العلم وأثره في الدعوة

لفضيلة الشيخ

عبدالله بن محمد الغنيمان

غفر الله له ولوالديه وللمسلمين

 كتبه

عبدالعزيز بن حمود البليهي

 

 الحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحابته ومن سار على نهجه ودعا بدعوته إلى يوم الدين .

إن المؤمن العامل للصالحات فإن الله تعالى يحييه في هذه الدنيا حياة طيبة، وذلك بحسب إيمانه وعمله، ولا تظن أن المقصود بالحياة الطيبة التنعم بأنواع المأكولات والمشروبات، والملابس، والمساكن، والمراكب، والمناصب بل حتى وقهر الأعداء وكذلك شهوات البطون والفروج، وغيرها من متاع الدنيا، فإن هذه ليست هي الحياة الطيبة !.

إن الحياة الطيبة هي الصلة بالله جل وعلا، وحياة القلوب فهي السعادة التي تتصل بسعادة الآخرة، أما هذه المُتْعات التي تكون في الدنيا فإن الحيوانات تشارك ابن آدم فيها، بل حتى والكلاب وربما كانت أكثر حظًا من ابن آدم من هذه الأمور، ومن كانت هذه الحياة هي غايته فهو من الأشقياء.

لكن الحياة السعيدة ؛ هي الإيمان بالله جل وعلا وطاعته؛ ولهذا كان يقول بعض العلماء العارفين كما يقوله شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره: إن في هذه الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة. وهذه لا تنال إلا بالعلم، العلم الموروث عن النبي صلى الله عليه وسلم، والبون شاسع جدًا بين هذه الحياة للمتعة التي يتمتع بها الحيوان وأشبهاهم من بني آدم، وحياة الإيمان الذي إذا خالطت بشاشته القلوب سلت عن الأبناء، والآباء والأوطان، والإخوان، والمساكن وغيرها من أمور الدنيا، من أموالٍ ومتع، ورضي بالخروج منها متحملًا أنواع المكاره والمشقات منشرح الصدر في ذلك .

روى الشيخان واللفظ لمسلم عن أنس بن مالك قال: جاء ناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أن ابعث معنا رجالا يعلمونا القرآن والسنة، فبعث إليهم سبعين رجلا من الأنصار يقال لهم القراء فيهم خالي حرام يقرؤون القرآن ويتدارسون بالليل يتعلمون وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد ويحتطبون فيبيعونه ويشترون به الطعام لأهل الصفة وللفقراء، فبعثهم النبي صلى الله عليه وسلم إليهم فعرضوا لهم فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان فقالوا: اللهم بلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا، قال وأتى رجل حراما خال أنس من خلفه فطعنه برمح حتى أنفذه فقال حرام: فزت ورب الكعبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: إن إخوانكم قد قتلوا، وإنهم قالوا: اللهم بلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا.

 

المقصود أنه لما طُعن خال أنس بالرمح – وهو حرام بن ملحان – ، ونفذ فيه قال: الله أكبر فزت ورب الكعبة، أنظر كيف يفوز بالطعن الذي يقتله ؟! يقول: فزت ورب الكعبة، يعني أنه حصلت له الشهادة، وهي أعلى ما يُنال في هذه الدنيا من كرامات الله جل وعلا.

سمع الرسول صلى الله عليه وسلم رجلًا يقول: اللهم آتني أفضل ما آتيت عبدًا من عبادك الصالحين، فقال: «إذًا يُعقر جوادك ويُهراق دمك في سبيل الله » انظر هذا هو أفضل ما يعطيه الله جل وعلا عبدا في الدنيا ؟!

 وهذه التي يسعى إليها العارفون الذي عرفوا ما جاء به المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا كان أحدهم يستبطيء مجيء الموت لأنهم تحلوا بالعلم والعمل، فيلقي أحدهم التمرات من يده، ويقول: لئن أكلت هذه التمرات، بقيت إلى أن آكلها لهي حياة طويلة، ثم يلقيهن ويتقدم إلى الموت منشرح الصدر في ذلك، مستأنسًا به، ومطمئن؛ لأنه تحلى بالعلم الحقيقي بخبر الله وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم، وعمل به، بدون تردد، فيؤثرون لذات الدنيا ومتعها بالسهر ومكابدة الأمور التي يستصعبها غيرهم، الذين لم يتحلوا بالعلم، وكذلك يؤثر الآخر لذة خطاب الله تعالى جل وعلا على ضرب السهام وإسالة الدماء من بدنه، ولما لامه صاحبه حينما رأى دمائه تسيل، أجابه بقوله: والله لولا أني خفت على المسلمين أن يؤتوا من قبلي ما أيقظتك؛ لأني كنت في آياتٍ أتلوها كرهت أن أقطعها، انظر كيف يعني لذة التلذذ بخطاب الله جل وعلا ؟!

 لأنه تحلى بالعلم الحقيقي، فهذا آثر العلم النافع الذي يثمر العمل الصالح، ومن الحوافز على العلم ما ثبت في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم مما يدل على علو منزلة العلماء مثل قول الله تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾[الزمر:9]،وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾[فاطر:28] وقوله جل وعلا: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾[المجادلة:11].

قال ابن عباس رضي الله عنهم: العلماء فوق المؤمنين مائة درجة، ما بين الدرجتين مائة عام، ذكره ابن جماعة، وأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول: { ربي زدني علما }، ويكفي في ذلك كون العلماء هم ورثة الأنبياء، فليس فوق النبوة درجة تُطلب لبني آدم، فوارث النبوة قد وصل إلى أعلى المنازل، عن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سلك الله به طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضي بما يطلب، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات والأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظٍ وافر »، رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم ، وفي صحيح مسلم عن أبو هريرة مرفوعًا «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة »، قال ابن رجب “رحمه الله ” : سلوك الطريق لالتماس العلم :

يحتمل ؛ أن يراد به السلوك الحسي الحقيقي وهو المشي بالأقدام إلى مجالس العلم

 ويحتمل ؛ أن يشمل ما هو أعم من ذلك من سلوك الطرق المعنوية المؤدية إلى حصول العلم مثل حفظه، ومدارسته، ومطالعة كتبه، ومذاكرته، والتفهم له، والتفكر فيه، ونحو ذلك من الطرق التي يتوصل بها إلى العلم، وقوله «سهل الله له به طريقًا إلى الجنة » يحتمل أمورًا :

منها: أن يسهل الله تعالى لطالب العلم العلم الذي يطلبه فيوصله إلى سلوك طريق الجنة، وهو السلوك الصحيح فإنه الطريق الذي يؤدي إلى رضوان الله جل وعلا، وهو الموصل إلى الجنة، فيكون هذا كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾[القمر:17].

ومنها: أن يسهل الله تعالى لطالب العلم، العلم لطلبه، الله جل وعلا يقول: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ}[البقرة:282]وقد فهم السلف هذا المعنى فسلكوه؛ ولهذا كان الأعمش يقول: كنا نتقوى على حفظ الحديث بالصوم، “ومن يتقي الله يجعل له فرقنا” والفرقان هو العلم، العلم الذي ينور القلب، ولا  يمكن أن يكون علمًا نافعًا موصلًا إلى السعادة إلا بالعمل، بالعمل به.

ومنها -يعني من الطرق التي يسهلها الله جل وعلا لطالب العلم-: أن ييسر له تعالى العمل بمقتضى علمه، إذا قصد بتعلمه وجه الله تعالى، فيجعله سببًا لهدايته، والانتفاع به، والعمل به، وذلك من طرق الجنة.

ومنها: أن ييسر له به أعمالًا صالحة تكون سببًا لرضى الله جل وعلا عنه، فتوصله إلى الجنة.

ومنها: أن يقيه أهوال ما يستقبله مما يكون في القبر وبعده، ويسلك به الصراط المنصوب فوق جنهم بسلامةٍ ويسر، وييسر له بذلك الوصول إلى الجنة.

وأهم ما يجب أن يسعى إليه العبد: ما يكون سببًا لنجاته من العذاب، وحصول السعادة، السعادة التي لا تنقطع، وذلك للوصول إلى الجنة، وهذا لا يكون إلا بالعلم النافع الذي يثمر العمل الصالح الخالص لوجه الله جل وعلا من صلاة وصوم ونحو ذلك من العبادة التي لا يهتدي إليها إلا بالعلم الموروث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

 وقد يكون مثلًا التيسير له بطريقٍ يكون خاصٌ به، من العبادات التي يُنال بها رضى الله -جلَّ وعلا-، وقد يكون أعظم من هذا وأكثر بأن يتعدى إلى الغير إلى نفع الغير من التعليم، والدعوة إلى الله -جلَّ وعلا- فإن هذا هو طريق الرسل، ومما يُرغب في العلم، ويدل على علو درجة العالم أن الملائكة تستغفر له، ودواب البر وحيتان البحر، ولو وجد بين الناس من يظنون صلاحه يتسابقوا إلى طلب الدعاء منه، فكيف بدعاء الملائكة؟!

 فإنه أعظم من هذا، دعاء الملائكة واستغفارهم له يكون بطلب العلم، بالعلم الصالح النافع.

 وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه “مفتاح دار السعادة” أكثر من مائة وستين وجه في تفضيل العلم، ولا أظنها تقف عند هذه الأوجه، فضل العلم أكثر من هذا بكثير، والدلائل عليه كثيرة، الذي يتأمل كتاب الله -جلَّ وعلا-، وسيرة رسوله صلى الله عليه وسلم يعرف هذا تمامًا، ومما لا جدال فيه أن هذا الفضل للعلماء إنما هو للعلماء العاملين بعلمهم، المتقين لربهم، الذي قصدوا بالعلم وجه الله الكريم، والفوز بما عنده من النعيم، فأدوا حق العلم من إبلاغه والدعوة إليه بصدقٍ وإخلاصٍ، ولم تأخذهم في أمر الله -جلَّ وعلا- لومة لائم، لا لمن طلبه بسوء نية، وخبث في طوية، أو لأغراضٍ دنيوية من جاه ومنصبٍ وغير ذلك.

وفي الترمذي مرفوعًا «من تعلم العلم ليجاري به العلماء أو ليماري به السفهاء أو يصرف وجوه الناس إليه أدخله الله النار »، وفيه أيضًا عن النبي صلى الله عليه وسلم «من تعلم علمًا لغير الله، أو أراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار »  قال الترمذي: حسن غريب.

وروى الإمام أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عرف الجنة » وعرفها: رائحتها، وروى ابن ماجه والبيهقي عن جابر : «لا تتعلموا العلم لتباهوا به العلماء ولا لتماروا به السفهاء ، ولا لتحدثوا به في المجالس فمن فعل ذلك فالنار النار ».

وفي صحيح مسلم حديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار وفيه أن أحدهم عالمٌ لم يعمل بعلمه، فليحذر طالب العلم أن يكون تعلمه أو عمله لغير وجه الله -جلَّ وعلا- فيحق عليه عذابه، وإن كانت الأعمال كلها يجب أن تكون يقصد بها وجه الله -جلَّ وعلا- يعني الأعمال التعبدية، بل حتى الأعمال العادية التي تكون عادة مثل: الأكل، والمشي، والنظر، وما أشبه ذلك، إذا لم يرد بها وجه الله فقصاراها أن تكون مباحة إذا سلمت من المؤثرات التي تجعلها سيئات.

فالأعمال كلها يجب أن تكون خالصة لوجه الله -جلَّ وعلا- غير أن العلم لفضله وعلو منزلته امتاز عن بقية الأعمال بما ذُكر، يعني الأحاديث التي سبقت، ومن العمل بالعلم الدعوة إلى الله جل وعلا، وهي سبيل الرسل عليهم الصلاة والسلام، قال الله -جلَّ وعلا- مخاطبًا رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾[يوسف:108].

تأمل فكأنه -جلَّ وعلا- قصر حياته على الدعوة إليه، أي أن قوله، وعمله، وتصرفاته كلها دعوة إلى الله، فأعماله وأقواله كلها دعوة إلى ربه تعالى؛ ولذلك اعتنى العلماء بسيرته صلى الله عليه وسلم عناية كبيرة فحفظوا أقواله وأعماله، وجميع تصرفاته متقربين بذلك إلى الله تعالى؛ لأنه دينٌ يدينون ربهم به، ويرجون به فضله، ثم حدد تعالى في الآية معالم الدعوة بأنها تكون {على بصيرة} أي على بصيرة في الدعوة وما يُدعى إليه، وأنها إلى توحيد الله تعالى، وإخلاص العمل له، وتنزيه الله تعالى من الشرك، الذي يضيفه إليه الظالمون، فما لا يليق بجلاله -جلَّ وعلا- سواء كان فيما يعتقده العبد، أو ما يفعله ويقوله، والبعد عن الشرك وأهله ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾[يوسف:108].

ولابد لأتباعه من سلوك طريقه حسب قوة الإيمان والعلم مع أن ذلك لا خيار فيه للعبد، فإنه واجبٌ لابد منه، فالطريق إلى الله تعالى وحده هي طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسبيله والإخلاص في العمل لله -جلَّ وعلا-، ولا خلاص من العذاب إلا بهذا.

قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾[الأحزاب:21].

وقال صلى الله عليه وسلم: «من رغب عن سنتي فليس مني » متفقٌ عليه، فيجب على طالب العلم أن يكون متأسيًا برسول الله صلى الله عليه وسلم قائمًا بأمر الله عليه حسب استطاعته بنشر العلم بالتعليم والدعوة والتحمل في سبيله، لما قد يناله من أذى ونصب، فإن الأمر في هذا يسهل عند مقارنة فضل الله -جلَّ وعلا- وجزاؤه على ذلك.

قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب “رحمه الله تعالى”: أعلم أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل، والعمل بهن،

الأولى: العلم

 والثانية: العمل به

والثالثة: الدعوة إليه

والرابعة: الصبر على الأذى فيه.

والدليل قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}[سورة العصر]،

 وهذا يدل على أن هذه المسائل لازمة لكل مكلف حسب طاقته واستطاعته، والعلم عند الإطلاق ينصرف إلى العلم الشرعي لهذا قال: “اعلم أنه يجب علينا” يعني على الأمة عموما، وإن كان هذا يختلف باختلاف الناس فكل ما كان عنده مُكْنة وعنده قوة كان (اللزوم) عليه أبلغ، ومن كان لا يستطيع (…) إلى ذلك فالله لا يكلف نفسا إلا وسعها.

والعلم عند الإطلاق ينصرف إلى العلم الشرعي، ويدخل فيه كل ما يتوقف عليه قوة المسلمين، وعزتهم، وحاجتهم، مثل: علم الصناعات اللازم التي لا غنى عنهم بها عنه، فلا يجوز أن يطلبوها من أعدائهم، بل يجب أن يستغنوا عن الأعداء، بل يجب أن يكونوا أقوى من الأعداء، وأقدر فيما فيه القوة والمنعة منه؛ لأن الله -جلَّ وعلا- يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾[الأنفال:60]، فهل التزم المسلمون بهذا؟!

الواقع أنهم لم يلتزموا بهذا، فإذا كان الأمر هكذا، فالاثم شامل للجميع؛ لأن هذا كما هو معلوم من فروض الكفايات، وفرض الكفاية إذا لم يقم به من يكفي أثم الكل، ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾[الأنفال:60].

ومن ذلك: علم الزراعة، والطب، ونحو ذلك مما يكون فيه حاجة المسلمين، حتى لا يحتاجوا إلى أعدائهم فهو من العلم، العلم المطلوب الذي يؤجر العبد عليه، وتكون هذه الفضائل مترتبة عليه بشرط إخلاص النية، والصدق في هذا، يعني أنه يقوم بذلك امتثالًا لأمر الله، وسدًا لحاجة المسلمين فلابد من القيام بهذا، يعني ما يكفي المسلمين حتى لا يحتاجوا إلى أعدائهم، ولا يجوز أن يفرطوا في هذا الجانب، وإلا لحقهم الإثم والعذاب نسأل الله العافية.

ولا يجوز أن يطلب المسلمون ما يحتاجون إليه في هذه المجالات ونحوها من أعدائهم، ومعلوم ما يترتب على ذلك من الضرر والضعف، ذلك نتيجة عدم القيام بأمر الله -جلَّ وعلا-،

ثم العمل بالعلم هو ثمرته المقصودة، فالعلم وسيلة والغاية العمل، وإلا فعلم بلا عمل وبال على صاحبه، وفي الحديث عند الطبراني «أشد الناس عذابًا عالمٌ لم ينفعه الله بعلمه »  نسأل الله العافية

 والمقصود أن الآية تدل على أن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم كلها في الدعوة، في الدعوة إلى الله تعالى، في عمله مع ربه تعالى، وفي علمه مع الخلق القريب والبعيد، وأتباعه يجب أن يكونوا كذلك .

 فكل ما كان الإنسان له أتبع فإن تحليه بالعلم أكثر وأجدى وأظهر، ولهذا كانت حالة الصحابة وأمثلة واقعهم أمر معلوم حتى كان أثرهم في الدعوة بل في العمل بل في المجتمع كله أمر ظاهر جدا حيث امتثلوا أمر الله جل وعلا وصار اهتمامهم بالعمل أكثر، ولا سيما كبراؤهم وسادتهم، إذا نظر الإنسان إلى مثلا سيرتهم أبي بكر عمر عثمان علي وهكذا سادتهم وإذا أمر عجيب،  عمر بن الخطاب t ذكر أنه خرج مرة إلى مزرعته محلاً نائي عن المدينة، فمر به غلام راكب على حمار، فقال: هل معك مركب، لأنه قد تعب، قال: نعم، ثم اراد أن يركب أمامه ويكون هو الغلام خلفه، قال: لا، أنت صاحب المركب انا أركب خلفك، فركب خلفه ودخل المدينة –خليفة المسلمين- راكبا على حمار خلف غلام، لأن قصده (..المواساة والخير).

عن زيد بن أسلم عن أبيه قال : خرجنا مع عمر بن الخطاب إلى حرة واقم حتى إذا كنا بصرار إذا نار فقال يا اسلم إني لأرى ها هنا ركبا قصر بهم الليل والبرد انطلق بنا فخرجنا نهرول حتى دنونا منهم فإذا بامرأة معها صبيان صغار وقدر منصوبة على نار وصبيانها يتضاغون فقال عمر السلام عليكم يا أصحاب الضوء وكره أن يقول يا أصحاب النار فقالت وعليك السلام فقال ادنو فقالت ادنو بخير أو دع فدنا فقال ما بالكم قالت قصر بنا الليل والبرد قال فما بال هؤلاء الصبية يتضاغون قالت الجوع قال فأي شيء في هذه القدر قالت ما أسكتهم به حتى يناموا والله بيننا وبين عمر فقال أي رحمك الله وما يدري عمر بكم قالت يتولى عمر أمرنا ثم يغفل عنا قال فأقبل علي فقال انطلق بنا فخرجنا نهرول حتى أتينا دار الدقيق فأخرج عدلا من دقيق وكبة من شحم فقال احمله علي فقلت أنا أحمله عنك قال أنت تحمل عني وزري يوم القيامة لا أم لك فحملته عليه فانطلق وانطلقت معه إليها نهرول فألقى ذلك عندها وأخرج من الدقيق شيئا فجعل يقول لها ذري علي وأنا احرك لك وجعل ينفخ تحت القدر ثم أنزلها فقال أبغيني شيئا فأتته بصحفة فأفرغها فيها ثم جعل يقول لها أطعميهم وأنا أسطح لهم فلم يزل حتى شبعوا وترك عندها فضل ذلك وقام وقمت معه فجعلت تقول جزاك الله خيرا كنت أولى بهذا الأمر من أمير المؤمنين فيقول قولي خيرا إذا جئت أمير المؤمنين وحدثيني هناك إن شاء الله ثم تنحى ناحية عنها ثم استقبلها فربض مربضا فقلنا له ان لنا شأنا غير هذا ولا يكلمني حتى رأيت الصبية يصطرعون ثم ناموا وهدأوا فقال يا أسلم إن الجوع أسهرهم وأبكاهم فأحببت أن لا أنصرف حتى أرى ما رأيت .

هكذا كانوا يصنعون يعني لا يتركون صغيرة ولا كبيرة  يعني لا يتركون صغيرة ولا كبيرة إلاعملوا بها.

فالمقصود أن الإنسان إذا اقتفى أثر رسوله r صار همه الوصول إلى مصاحبته في الآخرة ورؤيته هناك، ولهذا لما جاء الأعرابي وسأل الرسولr، قال: يا رسول الله متى الساعة، قال: (وما أعدت لها؟) قال: ما أعدت لها كبير صلاة ولا صوم ولكني أحب الله وأحب رسوله وأرجوا أن أكون مع رسوله في الآخرة، قال: (المرء مع من أحب)، يقول فما فرحنا بشيء فرحنا بهذا الحديث، لأننا نحب الرسول وإن كنا لا نعمل بعمله.

فلابد للمؤمن أن يأخذ نصيبه من إرث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن المُسَلَّم به أن الدعوة بالفعل ، يعني: بالعمل أبلغ في التأثير من الدعوة بالقول، وبذلك تميز الصحابة رضوان الله عليهم على من بعدهم، حيث التزموا سبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فساروا على نهجهه، فكان اهتمامهم بالعمل أكثر من اهتمامهم بالعلم، وهذا حتى في ما يصرحون به، تصور كيف يعني عبد الله بن عمر رضي الله عنه يذكر عن نفسه أنه بقي يتعلم سورة البقرة سبع سنوات، ونحن الآن يمكن الواحد يحفظ القرآن كله في ثلاثين يوم، ماهي الفائدة من حفظٍ بلا عمل؟!

الصحابة من أذكى الناس، وتعلمهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه بركة عظيمة؛ لأن تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم ليس كتعليم غيره؛ فلهذا تجد مثلًا إنسان إذا سبرت أحواله يأتي ما يعرف شيئًا فيتلقى كلمات معدودات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنقلب حياته، يصبح بدل ما كان يعبد الشجر، ويعبد الحجر يشمخ برأسه، يكون عابدًا لله -جلَّ وعلا-، ثم يصبح عاملًا طالبًا لمرضاة الله -جلَّ وعلا- في ماله، في بدنه، في كل ما (…)، فكانوا إذا علموا شيئًا من العلم عملوا به، فظهر أثر ذلك عليهم في أنفسهم وعلى دعوتهم للناس، وانتشر الإسلام في دعوتهم انتشارًا لا نظير له، مع التأثر البليغ من أعمالهم.

وهذا الذي يجب أن يفهمه الداعية ليطبقه على نفسه، وهذا يبين أن العلم وسيلة، وليس غاية، وإنما الغاية العمل كما سبق، وما يسببه من الوصول إلى رضا الله تعالى؛ ولذلك إذا تجرد العلم عن العمل صار وبالًا على صاحبه وعذابًا- نسأل الله العافية- وبالاً على صاحبه.

وهذا ظاهر من نصوص الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾[آل عمران:187]، وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾[الجمعة:5]

لماذا اختير الحمار من الحيوانات؟ لماذا ما قيل مثلًا الجمل مثلا الثور؟!

 لأن الحمار هو أبلد الحيوانات، الذي يحمل العلم بلا عمل هذا مثاله، بل جاء في آيةٍ أخرى ما هو أشنع من هذا نسأل الله العافية، فشبه تعالى من أتاه العلم فلم يعمل به، بل آثر الدنيا وهواه على ما جاء به العلم من الهدى، شبهه تعالى بالحمار المهين الذي هو أبلد الحيوانات، بل شبهه تعالى في آيةٍ أخرى بأخس الحيوانات وأوضعها قدرًا وهمة، حيث أن همته لا تتعدى بطنه، وهو يفرح بالجيف القذرة، ويحبها أكثر من محبة اللحم الطري يعني: الكلب، فقال تعالى في الذي ترك العمل بآيات الله -جلَّ وعلا- أنه كالكلب، والواقع أن الكلب قد يكون أحسن منه حالًا لأنه ليس عليه عذاب، قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا ﴾ انسلخ منها يعني خرج من دون فائدة  {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف:175-176] يعني هذا مثلٌ لكل من حمل العلم ولم يمتثل به، نسأل الله العافية، دلت هذه الآيات على أن الذي لا يعمل بالعلم يكون أسفل شيء وأخسه، قال أبو الدرداء رضي الله عنه: إن أخوف ما أخاف إذا وقفت على الحساب أن يقال لي: قد علمت فماذا عملت؟  رواه الإمام أحمد وغيره.

وفي الترمذي وغيره عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تزول قداما العبد يوم القيامة حتى يُسأل عن شبابه فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن علمه هل عمل به)، وقوله -جلَّ وعلا-: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾[يوسف:108]، قال الفراء وجماعة من أهل اللغة “وَمَنِ اتَّبَعَنِي” معطوف على الضمير في قوله: “أَدْعُوا” يعني أن أتباعهم هم أهل الدعوة، هم الذين يدعون، فيكون المعنى ؛ ومن اتبعني يدعو إلى الله كما كنت أدعو إلى الله، وقال الكلبي: حق على كل من أتبعه أن يدعو إلى ما دعا إليه، ويُذكر بالقرآن والموعظة لمن كان يقبل ذلك ومن لا يقبله، وقال ابن الأنباري: يجوز أن يتم الكلام عند قوله: ﴿ أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ ﴾، ثم يقول: ثم يبتديء بقوله ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾ يعني أن تكون البصيرة عامة في الدعوة وفي غيرها على قوله هذا، فيكون الكلام على جملتين أخبر في الأولى أنه يدعو إلى الله تعالى .

 وفي الثانية أنه هو وأتباعه {على بصيرة}، ولكن القول الأول أرجح في الآية، وإن كان القولان هذان القولان متلازمان لأن الذي يكون {على بصيرة }لابد أن يكون متبعًا للرسول صلى الله عليه وسلم، فلا يكون الرجل من أتباعه حقًا حتى يدعو إلى ما دعا إليه، وإن كان القول الأول أظهر وأبين في الآية، فإذا كانت الدعوة إلى الله تعالى أشرف المقامات التي يقومها العبد لله تعالى، وأفضلها؛ لأنها مقام الرسل، فهي لا تحصل إلا بالعلم الذي يدعو به وإليه، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك أن الدعوة بلا علم قد تكون وبالًا على صاحبها وعلى المدعو نفسه، بل لابد في كمال الدعوة من البلوغ في الكمال في العلم، وذلك يدل على شرف العلم، (حيث إن صاحبه يصل إلى مقامات الرسل)، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾[النحل:125].

فجعل تعالى في هذه الآية مراتب الدعوة إليه بحسب مراتب الخلق، فالمستجيب القابل للحق، الذي لا يعاند الحق ولا يأباه يُدعى بطريق الحكمة؛ لأنه عند معرفته وإدراكه ذلك ينقاد له، ويتبع ، والذي لا يقبل الحق ويكون عنده غفلة، أو يكون عنده مثلًا إعراض فإن هذا يُدعى بالموعظة الحسنة، بالترغيب والترهيب، أما الذي يكون عنده عناد ومكابرة فهذا يُجادَل ولكن بالتي هي أحسن، ولا يجوز أن تكون المجادلة للانتصار للنفس أو للفريق الذي ينتمي إليه، أو لإمام أو لعالم أو غير ذلك، فإن هذا يخرجه عن الإخلاص وطريق الرسل، فدل على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾[فصلت:33].

قال الحسن البصري “رحمه الله تعالى”: هو المؤمن أجاب الله في دعوته، وعمل صالحًا في إجابته، ودعا الناس إلى ما أجاب ربه إليه فهذا حبيب الله، وهذا ولي الله، ومراده أن الدعوة أفضل ما يقوم به العبد بعد الإيمان والتحلي به، وهؤلاء هم القائمون لله بحجته، وهم خلفاء نبيه صلى الله عليه وسلم في أمته.

 ومعلوم أن من اقتفى الأنبياء في سبيله وأنه لابد أن يناله من الأذى والابتلاء نحو ما نالهم، وهم قدوته؛ ولذلك فلابد له من الصبر والتحمل، وتوطين النفس على ذلك حتى لا تفشل دعوته، أو يكل عن مهمته، وفي الآية إشارة إلى أن تحمل الحق والقيام به كذلك الدعوة إليه تحتاج إلى جهد واحتمال، قال الله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾[العصر:3] التواصي يدل على المفاعلة، فالتعبير بالتواصي يدل على كلا الأمرين، على أن كلا الأمرين فيه مشقة يحتاج إلى التعاون وإلى المساعدة وأنه يتعين على المؤمنين أن يكونوا كذلك متعاونين متواصيين بالقيام بالحق عملًا ودعوة إليه وتمسكًا به، ومتواصين بالصبر عليه، والثبات، وإن كان الأمر كله بيده -جلَّ وعلا- فإنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ولكن هذه مهمة العبد، ومن لم يكن كذلك فهو من الخاسرين، ومما يعين على المضي في هذا السبيل بعزمٍ واجتهاد النظر في العواقب، وما أعد الله تعالى لدعاة الخير والرشد كما في الحديث الصحيح « فوالله لئن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من حُمر النعم » حُمر النعم في ذلك الوقت هي أفضل أموال الدنيا، أو من أفضلها.

 قال النووي رحمه الله: المعنى خير لك من الدنيا كلها يعني هداية رجل واحد خير لك من الدنيا كلها، ولا تظن أن المقصود بالهداية أنك تخرجه من الكفر إلى الإسلام، فإن الهداية أعم من هذا إذا هديت فاسق إلى الاستقامة، قد اهتدى بسببك فلك هذا الفضل، إذا علمته ما ينفعه في دينه وانتفع بذلك فقد اهتدى، إلى غير ذلك من الهدايات التي تكون بالعلم، ففضل الله واسع، تصور كيف من يهتدي بدعوته عشرة؟ أو مائة؟ أو ألف أو أكثر؟ ماذا يكون؟ هل يقارن عمله هذا بأمور الدنيا؟ الرسول أقسم بالله أنه إذا اهتدى رجل واحد أنه خيرٌ له من الدنيا، رجل واحد، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا ».

فمن كان سببًا في هداية إنسان بدعوته أو تعليمه ما يهتدي به حصل له هذا الخير العظيم يحصل له مثل ثواب ذلك المهتدي فإذا كان رجلًا واحدًا فهو خير له من الدنيا فكيف إذا اهتدى بسببه كثيرون ؟، وبهذا يتبين فضل الدعوة إلى الله تعالى، وأنه لا يجوز الزهد بها، بل يجب أن يتنافس فيها المتنافسون، ويتبين بذلك عظيم ثواب الأنبياء، إذ الأمة كلها اهتدت بدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا يقول العلماء: لا يشرع للإنسان أنه يتصدق عن الرسول أو يحج عنه، أو يضحي عنه، أو ما أشبه ذلك؛ لأن كل عملٍ تعمله مهتدى به فله من الأجر مثله إلى يوم القيامة، فمن يسلك هذا السبيل هل يمكن أن يكون هناك عملٌ يوازي هذا؟ وكذلك عكس ذلك إذا كان داعية إلى الضلال نسأل الله العافية، فمن دعا إلى ضلالة أو كان سببها فعليه من الوز مثل أوزار من ضل بسببه من غير أن يُنقص من أوزارهم شيء، وهذه قاعدةٌ شرعية دلت عليها نصوصٌ من كتاب الله -جلَّ وعلا-، وكذلك من أحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾[النحل:25].

وقوله تعالى: ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ يدل على أن الداعي إلى ضلالة، وكذلك المتبع وإن كان جاهلًا بلا علم فإنه يحصل له هذا الوزر العظيم، سواء علموا أو لم يعلموا؛ ولهذا ذكر الله -جلَّ وعلا- عن هؤلاء أنهم يعمهون بغيهم وضلالهم ويحسبون أنهم على هدى، يقول -جلَّ وعلا-: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾[الغاشية:1]، الغاشية هي القيامة ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾،وهو حديث عظيم ليس سهل، {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً}[الغاشية:1-4] خاشعة، عاملة، ناصبة! ومع ذلك تصلى نارًا حامية؛ لأنها عملت بجهل وضلال، قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (12) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ}[العنكبوت:12-13].

الحديث له شعب، وطويل، وهو يعني أمرٌ مهم جدًا، والأمر في هذا لا يخفى الإيضاح، وإنما المقصود التنبيه على الإخلاص، والدعوة إلى الله، والعمل، العمل بالعلم، فإن العمل بالعلم يورث علمًا لم تعلمه، إذا عمل بما يعلم أورثه الله علمًا لم يعلمه؛ لأن الله -جلَّ وعلا-: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ﴾[البقرة:282]، ومن يتق الله يجعل له فرقانا، نسأل الله -جلَّ وعلا- بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يرزقنا الإخلاص، والصدق والعمل، وأن يجعلنا من أتباع المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأن يحشرنا بزمرته وتحت لوائه، وأن يسقينا من حوضه، وأن يسلمنا من أهوال المستقبل مما في القبر والحشر، والحساب، وما سوف نعايشه، ولابد لنا منه.

وصلى الله عليه وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد.