًا ضخمًا.

الشرح

جمع العلماء في هذا مجاميع كثيرة وحذروا منها، ولاسيما شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فله ما يقرب من مجلدات في هذا الموضوع، وكذلك تلميذه ابن القيم, فإنه ذكر في كثير من كتبه هذه المسائل وأطنب فيها، وبين أن هذه أصل الشرك وأصل عبادة الأوثان, وكذلك غيرهم ولاسيما أئمة الدعوة كالشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه، فكتبهم في هذا ورسائلهم مشتهرة, ومنها انتشر الخير لأنها تستمد من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم , وبذلك طهر الله جل وعلا هذه الجزيرة من القباب وعبادة الأوثان, وهذا يجب أن يكون مستمرًا, ويجب أيضًا أن تطهر بلاد المسلمين الأخرى التي لا تزال الآن فيها الكثرة الكاثرة من القبور ورفعها وعبادتها وكذلك عبادة الأحياء.

(المتن)

وقوله : انظر فاتحة الكتاب التي تكرر في كل صلاة مرات من كل فر من الأفراد, ويفتتح بها التالي لكتاب الله والمتعلم له, فإن فيها الإرشاد إلى إخلاص التوحيد في مواضع فمن ذلك :

 { بسم الله الرحمن الرحيم } فإن علماء المعاني والبيان ذكروا أنه يقدر المتعلق متأخرًا ليفيد اختصاص البداية باسمه تعالى لا باسم غيره, وفي هذا ما لا يخفى من إخلاص التوحيد.

الشرح

قوله : ” المتعلق ” : الذي يتعلق به حرف الجر الذي هو الباء .

وقوله :{بسم الله}, يعني كأنه يقول: {بسم الله} أبتدئ أو أستعين أو أعمل هذا العمل، والأصل أن يكون المتعلق متقدمًا, ولكن لما قدر متأخرًا صار لابد له من فائدة, وفائدته هو الاختصاص, أن يخص هذا العمل به جل وعلا يكون خاصًا له فقط, وهذا بناء على أن:{ بسم الله} هي آية من الفاتحة وهو الصحيح, لأن الفاتحة سبع آيات الآية الأولى: {بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ}[الفاتحة:1]، فهذا خاص بسورة الفاتحة ، أما بقية السور الصحيح أنها جئ بها للفصل بين السورة والتي بعدها والتي قبلها.

(المتن)

وقوله : ومنها في قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}, فإن التعريف يفيد أن الحمد مقصور على الله واللام في: {لله} تفيد اختصاص الحمد به، ومقتضى هذا انه لا حمد لغيره أصلًا, وما وقع منه لغيره فهو في حكم العدم, وقد تقرر أن الحمد هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري لقصد التعظيم, فلا ثناء إلا عليه, ولا جميل إلا منه, ولا تعظيم إلا له, وفي هذا من إخلاص التوحيد ما ليس عليه مزيد.

الشرح

وقوله : الجميل الاختياري: يعني الذي يفعله باختياره وبفعله, والمقصود من هذا النعم التي ينعم بها على عباده جل وعلا, وهي لا حصر لها فهذه توجب الحمد له والثاء عليه جل وعلا, ولهذا يكون حمده واجب، والحمد إذا جئ بــ{الحمد} كذا يدخل فيه كل ثناء باللسان وبالفعل, فتدخل العبادة فيه كلها، يعني أنها تكون خاصة له, وفيها هذا بيان لإخلاص الأعمال أنها يجب أن تكون لله جل وعلا.

(المتن)

وقوله : ومن ذلك قوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}[الفاتحة:4]، أو: {مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ}, على القراءتين السبعيتين, فإن كونه المالك ليوم الدين يفيد لا ملك لغيره فلا ينفذ إلا تصرفه, لا تصرف أحدٍ من خلقه من غير فرق بين نبي مرسل, وملك مقرب, و عبد صالح, وهذا معنى كونه: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}, أو {مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ}, فإنه يفيد أن الأمر أمره والحكم حكمه ليس لغيره معه أمر ولا حكم, كما أنه ليس لغير ملوك الأرض معهم أمر ولا حكم, ولله المثل الأعلى وقد فسر الله هذا المعنى الإضافي المذكور في فاتحة الكتاب في موضع آخر من كتابه العزيز فقال: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ}[الانفطار:17-19]، ومن كان يفهم كلام العرب ونكته وأسراره كفته هذه الآية عن غيرها من الأدلة واندفعت لديه كل شبهة.

الشرح

وهذه أيضا الفائدة الثلاثة يعنى الموضع الثلاث: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}, و {مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ}, قراءتان، ابن جرير رجح القراءة الثانية: {مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ} لأنها أبلغ لأن ملك: يعني هو الملك في ذلك اليوم, يدل على أنه ليس لأحد فيه أي تصرف وأي شيء يملكه, وأما مالك فيكون من أيضًا الملك كونه مالك هذا اليوم, والذي جاء أنه أضيف إلى يوم الدين يوم الجزاء يوم يجمع عباده ليجزيهم أن هذا يظهر جليًا ظاهرًا, وقال: أن هذا أيضًا الموضع أنه جاء تفسيره في آيات كثيرة في القرآن ومنها ما ذكره في سورة الانفطار: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} يعنى أنه ليس لأحد من الخلق شيء يملكه، وبهذا يفسر الحديث الذي جاء في الصحيح قول الرسول صلى الله عليه وسلم : «يوم لا ظل إلى ظله», يعني أنه في ذلك اليوم لا أحد يملك شيء، الظل لله وحده فقط، لو كان فيه ظل فهو لله وحده, فالناس كلهم يأتون حفاة عراة غرلًا, لا لباس ولا نعال ولا ملك أي شيء, فيظهر هذا جليًا في ذلك اليوم، وهذا يدل على أن المخلوق سواء كان ملك، أونبي، أو صالح مقبول عند الله فإنهم كلهم عبيد تحت قهره لا يملكون شيئًا، فالملك له وحده, ولهذا في ذلك اليوم إذا كان من الخلق من توجه إليهم وسألهم فإنهم يتبرؤون منه كما ذكر الله جل وعلا تعالى في كتابه في مواضع متعددة في الملائكة وفي الرسل, حتى الرسل يعنى يتبرؤون فكيف غيرهم؟! يقول جل وعلا:{وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} [الأحقاف:5-6]، وقال جل وعلا: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ}[المائدة:116]، وهكذا قال للملائكة، فسؤال الرسل والملائكة في ذلك الموقف هو تأنيب وتهديد لمن توجه إليهم، لأن الذي يتوجه إليهم لا يستحقون أن يسألوا, يُسأل المعبود أما أولئك يذهب بهم إلى جهنم بدون مسائلة, لأنهم أحقر من أن يسألوا ويوجه إليهم سؤال, حيث جعلوا العبادة في مخلوق عابد ذليل خاضع لله جل وعلا.

(المتن)

وقوله : ومن ذاك: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}[الفاتحة:5]، فإن تقديم الضمير قد صرح أئمة المعاني والبيان وأئمة التفسير أنه يفيد الاختصاص فالعبادة لله سبحانه ولا يشاركه فيها غيره ولا يستحقها, وقد عرفت أن الاستغاثة والدعاء والتعظيم والذبح والتقرب من أنواع العبادة .

ومن ذلك قوله: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فإن تقديم ها هنا يفيد الاختصاص كما تقدم, وهو يقتضي أنه لا يشاركه غيره في الاستعانة بالأمور التي لا يقدر عليها غيره, فهذه خمسة مواضع في فاتحة الكتاب, تفيد كل منها إخلاص التوحيد مع أن فاتحة الكتاب ليست إلا سبع آيات, فما ظنك بما في سائر الكتاب العزيز؟ فذكرنا لهذه الخمسة مواضع في فاتحة الكتاب كالبرهان على ما ذكرناه, من أن في الكتاب العزيز من ذلك ما يطول تعداده وتتعثر الاحاطة به, ومما يصلح أن يكون موضعًا سادسًا لتلك المواضع الخمسة في فاتحة الكتاب قوله: {رب العالمين} وقد تقرر لغة وشرعًا أن العالَمَ ما سوى الله سبحانه, وصيغ الحصر إذا تتبعتها من كتب المعاني والبيان والتفسير والأصول بلغت ثلاثة عشر صيغة فصاعدًا، ومن يشك في هذا فليتتبع كشاف الزمخشري فإنه سيجد فيه ما ليس له ذكر في كتب المعاني والبيان كالقلب فإنه جعله من مقتضيات الحصر, ولعله ذكر ذلك عند تفسيره للطاغوت, وغير ذلك مما لا يقتضي المقام بسطه, ومع الإحاطة بصيغ الحصر المذكورة تكثر الأدلة الدالة على إخلاص التوحيد وإبطال الشرك بجميع أقسامه.

الشرح

في هذا المثال الذي ذكر يعني لفت النظر في كتاب الله وتأمله لأنه نزل لإرشاد الناس وهدايتهم إلى الحق الذي هو عبادة الله وحده، وهذا حق في كتاب الله جل وعلا فيه الهدي والنور وفيه الشفاء ولكن لمن يفهمه ويعمل به, أما هذه المواضع التي ذكرها خمسة في الفاتحة أو الستة فهي ظاهرة من أن العمل يجب أن يكون لله جل وعلا، الأخير الذي ذكر رب العالمين, أولا الرب: الرب يدل على أنه مادام أنه هو الرب جل وعلا يدل على وجوب الإخلاص له ولهذا جعل الله جل وعلا ذلك دليلًا قاطعًا لوجوب عبادته كما استدل به على المشركين في مواضع متعددة, حيث أقروا أن المُلك له والربوبية له في الخلق والرزق وغيره، فيلزمهم أن يعبدوه وحده لأن الذي يملك ويتصرف ويفعل ما يشاء وليس لأحد معه شيء, هو الذي يجب أن يعبد وهو الذي يملك النفع والضر, أما ما ذكر أصول المعاني أنها متعددة وأن الزمخشري له في هذا مقام معروف بتفسيره, فلاشك أن هذا من اختصاص الزمخشري ومن الأمور التي عرفت عنه، ولكن تفسيره مع ذلك مملوء بالباطل الذي هو يدعو به إلى مذهبه الباطل الاعتزال, وهو معتزلي من المعتزلة, ولهذا يخفى ما يشير به على كثير من الناس وتتبعه العلماء وكما يقول ابن المنير: استخرجت الاعتزاليات منه بالمناقيش، لأنه يشير إلى إشارات قد تكون خفية تخفى إلا على من يعرف طريقته, والأمر لله جل وعلا وقد أفضى الرجل إلى ما تقدم, فجزاؤه عند الله، ربما أن الله جل وعلا يعفو عنه لما ألف وصنف ودعا إلى شيء من الهدى, والباطل لا يظن بالعلماء أنهم قصدوه وإنما هذا قصارى اجتهادهم, وظنوا أن هذا هو الحق, فإذا كان هكذا هذا الطريقة في مثل المعتزلة فكيف بالذين أكثر أعمالهم وأقوالهم على وفق السنة؟ وإنما أخطئوا في مواضع معدودة, فمثل هؤلاء أقرب إلى العذر من أولئك, أقول هذا: لأن بعض طلبة العلم وغيرهم يطلقون ألسنتهم في العلماء، مثل إذا وجد خطأ أو أخطأ لبعض العلماء وجدت الكلام فيهم، والسلب لهم، والتحذير من كتبهم، وما أشبه ذلك, هذا لا يجوز، الواجب أنه يذكر الخطأ ويبين حتى يحذر ولا يوقع فيه، أما الوقيعة في العلماء فهذه من المحرمات بل من كبائر الذنوب.

  (المتن)

وقوله : واعلم أن السائل كثر الله فوائدة ذكر في جملة ما سأله عنه أنه لو قصد الإنسان قبر رجل من المسلمين مشهور بالصلاح, ووقف لديه وأدى الزيارة وسأل الله بأسمائه الحسنى وبما لهذا الميت من المنزلة هل تكون هذه بدعة أو تكون هذه البدعة عبادة لهذا الميت ويصدق عليه أنه قد غير الله وأنه قد عبد غير الرحمن وسُلب عنه اسم الإيمان, ويصدق على هذا القبر أنه وثن من الأوثان, ويحكم بردة ذلك الداعي والتفريق بينه وبين نسائه، واستباحة أمواله، ويعامل معاملة المرتدين أو يكون فاعل معصية كبيرة أو مكروهاً ؟

وأقول: إن قد قدمنا في أوائل هذا الجواب أنه لا بأس بالتوسل بنبي من الأنبياء, أو ولي من الأولياء أو عالم من العلماء، وأوضحنا ذلك بما لا مزيد عليه, فهذا الذي جاء إلى القبر زائرًا ودعا الله وحده وتوسل بهذا الميت كأن يقول: اللهم إني أسألك أن تشفيني من كذا، وأتوسل إليك لما لهذا العبد الصالح من العبادة لك والمجاهدة فيك والتعلم والتعليم خالصًا لك, فهذا لا تردد في جوابه لكن لأي معنى قام يمشي إلى القبر؟

                             

الشرح

رحمه الله الشيخ الشوكاني !، فإن هذا من المنكرات، بل هذا من زلات العلماء, وقد يكون يعنى له عذر في هذا ولا نشك أنه قصد بذلك الصواب والحق، ولكن جانبه الصواب في هذا الموضع وسبق الكلام في هذا أنه أدلته التي استدل بها أنها لا تدل على هذا الشيء بوجه من الوجوه, بل تدل على خلافه فهو استدل بالإجماع حسب ما يقول: إجماع السكوت، إجماع الصحابة، والصحابة عملهم الذي أجمعوا عليه ليس هذا، عملهم بدعاء الحي الحاضر فإنه هو قول عمر t مثل ما سبق: (اللهم إنا نتوسل بنبيك فتسقينا وإنا نتوسل بعم نبيك فاسقنا) ثم قال: (قم يا عباس فادعُ) فصار العباس يدعوا وهم يؤمنون على دعائه, فالتوسل الذي توسلوا به وسكت الصحابة وأجمعوا عليه وهو الدعاء دعاء الحي الحاضر الذي معهم يدعو وهم يؤمنون فكيف يقال: إن هذا دليل على التوسل بأعمال الغير والتوسل حتى بالأموات وأعمالهم السابقة, فإن هذا الاستدلال بعيد جدًا عن هذا الموضوع، بل لو عكس الأمر لكان هو الدليل والأقرب كما فعل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

وأما الاستدلال بأنه بقوله: أن الأعمال التي يتوسل بها من الصالحات أنها في الحقيقة يقول: الرجل الصالح إذا توسل به أن التوسل بعمله فكما سبق نقول: العمل عمل الرجل وليس وعمل المتوسل, فكيف تتوسل بشيء أجنبي منك؟ هل يسوغ أن تقول: اللهم إني أسألك بصلاة فلان أو بزكاة فلان أو بحج فلان؟!

إذا قلت ذلك نقول: هذا غير مشروع فكيف تسأل الله جل وعلا بشيء لم يشرع وليس معنى هذا أن هذا من الشرك تقول: أنه وقع في شرك لا، نقول: هذا من الخطأ، من الأمور التي أخطأ فيها وهي من وسائل الشرك وليست شركًا, بل هي وسيلة كما هو الحاصل الآن صار الآن التوسل يطلق على الشرك الصريح, قلنا: يتوسل بفلان يعنى يدعونه صراحة, وهكذا استدلاله بحديث الثلاثة الذين انطبق عليه الغار نقول: استدلال بعيد جدًا, لأن الثلاثة كل واحد منهم سأل ربه بإخلاص عمله, بالعمل الذي أخلص فيه لله جل وعلا, فهم لم يسأل واحد منهم بعمل الآخر, بل كل واحد سأل بعمله الذي عمله فكيف يقال: أن هذا دليل على جواز التوسل بأعمال الغير؟ بأعمال الصالحين؟ وما أشبه ذلك, فإن هذا في البعد عن هذا الاستدلال بمكان, والله يغفر له، ولكن الحق أحق أن يتبع فيجب أن يبين الخطأ ويحذر منه, ويدعى لمن قال هذا القول بأن الله يعفو عنه ويثيبه على اجتهاده.

(المتن)

وقوله : ..،فإن كان لمحض الزيارة ولم يعزم على الدعاء والتوسل إلا بعد تجريد القصد إلى الزيارة.

 الشرح

هذا استدراك، هذا استدرك على الماضي قال: لكن لأي معنى قام يمشي إلى القبر؟ يعني لما ذهب يتوسل بصاحب القبر ما الذي دعاه إلى الذهاب إلى القبر؟ لابد أنه تعظيم القبر وقصده وقصد من فيه فهذا يجعله من الشرك، وهذا الاستدراك الذي استدركه لاحظ ذلك لأن التوسل الذي يقوله ما يلزم أن يذهب إلى القبر يتوسل وهو في أي مكان, أتوسل إليك بعمل فلان وفلان، هذا إذا كان تقدير أن هذا جائز وهو غير جائز.

 

(المتن)

وقوله : لكن لأي معنى قام يمشي إلى القبر؟ فإن كان لمحض الزيارة ولم يعزم على الدعاء والتوسل إلى بعد تجريد القصد من الزيارة فهذا ليس بممنوع.

 الشرح

ليس بممنوع عنده وفي نظره وفي اجتهاده وإلا الأدلة تدل على منع ذلك والأحاديث التي مضت قول الرسول: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا», وقوله صلى الله عليه وسلم : «اللهم لا تجعل قبرى وثنا», وقوله: «صلوا علي أينما كنتم», وما أشبه ذلك، كلها أدلة على هذا المنع، «كذلك لعن زوارات القبور» وغيره, والأدلة على هذا كثيرة لكن نقول: هذا اجتهاده رحمه الله. يعني دعاه اجتهاده إلى هذا القول والله يعفو عنه ويغفر له.

 (المتن)

وقوله : فإنه إنما جاء ليزور وقد أذن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم  بزيارة القبور بحديث: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور إلا فزورها», وخرج لزيارة الموتي و دعا لهم، وعلمنا كيف نقول إذا نحن زرناهم وكان يقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا بكم إن شاء الله لاحقون, وأتاكم ما توعدون، نسال الله لنا ولكم العافية», و هو أيضا في الصحيح بألفاظ وطرق.

 الشرح

الزيارة يقول العلماء: زيارة القبور تنقسم إلى قسمين:

 القسم الأول : زيارة شرعية .

القسم الثاني : زيارة شركية بدعية .

 أما الزيارة الشرعية: فيكون مقصودها الاعتبار والإحسان إلى الميت، يعنى تعتبر بالقبور لأنك سوف تقبر فيكون ذلك موعظة وزاجرًا ويكون أيضًا باعثًا ومنشطًا لك على العمل ، هذا أمر .

الأمر الثاني: أنك تدعو للأموات لأنهم في أمس الحاجة للدعاء، فأنت تحسن إليهم, أما إذا انعكست القضية يعني قصد القبور لأجل أن يتوسل بهم أو يدعو عند القبور أو يدعوهم فهي إما أن تكون بدعة أو تكون شرك, لا تخلو من هذا.

 (المتن)

وقوله : فلم يفعل هذا الزائر إلا ما هو مأذون به ومشروع لكن بشرط ألا يشد راحلته أو يعزم على سفر ولا يرحل كما ورد فقيد الإذن بالزيارة للقبور, في حديث: «لا تشد الرحال إلا لثلاثة».

                           

الشرح

قوله : «..إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى», وهذا المقصود بالعبادة ما يقال: تشد الرحل لزيارة صديق، أو للفرجة، والفسحة، أو للتجارة، هذا لا يدخل فيه هذا، لأن المقصود لا تشد الرجال لأداء عبادة إلا إلى ثلاثة مساجد.

 

(المتن)

وهو مقيد لمطلق الزيارة وقد خص بمخصصات منها زيارة القبر الشريف النبوي المحمدي على صاحبه أفضل الصلاة وأتم التسليم …
 
الشرح
والخلاف أيضًا والراجح أنه المنع، لأنها لا تشد الرحال لزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم ، فإذا مثلًا قصد الإنسان المدينة يجب أن يكون قصده للمسجد كما في الحديث وتأتي الزيارة تبع, إذا أتى للمسجد يجوز له أن يذهب يزور القبر، إذا أمكن, مع أنه لا يمكن الآن، فالقبر دونه حوائل كثيرة, ولكن يصير قريبًا منه فهذه المسألة هي التي ألف فيها شيخ الإسلام عدة مجلدات, لأنه افتتن فيها لأنه سئل عنها وأفتى قال: «لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد»، لا تشد الرحال لزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم , فقام عليه من كان في قلبه مرض، وكان عنده عبادة للرسول صلى الله عليه وسلم  فقال: إنه يستغاث بالرسول فإنه يسأل وإن هذا قولك: لا تشد الرحال إلى قبر الرسول هذا تنقص لرسول صلى الله عليه وسلم  ومسبة له, فألف كتاب رد عليه الذي سمي الرد على البكري والبكري بفتواه هذه يعني فتوى شيخ الإسلام كفره, قال: إنه كافر يجب أن يقتل لأنه منع من زيارة قبر الرسول، شوف الجهل يصل إلى هذا الحد نسأل الله العافية، والتعصب والتمسك بالبدع، وأضحك العلماء عليه لما كتب ردًا على الشيخ, أبان عن جهل فظيع في رده حتى قال له أحد مشايخه: فضحت نفسك فأنت مثلك كمثل من يحاول أن يزيل جبل, ضعيف مسكين يحاول أن يحمل جبل يزيله عن مكانه, ولكنه لم يرعوى، وعلى كل حال المسألة هذه واضحة مع أنها إذا تأمل الإنسان مثلًا في كتب الفقه وفي كتب المناسك, لكل كتاب من كتب الفقه إذا ذكروها كتاب الحج والمناسك التي كتبت في بيان مناسك الحج تجد ذكر زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم  ينصون عليه, فما الدليل؟ هل هناك دليل يدل؟ مع أن الأحاديث التي مرت معنا فيها النهي يقول: «لا تجعلوا قبري عيدًا», «صلوا على أينما كنتم», وهم يقولون: أن هذه من أفضل الأعمال, على كل حال هذا ليس إجماع ولهذا قالوا هنا: المسألة فيها خلاف بين العلماء المسألة ليس متفق عليها, ولكن مسائل الخلاف أمرها أسهل من التي لا خلاف فيها مثل التي تكون وسيلة للشرك أو شرك, ولم يأت عن الصحابة ما يدل على أن أحدًا منهم كان يزور قبر الرسول صلى الله عليه وسلم  إلا عبد الله بن عمر فقط كان إذا أراد أن يسافر أتى إلى القبر قال: السلام عليك يا رسول الله، ثم قال: السلام عليك يا أبا بكر، ثم قال: السلام عليك يا أبتِ، وإذا قدم من السفر فعل ذلك, يقول ابنه سالم: ولم أر أحد من الصحابة يفعل فعله, ولم يذكر عن أحد من الصاحبة أنه فعل هذا، بل الصحابة فهموا من قول الرسول صلى الله عليه وسلم  عدم القصد, كان أحدهم إذا دخل المسجد صلى عليه صلى الله عليه وسلم  فإما يقوم يصلي أو يجلس، فلا يذهب يقصد القبر.

(المتن)

وفي ذلك خلاف بين العلماء وهي مسألة من المسائل التي طالت ذيولها واشتهرت أصولها, وامتحن بسببها من امتحن.

الشرح

يقصد بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .

(المتن)

وقوله : وليس ذكر ذلك هاهنا من مقصودنا، وأما إذا لم يقصد مجرد الزيارة بل قصد المشي إلى القبر ليفعل الدعاء عنده فقط وجعل الزيارة تابعة لذلك أو مشى لمجموع الزيارة والدعاء فقط كان يغنيه أن يتوسل إلى الله بذلك الميت من الأعمال الصالحة من دون أن يمشي إلى قبره.

الشرح

هذا كرره ” رحمه الله ” لأنه مصرٌ على الشيء من حيث أنه كأنه مقتنع بهذا, لأنه في الواقع أنه ظاهر بأنه خطأ.

(المتن)

وقوله : فإن قال: إنما مشيت إلى قبره لأشير إليه عند التوسل به فيقال له: إن الذي يعلم السر وأخفى ويحول بني المرء وقلبه ويطبع على خفيات الضمائر وتنكشف لديه مكنونات السرائر لا يحتاج منك إلى هذا الإشارة التي زعمت أنها الحاملة لك على قصد القبر والمشي إليه وقد كان يغنيك أن تذكر ذلك الميت باسمه العَلم أو بما يتميز به عن غيره فما أراك مشيت لهذه الإشارة, فإن الذي تدعوه في كل مكان مع كل إنسان بل مشيت لتسمع الميت توسلك له وتعطف قلبه عليك وتتخذه عنده يد بقصده وزيارته والدعاء عنده والتوسل به، وأنت إن رجعت إلى نفسك وسألتها عن هذا المعنى فربما تقر لك به وتصدقك الخبر فإن وجدت عندها هذا المعنى الدقيق الذي هو بالقبول منك حقير, فاعلم أنه قد علق بقلبك ما علق بقلوب عباد القبور, ولكنك قهرت هذه النفس الخبيثة عن أن تترجم بلسانك عنها, وتنشر ما انطوت عليه من محبة ذلك القبر والاعتقاد فيه والتعظيم له والاستغاثة به, فأنت مالك لها من حيث هذه الحيثية مملوك لها من الحيثية التي أقامتك من مقامك, ومشت بك إلى فوق القبر, فإن تداركت نفسك بعد هذه وإلا كانت المستولية عليك المتصرفة فيك..

الشرح

قوله :  ” مستولية عليك  “ يعني : نفسك.

(المتن)

وقوله ..المتلاعبة بك في جميع ما تهواه مما قد وسوس به لها الخناس {الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس} .

 فإن قلت: قد رجعت إلى نفسي فلم أجد عندها شيء من هذا و فتشتها فوجدتها صافية من ذلك الكدر فما أظن الحامل لك على المشي إلى القبر إلا أنك سمعت الناس يفعلون شيئا ففعلته, ويقولون شيئا فقلته, فاعلم أن هذه أول عقدة من عقود توحيدك وأول محنة من محن تقليدك، فارجع تؤجر وألا تتقدم تُنحر، فإن هذا التقليد الذي حملك على هذه المشية الفارغة العاطلة الباطلة سيحملك على أخواتها فتقف على باب الشرك أولا ثم تدخل منه ثانيا, ثم تسكن فيه وإليه ثالثًا, وأنت في ذلك كله تقول: سمعت الناس يقولون شيئا فقلته ورأيتهم يفعلون أمرًا ففعلته.

وإن قلت : إنك على بصيرة من علمك وعملك ولست ممن ينقاد إلى هوى نفسه كالأول, ولا ممن يقهرها ولكنه يقلد الناس كالثاني, بل أنت صافي السر نقي الضمير خالص الاعتقاد قوي اليقين صحيح التوحيد جيد التمييز كامل العرفان عالم بالسنة والقرآن, فلا لمراد نفسك اتبعت ولا في هوة التقليد وقعت .

 فقل لي بالله : ما الحامل لك على التشبيه بعباد القبور, والتغرير على من كان في عداد سَليم الصدور؟ فإنه يراك الجاهل والخامل ومن هو عن علمك وتمييزك عاطل فيفعل كفعلك يقتدي بك فيفعل كفعلك يقتدي بك، وليس له بصيرة ولا قوة في الدين مثل قوتك, فيحكي فعلك صورة ويخالفه حقيقة ويعتقد أنك لم تقصد هذا القبر إلا لأمر, ويغتنم إبليس اللعين غربة هذا المسكين الذي اقتدى بك واستن بسنتك فيستدرجه حتى يبلغ به إلى حيث يريد, فرحم الله امرءًا هرب بنفسه عن غوائر التقليد، وأخلص عبادته للحميد المجيد, وقد ظهر بمجموع هذا التقسيم أن من يقصد القبر ليدعو عنده هو أحد ثلاثة:

أولًا: إن مشي لقصد الزيارة فقط وعرض له الدعاء ولم يحصل بدعائه تغرير على الغير فذلك جائز.

الشرح

هذا أيضًا فيه تفصيل في الواقع إن كان عرض له الدعاء وظن أن الدعاء في هذا المكان أحرى للإجابة من غيره فهذا داخل في النهي, لو عرض له الدعاء يعني الدعاء للميت وهذا الذي أمر به أما أن يدعو لنفسه عند القبر فلا معنى لذلك وليس القبور محلًا للعبادة كما فهم ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم : «ولا تجعلوا بيوتكم قبورًا», فهم الصحابة أن القبور معطلة عن العبادة والدعاء من أفضل العبادة, هذا لا يؤخذ على ظاهره هكذا.

(المتن)

 وقوله  ” ثانيًا: وإن مشى لقصد الدعاء فقط أو له مع الزيارة وكان له من الاعتقاد ما قدمنا فهو على خطر الوقوع في الشرك فضلًا عن كونه عاصيًا.

الشرح

يعنى هذا معصية يعنى قصد الدعاء أنه عاص بهذا وهذا ظاهر نعم، على خطر الوقوع في الشرك لأن هذا من وسائل الوقوع في الشرك.

 (المتن)

وقوله ” ثالثًا: و إذا لم يكن له اعتقاد في الميت على الصفة التي ذكرنا فهو عاص آثم وهذا أقل أحواله وأحقر ما يربحه في رأسه ماله .وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية والله ولي التوفيق.

أسأل الله العلي القدير بأسمائه الحسنى أن يتقبل مني هذا العلم المتواضع يدخره لي يوم الدين فإنه سبحانه وتعالى نعم المولى ونعم النصير.

الشرح

ليس هذا كلام المؤلف، هذا كلام المحقق نفسه، لأن هذا ما يعنيه التحقيق .

نسأل الله جل وعلا لنا وللمسلمين التوفيق والهداية والصواب،

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد.