كتاب الصلاة 

 

 

تأليف 

 

الإمام إبي عبدالله محمد بن أبي بكربن أيوب ابن قيم الجوزية 

 

شرح فضيلة الشيخ العلامة 

 

عبدالله بن محمد الغنيمان 

 

غفرالله له ولوالديه وللمسلمين 

 

اعتنى به 

 

عبدالعزيزبن حمود بن عبدالرحمن البليهي

 

الجزء الأول 

 

* قال ابن القيم ” رحمه الله ” : 

 

بسم الله الرحمن الرحيم 

 

رب يسر، وعليك التيسير ، وسهل كل عسير ، آمين  

 

الحمد لله رب العالمين  

 

سؤال: ما يقوله السادة العلماء الذين وفقهم الله وأرشدهم وهداهم وسددهم في تارك الصلاة عمدًا هل يجب قتله أم لا؟  

 

وإذا قتل فهل يقتل كما يقتل المرتد والكافر فلا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين أم يقتل حدًا مع الحكم بإسلامه؟ وهل تحبط الأعمال وتبطل بترك الصلاة أم لا؟ وهل تقبل صلاة النهار بالليل وتقبل صلاة الليل بالنهار أم لا؟ 

 

وهل تصح صلاة من صلى وحده وهو يقدر على الصلاة جماعة أم لا؟ وإذا صحت هل يأثم بترك الجماعة أم لا وهل يشترط حضور المسجد أن يجوز فعلها في البيت؟ وما حكم من نقر الصلاة ولم يتم ركوعها وسجودها؟ وما كان مقدار صلاة رسول الله [ص]؟ وما حقيقة التخفيف الذي نبه عليه بقوله [ص]: «صلى بهم صلاة أخفهم», وما معنى قوله لمعاذ: «أفتان أنت؟» . 

 

والمسئول سياق صلاته [ص] من حين كان يكبر إلى أن يفرغ منها سياقًا مختصرًا كأن السائل يشهده . فأرشد الله من دل على سواء السبيل وجميع بين بيان الحكم والدليل, وما أخذ الله الميثاق على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ الميثاق على أهل العلم أن يعلموا ويبينوا.  

 

فأجاب: الشيخ الإمام العلامة، بقية السلف، ناصر السنة، وقامع البدعة, الشيخ شمس الدين، محمد بن أبي بكر الحنبلي ، المعروف بابن قيم الجوزية” رضي الله عنه وأرضاه ، وجعل جنة الخلد متقلبه ومثواه” أجاب عن الأسئلة بقوله : 

 

الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله, صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه, وأزواجه وسلم تسليمًا كثيرًا.  

 

حكم تارك الصلاة عمدًا: 

 

لا يختلف المسلمون أن ترك الصلاة المفروضة عمدًا من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر, وأن إثمه عند الله أعظم من إثم قتل النفس وأخذ الأموال، ومن إثم الزنا والسرقة وشرب الخمر، وأنه متعرض لعقوبة الله وسخطه وخزيه في الدنيا والآخرة . 

 

 

 

الشرح 

 

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على بعده ورسوله نبينا محمد و على آله وصحابته ومن سار على نهجه ودعا بدعوته إلى يوم الدين وبعد: 

 

  

 

من المعلوم عند المسلمين أن الرسول [ص] جاء بدين الإسلام مقعدًا بقواعد, وله أصول، وأصوله وأركانه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة, وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج لمن استطاع إليه سبيلًا, هذه أركان الإسلام التي لا يستقيم إلا بها ثم يتبع هذه الأركان فروع كثيرة وشعب تتشعب منها، منها ما هو واجب وفرض، ومنها ما هو مستحب ويثاب عليه, وكذلك جاء بأن الإيمان أيضًا له أركان ومعلوم أن الدين عند الله الإسلام ولكن أعمال القلوب مع أفعال الجوارح تختلف, فقد يكون الفعل الذي يصدر من الإنسان مطابقًا ما يعتقده وما يعلمه ويقر في قلبه، وقد يكون غير مطابق, معلوم أن مصدر الأعمال في القلوب في النيات, وأن كل عمل يترتب على النية, فعلى هذا الأساس هو الإيمان بالله جل وعلا لابد منه, والإيمان مبني على العلم والمعرفة, وأخبر أن الإيمان أركانه ستة: «أن تؤمن بالله ملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره», وأخبر أن الإيمان درجات ودوائر منها ما هو عالي، ومنها ما هو متوسط، ومنها ما هو دون ذلك وعلى هذا يتفاوت الناس على حسب ذلك.  

 

ثم أن الإسلام ليس مجرد علم وعقيدة لابد أن يكون عملي, ومعلوم أن الدليل على كون أن الإنسان أسلم وأنه مسلم هو الانقياد لأوامر الله واجتناب نواهيه, أم إذا لم ينقد فأصبح( متأبٍ) للفعل أو أنه يرتكب النهي, فهذا قد يكون ليس عنده شيء من الإيمان وقد يكون إيمانه ضعيف, وقد يكون إيمانه مغطىً بالشهوات, وحب النفس، وحب الدنيا, ويكون الأمور الحاضرة أهم عليه وألزم عليه من الأمور المستقبلة البعيدة, ومثل هذا قد يزول إيمانه نهائيًا وقد يتداركه الله جل وعلا برحمته ثم يرجع ويرعوي إلى ربه جل وعلا, ولكن الجزع والحكم على الأعمال التي تظهر من الناس الحكم الحقيقي يكون يوم القيامة, والحكم في الدنيا على أن هذا مؤمن وهذا فاسق, وهذا كافر وهذا منافق هذا يكون على حسب الظاهر الذي يظهر للناس, ما ظهر لهم قالوا بمقتضاه, وأما البواطن وحقائق الأشياء فعلمها عند الله جل وعلا هو يتولاها يوم القيامة, وهو الذي يفصل بين عبادة، غير أن من الأمور الظاهرة الجلية الصلاة, وقد جعلها رسول الله [رمز] ركن من أركان الإسلام، ومعلوم أن البيت يبنى على أركان وأنه إذا سقط ركن منه فإنه لا ينتفع به، ولا أحد يستطيع أن يجلس تحته, لأنه يجوز أن ينهار ويسقط في كل لحظة, وكذلك سماها عماد الدين, الذي يعتمد عليها, هل إذا ترك الإنسان ركنًا من أركان الإسلام أو ترك عموده يكون قد تخلى من الإسلام نهائيًا؟ أو أنه صار إسلامه مجزأ معه جزء منه وجزء ذهب إذا كان يقبل التجزئة؟ 

 

ومعلوم أنها جاءت النصوص عن النبي [رمز] أن الإنسان يكون عند نفاق ويكون عنده إيمان، ويكون عنده إسلام ويكون عنده جاهلية, وقال [ص]: «ثلاث من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كان فيه خصلة منهن ففيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا خاصم فجر», فإذا اجتمعت هذه في إنسان فالرسول [ص] يسمه منافق، والعلماء يسمون هذا النفاق العملى, لأنه يصدر عن أعماله أعمال يعملها, ومعنى ذلك أن هناك نفاق آخر يسمى اعتقادي وهو إبطان الكفر وإظهار الإسلام, أن يظهر أنه مسلم ويصلى ويؤدي الزكاة ويكون مع المسلمين ولكن في قرار نفسه أن هذا دين باطل، ويتبع هذا أيضًا أن يكون مبغضًا للإسلام أو مبغضًا لما جاء به, أو أنه يكون محبًا لأن ينحسر الإسلام وينتهي, أو يعلا عليه وينخفض، ويظهر دين الجاهلية ودين الباطل عليه, وهذه الخصال يكفي أن يكون عند الإنسان منها واحدة فقط في أنه في الدرك الأسفل من النار نسأل الله العافية, لأن الله جل وعلا يقول عنهم المنافقين أنهم في الدرك الأسفل من النار والنار دركات, يعنى طبقة فوق أخرى، وكل ما كانت الطبقة أسفل فعذابها أشد, فمعنى ذلك أنهم يكونون تحت الكفار الذين هم كفار صراحة ليس عندهم روغان ولا عندهم تغطية لإظهار للحق وإبطان الباطل.  

 

فعلى هذا الأساس جاء الإشكال في تارك الصلاة وخصوصًا إذا كان تاركًا لها كسلًا وتهاونًا أما إذا كان تاركًا لها جحودًا فلا خلاف بين العلماء بأنه كافر, يتفقون على هذا أنه كافر كفر يخرجه من دين الإسلام لكن الخلاف فيما إذا كان تركها كسلًا وتهاون مع أنه يقر بأنها واجبة وأنه مقصر في حق الله جل وعلا, وأنه مستحق للعقاب، الخلاف في هذه المسألة في هذا هل يكون الذي فعل ذلك يكون كفرًا؟! 

 

ومعلوم أنه جاء في الكتاب والسنة أعمال سماها الله جل وعلا كفر, وسماها الرسول [ص] كفر, فإذا أخبر الرسول [رمز] أن هذا العمل كفر لا يجوز للإنسان أن يغير ما وضعه الرسول [ص] على هذا العمل, في الحديث الصحيح أنه قال [ص]: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر», وفي الحديث الآخر وهو صحيح أيضًا: «ليس بين العبد والكفر» أو قال: «الشرك إلا ترك الصلاة فإذا تركها كان كافرًا», وهذا في الصلاة خاصة وهنا علق الأمر بالترك فقط والترك يدخل فيه العمد، ويدخل فيه التهاون والتساهل وهو من العبد, ولكن يدخل فيه الجحود ويدخل فيه كونه تساهل في ذلك وتكاسل عنه, وانشغل عنه فصار ليس مهمًا عنده, فيكون تاركًا بلا خلاف أنه تارك من كانت هذه صفته, فينطبق عليه الحديث وهناك نصوص كثيرة من الكتاب والسنة, وسيشير إلى بعضها لأن الجواب يكون مختصرًا مع أن هذه المسألة من أكبر المسائل وأهمها، وينبغي على المسلم أن يعرف الحكم في هذا حكم تارك الصلاة، وحكم من ترك ركنًا من أركان الإسلام ماذا يكون؟ حتى يكون على بصيرة وقد يقع في شيء وهو يجهله ثم يتساهل فيه, لأن التساهل يأتي غالبًا من عدم العلم في الشيء, ومعلوم أن ربنا جل وعلا أوجب الصلاة على المكلف في كل حياته كلها ما دام عقله موجود حتى في حالة القتال مع الكفار وهو يقاتل يجب عليه أن يصلى, وهو يجالد الأعداء يجب عليه أن يصلى، ولا يجوز أن يؤخر الصلاة عن وقتها بل أمر بالجماعة في هذه الحالة إذا أمكن، واختصر أشياء كثيرة من واجبات الصلاة من أجل صلاة الجماعة فيه, والقدوة في هذا رسول الله [ص] وكذلك المريض أوجب عليه أن يصلى ما دام عقله موجود غير أن من رحمة الله جل وعلا أن الإنسان لن يكلف إلا ما يسع ويطيق، كلف ما بوسعه وطاقته فقط,  فإذا لم يستطع القيام يصلى جالسًا، وإذا لم يستطع أن يصلى وهو جالس وجب أن يصلى على جنبه، ثم إذا كان عقله معه يستديم هذا, يصلى ولو بنيته وقلبه, ويومئ برأسه في الركوع والسجود حتى يتميز ذلك عنده, وإن كان ليس ركوعًا ولا سجودًا, الصلاة ما تسقط عن الإنسان بحال من الأحوال سواء مرض أو سجن أو كان مقاتلًا أو كان مسافرًا، فقط إذا كان نائم فإنها تجب عليه إذا استيقظ, ولا يجوز للإنسان أن يفرط فيها فأمرها مهم جدًا, وقد جاء أن الرسول [ص] كان من آخر ما كان يأمر به الصلاة ويحض عليها في مرض موته, كان يوصي بالصلاة وهو في سياق الموت صلوات الله وسلامه عليه يقول: «الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم», يعنى: اهتموا بها.

 

الحديث الآخر أن «آخر ما يفقد الناس من دينهم الصلاة», فإذا ذهبت الصلاة فالدين زائل كله ليس فيه شيء، إذا كان آخر ما يفقد منها الصلاة فإذا ذهب الآخر فقد ذهب الكل, ويقول: «إن أول ما يفقد من الدين الأمانة, وآخر ما يفقد الصلاة», وجاء عنه أنه «أول ما يحاسب عليه الإنسان في قبره الصلاة فإن صلح أمرها نظر في بقية أعماله وإلا لم ينظر فيها»، أمور تضافر كثيرة في كتاب الله وسنة رسوله [ص] الاهتمام بالصلاة, ولهذا اهتم العلماء بها سؤالًا وجوابًا، وهذا السؤال الذي وجه من أحد العلماء ليس من عامة الناس, لأن هذا السؤال سؤال عالم غير أنه يريد الفصل في المسائل التي وقع فيها الخلاف, ولهذا يقول أنه يطلب ذكر المسائل مفصلة بالدليل الذي يعتمد عليه، ومعلوم أن الدليل في مثل هذا يجب أن يكون من كتاب الله ومن أحاديث رسوله [ص] فقط، العقل لا دخل له في هذا لأن هذا حكم شرعي أمر الله جل وعلا به، فإذا اختل فما حكم الذي أخله ولابد أن يكون الحكم الشرعي موجود في كتاب الله وما بينه الرسول [ص] ثم بدأ بالجواب في ذكر تعظيمها وأن تركها أعظم من قتل النفوس يعنى كون الإنسان يقتل نفسًا محرمة بغير نفس, جاء وعيده بأن له جنهم خالدًا فيها، وغضب الله عليه، ولعنه، وأعد له عذابا عظيما: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}[النساء:93]، هل في وعيد أشد من هذا؟! 

 

في الحديث أن الرسول [ص] يقول: «كل ذنب عسى الله أن يعفوا عنه إلا الرجل يموت مشركًا أو يلقى الله بدم حرام», وفي الحديث الآخر: أن إراقة دم مسلم أعظم عند الله …الحديث ، ولكن في حديث آخر: «لو أجتمع أهل السماء و الأرض على قتل مؤمن بلا حق لأكبهم في النار», أهل السموات والأرض, وفي القرآن: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة:32] عندما قال: {من قتله فكأنما قتل الناس جميعًا}, ولما نظر ابن عمر إلى الكعبة قال: (الله أكبر ما أعظمك وما أعظم حرمتك عند الله غير أن المؤمن أعظم رحمة عند الله منك), وهذا شيء معروف فإذا كان مثلًا ترك الصلاة أعظم من هذا فإذاً الأمر عظيم جدًا, أعظم من قتل النفس، والسبب أن القاتل وإن توعد بهذا الوعيد العظم ، ولا يجوز للإنسان بعد هذا الوعيد وهذا الكلام أن يهون من الأمر من أمر القتل لا يجوز, ولا يجوز أيضًا أن يقول قائل في قول الله جل وعلا: {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} أن يقول قولًا يكون خلاف هذا الكلام, هذا القول من الله جل وعلا، لا يجوز، لأن هذا قول رب العالمين جل وعلا، وهو الذي يحكم بين عباده، ولكن من المعلوم أن كلام الله لا يتناقض فهذا كله لا يدل على كفره, كونه مخلدً في النار وكونه له العذاب العظيم ما يدل على أنه كافر لأنه جاء في موضع آخر من كتاب الله انه سماه أخًا للمؤمن, ولا يكون المقصود بهذا إخوة النسب لا إخوة الدين, ومعلوم أن الله فصل الإخوة وقطعها بين المؤمن والكافر, لا إخوة بين كافر ومؤمن كما قال تعالى: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ}[المجادلة:22] يعنى ولو كانوا من الأقرباء، وهو يقول جل وعلا: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ}, بعد قوله جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ} إلى أن قال: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ}، الأخ هنا المقصود به هو الذي قُتل، والعفو يكون من وليه فسماه أخًا له, هذا لا ينافي قول الله جل وعلا الذي فيه توعده في خلود النار ولعنه ، لأن هذا حق وهذا حق، ولكن يؤخذ من هذا أنه لا يكون كافرًا, فهل جاء في القرآن أن تارك الصلاة لا يكون كافرًا مثل القاتل؟  

 

أبدًا، لم يأت، بل جاء في القرآن ما يدل على أن تارك الصلاة يكون كافرًا, فإنه جل وعلا أمر بقتال الكفار لغاية وهي إقامة الصلاة: {فإن أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم}, فجعل القتال () بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وفي الآيات الأخرى {فإن أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين}, فمقتضى ذلك أنهم إذا لم يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة أنهم يقاتلون, وأنهم إذا لم يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فليسوا لنا بإخوان, ليسوا بإخواننا في الدين, وهذا خلاف ما جاء في القاتل، من هنا قال لنا هنا في كلام أنه أعظم من قتل النفس, ترك الصلاة أعظم من قتل النفوس, أما الزنا فهو أسهل من قتل النفس, وإن كان عظيمًا عظمه الله جل وعلا ورتب عليه عذاب أليمًا ولكنه كما هو معلوم تفاوت الذنوب بعضها أكبر من بعض، وهذا يبين أن كثير من الناس لا يعرفون قدر الصلاة في الواقع، لا يعرفون قدرها, ولهذا يوجد من المسلمين من يتساهل فيها ويتركها, بينما مثلًا الوقوع في الكبائر مثل الزنا والقتل ما يقع إلا من الشذاذ من المسلمين, شذاذهم وفساقهم, والذي لا يبالون، بينما تجد ترك الصلاة يقع أكثر, إذ تركها تساهلًا قد لا يبالي الإنسان فيها، قد يمضي عليه سنين وهو لا يصلى أو أيام أو شهور, ثم لا فرق بين كونه ترك وقتًا أو ترك أوقاتًا إلا أن يتوب, يتوب من هذا لأنها المسألة في مسألة الدين الإسلامي أنه لا يقبل التجزئة, إما أن يأخذ الإنسان كل ما جاء به الرسول [رمز] جملة وينقاد ويسلم, وإلا إذا كان يأخذ جزء ويترك جزء فالله سماهم الكفر: {الذين يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض أولئك هم الكافرون حقًا}, فلابد من الالتزام بجميع ما أوجبه ربنا جل وعلا وبينه لنا رسول الله [ص] غير أنه يتفاوت بعضه أعظم من بعض. 

 

************** 

 

قوله : ثم اختلفوا في قتله ، وفي كيفية قتله ، وفي كفره : 

 

الشرح 

 

يعني الذين قالوا: بأن ترك الصلاة كفر اختلفوا ماذا يصنع به في القتل؟ 

 

 هذا أمر سهل إذا حكموا عليه بأنه كافر ، ما بقي إلا كيفية القتل الأمر سهل هذا. 

 

قوله : فأفتى سفيان ابن سعيد الثوري وأبو عمر الأوزاعي و عبد الله بن المبارك وحماد بن زيد، ووكيع بن جراح، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس الشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه وأصحابهم بأنه يقتل . 

 

 ثم اختلفوا في كيفية قتله, فقال جمهورهم: يقتل بالسيف ضربًا في عنقه.  وقال بعض الشافعية: يضرب بالخشب إلا أن يصلي أو يموت.  

 

وقال ابن شريح: ينخس بالسيف حتى يموت لأنه أبلغ في زجره وأرجى لرجوعه, والجمهور يحتجون بقوله [ص]: «إن الله كتب الإحسان في كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة» . 

 

وضرب العنق بالسيف أحسن القتلات وأسرعها إزهاقًا للنفس، وقد سن الله سبحانه في قتل الكفار المرتدين ضرب الأعناق دون النخس بالسيف ، وإنما شرع في حق الزاني المحصن القتل بالحجارة ، ليصل الألم إلى جميع بدنه ،حيث وصلت إليه اللذة بالحرام ،ولأن تلك القتلة أشنع القتلات والداعي إلى الزنا داع قوي في الطباع ، فجعلت غلظة هذه العقوبة في مقابلة قوة الداعي، ولأن في هذه العقوبة تذكيرًا لعقوبة الله لقوم لوط بالرجم بالحجارة على ارتكاب الفاحشة. 

 

الشرح 

 

القتل الذي يكون على حد من الحدود لا يجوز أن يقع إلا من إمام المسلمين, لأن الأئمة هم الذين ينفذون كلام الله ينفذون الأحكام, ولا يجوز أن يكون من أحاد الناس فإذا لم يكن هناك إمام للمسلمين، فمعنى ذلك أن الحدود لا تقام, لأنه لو ترك الأمر لعموم  الناس لعموم المسلمين, صارت فوضى كل يدعي أن هذا مرتكب مكفرًا فيقتل, فلا يجوز أن يقع مثل، ولهذا يقول الله جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ}[النساء:59]  فسر أولى الأمر بأنهم العلماء وبأنهم الأمراء، و الصواب أن أولى الأمر يجمع الصنفين, لأن العلماء يبينون الأحكام والأمراء ينفذونها, فهم يطاعون إذا كانوا على ما جاء به الرسول [ص]، هؤلاء يبينونه وهؤلاء ينفذونه.  

 

المقصود أن تنفي الأحكام لا يجوز أن تكون إلا من الأمراء الذين تأمروا على المسلمين، ولا يجوز من آحاد الناس أو من جماعات معينة فإن هذا يكونوا لو مثلًا ترك ذلك يكون فيه فوضى وكل يدعي أن هذا مرتد، أو أن هذا كافر فيقتل فيحصل من الفساد ومن الاختلاف والتناقص ما يترتب على ذلك وهو أمر عظيم جدًا, ثم لو معلوم أن مثل هذه الأشياء لا تنفذ إلا إذا كان الشرع هو الذي يحكم به, أما إذا كانت القوانين هي التي يحكم بها فمعنى ذلك أن شرع الله معطل ولا فيه إقامة الحدود.

 

فصلٌ 

 

وقوله : وقال ابن شهاب الزهري، وسعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، وأبو حنيفة، وداود بن علي، والمزني: يحبس حتى يموت أو يتوب ولا يقتل, واحتج لهذا المذهب بما رواه أبو هريرة عن النبي قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» رواه البخاري ومسلم. 

 

الشرح 

 

وجه الدليل من هنا أنه رتب القتل القتال على قول لا إله إلا الله، فإذا قالوها توقف عن قتالهم ولم يذكر الصلاة هذا وجه الدليل ولكن  الواقع أنه قال: «عصموا منى دمائهم وأموالهم إلا بحقها»، وحقها هنا الضمير يعود إلى لا إله إلا الله, ومن أعظم حق لا إله إلا الله الصلاة، من أعظمها الصلاة وقد جعل أبو بكر الصديق  من حقها الزكاة وقال: (والله لو منعوني عناقًا كان يؤدونها إلى رسول الله [ص] لقاتلتهم عليها لأنها من حق لا إله إلا الله) 

 

ثم جاءت الأحاديث مطابقة لهذا المفهوم، فإذًا الاستدلال بهذا الحديث غير صحيح على هذه المسألة لأنه استدلال باللفظ دون جزء منه وهو القيد الذي قال: «عصموا من دمائهم وأموالهم إلا بحقها», حق لا إله إلا الله فهنا الاستثناء هنا يخرج أن يكون مجرد قول فقط, ومعلوم أنه ليس المقصود للرسول [ص] أن الإنسان يتلفظ بهذه الكلمة فقط مع أنه مقيم على عقيدته, هذا غير مقصود، أن يقول: لا إله إلا الله ويعمل بها, وإلا لو كان المقصود مجرد اللفظ لسارع المشركون إلى القول بها مع إقامتهم على عبادة الأصنام لكن هذا لا يقبل, هذا ليس مقصودًا لأن كلمة لا إله إلا الله ركبت على إبطال جميع المعبودات التي تعبد من دون الله، وحصر العبادة على الله وحده فقط، ومن أعظم العبادة, إقامة الصلاة. 

 

وقوله : وعن ابن مسعود[رضي الله عنه] قال: قال النبي[ص]: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة» أخرجاه في الصحيحين . 

 

الشرح 

 

وهذا أيضًا لا دليل لهم فيه لأنه قال: «التارك لدينه المفارق للجماعة», ومن أعظم الدين الصلاة فمن تركها فقد ترك دينه وفارق الجماعة, والجماعة هي ما اجتمع عليه المؤمنون على ما جاء به رسول الله [ص] هذه الجماعة الصحيحة. 

 

وقوله : قالوا: ولأنها من الشرائع العملية فلا يقتل بتركها كالصيام والزكاة والحج. 

 

الشرح 

 

ومعلوم أن الدين ينقسم إلى قسمين:  

 

القسم الأول : قسم اعتقادي علمي . 

 

القسم الثاني  : عملي . 

 

ولكن لابد من ارتباط بين القسمين, لأن وجود علمي بلا عقيدة هذا قد لا يأتي ولا يقع إلا من ساهي أو سكران أو ما أشبه ذلك, فلابد أن يسبق العلم والاعتقاد العملي, ومثلًا إذا كان الإنسان يصلى مجرد موافقة لمن يصلى, وافقه فقط في القيام والركوع والسجود ولكن ما يقصد ثواب وما يقصد أن يؤدي ليس في نيته أن يثاب على هذا ويسلم من العقاب وأنه يؤدي واجب أوجبه الله عليه هذا ليس في عقيدته وإنما رأى الناس يفعلون ذلك ففعل هذا, فهل مثل هذا يكون مصلي؟! 

 

هذا في الواقع ما عرف الصلاة أصلًا, ولهذا اختلف العلماء فيما إذا رأوا كافرًا يركع ويسجد أو رأوه يتوضأ, أو سمعوه يؤذن هل يحكم بإسلامه أو لا يحكم حتى يتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؟ 

 

الصواب أنه يتوقف فيه حتى يتبين, فإن كان يريد الاستهزاء السخرية بالمسلمين هذا يتبين أنه ليس بسلم أصلًا, إن كان مثلًا تبين أنه يريد اعتناق الإسلام يقال له: لابد أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله أولًا, ثم بعد ذلك تأتي بما هو فرض عليك بعد ذلك، لأن الرسول مثل ما سمعنا يقول: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله, فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله», يعنى أنهم إذا كان في قرارة نفوسهم شيء يبطنونه فالله هو الذي يحاسبهم عليه. 

 

وقوله : ولأنها من الشرائع العملية فلا يقتل بتركها كالصيام والزكاة وعلى هذا ما ينفك العملي عن الإعتقادي, وليس معنى ذلك إذا قيل مثلًا: هذا كفر اعتقادي وهذا كفر عملي أن هناك فرق بين هذا وهذا, إذا كان كفر فهو كفر, وبعض طلبة العلم يتوهم أنه إذا قيل: هذا كفر عملي, أنه سهل، أنه لا يخرج من الدين الإسلامي أنه سهل لأنه عملي, وليس كذلك ولكن هنا يعنى رُتب هذا على الأعمال التي تصدر من الإنسان, رتب عليه، ومعلوم أن الإيمان له أصل وله شعب, فأصله العلم ومن شعبه كثيرة الشعب, بعضها إذا تركت الشعب يكون الإنسان خارجًا من الدين الإسلامي، وبعضها لا, فإماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان كما بين الرسول [ص], لذلك ما يقال: إذا ترك الإنسان إماطة الأذى عن الطريق إزالة ما يؤذى الذين يمشون على الطرق أنه يكون مرتكبًا جرمًا يجب أن يعاقب عليه ! لا، ترك فضل ولم يرتكب جرمًا, ومن شعبه الصلاة أن يقال مثلًا: أن الصلاة كإماطة الأذى عن الطريق, فرق عظيم جدًا، ولهذا قال: الإيمان بضع وستون شعبة» أو «بضع وسبعون شعبة», حسب الروايات, «أعلاها قول: لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق», فجعل لها أعلى ولها أدنى, فبين الأعلى والأدنى أمور متوسطة, منها ما يلحق بالأعلى ومنها ما يلحق بالأدنى, إذًا كل إنسان عليه أن يعرف ما الذي ألزمه الله به, وما الذي يترتب على تركه أن يكون كترك الأصل الذي هو شهادة أن لا إله إلا الله. 

 

 

 

وقوله : قالوا : الموجبون لقتله:قد قال الله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ}[التوبة:5]، فأمر بقتلهم حتى يتوبوا من شركهم ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة .

 

ومن قال: لا يقتل تارك الصلاة. يقول: متى تاب من شركه سقط عنه القتل وإن لم يقم الصلاة ولا آتى الزكاة، وهذا خلاف ظاهر القرآن. 

 

الشرح 

 

خلاف ظاهره ولكن في الواقع أنه إذا كان مشركًا أصليًا كافر ثم ترك كفره وقال: أسلمت أو قال: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدًا رسول الله, أنه لا يقتل ولا يحكم عليه بأنه كافر بل يحكم بأنه مسلم، ولكن يتوقف هذا على التسليم والانقياد, هل ينقاد إلى الإسلام وإلا مجرد قول؟! 

 

معلوم أن الإسلام هو الاستسلام لله بالطاعة, والانقياد له وإذا تأبى قال:لا، أنا أسلم ولكن ما أصلى, مسلم ولا يصلى ولا يزكي ولا يصوم فهل يكون هذا مسلم؟! 

 

في الواقع أنه مسلم بالاسم فقط, أما في الحقيقة فليس بمسلم، فأول الأمر يتوقف يقول: لا، ما نقتله بل إذا قال هذه الكلمة نحكم بأنه مسلم، ولو مات بعد قوله هذه الكلمة لحكم بأنه مسلم وغسل وصلي عليه ودفن في مقابر المسلمين, ولكن إذا جاء عليه أوقات الصلاة ولم يصل, يقال: لابد أن  تصلى فإن لم تصل فإسلامك منتقض, ما هو من أول وهلة, فإذًا ما يكون فيه مخالفة بين هذا النص والنصوص الأخرى كلها تتفق. 

 

وقوله : وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري قال: بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو باليمن إلى النبي بذهيبة فقسمها بين أربعة فقال رجل: يا رسول الله اتق الله فقال: «ويلك ألست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟» ثم ولى الرجل فقال خالد بن الوليد يا رسول الله: ألا أضرب عنقه فقال: «لا، لعله أن يكون يصلي» فقال خالد: فكم من مصل يقول بلسانه ما ليس بقلبه فقال رسول الله: «إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم». 

 

فجعل النبي المانع من قتله كونه يصلي فدل على أن من لم يصل يقتل، ولهذا قال في الحديث الآخر: «نهيت عن قتل المصلين» وهو يدل على أن غير المصلين لم ينهه الله عن قتلهم.  

 

الشرح 

 

وجه الدلالة من هنا أن الذي لا يصلى أنه يقتل وأنه تارك للدين الإسلامي فعلق القتل بترك الصلاة الذي لا يصلى، أما إذا صلى فيمتنع القتل منه، ومعلوم أن اتهام الرسول [ص] بأنه جائر وأنه غير عادل أن هذه تنافي شهادة أن محمدًا رسول الله, تنافيها، ولكن قد مثلا يأتي حكم أو فعل فيكون المعنى من تفريد الحكم به عدة أشياء ليست واحدة, أمور عدة, يعنى كونه يصلى وكونه لأمر آخر وهو ما جاء في الرواية الأخرى أنه قال: «لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه», يعنى هذا في أول الأمر أنه إذا مثلًا سمع البعيدون عن النبي[رمز] الذين لا يعرفون حقيقة الدين الذي جاء به سمعوا أنه قتل رجلًا من أصحابه, قالوا: إذا ما نسلم نخشى أن يقتلنا, نتبعه ثم يقتلنا فيمتنعون من دخول الإسلام, فهذا معنى قوله: «لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه», فيكون المعنى من قتله خشية أن يظن الجاهل أنه قتل وهو ممن يلتزم الدين الإسلامي فيكون ذلك مانعًا من دخول بعض الناس في الدين الإسلامي. 

 

وقوله : وروى الإمام أحمد والشافعي في مسنديهما من حديث عبيد الله بن عدي بن الخيار أن رجلًا من الأنصار حدثه أنه أتى النبي وهو في مجلس فساره يستأذنه في قتل رجل من المنافقين فجهر رسول الله [رمز] فقال: «أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟», فقال الأنصاري: بلى يا رسول الله ولا شهادة له، قال: «أليس يشهد أن محمدًا رسول الله؟», قال: بلى ولا شهادة له. قال: «أليس يصلي الصلاة؟», قال: بلى ولا صلاة له قال: «أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم». 

 

فدل على انه لم ينهه عن قتل من لم يصل.  

 

وفي صحيح مسلم عن أم سلمه عن النبي[ص] قال: «إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن أنكر فقد بريء ومن كره فقد سلم ولكن من رضي وتابع فقالوا: يا رسول الله ألا نقاتلهم فقال: «لا ما صلوا». 

 

وفي الصحيحين البخاري من حديث عبد الله بن عمر أن النبي  [رمز]قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله». 

 

فوجه الاستدلال به من وجهين : 

 

أحدهما: أنه أمر بقتالهم إلى أن يقيموا الصلاة . 

 

 الثاني: قوله إلا بحقها“، والصلاة من أعظم حقها.  

 

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله [ص]: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ثم قد حرمت علي دماؤهم وأموالهم وحسابهم على الله», رواه الإمام أحمد وابن خزيمة في صحيحه

 

فأخبر [ص] أنه أمر بقتالهم إلى أن يقيموا الصلاة وأن دمائهم وأموالهم إنما تحرم بعد الشهادتين وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فدماؤهم وأموالهم قبل ذلك غير محرمة بل هي مباحة.  

 

وعن أنس بن مالك قال: لما توفي رسول الله [رمز] ارتد العرب فقال عمر: يا أبا بكر كيف تقاتل العرب؟ فقال أبو بكر: إنما قال رسول الله [رمز]: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة», رواه النسائي وهو حديث صحيح. 

 

وتقييد هذه الأحاديث يبين مقتضى الحديث المطلق الذي احتجوا به على ترك القتل مع أنه حجة عليهم، فإنه لم يثبت العصمة للدم والمال إلا بحق الإسلام والصلاة آكد حقوقه على الإطلاق. 

 

 

 

الشرح 

 

في هذا ارتداد العرب، العرب الذين ارتدوا هم الذين لم يكونوا مع النبي وليسوا من أصحابه، لأن النبي [رمز] قبل أن يموت كل جزيرة العرب دخلت في الإسلام كلها, صار الذين كانوا بعيدين عن المدينة يرسلون وفود إلى النبي [رمز] بالطاعة ومتابعتهم والانقياد له, ولهذا سميت سنة تسع سنة الوفود, لكثرة الوفود الذين يأتون من أقوامهم, إلى النبي [رمز] بالإسلام فدخلت الجزيرة كلها في الإسلام فلم يبقي فيها قبيلة من قبائل العرب إلا وهي تدين بالإسلام, ثم لما توفي النبي [ص] ارتد هؤلاء الذين كانوا حديث عهد بإسلام, وكانوا بعيدين عن النبي [ص] واختلفت وجهات نظرهم, أو علة ارتدادهم اختلفوا فيها, منهم من منع الزكاة فقط, ومنهم من قال: لو كان نبي ما مات ولكنه ليس بنبي, ومنهم من زعم أنه انتهت دعوته بموته فيعودوا على ما كانوا عليه, الصحابة رضوان الله عليهم, هذه من أصعب ما واجهوا بعد موت النبي[ص]، صعبة جدًا جميع الناس ارتدوا إلا مجرد المدينة ومكة والطائف، ومدينة في البحرين هذه اللي بقيت على الإسلام، أما القبائل قبائل العرب والنائين كلهم ارتدوا, ولهذا حمل العلماء الحديث الذي فيه ذكر الحوض, أنه «يؤتي بأناس على الحوض فإذا عرفتهم حيل بين وبينهم فأقول: إلى أين؟, فيقال: إلى النار. فأقول: أصحابي, فيقال: إنك لا تدري ما صنعوا بعدك, إنهم لن يزالوا مرتدين على أدبارهم», حمل على هؤلاء على أهل الردة, فقاتلهم أبا بكر رضي الله عنه ولم يكن عنده شيء من التساهل والهوادة في هذا بل لما نظره عمر قال: كيف تقاتل الناس؟ إنهم اختلفوا من يقول:منع الزكاة ومنهم, وقد قال النبي [ص]: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله, فإذا قالوها عصموا منى دمائهم وأمالهم», قال: ألم يقل إلا بحقها؟ قال: بلى. فصار مناظرة بينه وبينه حتى قال له أبو بكر: (يا ابن الخطاب أخوار في الإسلام جبار في الجاهلية؟ والله لو لم يبق معي أحد لقاتلتهم), فعند ذلك اتفق الصحابة بعد هذا، اتفقوا على أن الحق أن يقاتلوا, ولهذا لا ينسى هذا الموقف لأبي بكر رضي الله عنه, ولهذا يقول العلماء: (نصر الله الإسلام برجلين: أبي بكر يوم الردة, وأحمد بن حنبل يوم المحنة), يوم امتحان الناس وصاروا يقتلون إذا قال الرجل: إن القرآن كلام الله, قتل, فصبر وصمد بالضرب والسجن والتعذيب والتهديد حتى أفتى المفتون بوجوب قتله, وأن إثمه في أعناقهم هكذا يقولون للخليفة, ومع ذلك صمد، فالمقصود أن هذا من الأمور العظيمة لهذا لما علم الصحابة بذلك بعد مبايعة أبي بكر, وقد كان الرسول [رمز] أمر بجيش يذهب إلى قتال الروم بقيادة أسامة بن زيد, فلما انفصل بالجيش أسامة خرجوا من المدينة وكان النبي [ص] مريض، خيم في الجرف فأتي إلى النبي [ص] فقال له: «ألم آمرك في الخروج», فقال: بلي ولكن كيف أذهب وأنت هكذا؟ أسأل الركبان ماذا فعلت؟ أريد أن أبقي حتى أنظر ماذا يكون؟ فسكت عنه [ص]، فبقي حتى توفي الرسول [ص]، فلما توفي جاء الخلاف بين الصحابة ماذا يكون؟ فقال أبو بكر: لابد من تنفيذ هذا الأمر والله لو رأيت الأعراب أو المرتدون يسحبون نساء المسلمين من المدينة لا بد أن أنفذ أمر رسول الله [رمز] فكان في هذا حكمة عظمية وفائدة عظيمة حيث صار الناس يقولون الذين بعيدين لولا أنهم أقوياء ما نفذوا هذا الجيش. 

 

مقصودهم من الحديث المطلق الذي احتجوا به قوله [ص]: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله, فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها», وعلوم أن المقصود بحقها إن قالوا: هذا مطلق قوله: «من قال: لا إله إلا الله» لا يجوز قتله, عصم دمه وماله ولم يذكروا الصلاة ولا غيرها, يدل على أن تارك الصلاة لا يكون كافرًا, هذا وجه الاستدلال استدلالهم, ولكن في الواقع مثل من قال: إنه لا دليل لهم على هذا على هذا القول لأن الحديث نفسه يدل على خلاف ما قالوه حيث قيد عدم القتال أنه يكون إذا لم يثبت حقها والمقصود بحقها الضمير يعود على لا إله إلا الله, إذا قالوا: لا إله إلا الله عصموا دمائهم إلا بحق لا إله إلا الله, ومن أعظم حق لا  إله إلا الله إقام الصلاة, ويصير الحديث الذي استدلوا به دليلًا عليهم, دليل على أن من لم يقم الصلاة فإنه يقاتل, أما مسألة الكفر يكون كافر أو غير كافر فهذا يحتاج إلى دليل آخر, غير هذا وإنما هذا يدل على أن من لم يقم الصلاة فإن يقاتل, ومعلوم أن قول الرسول [رمز]: «أمرت أن أقاتل الناس», يقصد به المشركين الذين بعث فيهم, فهم كفار في الأصل، وخروجهم من الكفر هو بقول: لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله, يعني شهادة أن إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ثم من المعلوم أن الرسول بين أن الإسلام أنه هو الانقياد لله بفعل الطاعات وفعل الأوامر واجتناب النواهي, فإذا لم ينقد الإنسان قال: أسلمت وهو لم ينقد يعنى أنه لم يفعل ما أمر به فهذا ليس إسلامًا, وإنما هو إسلام باللسان, هذا لا يفيد لا يجدي شيئًا. 

 

وقوله : وأما حديث ابن مسعود وهو «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث» فهو حجة لنا في المسألة فإنه جعل منهم التارك لدينه، والصلاة ركن الدين الأعظم ولاسيما إن قلنا: بأنه كافر فقد ترك الدين بالكلية وإن لم يكفر فقد ترك عمود الدين.

 

الشرح 

 

لأن هم أيضًا استدلوا الذين قالوا: بأن ترك الصلاة لا يكفر استدلوا بالحديث الثابت عن النبي [ص] وهو حديث عبد الله بن مسعود يقول:«لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة», فهذه الثلاث هي التي تجعل الإنسان حلال الدم، أما أن يكون حلال الدم مطلق فليس كذلك، وإنما هو أنه يقتل بالشرع ومعلوم أن الذي يقوم بقتله الإمام ليس كل أحد, فيجوز لكل واحد أن يقول: هذه ترك دينه فأنا أقتله أو هذا زنا وهو محصن نحن نرجمه، هذا لا يجوز, وإنما الذي يقيم الحدود هو إمام المسلمين فهو الذين ينفذ الحدود ويقيمها, أما آحاد الناس فلا, ولكن المقصود به قوله: «التارك لدينه المفارق للجماعة», والتارك لدينه، «لدينه» إذا جاء الشيء المضاف فإنه يعم دينه يعم الدين كله, ولكن الصلاة من أعظم أركان الدين, فمن تركها صدق عليه أنه ترك معظم الدين, وإن كان قائمًا ببعض الأشياء فلا يكون هذا دليلًا على أنه غير كافي. 

 

وقوله : قال الإمام أحمد رحمه الله: وقد جاء في الحديث «لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة». 

 

وقد كان عمر بن الخطاب يكتب إلى الآفاق ” إن أهم أموركم عندي الصلاة فمن حفظها حفظ دينه. 

 

الشرح 

 

هذا القول من الإمام أحمد جاء في رسالته في الصلاة، وهذه الرسالة قد شكك فيها بعض الناس قال: أنها ليست ثابتة للإمام أحمد بدليل انه لم يرو حديثًا فيها بسنده, ولا حديث واحد مروى بالسند, وإنما سلك أسلوب المذكر فيقول: جاء في الحديث، ورد في الحديث، في الحديث كذا، وليس هذا حجة، فالرسالة ثابتة وسببها أنه صلى مع جماعة في مسجد ببغداد, فوجد من يسابق الإمام و من يوافقه في الركوع والسجود، وكتب هذه الرسالة للإمام يعظه وينصح جماعته, وهذا كان بعد في آخر حياته لما حلف أنه لا يروى حديثًا وذلك لما المتوكل طلب منه أن يحدث بعض أولاده فخشي في ذلك فتنة فحلف أنه لا يروى حديثًا فصار من جراء ذلك ما يذكر الحديث بالسند وإنما يقول: جاء في الحديث، وهكذا استعمل في هذه الرسالة جاء في الحديث كذا، وجاء في الحديث كذا، وليس معنى ذلك أن هذه الأحاديث غير ثابتة عنده، ولكن تخلصًا من القسم الذي أقسمه, يقول ذلك وهو لا يذكر في هذا إلا ما هو ثبت، فيعتقد أنه ثابت ولا يضيفه إلى النبي [رمز] شيئًا غير صحيح, فقوله: جاء في الحديث هو تخلص من القسم الذي أقسمه من أنه لا يروى حديثًا, حتى ما يكون حانثًا فإذا قال: جاء في الحديث يصبح أنه لم يرو فإنما يذكر الحديث أنه جاء عن النبي [ص] . 

 

وقوله : وقد كان عمر بن الخطاب يكتب إلى الآفاق : ” إن أهم أموركم عندي الصلاة فمن حفظها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع ولاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة “. 

 

الشرح 

 

” لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة “, هكذا جاء في قول عمر وفي وقول غيره أيضًا، فهذا قاله عمر في وقت موته، وقاله: قبل ذلك لأنه لما طعن ثم أغمي عليه فأفاق فقيل له: الصلاة فقال: ” نعم أما أنه لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة “ صلى ودمائه تسيل, وكذلك قاله قبل ذلك أيضًا هو وغيره من الصحابة، ولهذا جاء عن الصحابة رضوان الله عليهم ما يرون شيئًا تركه كفر إلا الصلاة فإنهم يرون أن تركها كفر والسبب في هذا النصوص التي جاءت في كتاب الله وفي أحاديث نبيه [ص] كما سيذكر ذلك. 

 

وقوله :قال أحمد : فكل مستخف بالصلاة مستهين بها فهو مستخف بالإسلام مستهين به. 

 

وإنما حظه من الإسلام على قدر حظه من الصلاة، ورغبته في الإسلام على قدر رغبته في الصلاة . 

 

فاعرف نفسك يا عبد الله، واحذر أن تلقي الله ولا قدر للإسلام عندك، فإن قدر الإسلام في قلبك كقدر الصلاة في قلبك. 

 

الشرح 

 

هذا كلام الإمام أحمد. 

 

وقوله : وقد جاء الحديث عن النبي أنه قال: «الصلاة عمود الدين» . 

 

ألست تعلم أن الفسطاط إذا سقط عموده سقط الفسطاط ولم ينتفع بالطنب ولا بالأوتاد وإذا قام عمود الفسطاط انتفعت بالطنب والأوتاد وكذلك الصلاة من الإسلام.  

 

 وجاء في الحديث: «إن أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من عمله صلاته فإذا تقبلت منه صلاته تقبل منه سائر عمله وإن ردت عليه صلاته رد عليه سائر عمله». 

 

 

 

الشرح 

 

هذا الحديث حديث حسن، وأنه أول ما يسأل العبد عنه صلاته، فإن صلحت نظر في سائر عمله, يعني نظر في أعماله الأخرى وإن لم تصلح لم ينظر في سائر علمه, فدل هذا على أن الصلاة أصل يبنى عليه غيره, وهذا هو مقتضى كون الصلاة عماد الدين وهي الركن الأعظم بعد الشهادتين بعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله, هذا الركن الأول من أركان الإسلام التي جعلتا ركن واحدًا لتلازمهما, ثم بعد ذلك الركن الثاني الصلاة، ومعلوم أن البيت يبنى على أركان وإذا إنهد ركن لا ينتفع به، كما ذكر في أن الصلاة أنها هي الفسطاط فسطاط الإسلام يعنى عموده عمود الفسطاط, الفسطاط هو الإسلام وعماده الصلاة وهذا جاء في أحاديث عن النبي [رمز] مثل حديث معاذ بن جبل لما أخبره برأس الأمر وملاكه وعماده، فقال له: «عماد الإسلام الصلاة», يعنى الإسلام يعتمد عليها, فالأحاديث والنصوص التي تدل على أن الصلاة لابد منها وأن من ضيعها فإنه قد ضيع دينه كثيرة. 

 

وقوله : فصلاتنا آخر ديننا وهي أول ما نسأل عنه غدًا من أعمالنا يوم القيامة، فليس بعد ذهاب الصلاة إسلام ولا دين إذ صارت الصلاة آخر ما يذهب من الإسلام. هذا كله كلام أحمد . 

 

الشرح 

 

يعني هذا كله كلامه في الرسالة في رسالة الصلاة. 

 

وقوله : والصلاة أول فروض الإسلام وهي آخر ما يفقد من الدين فهي أول الإسلام وآخره فإذا ذهب أوله وآخره فقد ذهب جميعه وكل شيء ذهب أوله وآخره فقد ذهب جميعه.  

 

قال الإمام أحمد ” كل شيء يذهب آخره فقد ذهب جميعه فإذا ذهبت صلاة المرء ذهب دينه ” . 

 

والمقصود أن حديث عبد الله بن مسعود «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه» من أقوى الحجج في قتل تارك الصلاة. 

 

 الشرح 

 

أقوى الحجج في تارك الصلاة لأنه قال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث», فهو بين أن الذي يترك دينه أنه يقتل، والصلاة هي عظم الدين فدل ذلك على أنه يقتل ولكن سيأتي الخلاف في قتله, هل يقتل كافرًا أو يقتل حدًا؟ فرق بين القولين لأنه إذا كان قتل كافرًا معنى ذلك أنه يرمى لا يصلى عليه وقد يحكم بأنه في النار, أما إذا كان حدًا فهو مسلم يغسل ويصلى عليه ويدفن مع المسلمين.

 

فصلٌ 

 

واختلف القائلون بقتله في مسائل: 

 

 إحداها: أنه هل يستتاب أم لا؟ 

 

الشرح 

 

والكلام هذه اختلف إلى آخره . هذا من كلام الناشر وليس من كلام المؤلف, المؤلف ما يجعل عناوين وإنما يقول: فصل. فقط فهذا ينبغي أن يبين، لكنه ما بين هنا!. 

 

وقوله : إحداها : أنه هل يستتاب أم لا؟  

 

فالمشهور أنه يستتاب فإن تاب ترك، وإلا قتل هذا قول الشافعي وأحمد وأحد القولين في مذهب مالك. 

 

 الشرح 

 

وهذا هو الصواب أنه يستتاب يجب أن يستتاب فإذا تاب ترك ، هذا هو المقصود كل من ترك شيئا من الدين إنه يطلب منه الرجوع إليه وامتثال ذلك، وأيضًا ما هو مجرد طلب فقط، الإيماء بشيء من التعزيرات حتى يلتزم وإن أبي حينئذ يصارع القتل. 

 

 وقوله : وقال أبو بكر الطرطوشي في تعليقه: مذهب مالك أنه يقال له: صل ما دام الوقت باقيًا فإن فعل ترك وإن امتنع حتى خرج الوقت قتل. 

 

وهل يستتاب أم لا؟ 

 

قال بعض أصحابنا: يستتاب فإن تاب وإلا قتل. 

 

وقال بعضهم لا يستتاب لأن هذا حد من الحدود يقام عليه فلا تسقطه التوبة كالزاني والسارق. 

 

وهذا القول يلزم من قال: يقتل حدًا فإنه إذا كان حده على ترك الصلاة القتل كان كمن حده القتل على الزنا والمحاربة، والحدود تجب بأسبابها المتقدمة ولا تسقطها التوبة بعد الرفع إلى الإمام. 

 

وأما من قال يقتل لكفره فلا يلزمه هذا لأنه جعله كالمرتد وإذا أسلم سقط عنه القتل. 

 

 الشرح 

 

وهذا هو الصواب, أم القول الأول فهو ضعيف، ذلك أنه لم يأتي في كتاب الله ولا في سنة رسوله [ص] حد في ترك الصلاة, أنه يفعل به كذا أو كذا إنما هذا مستنبط استنباطًا، ومعروف أن الحدود يجب أن تكون بالنص وإنما كون أنه يقتل لأنه ترك دينه والتارك للدين مرتد, والمرتد لا يقر على ردته إما أن يرجع إلى الدين الذي خرج منه وإما أن يقتل لقوله [رمز]: «من بدل دينه فاقتلوه» فأمر بقتله مطلقًا، «من بدل دينه فاقتلوه», فلا يجوز تركه, إذا ترك الدين يجب أن يقتل، ولكن مثل ما مضى القتل يكون للإمام هو الذي ينفذ الحدود وليس لآحاد الناس ولا لجماعات, يكون هناك جماعة فيقولون: نحن نقيم الحد. هذا لا يجوز لأن هذا خلاف ما جاء بالشرع، الشرع الذي ينفذ الحدود هو الإمام. ** 

 

وقوله : قال الطرطوشي: وهكذا حكم الطهارة والغسل من الجنابة والصيام عندنا، فإذا قال: لا أتوضأ ولا اغتسل من الجنابة ولا أصوم قتل ولم يستتب سواء قال هي فرض علي أو جحد فرضها.  

 

قلت: هذا الذي حكاه الطرطوشي عن بعض أصحابه أنه يقتل من غير استتابة هو رواية عن مالك. 

 

وفي استتابه المرتد روايتان عن أحمد، وقولان للشافعي. 

 

ومن فرق بين المرتد وبين تارك الصلاة في الاستتابة فاستتاب المرتد دون تارك الصلاة كإحدى الروايتين عن مالك يقول: الظاهر أن المسلم لا يترك دينه إلا لشبهة عرضت له تمنعه البقاء عليه فيستتاب رجاء زوالها . 

 

والتارك للصلاة مع إقراره بوجوبها عليه لا مانع له فلا يمهل.  

 

قال المستتيبون له: هذا قتل لترك واجب شرعت له الاستتابة فكانت واجبة كقتل الردة . 

 

قالوا: بل الاستتابة هاهنا أولى لأن احتمال رجوعه اقرب لأن التزامه للإسلام يحمله على التوبة مما يخلصه من العقوبة في الدنيا والآخرة . 

 

وهذا القول هو الصحيح لأن أسوأ أحواله أن يكون كالمرتد وقد اتفق الصحابة على قبول توبة المرتدين ومانعي الزكاة وقد قال الله تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف}, وهذا يعم المرتد وغيره. 

 

 الشرح 

 

وهذا المقصود من الدعوة وإرسال الرسل أن يعود الناس إلى امتثال أمر الله جل وعلا، ولهذا لما ذكر الله جلا وعلا فعل الكفار بالمؤمنين حضهم على التوبة .  

 

قوله :{قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}[البروج:3-9]. 

 

ثم قال جلا وعلا: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ}[البروج:10]^، هذا في الكفار هؤلاء لما آمنوا بالله جل وعلا حفروا الأخدود لهم وأضرموها نيرانًا وألقوهم فيها, مجرد أنهم آمنوا فقط: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} مع ذلك يقول: {ثم لم توبوا}, في هذا دليل على أن التوبة هي المطلوبة من جميع الناس سواء كفار أصليين أو كانوا مرتدين, فإذا كان سقط عنه القتل، إنما إذا كان هناك أمور تتعلق بالغير حقوق هي التي تلزم أما حق الله جل وعلا فهو يسقط. 

 

 

وقوله : والفرق بين قتل هذا حدًا وقتل الزاني والمحارب أن قتل تارك الصلاة إنما هو على إصراره على الترك في المستقبل وعلى الترك في الماضي . بخلاف المقتول في الحد، فإن سبب قتله الجناية المتقدمة على الحد لأنه لم يبق له سبيل إلى تداركها وهذا له سبيل الاستدراك بفعلها بعد خروج وقتها عند الأئمة الأربعة وغيرهم. 

 

ومن يقول من أصحاب أحمد: لا سبيل له إلى الاستدراك كما هو قول طائفة من السلف يقول: القتل ها هنا على ترك فيزول الترك بالفعل فأما الزنا والمحاربة فالقتل فيهما على فعل والفعل الذي مضى لا يزول بالترك. 

 

 الشرح 

 

هذا غير صحيح الفعل إن مضى مستدرك بالتوبة, فالتائب إذا تاب من الذنب كأن ليس عليه ذنب, أما أن يلزم يقال له: أنت فعلت هذا الفعل لازم يلزمك بهذا وهذا غير صحيح, هنا يعنى النصوص التي فيها طلب التوبة والحث عليها والله يفرح بتوبة عبده التائب, ويقول جل وعلا{يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}[الزمر:53], هذا في كل ذنب, في تارك الصلاة وغيرها ما يخرج منه شيء, قوله: {يغفر الذنوب جميعًا}. 

 

 

فصلٌ 

 

المسألة الثانية: أنه لا يقتل حتى يدعى إلى فعلها فيمتنع. فالدعاء إليها لا يستمر ولذلك أذن النبي [رمز] في الصلاة نافلة خلف الأمراء الذين يؤخرون الصلاة حتى يخرج الوقت ولم يأمر بقتالهم ولم يأذن في قتلهم لأنهم لم يصروا على الترك فإذا دعي فامتنع لا من عذر حتى يخرج الوقت تحقق تركه وإصراره. 

 

 

 

الشرح 

 

فالواقع الذين ذكرهم الرسول [ص] الأئمة الذين يؤخرون الصلاة ليسوا كفار وإنما هم ظلمة يؤخرونها إلى آخر وقتها, أو قد يخرج بعض الوقت, فمثلا يؤخرون العصر إلى اصفرار الشمس, والرسول [ص] أخبر بهذا قبل وقوعه أنه يسكون أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها, وقتها المختار يعنى، ومعلوم أن وقت العصر يبدأ من ظل الشيء مثله إلى غروب الشمس هذا كله وقت له، إلا أنه في وقت اختيار ووقت ضرورة, وقت الضرورة إذا اصفرت الشمس إلى غروبها هذا وقت الضرورة، ولكن جاء في الحديث «من أدرك ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر», يعنى في وقته، وأما إذا غربت فقد خرج الوقت انتهى, وكذلك الفجر يبدأ من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس هذا كله وقت لها, ولكن لها وقت اختيار ووقت اضطرار, وهكذا بقية الأوقات, فقوله لما ذكر أنهم يؤخرونها, قال له الصحابة: ألم نقاتلهم؟ قال: «لا صلوا معهم» يعنى خلفهم أمر أن يصلوا الصلاة في وقتها ثم يصلوا معهم فتكون صلاتهم معهم نافلة, يصلون الصلاة في وقتها, ولو فرادى ويصلون معهم ما داموا يصلون معهم وإن أخروها, عن الأوقات, وهؤلاء ليسوا كفار وإنما هم ظلمة, والظالم لا يجوز نزع يد منه, يجب أن يطاع ما دام أنه لم يخرج من الدين الإسلامي, وإن كان ظالمًا وإن ظلم وإن اعتدى وضرب وأخذ المال, لأن الخروج على الإمام يترتب عليه مفاسد عظيمة فيتحمل المفسدة التي يدرأ بها المفسدة العظمي وهو أعظم منها, وهذا مقتضى النصوص التي جاءت عن النبي [رمز] مثل هذا. 

 

 فصل ٌ 

 

وقوله : المسألة الثالثة بماذا يقتل هل بترك صلاة أو صلاتين أو ثلاث صلوات؟ هذا فيه خلاف بين الناس . 

 

 الشرح 

 

هنا فرق بين صلاة أو صلاتين أو ثلاثة, على الصحيح, إذا ترك صلاة وأصر على تركها, فإنه يصبح مرتد، ولكن معلوم أنه في اليوم لا يقتل في أول يوم, يعنى يترك ثلاثة أيام, يدعى إلى فعل الصلاة ثلاثًا, فإن أصر على تركها هناك يقتل. 

 

 

 

قوله : فقال سفيان الثوري، ومالك، وأحمد في إحدى الروايات: يقتل بترك صلاة واحدة. وهو ظاهر مذهب الشافعي وأحمد. 

 

وحجة هذا القول ما تقدم من الأحاديث الدالة على قتل تارك الصلاة. 

 

وقد روى معاذ بن جبل أن رسول الله قال: «من ترك صلاة مكتوبة متعمدًا فقد برئت منه ذمة الله», رواه الإمام أحمد في ” مسنده “. 

 

وعن أبي الدرداء قال: أوصاني أبو القاسم أن لا أترك الصلاة متعمدًا فمن تركها متعمدًا فقد برئت منه الذمة، رواه عبد الرحمن ابن أبي حاتم في سننه . 

 

ولأنه إذا دعي إلى فعلها في وقتها فقال: لا أصلي ولا عذر له فقد ظهر إصراره فتعين إيجاب قتله وإهدار دمه واعتبار التكرار ثلاثًا ليس عليه دليل من نص ولا إجماع ولا قول صاحب وليس أولى من اثنتين! 

 

 

 

الشرح 

 

الذي قال به قالوا: إنه في أول وهلة قد يصر ويعاند، وإذا ترك هذا الوقت فإنه يراجع عقله وقد يكون هناك ما يدعوه إلى فعل ذلك من التضييق عليه من الطعام والشراب وما أشبه ذلك, لأنه ليس المطلوب أن يموت كافرًا, المطلوب أن يفعل ما ترك وأن يرجع إلى الله جل وعلا فينظر في الطريقة الوسيلة التي يمكن أنه يفعل ذلك فإذا فعل ذلك فذا هو المطلوب. 

 

وقوله : وقال أبو إسحاق من أصحاب أحمد: إن كانت الصلاة المتروكة تجمع إلى ما بعدها كالظهر والعصر والمغرب والعشاء لم يقتل حتى يخرج وقت الثانية لأن وقتها وقت الأولى في حال الجمع فأورث شبهة هاهنا وإن كانت لا تجمع إلى ما بعدها كالفجر والعصر وعشاء الآخرة قتل بتركها وحدها إذ لا شبهة ها هنا في التأخير,وهذا القول حكاه إسحاق عن عبد الله بن المبارك أو عن وكيع بن الجراح الشك من إسحاق في تعيينه . 

 

قال أبو البركات ابن تيمية: والتسوية أصح وإلحاق التارك ها هنا بأهل الأعذار في الوقت لا يصح كما لم يصح إلحاقه بهم في أصل الترك . 

 

قلت: وقول إسحاق أقوى وافقه لأنه قد ثبت أن هذا الوقت للصلاتين في الجملة فأورث ذلك شبهة في إسقاط القتل. 

 

ولأن النبي [رمز] منع من قتل الأمراء المؤخرين للصلاة عن وقتها وإنما كانوا يؤخرون الظهر إلى وقت العصر، وقد يؤخرون العصر إلى آخر وقتها, ولما قيل له [رمز]: ألا نقاتلهم؟ قال: «لا ما صلوا», فدل على أن ما فعلوه صلاة يعصمون بها دمائهم . 

 

فصلٌ 

 

وعلى هذا فمتى دُعي إلى الصلاة في وقتها فقال: لا أصلي وامتنع حتى فاتت وجب قتله وإن لم يتضيق وقت الثانية نص عليه الإمام أحمد. 

 

وقال القاضي وأصحابه كأبي الخطاب وابن عقيل لا يقتل حتى يتضايق وقت التي بعدها. 

 

قال: الشيخ أبو البركات من دعي إلى صلاة في وقتها فقال: لا أصلي وامتنع حتى فاتت وجب قتله وإن لم يتضيق وقت الثانية نص عليه. 

 

قال: وإنما اعتبرنا تضايق وقت الثانية في المثال الذي ذكره يعني أبو الخطاب لأن القتل بتركها دون الأولى لأنه لما دعي إليها كانت فائتة والفوائت لا يقتل تاركها. 

 

ولفظ أبي الخطاب الذي أشار إليه فإن أخر الصلاة حتى خرج وقتها جاحدًا لوجوبها كفر ووجب قتله . 

 

فإن أخرها تهاونًا لا جحودًا لوجوبها دعي إلى فعلها, فإن لم يفعلها حتى تضايق وقت التي بعدها وجب قتله فالتي أخرها تهاونًا هي التي أخرها حتى خرج وقتها فدعي إليها بعد خروج وقتها, فإذا امتنع من فعلها حتى تضايق وقت الآخرة التي بعدها كان قتله بتأخير الصلاة التي دعي إليها حتى تضايق وقتها هذا تقرير ما ذكره الشيخ. 

 

وقال بعض أصحابنا: يقتل لترك الأولى، ولترك قضاء كل فائتة إذا أمكنه من غير عذر لأن القضاء عندنا على الفور فعلى هذا لا يعتبر تضايق وقت الثانية. 

 

 قال : والأول أصح لأن قضاء الفوائت موسع على التراخي عند الشافعي وجماعة من العلماء والقتل لا يجب في مختلف في إباحته وحظره. 

 

الشرح 

 

قضاء الفوائت ليس موسع على التراخي، والصواب أنه يجب أن يقضيها الإنسان عندما يذكرها إذا كان ناسيًا لها, أو عندما يستطيع ذلك إذا كان عاجزًا مع أنه سبق أن الصلاة لا يجوز أن يتركها العاجز في حال من الأحوال يصلى على حسب حاله ولو بنيته كالمريض مثلًا أو المحبوس في مكان, لأنه ما يقول: ما أجد ماء وما أجد, أو كالذي منع السترة, لباس يصبح عريان يصلى على حاله ولا يجوز أن يؤخرها بحال, ولكن إذا أمكن تحصيل الشرط في الوقت بعد فعلها يعدها, وأما إذا نسي الصلوات فإنه يجب أن يصليها عندما يذكرها وليس له أن يؤخرها ويقول: أن هذا على سبيل التراخي, إذا ذكرها في أي وقت كان, وإن كان وقت نهي, يحب عليه أن يصليها. 

 

وقوله : وعن أحمد رواية أخرى أنه إنما يجب قتله إذا ترك ثلاث صلوات وتضايق وقت الرابعة وهذا اختيار الاصطرخي من الشافعية . 

 

ووجه هذا القول أن الموجب للقتل هو الإصرار على ترك الصلاة والإنسان قد يترك الصلاتين لكسل أو ضجر أو شغل يزول قريبا ولا يدوم فلا يسمى بذلك تاركًا للصلاة فإذا كرر الترك مع الدعاء إلى الفعل علم أنه إصرار. 

 

وعن أحمد رواية ثالثة أنه يجب قتله بترك صلاتين . 

 

ولهذه الرواية مأخذان: 

 

أحدهما: أن الترك الموجب للقتل هو الترك المتكرر لا مطلق الترك حتى يطلق عليه أنه تارك للصلاة وأقل ما يثبت به الترك المتكرر مرتان. 

 

المأخذ الثاني: أن من الصلاة ما تجمع إحداهن إلى الأخرى فلا يتحقق تركها إلا بخروج وقت الثانية فجعل ترك الصلاتين موجبا للقتل. 

 

 وأبوإسحاق وافق هذه الرواية في المجموعتين، ووافق رواية القتل بالواحدة في غير المجموعتين . 

 

فصلٌ 

 

حكم ترك الوضوء والغسل من الجنابة واستقبال القبلة وستر العورة حكم تارك الصلاة. 

 

 الشرح 

 

ليس حكم هذه الأشياء حكم الوضوء وترك مثلًا السترة التي يحب أن يستتر بها يعنى اللباس الذي يستر عورته, ترك الاستقبال استقبال القبلة, هذه ما هي خاصة في هذا، كل واجب أوجبه الشرع على الإنسان فإذا تركه الإنسان بعد العلم بوجوبه والإصرار فهذا يجب أنه يدعى إليه, فإن جحده جحودًا فهذا لا إشكال فيه أنه كافر ولا خلاف في ذلك, ولكن إذا تركه عنادًا وتكبرًا, أو تكاسلًا وتهوانًا, فهذا الخلاف في الصلاة فقط, ثم يلحق الصلاة شروطها, يعنى يلازم الصلاة هكذا قالوا: يلحق بالصلاة فهذه من شروط الصلاة, وهذا وجه كونه ذكر الوضوء والسترة, السترة ما هي السترة التي تكون أمام المصلي هذه سنة, لو تركها الإنسان عمدًا فصلاته صحيحة, ليس فيها شيء, لكن مقصود السترة ستر العورة, الواجب سترها في الصلاة لأنها شرط في صحة الصلاة, وكذلك استقبال القبلة شرط من صحة الصلاة, لابد أنه يستقبل الكعبة فكل ما هو شرط في صحة الصلاة ألحقوه بترك الصلاة, لأنهم يقولون: الصلاة لا تتأتى ولا تصح إلا به, وكل ما لا تصح الصلاة إلا به فحكمه حكم الصلاة, هذا وجه النص على هذه الأشياء، وإلا فترك بقية الواجبات يكون حكمها إذا كان يتركها جحودًا فهو كافر, أما إذا كان تركها تهاونًا وتكاسل فيجب أن يدعى إلى ذلك ويلزم به، والذي يدعوه الدعوة لسائر الناس, كونهم يدعونه, ولكن الإلزام ليست إلا لذي للسلطة, السلطان الذي يتولى المسلمين فهو الذي يلزم الناس بامتثال أوامر الله جل وعلا. 

 

وقوله : وكذلك حكم ترك القيام للقادر عليه هو كترك الصلاة وكذلك ترك الركوع والسجود . 

 

وإن ترك ركنا أو شرطا مختلفا فيه وهو يعتقد وجوبه فقال ابن عقيل: حكمه حكم تارك الصلاة ولا بأس أن نقول بوجوب قتله وقال الشيخ أبو البركات: عليه الإعادة ، ولا يقتل من أجل ذلك بحال . 

 

 الشرح 

 

لذا الركن الذي مختلف فيه مثل قراءة الفاتحة, إذا تركها فهذا مختلف فيه هل هو ركن لا تصح الصلاة إلا به, أو أنه تصح الصلاة بدونه كما هو مذهب الإمام أبي حنيفة وطوائف من الفقهاء. 

 

 ووجه قول ابن عقيل: أنه تارك للصلاة عند نفسه وفي عقيدته فصار كتارك الزكاة والشرط المجمع عليه. 

 

ووجه قول أبي البركات ابن تيمية أنه لا يباح الدم بترك المختلف في وجوبه ،وهذا أقرب إلى مأخذ الفقه. 

 

 الشرح 

 

هذه هو الحق أنه لا يقتل في شيء اختلف فيه. 

 

 وقوله : وقول ابن عقيل أقرب إلى الأصول فإن تارك ذلك عازم وجازم على الإتيان بصلاة باطلة فهو كما لو ترك مجمعًا عليه وللمسألة غور بعيد يتعلق بأصول الإيمان وأنه من أعمال القلوب واعتقادها. 

 

 الشرح 

 

والغور هذا الذي يصير إليه، قلنا: الإنسان إذا كان مؤمن فلابد أن يفعل الصلاة طلبًا للثواب، ومعلوم أن الصلاة التي فيها الثواب لا تكون إلا للصلاة التي اجتمعت فيها الشروط والأركان، فإذا ترك شرطًا أو ركنًا فمعنى ذلك أنه ليس عنده إيمان, الإيمان الذي يدعوه إلى طلب الثواب والهرب من العقاب. 

 

فصل ٌ

 

في حكم تارك الجمعة 

 

وروى مسلم في صحيحه من حديث ابن مسعود :أن النبي [رمز] قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: «لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم». 

 

 الشرح 

 

هذه الحديث دليل على وجوب الجماعة, صلاة الجماعة في المساجد ولا يدل على أن الذي يترك الصلاة أنه يكون كافرًا, لأن العقاب الذي يوقعه فيهم [ص] يجوز أن يكون على ترك واجب من الواجبات التي  لو تركها تارك ما يكون خارجًا من الدين الإسلامي, وإنما يكون مستحقًا للوعيد والعقاب وهذا كثير, ولكن هذا الحديث وأشباهه في وجوب الجماعة، وهذه من الأدلة أدلة الذين قالوا: بأن الجماعة واجبة وأنها لا تصح الصلاة إلا جماعة مع القدرة على ذلك، فإن كان يقدر أن يصلى جماعة, ولم يصل جماعة فصلاته غير صحيحة, وهذا قول طوائف من المحدثين وغيرهم, وستأتي المسألة. 

 

وقوله : وعن أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهما أنهما سمعا رسول الله [رمز]  يقول على أعواد منبره: «لينتهين أقوام عن ودعهم الجماعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونُن من الغافلين», رواه مسلم في صحيحه . 

 

 وفي السنن كلها، من حديث أبي الجعد الضمري وله صحبة أن النبي [رمز] قال: «من ترك ثلاث جمع تهاونًا طبع الله على قلبه», رواه الإمام أحمد من حديث جابر. 

 

وأخطأ على الشافعي من نسب إليه القول بأن صلاة الجمعة فرض على الكفاية إذا قام بها قوم سقطت عن الباقين، فلن يقل الشافعي هذا قط فإنما غلط عليه من نسب ذلك إليه بسبب قوله في صلاة العيد: إنها تجب على من تجب عليه صلاة الجمعة. 

 

بل هذا نص من الشافعي أن صلاة العيد واجبة على الأعيان. وهذا هو الصحيح في الدليل, فإن صلاة العيد من أعظم شعائر الإسلام الظاهرة ولم يكن يتخلف عنها أحد من أصحاب رسول الله [رمز]. 

 

 الشرح 

 

كونها تكون واجبة على العيان تحتاج إلى دليل خاص, لأن حديث الصحيح لما بعث معاذ إلى اليمن قال له [رمز]: «إنك تأتي قوم من أهل الكتاب, فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله, فإن هم أجابوك إلى ذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة», ذكر خمس صلوات في كل يوم وليلة فقط، ما ذكر العيد, ولا ذكر كذالك الوتر، والذي يقال في صلاة العيد يقال مثله في الوتر, إذًا إذا كان صلاة العيد واجبة فالوتر واجب, لأن النصوص في الوتر أكثر منها في النصوص, في صلاة العيد وأصح وآكد, وما جاء فيه أنه واجب على المسلمين, فسروه بأنها سنة مؤكدة, يعنى أن السنة تأتي في معنى الوجوب للتأكيد، صلاة العيد ليست فرض على كل عين, وإنما هي سنة مؤكدة, فإذا تركها الإنسان ما يقال: إنه أثم وارتكب جرمًا كترك صلاة الظهر أو العصر أو غيرها, لأن الرسول [ص] ما جعلها ضمن الصلوات الخمس, في كل يوم وليلة, وكذلك الذي في صحيح مسلم, الرجل الذي جاء يسأل عن الصلوات فقال: «خمس صلوات في كل يوم وليلة», فقال: هل على غيرها؟ قال: «لا، إلا إن تتطوع», ما ذكر نص عل العيد أيضًا, أما كون الرسول والصحابة حافظوا على فعلها فهذا يدل على تأكيد سنيتها أنها سنة مؤكدة, فلا يجوز للمسلمين أن يتركوه. 

 

 وقوله : ولا تركها رسول الله مرة واحدة. 

 

ولو كانت سنة لتركها ولو مرة واحدة كما ترك قيام رمضان بيانًا لعدم وجوبه ، وغير ذلك . 

 

 الشرح 

 

ما ترك الوتر ولا مرة واحدة, فهو مثلها، يكون هذا مثلها، والوتر ليس واجبًا يعنى ليس فرض, وكذلك ما ترك ركعتي سنة الفجر، ما تركها ولا وقتًا واحد حتى لما فاتته صلوات الله وسلامه عليه نام لما رجع من غزوة تبوك وتعب الصحابة وهم يسيرون في الليل قالوا: يا رسول الله لو عرست بنا؟ يعنى نزلت ، والتعريس هو النزول في آخر الليل النوم, فقال: «أخاف أن تناموا عن الصلاة», فقال بلال: أنا أحرص لكم الفجر, فقال: «إذًا ناموا», فناموا وبقي بلال متجهًا إلى جهة الشرق جالس ينظر إذا طلع الفجر يقوم يؤذن, فاستند على راحلته فنام, فما استيقظوا إلا بحر الشمس كان أول من استيقظ عمر رضي الله عنه, فصار يكبر لأنهم ما يوقظون رسول الله [ص]، إذا نام لا يوقظ فصار يكبر حتى قام صلوات الله وسلامه عليه وقال لبلال: «ما هذا يا بلال أين قولك؟», فقال: يا رسول الله ذهب بنفسي، الذي ذهب بنفسك, عند ذلك قضوا حاجتهم وتوضئوا ثم سار قليلًا فقال: «اتركوا هذا المكان لأن هذا المكان حضركم الشيطان فيه», جاء الشيطان فصار يهد بلال حتى نام, ثم صلى ركعتي الفجر وصلى الفجر فيقال في هذا مثل هذا, يعنى في العيدين يقال مثل هذا. 

 

 وقوله : ولو كانت سنة لتركها ولو مرة واحدة كما ترك قيام رمضان بيانًا لعدم وجوبه وترك الوضوء لكل صلاة بيانًا لعدم وجوبه وغير ذلك. 

 

الشرح 

 

أولًا: الوضوء لكل صلاة هل تعين هو مفهوم الله جل وعلا يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ}[المائدة:6]، هذا مفهوم ليس نصًا, فإذا كان الإنسان متوضئ ولم ينتقض وضوؤه صح أنه غسل وجهه ويديه إلى آخره، فلا يقاس مثل هذا على المسألة لا تكون هذا دليل على المسألة، نعم يستحب أن يتوضأ الإنسان لكل صلاة لأن النص يتناول هذا ولكن هل هو حتم؟  

 

لا يلزم، يكون حتم من النص يعني، وفعل الرسول[رمز] بين ذلك, بينه فإنه ترك الوضوء لكل صلاة عمدًا, يعني أنه كان متوضئًا، فدخل الوقت وهو على وضوئه فقام وصلى ولم يتوضأ يعنى يجدد الوضوء للوقت الجديد, ومع ذلك يستحب للإنسان حتى يكون ممتثلًا لظاهر الأمر وإن لم يكن أمرًا حتمًا ذلك, ويكون خارجًا من الخلاف الذي يقوله بعض العلماء. 

 

وقوله : وأيضا فإنه سبحانه وتعالى أمر بالعيد كما أمر بالجمعة فقال: {فصل لربك وانحر}. 

 

 الشرح 

 

هذا الاستدلال فيه نظر، وذلك أن الصلاة هنا مطلقة وإن قرن بها النحر, والسبب في قرن النحر بالصلاة أن النحر عبادة مالية بدنية وهي من أعظم القرب التي يتقرب بها إلى الله, والصلاة عبادة قلبية بدنية كذلك مثل النحيرة, فناسب أن تقرن هذه بهذه, ولهذا قرن في الآية الأخرى: {قل إن صلاتي ونسكي}, فليست الصلاة هذه صلاة العيد فقط بل الصلاة كلها, فأمر أن تكون الصلاة لله خالصة, مطلقة كما تكون النحيرة له خالصة، فالاستدلال بالآية على فرضية صلاة العيد فيه نظر. 

 

 وقوله : فأمر النبي[رمز] الصحابة أن يغدوا إلى مصلاهم لصلاة العيد معه وإن فات وقتها وثبت الشهر بعد الزوال. 

 

 الشرح 

 

يعنى: بلا شك أنها سنة مؤكدة ولكن وإن كان بعض  الفقهاء كما قالوا: من فروض الكفايات, فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، وهذا شأن فروض الكفايات كالصلاة على الجنازة، ودفنها، وتغسيلها, وجعلوا منها صلاة العيد وصلاة الكسوف, وإن كان أيضًا كثير من العلماء يقولوا: صلاة الكسوف سنة, وليست فرض كفايات. 

 

 وقوله : وأمر النبي[ص]  العواتق وذوات الخدور وذوات الحيض أن يخرجن إلى العيد وتعتزل الحيض المصلي ولم يأمر بذلك في الجمعة. 

 

 الشرح 

 

وهذا ما يدل أيضًا على فرضيتها, وإن كان أمر بالخروج، وإنما علل ذلك يقول: لتصيبهم الدعوة, دعوة المسلمين وذلك أنه من عادة رب العالمين جل وعلا التي عود بها خلقه أنه عند ختم الأعمال الجليلة أن له دعوة مستجابة يستجيبها, ورمضان عمل جليل, وعبادة عظيمة فإذا خرجوا يدعون ربهم عند ختم هذا العمل يتعرضون لدعوته, وهذا هو السر و الله أعلم في الأمر بإخراج النساء إلى المصلى حتى تصيبهن الدعوة, ويتحصلن على جائزة الرب جل وعلا التي جاء النص فيها أنه إذا كان بعد الفجر في يوم العيد عيد الفطر أن الملائكة تنزل وتتكلم على أفواه السكك يا أمة محمد اخرجوا إلى جائزة الرب العظيم, يعنى للعيد يخرجون يتعرضون لجائزته جل وعلا التي يجيزهم بها على إكمال شهرهم والقيام بفرضيته, وليس هذا دليل على أنه فرض كما قال: أنها فرض عين, ليست فرض عين. 

 

 وقوله : قال شيخنا: فهذا يدل على أن العيد آكد من الجمعة. 

 

 الشرح 

 

هذا ليس كما قال, بل مذهب الجمهور على خلاف ذلك وهو الصواب, الجمعة فرض لابد منه ولا يجوز تركها بحال من الأحوال, إلا لمريض، أو خائف أو مسافر, أما ما عدا ذلك فلا يجوز, خلاف العيد لو تركها الإنسان ما قيل: إنك تركت الصلاة مثل ترك الجمعة وغيرها. 

 

 وقوله [ص]: «خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة», لا ينفي صلاة العيد فإن الصلوات الخمس وظيفة اليوم والليلة وأما العيد فوظيفة العام. 

 

 الشرح 

 

فإنه يكون في يوم ولابد، كثير () في العام العيدان في يوم ولابد فيكون داخل في كل يوم وليلة, هذا ما ينفع, الاعتذار هذا ما ينفع. 

 

 وقوله : ولذلك لم يمنع ذلك من وجوب ركعتي الطواف عند كثير من الفقهاء لأنها ليست من وظائف اليوم والليلة المتكررة. 

 

 لشرح 

 

رحمه الله، هذه يعنى كل إنسان له شيء من، هو في هذه المسألة رحمه الله تبع قول شيخه ابن تيمية رحمه الله, ومعلوم أن الإنسان قد يتأثر بشيخه أكثر من تأثره بنفسه، وعلى كل حال واجب النظر في الأدلة, والأمور الفرضية قد بينها الرسول [رمز] بيانًا لا إشكال فيه, فيكف تكون فرض عين, ويكون جمهور المسلمين جمهور العلماء على عدم القول بأنها ليست فرض بأنها سنة, هذا بعيد جدًا. 

 

 وقوله : ولم يمنع وجوب صلاة الجنازة، ولم يمنع من وجوب سجود التلاوة عند من أوجبه وجعله صلاة، ولم يمنع من وجوب صلاة الكسوف عند من أوجبها من السلف وهو قول قوي جدًا. 

 

 الشرح 

 

ليس كذلك ليس قوي جدًا, بل القول القوى جدًا بأنه سنة، أما الأوامر التي جاءت «إذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة», فجاءت في غيرها, ولا تقتضي الوجوب لأنها جاء ما يصرفها عن ذلك, والصارف لها عن ذلك هي النصوص التي ذكرنا بعضها كحديث معاذ، وحديث ثمامة الذي في صحيح مسلم وغيرها يعنى نصوص ظاهرة فهي التي تصرف هذا الأمر عن الوجوب, تجعله سنة ومعلوم أن نصوص الرسول [رمز] لا تتضارب ولا تتعارض فإذا قيل: أن هذه الأمر فيه أنه للسنية، وهذا الأمر للوجوب اجتمعت النصوص وصارت بعضها يوافق بعض, خلاف ما إذا ما قيل: لا، إن هذا فرض وهذا فرض, فإنها لا تتفق. 

 

 وقوله : والمقصود أن الشافعي رحمه الله نص على أن من وجبت عليه الجمعة وجب عليه العيد، ولكن قد يقال: إن هذا لا يستفاد منه وجوبه على الأعيان, فإن فرض الكفاية يجب على الجميع ويسقط بفعل البعض,وفائدة ذلك تظهر في مسألتين: 

 

إحداهما: أنه لو اشترك الجميع في فعله أثيبوا ثواب من أدى الواجب لتعلق الوجوب بهم. 

 

الثانية: لو اشتركوا في تركه استحق الجميع الذم والعقاب . 

 

فلا يلزم من قوله: تجب صلاة العيد على من تجب عليه صلاة الجمعة, أن تكون واجبة على الأعيان كالجمعة فهذا يمكن أن يقال ولكن ظاهر تشيبه العيد بالجمعة والتسوية بين من تجب عليه الجمعة ومن يجب عليه العيد يدل على استوائهما في الوجوب، ولا يختلف قول: أن الجمعة واجبة على الأعيان فكذا العيد. 

 

والمقصود بيان حكم تارك الجمعة. 

 

وقال أبو عبد الله بن حامد: ومن جحد وجوب الجمعة كفر, فإن صلاها أربعًا مع اعتقاد وجوبها، قال: فإن قلنا هي ظهر مقصورة لم يكفر وإلا كفر. 

 

 الشرح

 

سبق أن نظر الشيخ رحمه الله أنه يرى أن العيد فرض على الأعيان, كالظهر والعصر وسائر الصلوات، وحاول أن يكون قول الشافعي: من وجبت عليه الجمعة وجب عليه العيد, أن يكون هذا هو قوله يعنى يستدل به على أنه يرى العيد أنه فرضًا على الأعيان ليس كذلك, فمذهب جمهور العلماء أن صلاة العيد فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين, وقد جاء في الصحيحين عن النبي [ص]أنه قال في يوم عيد وجمعة:«اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن حضر العيد كفاه عن حضور الجمعة، وإنا لمجمعون» يعني لو أن كان كل واحد فرض عين ما يمكن  أنه يكفي واحد عن الآخر, ثم أنه ما هناك دليل ينص على أن صلاة العيد أنها فرض على الأعيان بل الأدلة على خلاف ذلك, وأما كون الرسول [ص] حافظ عليها هو وصحابته فهذا ليس دليلًا على أنها فرض عين, فإنه [رمز] يحافظ على بعض السنن التي قد علم أنها سنة كالوتر مثلًا، ولا يلزم على هذا قول الأحناف أنها واجبة, ولكن على قول الجمهور أن الوتر غير واجب، كذلك صلاة ركعتي الفجر قد كان [ص] يواظب عليها ويأمر بالمواظبة عليهما, ولم يقل أحد من العلماء: أنها فرض, وكذلك النصوص التي جاءت تدل على أن الفروض في الأوقات الخمسة فقط لما ثبت في الصحيحين حديث معاذ كذلك حديث أنس حديث طلحة بن عبيد وغيره كلها فيه النص على أن الواجب من الصلوات في اليوم والليلة خمس, وقد اتفق جمهور العلماء على أن العيد أنه ليس فرض عين, فهذا هو الصواب الذي تعضده الأدلة، وأما القياس كونه يقيسها على الجمعة فهذا ليس محل قياس, لأن هذا يحتاج إلى نص، هذا من الأمور التي جاء بها الرسول [رمز]، الأدلة التي يجب أن يكون بلغها أمته, قد قال الله جل وعلا{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}[المائدة:67]، الرسول [ص] ما بلغ الأمة أن العيد فرض على كل مكلف، وأما أمره [ص] بخروج النساء حتى ذوات الحيض اللائي عليهن عذر أمر أن يخرجن إلى العيد ويعتزلن المصلى, فهذا جاء تعليله في الحديث, أنه قال: تصيبهن دعوة المسلمين ويتعرضن لجائزة الرب جل وعلا فإنه قد علم أنه إذا ختم العمل أنه صاحبه يستحق الجزاء ثواب, وقد جاء النص في ذلك أن الرب جل وعلا إذا ختم المسلمون صيام رمضان تسير ملائكة تصيح على أفواه السكك أيها المؤمنون أخرجوا إلى جائزة الرب تبارك وتعالى، فهذه الجائزة تكون في العيد ولهذا جاء عن بعض السلف عن المورق العجلي وغيره أنه قال: ينصرف من المصلى قوم كيوم ولدتهم أمهاتهم, غفر الله جل وعلا لهم ذنوبهم جميعًا من أجل ذلك، فهذا هو السبب بالأمر بخروج النساء إلى صلاة العيد, ومن المعروف أن المرأة الحائض صلاة الفريضة ما تلزمها تسقط عنها. 

 

 وقوله : وهل يلحق تارك الصوم والحج والزكاة بتارك الصلاة في وجوب قتله فيه ثلاث روايات عن الإمام أحمد . 

 

إحداها: يقتل بترك ذلك كله كما يقتل بترك الصلاة . وحجة هذه الرواية أن الزكاة والصيام والحج من مباني الإسلام فيقتل بتركها جميعًا كالصلاة، ولهذا قاتل الصديق مانعي الزكاة وقال: ” والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة إنها لقرينتها في كتاب الله “. 

 

 الشرح 

 

مقاتلة الصديق رضي الله عنه مانعي الزكاة هو داخل في مقاتلة المرتدين عمومًا لأن المرتدين اختلفت نزعاتهم ارتدوا عموما ولكن أسباب الردة والنزعة إليها اختلفت أنظارهم فيها, فمنهم من قال: أن النبوة متعلقة بشخص النبي [رمز] الإسلام متعلق به فلو كان نبيًا ما مات ومنهم من رجع إلى جاهلية لرقة الدين وخفته لأنه ما تمكن منهم, حيث أنهم دخلوا في الإسلام حديث قبيل وفاته [رمز]، ومنهم من جحد الزكاة وقالوا: هذه نظيرة الجزية. فجحدوها، ومنهم من امتنع من أدائها إلى أبي بكر قال: نؤديها إلى رسول الله [ص] ما كان حيًا, أما بعد فواته فلا نؤديها إلى من يقوم مقامه, فلم يفرق بين الجميع في القتال قاتلهم جميعًا لأن هذه شعائر ظاهرة من شعائر الإسلام, وأي قوم امتنعوا من أداء شعيرة من شعائر الإسلام الظاهرة وجب على الإمام بقتالهم حتى لو تركوا الآذان, الآذان ليس فريضة بل هو سنة، ولو ترك الآذان أهل بلد وامتنعوا من الآذان لوجب على الإمام أن يقاتلهم حتى يؤذنوا، لأن هذا من شعائر الإسلام الظاهرة, مع أنه ليس واجب، ولو صلى الإنسان بلا أذان ولا إقامة صحت صلاته, ولكن يعنى كونه يستدل بأن من ترك الصوم وترك الزكاة أنه يقتل بفعل أبي بكر [رمز] فهذا من العمومات التي تحتاج إلى تفصيل. 

 

 وقوله : وأيضًا فإن هذه المباني من حقوق الإسلام والنبي لم يأمر برفع القتال إلا عمن التزم كلمة الشهادة وحقها، وأخبر أن عصمة الدم لا تثبت إلا بحق الإسلام فهذا قتال للفئة الممتنعة . 

 

والقتل للواحد المقدور عليه إنما هو لتركه حقوق الكلمة وشرائع الإسلام وهذا أصح الأقوال. 

 

الرواية الثانية: لا يقتل بترك غير الصلاة, لأن الصلاة عبادة بدنية لا تدخلها النيابة ولقول عبد الله بن شقيق: كان أصحاب محمد لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة. 

 

 الشرح 

 

ليس التعليل هذه هو الكافي في كونه يقتل، ولأن الصلاة جاءت النصوص فيها أن تركها كفر, وأنه ليس  بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة، صحت النصوص عن النبي [ص] بذلك فهي التي أوجبت القول: بأن تاركها يكون كافر ويقتل كافرًا، أما على القول بأنه يقتل حدًا فلا فرق بين الصلاة والزكاة والصوم والحج, لا فرق عنده كله سواء إذا ترك ركنًا من أركان الإسلام فإنه يلحق بتارك الصلاة لأنه ليس كافرا وإنما امتنع من أداء ركن من أركان الإسلام فوجب قتاله حتى يعود إليه فإن لم يعد قتل حدا لعناده وإيبائه وعدم انقياده. 

 

 وقوله : ولأن الصلاة قد اختصت من سائر الأعمال بخصائص ليست لغيرها, فهي أول ما فرض الله من الإسلام ولهذا أمر النبي [ص] نوابه ورسله أن يبدءوا بالدعوة إليها بعد الشهادتين فقال لمعاذ: «ستأتي قومًا أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأن الله فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة». 

 

 الشرح 

 

في هذا أيضًا قال: ويؤتوا الزكاة دعاهم أيضًا إلى إيتاء الزكاة، فما ينبغي، هذا وارد يقال مثلًا: إذًا تكون الزكاة مثلها, فليس هذا دليل, لأنه قال: «فإنهم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم», ولكن لم يذكر الصوم والحج, فأشكل على كثير من العلماء لماذا؟ مع بعث معاذ [رمز] كان على القول الصحيح في السنة العاشرة أو في آخر السنة التاسعة وقد اتفق العلماء على أنه بقي في اليمن إلى خلافة أبي بكر الصديق, توفي الرسول [ص] وهو في اليمن، وهو في آخر العمر، وأحسن الأجوبة على هذا أنه أمر بالأمور الظاهرة الجلية التي يشترك الناس فيها عمومًا، أما الصوم فهو أمانة بين العبد وبين ربه فإذا آمن بالله وانقاد فعل الصلاة وأدي الزكاة من مقتضى ذلك أن يصوم, ولو أن الإنسان مثلًا أظهر أنه يصوم وهو يأكل في بتيه ما أحد يعلم عنه فهو سر بين العبد وبين ربه, فليس مثل الزكاة وليس مثل الصلاة وأما الحج فهو لا يجب في العمر إلا مرة, وقد لا يجب على الإنسان، قد يكون الإنسان فقير، ويكون مريض عاجز، قد تكون المرأة ليس معها محرم فلا يجب عليها وإن كانت مثلًا عندها مال، فالإنسان إذا كان لا يجد نفقة السفر والرجوع والذهاب والإياب ونفقة من يعوله حتى يرجع ما يجب عليه الحج, فليس هذا مثل الصلاة، فهذا هو السبب الله أعلم في كونه لم يذكر الصوم والحج. 

 

وقوله : ولأنها أول ما يحاسب عليها العبد من عمله . ولأن الله فرضها في السماء ليلة المعراج . 

 

ولأنها أكثر الفروض ذكرًا في القرآن . 

 

 الشرح 

 

هذا كله يدل على تعظيم الصلاة أما كون هذا يدل على أن من تركها أنه يقتل وأنها تختص بذلك دون سائر الأركان هذا يحتاج إلى دليل آخر غير هذا. 

 

 وقوله : ولأن أهل النار لما يسألون: {ما سلككم في سقر}, لم يبدءوا بشيء غير ترك الصلاة ولأن فرضها لا يسقط عن العبد بحال دون حال. 

 

 الشرح 

 

هذا ما هو بدليل ولكنهم ذكروا معنى غيرها قيل لهم: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ}[المدثر:42-46]^، هذه كلها أمور تقتضي أنهم يكونون في سقر، فلم ينفرد ذكر الصلاة وحدها حتى يكون دليلًا أما كونهم بدءوا بالصلاة فهذا ما يدل على أنها يعني يقتل فاعلها دون غيرهم, وإنما يدل على الاهتمام بها بأنها أهم الأمور حيث ذكرت أولًا. 

 

 وقوله : ولأن فرضها لا يسقط عن العبد بحال دون حال ما دام عقله معه بخلاف سائر الفروض فإنها تجب في حال دون حال. 

 

 الشرح 

 

وهذا يجب أن يتنبه له أن يعرفه المسلمون، كون الصلاة ما تسقط عن الإنسان بحال ما دام علقه موجود سواء كان مريض أو كان مسافر أو غير ذلك فالمريض يحب عليه أن يصلي حسب حاله ولا يجوز أن يؤخر الصلاة يقول: حتى أبرأ أو حتى أستطيع أن أتوضأ أو أستطيع أقوم أو أجلس لا يجوز, يجب أن يصلي سواء على ظهره أو على جنبه أو على أي حالة كانت, وسواء استطاع أن يتوضأ أو لم يستطع, إذا لم يستطع أن يتوضأ وأمكن أن يساعد على وضوئه يتوضأ يأتيه من يوضئه ويمكن هذا إما مثلًا يضعه تحت العضو ويغسل مثلًا يده ويده الأخرى ورجله وهكذا فيكون وضوء صحيح, وإذا لم يمكن ذلك يتيمم يضع يديه على التراب ويسمح بهما وجهه ويسمح كفيه ويصلى حسب حاله، فإن لم يستطع ذلك، لم يستطع أن يضع يديه في التراب جاء وليه ووضع يديه في التراب ثم يمسح بهما وجهه ويمسح بهما كفيه ويقول له: صل حسب استطاعتك ولو بقلبه, يصلي ولو بقلبه، أما أن يتركها فهذا لا يجوز بحال وهذا خطر عظيم، كون الإنسان إذا كان مريضا ترك الصلاة يقول: حتى أشفى. يجوز أن يموت ولا يشفي, فيموت ويلاقي ربه وهو تاركًا للصلاة, نسأل الله العافية، فيجب الإنسان أن يهتم بالصلاة أكثر في وقت المرض أكثر من أي وقت آخر, خوفًا من أن يموت يبقي يكون يعني أن الصلاة ما تسقط بحال مادام عقله موجود، أي معه عقله فهي فريضة عليه, أما كونه يساعد فلا يضر، يساعد في الوضوء أو يساعد في تذكره الصلاة يقال له: اركع اسجد لأنه قد يغفل وقد يسهو، وقد ما يدري كيف يصنع؟ لأنه ما عنده ركوع ولا سجود بالفعل, فيذكره ولا بأس بذلك, المهم أنه يجب أن يعتني بالصلاة المريض, كثيرًا من المرضى لا يصلون, و يحتجون بأنهم لا يستطيعون, وهذا تفسير عظيم جدًا وخطر شديد. 

 

وقوله : ولأنها عمود فسطاط الإسلام، وإذا سقط الفسطاط وقع الفسطاط، ولأنها آخر ما يفقد من الدين. ولأنها فرض على الحر والعبد، والذكر والأنثى، والحاضر والمسافر، والصحيح والمريض، والغني والفقير. 

 

ولم يكن رسول الله يقبل من إجابة إلى الإسلام إلا بالتزام الصلاة كما قال قتادة عن أنس [رمز]: لم يكن رسول الله [رمز] يقبل من إجابة إلى الإسلام إلا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. 

 

ولأن قبول سائر الأعمال موقوف على فعلها فلا يقبل الله من تاركها صومًا ولا حجًا ولا صدقة ولا جهادًا ولا شيئا من الأعمال، كما قال عون بن عبد الله: إن العبد إذا دخل قبره سئل عن صلاته أول شيء يسأل عنه فإن جازت له نظر فيما سوى ذلك من عمله وإن لم تجز له لم ينظر في شيء من عمله بعد. 

 

 الشرح 

 

هذا المعنى جاء مرفوعًا عن النبي [رمز] أنه قال: « أول ما يحاسب عنه صلاته فإن صلحت نظر في سائر عمله وإلا لم ينظر في عمله», ولما ذكر ذلك المنذري رحمه الله قال: أنه حديث حسن ورواته ثقات. 

 

 وقوله : ويدل على هذا الحديث الذي في المسند والسنن من رواية أبي هريرة عن النبي [رمز]: «أول ما يحاسب به العبد من عمله يحاسب بصلاته فإن صلحت فقد أفلح وأنجح وان فسدت فقط فقد خاب وخسر» . 

 

ولو قبل منه شيء من أعمال البر لم يكن من الخائبين الخاسرين. 

 

الرواية الثالثة: يقتل بترك الزكاة والصيام ولا يقتل بترك الحج لأنه مختلف فيه هل هو على الفور أو على التراخي؟ فمن قال: هو على التراخي قال: كيف يقتل بأمر موسع له في تأخيره؟ 

 

وهذا المأخذ ضعيف جدًا، لأن من يقتله بتركه لا يقتله بمجرد التأخير وإنما صورة المسألة أن يعزم على ترك الحج ويقول: هو واجب علي ولا أحج أبدًا فهذا موضوع النزاع . 

 

والصواب القول بقتله لأن الحج من حقوق الإسلام والعصمة تثبت لمن تكلم بإسلامه إلا بحقه والحج من أعظم حقوقه. 

 

 الشرح 

 

تكلم بإسلامه يعني بشهادة أن لا إله إلا الله ولا تثبت له العصمة إلا بحقه يعنى بحق الإسلام, قول الرسول [رمز]: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا منى دمائهم وأموالهم إلا بحقها, وحسابهم على الله», قوله [رمز]: «إلا بحقها», يعني إلا بحق لا إله إلا الله, وحق لا إله إلا الله كل واجب أوجبه الله على عباده. 

 

 

 

 

فصلٌ 

 

وأما المسألة الثالثة: وهو أنه هل يقتل حدًا كما يقتل المحارب والزاني أم يقتل كما يقتل المرتد والزنديق؟ هذا فيه قولان للعلماء وهما روايتان عن الإمام أحمد رحمه الله . 

 

إحداهما: يقتل كما يقتل المرتد وهذا قول سعيد بن جبير، وعامر الشعبي، وإبراهيم النخعي، وأبي عمرو الأوزاعي، وأيوب السختياني، وعبد الله بن المبارك، وإسحاق بن راهويه . 

 

وعبدالملك بن حبيب من المالكية، وأحد الوجهين في مذهب الشافعي وحكاه الطحاوي عن الشافعي نفسه. وحكاه أبو محمد بن حزم عن عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي هريرة رضي الله عنهم وغيرهم من الصحابة. 

 

 الشرح 

 

هذه هو الصواب، وهو القول الصحيح أنه يقتل كما يقتل المرتد لأن ترك الصلاة ردة كفر. 

 

 وقوله : والثانية: يقتل حدًا، لا كفرًا وهو قول مالك ، والشافعي، واختار أبو عبد الله ابن بطة هذه الرواية. 

 

ونحن نذكر حجج الفريقين: 

 

قال الذين لا يكفرونهم بتركها: قد ثبت له حكم الإسلام بالدخول فيه فلا نخرجه عنه إلا بيقين. 

 

قالوا: وقد روى عبادة بن الصامت عن النبي[ص] أنه قال: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة حق، والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل», أخرجاه في الصحيحين. 

 

وعن أنس أن النبي  [ص]قال ومعاذ رديفه على الرحل: «يا معاذ», قال: لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثًا، قال: «ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله إلا حرمه الله على النار». 

 

قال: يا رسول الله أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا؟ قال: «إذًا يتكلوا», فأخبر بها معاذًا عند موته تأثمًا، متفق  على صحته

 

 وعن أبي هريرة عن النبي[ص] قال: «أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه», رواه البخاري. 

 

وعن أبي ذر [رضي الله عنه] أن النبي[ص] قام بآية من القرآن يرددها حتى صلاة الغداة وقال: «دعوت لأمتي وأجبت بالذي لو اطلع عليه كثير منهم تركوا الصلاة», فقال: أبو ذر أفلا أبشر الناس قال: «بلى» . 

 

فانطلق فقال: عمر إنك إن تبعث إلى الناس بهذا ينكلوا عن العبادة فناداه أن ارجع فرجع والآية: {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم}, رواه الإمام أحمد في ” مسنده “. 

 

وفي المسند أيضًا من حديث رضي الله عنها قالت: قال رسول الله [رمز]: «الدواوين عند الله ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئًا، وديوان لا يترك الله منه شيئًا، وديوان لا يغفره الله، فأما الديوان الذي لا يغفره الله . 

 

فالشرك بالله قال الله عز وجل: {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة}, وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئا فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم تركه أو صلاة تركها فإن الله عز وجل يغفر ذلك ويتجاوز عنه إن شاء، وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئًا فظلم العباد بعضهم بعضًا القصاص لا محالة». 

 

وفي المسند أيضًا عن عبادة بن الصامت [رمز] قال: سمعت رسول الله[رمز]يقول: «خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له». 

 

وفي المسند أيضًا من حديث أبي هريرة قال رسول الله [رمز]: «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة المكتوبة فإن أتمها وإلا قيل: انظروا هل له من تطوع؟ فإن كان له تطوع أكملت الفريضة من تطوعه ثم يفعل في سائر الأعمال المفروضة مثل ذلك» رواه أهل السنن، وقال: الترمذي هذا حديث حسن. 

 

قال: وقد ثبت عنه أنه [ص] قال: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة», وفي لفظ آخر «من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة». 

 

وفي الصحيح قصة عتبان بن مالك وفيها «إن الله قد حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» . 

 

وفي حديث الشفاعة يقول الله عز وجل: «وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من قال: لا إله إلا الله», وفيه «فيخرج من النار من لم يعمل خيرًا قط». 

 

 

 

الشرح 

 

هذه النصوص التي ذكروها منه ما هو صحيح ولكنه غير صريح في المسألة, ومنها ما هو صريح ولكن غير صحيح. 

 

فأولًا: حديث عابدة، وحديث معاذ، وكذلك حديث أبي ذر هذه وإن كانت صحيحة فهي لا تدل على المسألة لأن من الأصول المعلومة أنه لا يجتمع الإيمان مع ترك العمل وقول: لا إله إلا الله المقصود بها المعنى, «من قال: لا إله خالصًا من قلبه» فلابد أن يكون منقادًا مستسلمًا لربه جل وعلا، ويكون عنده من التأله ما يدعوه إلى فعل الواجب وترك المحرمات وإن كان بخلاف ذلك فهو لم يقل: لا إله إلا الله القول الذي ينجوا به, ولهذا يقول: «حرم الله على النار من قال: لا إله الله إلا الله صادقًا من قلبه», معنى أنه إذا قالها صادقًا أنه لا يبقى تاركا لما يحبه الله ويرضاه وهو يستطيع أبدًا, ولا يبقي فاعلًا لشيء يكرهه الله جل وعلا وينهى عنه وهو يستطيع ذلك, لابد أن يكون في قلبه شيء من الإيمان الذي يحميه من ترك الواجب أو فعل المحرم، هذه قد أشكلت على بعض العلماء هذه النصوص حتى قال الشعبي وغيره: إن هذه كانت في أول الإسلام قبل أن تنزل الفرائض قبل وجوب الصلاة غيرها، وهذا غير صحيح لأن فيها ما هو متأخر ومنهم من قال: إنها منسوخ. وهذا أيضًا ليس صحيح, ولكن الصواب في هذا أن قول: لا إله إلا الله يأتي على جميع الواجبات, ويجعل قائلها تاركًا لجميع المحرمات إذا كان مخلصًا من قلبه صادقًا, أما حديث الشفاعة أنه: «يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله», فهذا مثلها، وأما كونه «يُخرج من النار من قال: لا إله إلاالله ولم يعمل خيرًا قط», فالمقصود بهذا إما أن يكون قال: لا إله إلا الله ومات عليها، لم يتمكن من العمل مات على ذلك, أو أنه مثل ما قال القرطبي رحمه الله: لم يعمل خيرًا قط يعنى زائدًا على أصل الإيمان, الذي لابد منه لأننا قد علمنا باليقين أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن, كما كان الرسول [ص] يبعث المنادي ينادي في المجامع أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة, وقول الله جل وعلا: {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن}, يعنى لابد من الإيمان, الإيمان لابد منه وهو قول: لا إله إلا الله صادقًا مخلصًا, فالتأله إذا كان الإنسان في قول: لا إله إلا الله يبقى التأله كله لله جل وعلا, فلا يبقى عنده محبة للشهوات تمنعه من ترك الواجب لأنه يكون متبعًا لهواه, يتأله هواه ولا يكون عنده إباء وامتناع من شيء يحبه الله ويرضاه، إذا قالها على هذه الصفة فهو يكون من المؤمنين الكُمل الكاملين، وليس المقصود مجرد قول: لا إله إلا الله بدون العمل بما دلت عليه أو فهمها هذا ليس مقصود النبي [رمز], لأنه لو كان هذا مقصود ما كان هناك مشكلة بينه وبين المشركين, يمكن أن يقول المشركون: لا إله إلا الله ويكونوا على أفعالهم على أوثانهم ولكن قد عرفوا أن المقصود بقول: لا إله إلا الله الرجوع إلى الله وحده, وأن تكون العبادة له وحده, وأن يترك كل عمل ينافي ما جاء له الرسول [رمز] أو يخدش فيه وينقصه, ولهذا قالوا: {أجعل الآلهة إله واحدًا}, لما قال لهم: «قولوا لا إله إلا الله», فالمشكلة التي وقع فيها كثير من الناس فيما بعد أنهم وقعوا في الغرور من هذه النصوص لأنهم لم فهموا معنى التأله ولا معنى العبادة, يعنى ما فهموها الفهم الصحيح, ولهذا صاروا يقولون: لا إله إلا الله. وهم يعبدون غير الله, ويتألهون غيره, لأنهم فسد لسانهم فلم يكونوا يفهم منها ما يفهمه الكفار المشركون الذي كانوا في زمن النبي [رمز]، وهذا هو السبب في كونهم يقولون: لا إله إلا الله وهم يأتون بما ينقاضها وينافيها, والمقصود أن قول: لا إله إلا الله صدقًا وإخلاصًا ويقينًا ومحبة فيها وما دلت عليه وكذلك انقيادًا واستسلامًا لابد منه، فإن تخلف شيء من ذلك فهي لا تأتي بمقتضاها حسب ما جاءت به النصوص, وإن كان قد يكون لها أثر ولكن يكون أثرها ضعيف. 

 

وقوله : وفي السنن والمسانيد قصة صاحب البطاقة الذي ينشر له تسعة وتسعون سجلًا كل سجل منها مد البصر ثم تخرج له بطاقة فيها شهادة أن لا إله إلا الله فترجح سيئاته, ولم يذكر في البطاقة غير الشهادة ولو كان فيها غيرها لقال ثم تخرج له صحائف حسناته فترجح سيئاته. 

 

 الشرح 

 

هذا أيضًا مثل ما سبق صاحب البطاقة، وهذا في سنن الترمذي النبي [رمز] قال: «يصاح برجل من أمتي يوم القيامة على رؤوس الناس فيؤتي به فينشر له تسعة وتسعون سجل كل سجل مد البصر من السيئات ويقال له: أتنكر من ذلك شيء؟ فيقول: لا هذه أعمالي. فيقال له: ألك عذر؟ فيقول: لا، لا عذر لي, فيقال له: ألك حسنة؟ فيهاب الرجل ويقول: لا، ليس لي حسنة. فيقول الله جل وعلا له: بلي إن لك عندنا حسنة وإنك لا تظلم اليوم شيئًا, فيخرج البطاقة التي فيها أشهد أن لا إله إلا الله, فيقول: يا رب ما هذه أمام هذه السجلات؟ فيقول جل وعلا: إنك لا تظلم شيئًا, فتوضوع البطاقة في كفة والسجلات في كفة وتثقل البطاقة», فهذا على القول الصواب: أنه قال هذه الكلمة مخلصًا صادقًا, تائبًا ومات على ذلك, فأحبطت هذه الكلمة كل ما سبقها، وليس معنى ذلك فيه أن في هذه السجلات يكون فيها ترك الصلاة ما يلزم لأن ترك الصلاة ينافي قول لا إله إلا الله, ما يجتمع قول: لا إله إلا الله ما ترك الصلاة أبدًا، وهكذا يقال في الأحاديث الأخرى, لأن من أعظم التأله هو أداء الصلاة خشوعًا ورغبة ورهبة, أما أن يكون قلبه متألهًا لله جل وعلا صادقًا موقنًا مخلصًا وهو لا يصلى فهذا لا يمكن لا يمكن أن يقع أبدًا, يستحيل، وفرض ذلك في إنسان يقول: لا إله إلا الله وهو لا يصلى! هذا فرض غير صحيح فرض باطل, لأنه بين متناقضات, أمور متناقضة, هذا هو الجواب الصحيح في هذا وأمثاله، فلا يكون في ذلك إشكال، وتبقى النصوص التي فيها أن ترك الصلاة كفر ليس لها معارض. 

 

 وقوله : ويكفينا في هذا قوله: «فيخرج من النار من لم يعمل خيرًا قط» ولو كان كافرًا لكان مخلدا في النار غير خارج منها. 

 

 الشرح 

 

ولكن الله حرم الجنة على الكافرين, وكذلك حرمها على غير المؤمنين فلابد أنه مؤمن, إلا أن إيمانه ضعيف, فارتكب مآثم كثيرة وترك واجبات كثيرة, فبذلك أدخل النار، أما أن يكون ترك الصلاة أصلًا صلاة الفرض أصلا فهذا لا يجتمع مع الإيمان, هذا هو قول الفريق الآخر وهو الذي تدل عليه النصوص, وعرفنا ماذا قال القرطبي رحمه الله في هذا؟ يقول: «لم يعمل خيرًا قط» ينقل عن العلماء يقول معناه: لم يعمل خيرًا زائدًا على أصل الإيمان، أما أصل الإيمان فلا بد أن يكون معه, أصل الإيمان موجود لأن هو الذي يمكن أن يدخل به الجنة, أما أن يدخل الجنة وهو فاقد لأصل الإيمان فهذا تنافيه النصوص التي جاءت في كتاب الله وفي أحاديث رسوله [ص], وهذا يكون على أصل أهل السنة أنهم يسمون الأعمال إيمان, كل الأعمال تسمى إيمان, فالصلاة اسمها إيمان، والصوم إيمان، والحج إيمان، والزكاة، إيمان، والصدقة وغيرها، فهي داخلة في مسمى الإيمان، فالإيمان إذا كمل دخل الإنسان الجنة بلا حساب ولا عذاب، وإذا نقص على حسب نقصه قد يعذب وقد يعفو الله عنه وقد يبقى في النار فترة طويلة لفقده كثيرًا من واجبات الإيمان. 

 

وقوله : فهذه الأحاديث وغيرها تمنع من التكفير والتخليد وتوجب من الرجاء له ما يرجى لسائر أهل الكبائر. 

 

قال: ولأن الكفر جحود التوحيد وإنكار الرسالة والمعاد وجحد ما جاء به الرسول وهذا يقر بالوحدانية شاهدًا أن محمدًا رسول الله مؤمنًا بأن الله يبعث من في القبور فكيف يحكم بكفره؟ والإيمان هو التصديق وضده التكذيب لا ترك العمل فكيف يحكم للمصدق بحكم المكذب الجاحد؟ 

 

 الشرح 

 

ليس هذه صحيح أنه الكفر محصور على هذا لأن الكفر يكون بالإعراض ويكون أيضًا بترك العمل، بالتبديل كما قال الرسول الله [رمز]: «من بدل دينه فاقتلوه». 

 

وكذلك قوله: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه», يكون بالترك، ويكون أيضًا بالترك، والترك قد يكون بالتساهل والتهاون، ترك تهاون وتساهل، ما يكون الكفر فقط بالجحود والتكذيب وقد ذكر العلماء أن الكفر أقسام خمس. 

 

 وقوله : قال: المكفرون الذين رويت عنهم هذه الأحاديث التي استدللتم بها على عدم تكفير تارك الصلاة هم الذين حفظ عنهم الصحابة تكفير تارك الصلاة بأعيانهم.  

 

قال أبو محمد ابن حزم: وقد جاء عن عمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبي هريرة رضي الله عنهم وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم أن من ترك صلاة فرض واحدة متعمدًا حتى يخرج وقتها فهو كافر مرتد. 

 

قالوا: ولا نعلم لهؤلاء مخالفا من الصحابة. 

 

وقد دل على كفر تارك الصلاة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة.  

 

أما الكتاب: قال تعالى: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين * ما لكم كيف تحكمون * أم لكم كتاب فيه تدرسون * إن لكم في لما تخيرون أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة} إلى قول الله تعالى: {يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون * خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون}، فوجه الدلالة من الآية أنه سبحانه أخبر أنه لا يجعل المسلمين كالمجرمين وأن هذا الأمر لا يليق بحكمته ولا بحكمه ثم ذكر أحوال المجرمين الذين هم ضد المسلمين فقال: {يوم يكشف عن ساق}, وأنهم يدعون إلى السجود لربهم تبارك وتعالى, فيحال بينهم وبينه فلا يستطيعون السجود مع المسلمين عقوبة لهم على ترك السجود له مع المصلين في دار الدنيا. 

 

وهذا يدل على أنهم مع الكفار والمنافقين الذين تبقى ظهورهم إذا سجد المسلمون كصياصي البقر ولو كانوا من المسلمين لأذن لهم بالسجود كما أذن للمسلمين. 

 

الدليل الثاني قوله تعالى: {كل نفس بما كسبت رهينة * إلا أصحاب اليمين في جنات يتساءلون * عن المجرمين * ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين * وكنا نخوض مع الخائضين * وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين}. فلا يخلو إما أن يكون كل واحد من هذه الخصال هو الذي سلكه في سقر وجعله من المجرمين أو مجموعها. فإن كان كل واحد منها مستقلًا بذلك فالدلالة ظاهرة وإن كان مجموع الأمور الأربعة فهذا إنما هو لتغليظ كفرهم وعقوبتهم, وإلا فكل واحد منها مقتضٍ للعقوبة إذ لا يجوز أن يضم ما لا تأثير له في العقوبة إلى ما هو مستقل بها. 

 

ومن المعلوم أن ترك الصلاة وما ذكر معه ليس شرطًا في العقوبة على التكذيب بيوم الدين, بل هو وحده كاف في العقوبة فدل على أن كل وصف ذكر معه كذلك, إذ لا يمكن لقائل أن يقول: لا يعذب إلا من جمع هذه الأوصاف الأربعة! 

 

فإذا كان كل واحد منها موجبا للإجرام وقد جعل الله سبحانه المجرمين ضد المسلمين كان تارك الصلاة من المجرمين السالكين في سقر وقد قال سبحانه: {إن المجرمين في ضلال وسعر * يوم يسحبون في النار على وجهم ذوقوا مس سقر}.  

 

وقول الله تعالى: {إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون},  فجعل المجرمين ضد المؤمنين المسلمين. 

 

الدليل الثالث: قول الله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون} . 

 

فوجه الدلالة أنه سبحانه علق حصول الرحمة لهم بفعل هذه الأمور فلو كان ترك الصلاة لا يوجب تكفيرهم وخلودهم في النار لكانوا مرحومين بدون فعل الصلاة والرب تعالى إنما جعلهم على رجاء الرحمة إذا فعلوها. 

 

الدليل الرابع: قوله تعالى: {فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون} . 

 

فقد اختلف السلف عن معنى السهو عنها فقال: سعد بن أبي وقاص ومسروق الأجدع وغيرهما: هو تركها حتى يخرج وقتها.  

 

وروي في ذلك حديث مرفوع قال محمد بن نصر المروزي: حدثنا شيبان بن أي شيبة قال: حدثنا عكرمة بن إبراهيم قال: حدثنا عبد الملك بن عمير عن مصعب بن سعد عن أبيه أنه سأل النبي [رمز] عن: {الذين هم عن صلاتهم ساهون}, قال: «هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها».  

 

وقال حماد بن زيد حدثنا عاصم عن مصعب بن سعد قال: قلت لأبي: يا أبتاه أرأيت قول الله: {الذين هم عن صلاتهم ساهون}, أينا لا يسهو؟ أينا لا يحدث نفسه؟ قال: إنه ليس ذاك ولكنه إضاعة الوقت. 

 

الشرح 

 

أنه قال: {عن صلاتهم} ما قال: في صلاتهم، لو كانت العبارة في صلاتهم ساهون للزم ذلك ولكنه لما قال: {عن صلاتهم} دل على أنهم تركوا الصلاة رأسًا, سهوًا عنها كلها، وإذا كان مثلًا تأخيرها عن وقتها حتى يخرج ثم يؤديها يلزم منه الوعيد بويل, {ويل للمصلين}، فكيف بالذي يتركها أصلًا لا يصليها؟ يكون أعظم. 

 

وقوله : وقال حيوة بن شريح: أخبرني أبو صخر أنه سأل محمد بن كعب القرظي عن قوله: {الذين هم عن صلاتهم ساهون} قال: هو تاركها. ثم سأله عن {الماعون} قال: منع المال عن حقه. 

 

 إذا عرف هذا فالوعيد بالويل اطرد في القرآن للكفار كقوله: {وويل للمشركين * الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون}, وقوله سبحانه: {ويل لكل أفاك أثيم * يسمع الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرًا كأن لم يسمعها}, إلى قوله: {لهم عذاب مهين}.  

 

وقوله: {وويل للكافرين من عذاب شديد}. 

 

إلا في موضعين وهما: {ويل للمطففين}, وقوله: {ويل لكل همزة لمزة}, فعلق الويل بالتطفيف وبالهمز واللمز، وهذا لا يكفر به بمجرده. 

 

فويل تارك الصلاة إما أن يكون ملحقًا بويل الكفار أو بويل الفساق فإلحاقه بويل الكفار أولى لوجهين: 

 

أحدهما: أنه قد صح عن سعد ابن أبي وقاص[رمز] في هذه الآية أنه قال: لو تركوها لكانوا كفارا ولكن ضيعوا وقتها. 

 

الثاني: ما سنذكر من الأدلة على كفره يوضحه. 

 

الدليل الخامس: وهو قوله سبحانه: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيًا}.  

 

قال شعبة بن الحجاج: قال: حدثنا أبو إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله هو ابن مسعود[رمز] في هذه الآية قال: هو نهر في جهنم خبيث الطعم بعيد القعر. 

 

وقال محمد بن نصر : حدثنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم حدثنا محمد بن زياد بن زبار حدثني شرقي بن القطامي قال : حدثني لقمان بن عامر الخزاعي قال : جئت أبا أمامة الباهلي فقلت :  

 

حدثني حديثاً سمعته من رسول الله[رمز] ، فقال : سمعت رسول الله[رمز] يقول : ” لو أن صخرة قذف بها من شفير جهنم ما بلغت قعرها سبعين خريفاً ، ثم تنتهي إلى غي وأثام ” قلت : وما غي وأثام ؟ قال : ” بئران في أسفل جهنم ، يسيل فيهما صديد أهل جهنم ” ، فهذا الذي ذكره الله في كتابه : { فسوف يلقون غياً } [ مريم : 59] و{ أثاماً } [ الفرقان : 68 ] . 

 

 قال محمد بن نصر : حدثنا الحسن بن عيسى حدثنا عبدالله بن المبارك أخبرناهشيم بن بشير قال : أخبرني زكريا بن أبي مريم الخزاعي ، قال : سمعت أيا أمامة الباهلي يقول : ” إن مابين شفير جهنم إلى قعرها مسيرة خمسين خريفاً ، من حجر يهوي، أو قال : صخرة تهوي ، عظمها كعشر عشراوات ، عظام ، سمان ” ، فقال له مولى لعبدالرحمن بن خالد بن الوليد :  هل تحت ذلك من شيء ياأبامامة ؟ قال : ”  نعم ، غي وأثام “. 

 

وقال أيوب بن بشير عن شفي بن ماتع قال : ” إن في جهنم واديا يسمى غيا ، يسيل دماً وقيحاً ، فهو لمن خلق له ، قال تعالى : { فسوف يلقون غيا } [ مريم : 59]. 

 

فوجه الدلالة من الآية : أن الله سبحانه جعل هذا المكان من النار لمن أضاع الصلاة واتبع الشهوات، ولو كان مع عصاة المسلمين لكانوا في الطبقة العليا من طبقات النار. ولم يكونوا في هذا المكان الذي هو في أسفلها ، فإن هذا ليس من أمكنة أهل الإسلام ، بل من أمكنة الكفار . 

 

ومن الآية دليل آخر : هو قوله تعالى : { فسوف يلقون غيا * إلا من تاب وآمن وعمل صالحا } [ مريم : 59-60]. فلو كان مضيع الصلاة مؤمناً لم يشترط في توبته الإيمان ، فإنه يكون تحصيلاً للحاصل . 

 

الدليل السادس قوله تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين}, فعلق إخوتهم للمؤمنين بفعل الصلاة فإذا لم يفعلوا لم يكونوا إخوة المؤمنين، فلا يكونون مؤمنين لقوله تعالى :{إنما المؤمنون إخوة}. 

 

الدليل السابع: قوله تعالى: {فلا صدق ولا صلى * ولكن كذب وتولى}، فلما كان الإسلام تصديق الخبر والانقياد للأمر جعل سبحانه له ضدين عدم التصديق وعدم الصلاة، وقابل التصديق بالتكذيب والصلاة بالتولي فقال: {ولكن كذب وتولى} . 

 

فكما أن المكذب كافر فالمتولي عن الصلاة كافر فكما يزول الإسلام بالتكذيب يزول بالتولي عن الصلاة.  

 

قال سعيد عن قتادة: {فلا صدق ولا صلى} لا صدق بكتاب الله ولا صلى لله ولكن كذب بآيات الله وتولى عن طاعته، قال: {أولى لك فأولى * ثم أولى لك فأولى}, وعيد على أثر وعيد. 

 

الدليل الثامن: قوله تعالى:{يا أيها الذين امنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون} ، قال ابن جريج : سمعت عطاء بن أبي رباح يقول : ” هي الصلاة المكتوبة ” . 

 

 الشرح 

 

يعني : الغي يكون نهر في جهنم، وهذا من العجائب التي تقتضيها قدرة الله جل وعلا, هو أن جنهم يكون فهيا أنهار، ويكون فيها شجر أيضًا شجر الزقوم, وفيها أيضا زمهرير مع أنها محرقة أشد الإحراق, وذلك أن العذاب بأنواعه كلها يجمع في جهنم, جميع الأنواع جميع أنواع العذاب, فإذا كان غي في واد في جهنم وعد به الذين تركوا الصلاة أضاعوها، الذين أضاعوا الصلاة, {واتبعوا الشهوات} أضاعوا الصلاة فيكون لهم غي، فهذا دليل على أنهم ليسوا مؤمنين, هذا وجه الدلالة أنهم ليسوا مؤمنين. 

 

وقوله تعالى: {أولى لك فأولى} خطاب للإنسان الذي يقول جل وعلا: {لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ * أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ}[القيامة:1-3]، وصار يذكر الإنسان هنا الخطاب له يقول: {أولى لك فأولى}, يعني أولى لك أن تصدق وتقبل وتتبع الرسول، هذا الذي ينبغي أن يكون، لو كان عنده عقل يعني عقل ينفعه وعنده فكر ونظر لو كان بهذه المثابة لصدق واتبع وآمن، أما أن يكذب ويتولى فهذا يتضمن التعذيب ويتضمن كونه ترك الحق الواضح والبينات التي ليس له في تركها أي حجة كرر ذلك: {أولى لك فأولى * ثم أولى لك فأولى}, {أولى لك} الإتباع والطاعة لأنك تتحصل بذلك رضا الله والسعادة، بخلاف ما إذا فعل ضد ذلك فإنه يخسر عاجلًا وآجلًا ولا ينتفع بشيء, والعاقل ما يكون بهذه المثابة, الذي ينظر إلى العواقب ويكون عنده عقل يجب ألا يكون كذلك لظهور الأمر ووضوحه, كرر ذلك جل وعلا أن هذا ليس من شأن العقلاء ولا من شأن المفكرين, الذي ينتفعون بتفكيرهم. 

 

 وقوله : ووجه الاستدلال بالآية: أن الله حكم بالخسران المطلق لمن ألهاه ماله وولده عن الصلاة، والخسران المطلق لا يحصل إلا للكفار, فإن المسلم ولو خسر بذنوبه ومعاصيه فآخر أمره إلى الربح. 

 

يوضحه أنه سبحانه وتعالى أكد خسران تارك الصلاة في هذه الآية بأنواع من التأكيد: 

 

أحدها: إتيانه بلفظ الاسم الدال على ثبوت الخسران ولزومه, دون الفعل الدال على التجدد والحدوث. 

 

الثاني: تصدير الاسم بالألف واللام المؤدية لحصول كمال المسمى لهم, فإنك إذا قلت زيد العالم الصالح أفاد ذلك إثبات كمال ذلك له بخلاف قولك: عالم صالح.  

 

 الثالث: إتيانه سبحانه بالمبتدأ والخبر معرفتين، وذلك من علامات انحصار الخبر في المبتدأ كما في قوله تعالى:{ وأولئك هم المفلحون}, وقوله تعالى: {والكافرون هم الظالمون}, وقوله سبحانه: {أولئك هم المؤمنون حقا} ونظائره. 

 

الرابع: إدخال ضمير الفصل بين المبتدأ والخبر وهو يفيد مع الفصل فائدتين أخريين: قوة الإسناد واختصاص المسند إليه بالمسند كقوله: {وإن الله لهو الغني الحميد}, وقوله: {والله هو السميع العليم}, وقوله: {إنه هو الغفور الرحيم}ونظائر ذلك. 

 

الدليل التاسع: قوله سبحانه: {إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدًا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون}, ووجه الاستدلال بالآية أنه سبحانه نفى الإيمان عمن إذا ذكروا بآيات الله لن يخروا سجدًا مسبحين بحمد ربهم، ومن أعظم التذكير بآيات الله التذكير بآيات الصلاة فمن ذكر بها ولم يتذكر ولم يصل ولم يؤمن بها لأنه سبحانه خص المؤمنين بها بأنهم أهل السجود وهذا من أحسن الاستدلال وأقربه فلم يؤمن بقوله تعالى: {وأقيموا الصلاة}, إلا من التزم إقامتها. 

 

الدليل العاشر: قوله تعالى: {وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ويل يومئذ للمكذبين}, ذكر هذا بعد قوله: {كلوا وتمتعوا قليلًا إنكم مجرمون},  ثم توعدهم على ترك الركوع وهي الصلاة إذا دعوا إليها ولا يقال: إنما توعدهم على التكذيب فإنه سبحانه وتعالى إنما أخبر عن تركهم لها وعليه وقع الوعيد. 

 

على أنا نقول: لا يصر على ترك الصلاة إصرارًا مستمرًا من يصدق بأن الله أمر بها أصلًا, فإنه يستحيل في العادة والطبيعة أن يكون الرجل مصدقًا تصديقًا جازما أن الله فرض عليه كل يوم وليلية خمس صلوات, وأنه يعاقبه على تركها أشد العقاب وهو مع ذلك مصر على تركها هذا من المستحيل قطعًا. 

 

فلا يحافظ على تركها مصدق بفرضها أبدًا, فإنما الإيمان يأمر صاحبه بها فحيث لم يكن في قلبه ما يأمر بها فليس في قلبه شيء من الإيمان. 

 

 الشرح 

 

يعني أن هذا كون المؤمن إذا كان عنده إيمان صحيح لا يمكن أن يترك الصلاة, لابد أن يصلى وإنما يتركها تركًا مستمر جازم من ليس عنده إيمان, فلا يجتمع ترك الصلاة مع الإيمان على الصحيح، وهذا في الواقع ملازم للواجبات كلها الواجبات التي هي حق على الإنسان لا يستمر الإنسان على تركها تعمدًا وإصرارًا مع وجود الإيمان, لأن الإيمان يمنعه من ذلك كونه يؤمن بأن الله أمر بهذا وأنه يثيب على فعله ويعاقب على تركه، فإنما قد يغتر الإنسان بشبهة أو لشهوة فقط, يعني قد يعرض له شبهة أو قد يعرض له شهوة تغطي عقله, فيفعل منكرًا ثم بعد ذلك إذا زال تغطية العقل عاد إلى الندم, وإلى التوبة وإلى الفعل أما أن يستمر استمرارًا على الفعل الذي هو مناف لأمر الله جل وعلا فهذا لا يكون من مؤمن وليس هذه خاص بالصلاة فقط, بجميع الواجبات. 

 

وقوله : ولا تصغي إلى كلام من ليس له خبره ولا علم بأحكام القلوب وأعمالها وتأمل في الطبيعة بأن يقوم بقلب العبد إيمان بالوعد والوعيد والجنة والنار, وأن الله فرض عليه الصلاة, وأن الله يعاقبه معاقبة على تركها, وهو محافظ على الترك في صحته وعافيته وعدم الموانع المانعة له من الفعل. 

 

وهذا القدر هو الذي خفي على من جعل الإيمان مجرد التصديق, وإن لم يقارنه فعل واجب ولا ترك محرم وهذا من أمحل المحال أن يقوم بقلب العبد إيمان جازم لا يتقاضاه فعل طاعة ولا ترك معصية . 

 

ونحن نقول: الإيمان هو التصديق ولكن ليس التصديق مجرد اعتقاد صدق المخبر دون الانقياد له, ولو كان مجرد اعتقاد التصديق إيمانًا لكان إبليس وفرعون وقومه وقوم صالح واليهود الذين عرفوا أن محمدًا رسول الله كما يعرفون أبناءهم مؤمنين مصدقين وقد قال تعالى: {فإنهم لا يكذبونك}, أي يعتقدون أنك صادق: {ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون}, والجحود لا يكون إلا بعد معرفة الحق. 

 

 وقال تعالى: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوًا}. 

 

 

 

الشرح 

 

أيضًا قد يكون مثلًا مصدق، الإنسان مصدق وغير جاحد مقر بأنه حق ولكنه لا ينقاد له, ويمنعه من انقياده إما رئاسة وأما تقليد لآبائه وكبرائه مثل ما وقع لأبي طالب عم الرسول [ص], فإن لو كان مصدقًا برسول الله [ص] ومقرًا له بأنه على الحق ولكن يقول: أنه منعه من الانقياد له خوف المسبة كون يسب يقال: أنك خالفت كبرائك وآبائك كما صرح هو بذلك في أشعاره, ومع ذلك مع تصديقه ومع عدم جحوده كان كافرًا لأنه لم ينقد، فلابد من الانقياد والتسليم أن يصدق ويقبل وينقاد، والانقياد هو الفعل هو فعل الأشياء التي يؤمر بها واجتناب ما ينهي عنه, هذا لابد منه ولهذا يقول جل وعلا: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا}[النساء:60]^، إلى قوله: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}[النساء:65]^، فهنا قيود في الآية {فلا وربك لا يؤمنون} والخبر من الله ليس بحاجة إلى أن الله يقسم عليه جل وعلا، ولكن لشدة حاجة المخاطب إلى ذلك وتأكيده له قال: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم}, يعني جعل الغاية تحكيم الرسول [رمز] في النزاعات التي تحدث بين المتنازعين, ثم لا يكفي التحكيم، كونهم يحكمونه لا يكفي, قال: {حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ} يعني إذا حكم الرسول [ص] ما يكون عندهم تضجر من حكمه أو حرج منه لأن يقول: ليته ما حكم بكذا, ليت الحكم خلاف كذا, لابد أن يرضى بحكمه, ثم أيضًا لا يكفي هذا لابد أن يسلم تسليمًا, والتسليم ألا يكون هناك اعتراض لا في  الباطن ولا في الظاهر, ما يعترض على قوله ولا على حكمه لا في قلبه ونفسه ولا في فعله الذي يظهر، {ويسلموا تسليما}, فهذا في جميع أمور الحياة الشرع, في كل ما جاء به الرسول [رمز] فلا يجتمع الإيمان مع الاعتراض على شرع الله جل وعلا أو مع التسخط له, كونه يسخط ويكره ويقول: هذا ليس مناسب، ليس هذه الحكم مناسب أو لو كان الحكم بكذا لكان أحسن, وما أشبه ذلك فهذا إذا كان عند الإنسان مثل هذه الأمور لا يكون مؤمنًا، لابد من هذه القيود التي ذكرت في الآية, حتى يحصل الإيمان حقيقة, فإن لم تكن هذه القيود موجودة فالإيمان إما أن يكون معدومًا, أو يكون ضعيف، عنده إيمان ولكنه ضعيف, لا يستطيع به أن يمتنع من عذاب الله جل وعلا بالإيمان الضعيف, الإيمان الضعيف لا يمنع العذاب, بل يقع عليه عذاب الله جل وعلا لأنه لم يتحلى بالإيمان الذي يمنعه من العذاب, فليس هناك شيء منع من عذاب الله جل وعلا إلا امتثال أمر واجتناب نهيه. 

 

وقوله : وقال موسى لفرعون. {لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر},وقال تعالى عن اليهود: {يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقًا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون}. 

 

 (الشرح) 

 

يعرفون هنا الضمير إما أنه يعود على الرسول[رمز], هم يعرفون الرسول [رمز] معرفة تامة بأنه رسول جاء من عند الله {كما يعرفون أبنائهم} الذين ولدوهم, أو يكون الضمير يعود على ما جاء به الرسول [ص] يعني الحق الذي جاء به يعرفونه معرفة تامة أنه حق وأنه من عند الله، وهذا ملازم للآخر, إذا عرفوا أنه رسول الله فلابد أنه جاء بالحق، لأن الرسول لا يأتي بغير الحق, وإذا عرفوا أن ما جاء به هو الحق لابد أن يكون رسول من عند الله فهذا ملازم للآخر, فقد جاء عن عبد الله بن سلام[رمز] وهو من علماء اليهود قد أسلم وتابع الرسول[ص] وهو من خيارهم, وصار من خيار المسلمين[رمز] جاء عنه أنه كان يقول: (والله إننا لنعرف رسول الله [رمز] أنه رسول الله أكثر من معرفتنا لأبنائنا, لأن أحدنا يخرج من بيته فلا يدري ماذا تصنع زوجته, أما هو فلا شك عندنا فيه أنه رسول من عند الله)، والدلائل واضحة جلية وهذا يقولون بأنهم يعرفونه لأن عندهم أوصافه في كتابهم الذي بين أيديهم, الذي جاء به موسى عليه السلام, له نص، لما ذكر الله جل وعلا: {الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف:157]^، فأوصافه موجودة عندهم, وكذلك سماته التي لا يختلفون فيه تمامًا, لهذا ما كانوا يحتاجون إلى دلائل واضحة، عرفوه معرفة تامة بخلاف غيرهم من العرب والعجم وغيرهم الذين ليس عندهم دلائل على صفاته, وعلى مجيئه، وعلى أرضه التي يهاجر فيها وما يقع له, وما يكون من أفعاله فهؤلاء يحتاجون إلى دلائل أولًا يستدلون بها, مثل المعجزات فهي الواقع ليست المعجزة هي الدليل عن الرسول [رمز] وحدها فقط, المعجزة دليل وهو نفسه يدل على أنه رسول الله لأن أفعاله التي يفعلها وصفاته وكذلك ما جاء به يدل على أنه رسول حق ولذلك العقلاء إذا سمعوا, قوله: قالوا: هذا هو الحق, وشهدوا له بالصدق أنه صادق مجرد ما يسمعون قوله وأمره ونهيه, فالمعجزات مثل انشقاق القمر ومثل القرآن والتحدي به، مثل تكثير الماء وتكثير الطعام, وإجابة الدعوة والخبر بالمغيبات, وما أشبه ذلك ليس هذا وحده الدليل على أنه رسول الله[رمز] بل فعله نفس دليله من أكبر الأدلة, ولهذا لما حدث له ما حدث من لقاء الملك كجبريل لما صار يضمه إلى أن يبلغ الجهد ثم يطلقه فرجع إلى زوجه خديجة رضي الله عنها ترجف فرائسه, فقال: «إني خشيت على نفسي» قالت له: (كلا والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم) وإنك لتفعل كذا وإنك لتفعل كذا فصارت تستدل فأفعاله على أنه على حق, وأن الله جل وعلا لا يخزيه أبدًا, ذلك من جميع العقلاء إذا قال الإنسان مثلًا أي إنسان إذا قال: أنه نبي فلا بد أن يكون أصدق الناس، وأبرهم، وخيره، وأفضلهم, أو يكون أشر الناس وأكذبهم وأفجرهم, وهل يلتبس شر الناس بأفضل الناس بخيرهم؟ ما يلتبس أبدًا، الأمر ما يخلوا من هذا وهذا, ثم دلائل سابقة ثم قال الله جل وعلا له: {قل ما كنت بدعًا من الرسل}, ليس أتى إلى الناس وحده قد سبقه رسل فينظر إلى ما جاءت به الرسل السابقين, ويستدل بما جاءوا مع عرضه على ما جاء هو به, فإذا طابق ذلك صار دليلًا على دليل, {قل ما كنت بدعًا من الرسل} ليس جاء غريبا بل سبقه الرسل، وكل من رجع إلى عقله وفكره علم أنه صادق صلوات الله وسلامه عليه وأنه نبي حقًا دون أن ينظر إلى المعجزات, ولكن كثير من الناس ما () إلا بالمعجزات, لما جاء إعرابي وقال: ما الدليل على أنك نبي؟ قال: «أدعوا تلك الشجرة وتأتي إلى وتؤمن؟», قال: نعم. فدعاها فجاءت شجرة تمشى جاءت من مكانها فوصلت إليه, ثم أمرها أن ترجع فرجعت إلى مكانها, كان يحتاج إلى هذا ففعل ذلك, ولكن هل هذا يكفي؟ يكفي لهذا الرجل, لكن الشيء الذي ينظر إليه هو ما يفعله وما يأمر به وما يقوله، وما يخبر عنه صلوات الله وسلامه عليه، هذه من أعظم الأدلة وهي التي يجب أن يتأملها الإنسان يتأملها حقًا، وبذلك يثبت عنده الإيمان, خلاف الذي يتطلع إلى المعجزة فقط قد يتطرق إليها شكوك من ناحية الثبوت أو من ناحية وجه الدلالة أو غير ذلك, بخلاف هذه الأمور أنها لا يتطرق إليها أي شيء, فمجرد الأمر الذي يأمر به يكفي.  

 

ولهذا في صحيح مسلم عن عمر بن عبسة [رضي الله عنه] يقول: كنت في الجاهلية أرى أن الناس ليسوا على شيء، فبعقله فقط وفطرته يرى أنهم ليسوا على شيء يعبدون الشجر والحجر, ومعروف أن هذه لا فائدة فيها ولا جدوى عندها, لكن …. مع أن الدلائل قائمة في الآفاق وفي الأنفس على وجوب عبادة الله جل وعلا يقول: فكنت أراهم أنهم ليسوا على شيء. يعني أنهم على باطل وكنت أسأل الناس وأتطلع إلى الأخبار في يوم من الأيام جاء ركب من مكة فقلت: هل من خبر؟ وهو كان في البادية, قالوا: نعم رجل يخبر خبر السماء بمكة. يقول: فقعدت على راحلتي. يعني ركبت راحلتي وذهب إليه لينظر لأنه, يقول: فما أتيت مكة سألت عنه وجدت الناس عليه جرآء يعني أنهم معادين له, أهل مكة قد عادوه فعلمت أنه مختفي, وصار يؤذى إذا سأل عنه أوذي وضرب، صار يسأل عنه بالخفية فيقول: فتلطفت حتى دخلت عيه وهو مختف لدار الأ ابن أبي الأ بمكة, هذا في أول أمره صلوات الله وسلامه عليه, لما كانت الدعوة سرية يقول: فقلت: ما أنت؟ فقال: «نبي», فقال: وما نبي؟ ما يعرف كلمة نبي ما يعرف ما معناها, قلت: وما نبي؟ أي ما معنى نبي فقال: «أرسلني الله جل وعلا» فقلت: وبما أرسلك؟ قال: «أرسلني بأن يعبد وحده وبتكسير الأصنام، وصلة الأرحام», فقلت: ما أحسن هذا. من أول وهلة استحسنه, فقلت: ومن معك على هذا؟ فقال: حر وعبد, يعني ما معه إلا رجلان فقط, ومعه يومئذ أبوا بكر وبلال فقط, فقلت: إني متبعك. فقال:«إنك لا تستطيع ألا ترى ما نحن فيه وما الناس فيه, ولكن ارجع إلى بلادك فإذا سمعت بي قد خرجت فائتني», ثم ذكر بقية القصة, المقصود أن هذا الرجل لما ذكر له الأمر الذي يأمر به والنهي الذي ينهي عنه صدقه قال: هذا حق، ما أحسنه؟ لأن الحق مطابق ما في نفوس العباد الذي فطرهم الله جل وعلا على إرادة الحق وحبه, كذلك إذا سلم الإنسان من صرف فطرته وتغييرها وسلم من المؤثرات التي تغطي نظره وفكره, هناك مؤثرات وأمور تغطي النظر, والفكر في كون الإنسان يكون له مصالح دنيوية ويرى أنه إذا اتبعه تفوته هذه  المصالح مثل الرئاسة, مثل مناصب وما أشبه ذلك فهذا يمتنع, هذا من ينظر فيه، بل أنه قد يكون معاديًا أشد العداوة له, كما تبين لفرعون لما جاءه موسى قال: لقومه: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ}[غافر:26]^، يعني صار ينصح لهم يقول: يخاف أن دينكم يذهب يبدل دينكم الذي هو عبادتي وأخاف أنه يفسد في الأرض يقول: موسى ينشر الفساد في الأرض يعني يقلب الحقائق يصبح الفساد هو الإصلاح، والإصلاح هو الفساد إذا كان ذلك فهذا ما ينفع ما ينفع النظر, لو وجد ذلك ما ينفع النظر وما تنفع الآيات. 

 

 وقوله :وأبلغ من هذا قول النفرين اليهوديين لما جاءا إلى النبي وسألاه عما دلهما على نبوته فقالا: نشهد أنك نبي فقال: «ما يمنعكما من إتباعي؟» قالا إن داود دعا أن لا يزال في ذريته نبي وإنا نخاف إن اتبعناك أن تقتلنا اليهود. 

 

 الشرح 

 

هذه كذب تعليلًا بالكذب، فالله جل وعلا أخبر في كتبه أن محمدًا [رمز] هو خاتم الرسل وليس بعده نبي لا من ذرية داوود ولا من غيره، وهم يعلمون هذا تمامًا, ولكنهم حسدوه لأنه من ولد إسماعيل فقط, هذا هو السبب الرئيسي في امتناع اليهود من إتباعه لأنهم يقولون:  لماذا ما صار من ولد إسحاق؟ الرسل كلهم من ولد إسحاق إلا هذا, امتنعوا من أجل ذلك هذا أكبر ما منعهم, جاء عن صفية رضي الله عنها زوج النبي [ص] وكانت كما قال [ص]: «من ولد هارون» أخو موسى, وهي منهم كانت زوجة أحد عظمائهم, ولما قتل في خبير كانت من الجمال بمكان كما هو معلوم وقعت في السبي ووقعت في دحية الكلبي, فقيل للنبي [ص]: هذه ما ينبغي أن تكون إلا لك, جاء بدحية وأعطاه قال له: «اختر من السبي غيرها», واصطفاها [ص] ثم تزوجها كما هو معروف، ولكن جاء أنها ذكرت عن أبيها وعمها قبل أن يذهبا إلى خبير في المدينة, تقول وهي جارية صغيرة: كان أبوها يحبها وكذلك عمها وكل ما جاء من خارج ا لبيت تستقبله فيحملها ويحتضنها, فيوم من الأيام عندما قدم الرسول [ص] المدينة ذهب أبوها وعمها إليه تقول: فلما رجعا منكسف البال فاترًا, فاستقبلته فلم يلتفت إلي, فسمعت عمي يقول له: هل تعرفه؟ فيقول: نعم أعرفه تمامًا كما أعرف فلان وفلان, فقال له: وما في نفسك عنه؟ فقال: تكذيبه أبدًا والكفر به أبدًا. فقال له أبي: وأنا كذلك. يعني صار الحسد فقط، والعجيب في الأمر أن الله ذكر عنهم أنهم كانوا قبل مجيء النبي [رمز] يستفتحون على الكفار بأنه ظل وقت نبي سنتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم, لأنه كانوا بينهم قتال في المدينة اليهود والعرب الأنصار، الأنصار انقسموا إلى قسمين وكل قسم صار معه قبيلة من قبائل اليهود, قبيلتين لأن قبائل اليهود كانت ثلاث قبائل في المدينة: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة, وكل فريق من الأوس أو الخزرج حالف قبيلة من قبائل اليهود, فكان يحصل بينهم القتال لأن القتال بقي بينهم أكثر من مائة سنة بين الأوس والخزرج وهم في المدينة يتقاتلون, ومرة ينصر هؤلاء ومرة ينصر هؤلاء، فكان اليهود مع حلفائهم إذا هزموا قالوا للذين هزموهم من الأنصار: أنه ظل وقت نبي سيبعث سنتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم. ويسمعون هذا كثيرًا منهم, وكان هذا من الأسباب التي هيأت قبول دعوة النبي [ص] فلما كان الرسول [رمز] يعرض نفسه في قبائل العرب أيام الموسم في منى وفي عرفات كانت كل قبيلة تنزل في مكان محدد كان يذهب إليهم ويقول: «يا بني فلان ألا أناس يمنعوني حتى أؤدي رسالة ربي فإن قريشًا منعتني من أن أبلغ رسالة ربي», معه بعض عمومته يقولون لهم: لا تصدقوه فإنه كذاب, فلما سمع به الأنصار قال بعضهم لبعض: تعلمون والله هذا هو النبي الذي توعدكم به اليهود, فلا يسبقونكم إليه, فكان هذا من أسباب إجابتهم له, فبايعوه عند العقبة البيعة الأولى وكانوا عدد قليل, ولكنهم بايعوا عن قومهم في المدينة، ثم في الموسم الثاني، أولًا كانوا اثنا عشر, ثم ذهبوا بضعة وسبعين في الموسم الثاني وبايعوه وقالوا: لابد أننا يعني ما نتركك. تذهب معنا وإلا نقاتل قريش فقال: «لا حتى أؤمر», المقصود أن هذا كما ذكر الله جل وعلا أنهم يستفتحون على الذي كفروا, وهذا استفتاح ولكن لما جاءهم ما عرفوا به كذبوا الرسول قالوا: إنه ليس هو الذي نعرفه كذبًا مع أن الله أخبر أنهم يعرفونه كما يعرفون أبنائهم، والحامل في ذلك هو الحسد والكبر وإلا يعرفونه تمامًا، وهذا عجيب كون الإنسان يتعمد الكفر ويعلم أنه معذب على ذلك ثم يصر على ذلك، لكن إذا لم يرد الله هداية العبد فلا هادي له.  

 

 وقوله : فهؤلاء قد أقروا بألسنتهم إقرارًا مطابقًا لمعتقدهم أنه نبي ولم يدخلوا بهذا التصديق والإقرار في الإيمان لأنهم لم يلتزموا طاعته والانقياد لأمره . 

 

ومن هذا كفر أبي طالب فإنه عرف حقيقة المعرفة أنه صادق وأقر بذلك بلسانه وصرح به في شعره ولم يدخل بذلك في الإسلام، فالتصديق إنما يتم بأمرين:  

 

أحدهما: اعتقاد الصدق.  

 

والثاني: محبة القلب وانقياده . 

 

ولهذا قال تعالى لإبراهيم: { يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا}, وإبراهيم كان معتقدًا لصدق رؤياه من حين رآها، فإن رؤيا الأنبياء وحي . 

 

 الشرح 

 

التصديق يكون بالفعل، لأنه رأى في المنام أنه يذبح ابنه إسماعيل الذي هو أكبر أولاده, فلما مثل ذلك قال له   جل وعلا: {قد صدقت الرؤيا}, التصديق يكون بالفعل ما يكون مجرد علم عقيدة فقط ما يكفي. 

 

 وقوله :وإنما جعله مصدقًا لها بعد ما فعل ما أمر به. وكذلك قوله النبي [ص]: «والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه», فجعل التصديق عمل الفرج لا ما يتمنى القلب والتكذيب تركه لذلك. 

 

 الشرح 

 

لأنه في حديث الرسول [ص] يقول: «العين تزني وزناها النظر، واليد تزني وزناها اللمس» ونحو ذلك «والرجل تزني وزناها المشي والقلب يتمنى ويشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه», يعني كونه يفعل هذا التصديق, وكونه يمتنع هذا التكذيب يعني تصديق الخبر، وتصديق الأمر لابد فيه من الامتثال والفعل والمضي أما أن يقول: صدقت وآمنت وهو ممتنع من الفعل فهذا غير صحيح, ولهذا يعرف ضلال أهل البدع الذين يقولون: الإيمان هو التصديق, مجرد التصديق أو يقولون: هو القول كما يقول بعضهم, قول اللسان قول: لا إله إلا الله كما يعلم غرور كثير من الناس الذين يقولون: من قال: لا إله إلا الله يكفيه في دخول الجنة وإن لم يصل وإن لم يلتزم وإن مثلًا دعا الأموات والتمس النفع منهم وما أشبه ذلك فإن هذا غرور وجهل لأن مجرد التصديق الذي يكون في القلب يعتقد أنه صادق وخبره حق ولا يفعل ما أمره به ولا ينتهي عن الشيء الذي نهاه عنه هذا لا يكون التصديق صحيح، مجرد دعوى أما إذا صار في القلب تصديق جازم صحيح, فلابد أن يفعل الأمر ويحبه ويحب ذلك ويجتنب نهيه ويكرهه, يبغضه لابد. 

 

وقوله : وهذا صريح في أن التصديق لا يصح إلا بالعمل.  

 

وقال الحسن: ” ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل. وقد روي هذا مرفوعًا“. 

 

والمقصود أنه يمتنع مع التصديق الجازم بوجوب الصلاة والوعد على فعلها والوعيد على تركها وبالله التوفيق. 

 

فصلٌ 

 

وأما الاستدلال بالسنة على ذلك فمن وجوه:  

 

 الشرح 

 

هذا خطأ، كونه يضع هذا في نفس الكتاب مع أنه من كلامه، هذا زيادة في كلام المؤلف فلا يجوز مثل هذا، المفروض أنه يكون على الهامش أو في الحاشية، أما أن يضعه في الوسط هذا لا يجوز، ذلك سبر في التأليف في كلام الشيخ، هذا لا يجوز، يجوز أن يأتي واحد ثاني غيره ثم يضع زيادة، ثم يأتي ثالث ثم يضع زيادة، وهكذا ثم ينسخ الكتاب، فيصبح الكتاب غير الكتاب!!. 

 

وقوله : الدليل الأول: ما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله [رمز]: «بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة», رواه أهل السنن وصححه الترمذي. 

 

الدليل الثاني: ما رواه بريدة بن حصين الأسلمي قال: سمعت رسول الله يقول: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر», رواه الإمام أحمد وأهل السنن النسائي، وقال الترمذي: حديث صحيح إسناده على شرط مسلم. 

 

 الشرح 

 

هذه الحديث الأول: «ليس بين العبد وبين الشرك أو الكفر إلا ترك الصلاة», هذا صريح واضح, لأن ترك الصلاة أنه كفر، لأنه لا يقال: الكفر، الشرك، المعرف إلا الكفر الذي يخرج من الدين الإسلامي بخلاف قوله [رمز]: «ثلاث في أمتي هن فيهم كفر», فهذا لا يخرج من الدين الإسلامي لأن هذا غير معرف هو قال: «كفر» منكر, «الطعن في الأنساب، والاستسقاء بالأنواء والنياحة على الميت», لأن هذه من أعمال الكفر وليست هي كفر، من أعمال الكفر ولكن إذا قامت بالإنسان ما يكون كافرًا, بخلاف ما إذا قال: بين الإنسان وبين الكفر كذا, أو بينه وبين الشرك كذا، فإن هذا يتعين أن يكون الكفر المخرج من الدين الإسلامي لأنه ما يأتي الكفر المعرف بأل أو الشرك المعرف بأل إلا في شيء ينافي الإيمان.  

 

أما الحديث الثاني: «العهد بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر», فهذا أيضًا ظاهر ولكن قد يقول المعترض على هذا: إن هذا مثل غيره ويقصد به كفر دون كفر، ومعلوم أن المعاصي كلها أنواع من الكفر فيكون الصلاة منها, وإن كان هذا ليس صحيح, بدليل الحديث الأول، الحديث الأول يدل على أنه قوله: «العهد الذي بيننا وبينهم ترك الصلاة فمن تركها فقد كفر», قوله: «كفر» فكفر هنا فعل, والفعل يطلق ولو خصلة من خصال الكفر، ولا يلزم أن يكون خارجًا من الدين الإسلامي، ولكن الحديث الأول يبين أن المقصود بهذا الكفر المخرج من الدين الإسلامي. 

 

 وقوله : الدليل الثالث: ما رواه ثوبان مولى رسول الله قال سمعت رسول الله يقول: «بين العبد وبين الكفر والإيمان الصلاة فإذا تركها فقد أشرك», رواه هبة الله الطبري وقال: إسناده صحيح على شرط مسلم. 

 

 الدليل الرابع: ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي أنه ذكر الصلاة يوما فقال: «من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورًا ولا برهانًا ولا نجاة وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف», رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو حاتم بن حبان في صحيحه. 

 

 الشرح 

 

هذا من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وهذا مختلف فيه: من العلماء من يصححه، ومنهم من يضعفه, الخلاف جده فالضمير يعود على من؟ عن أبيه عن جده, عمرو بن شعيب عن أبيه، يعني عمرو أبوه شعيب يعود على من إذا كان يعود على أبي عمرو فهو يكون عن جده يعني يعود على عمرو فيكون منقطع, إن كان يعود على أبيه يعني أبي عمرو فيكون متصلًا، فمن هنا جاء الحلاف والترمذي في السنن يصحح مثل هذا فيقول: حديث صحيح, فيدل على أنه يرى أنه متصل وليس منقطعًا، وهذا هو الصواب فيكون على هذا القول حجة على الحديث. 

 

 وقوله : وإنما خص هؤلاء الأربعة بالذكر لأنهم من رؤوس الكفرة, وفيه نكتة بديعة وهو أن تارك المحافظة على الصلاة إما أن يشغله ماله أو ملكه أو رياسته أو تجارته، فمن شغله عنها ماله فهو مع قارون, ومن شغله عنها ملكه فهو مع فرعون, ومن شغله عنها رياسته ووزارته فهو مع هامان ومن شغله عنها تجارته فهو مع أبي بن خلف. 

 

 الشرح 

 

 أبي بن خلف هو من تجار قريش. 

 

 وقوله :الدليل الخامس: ما رواه عبادة بن الصامت [رضي الله عنه] قال: أوصانا رسول الله[رمز]  فقال: «لا تشركوا بالله شيئًا ولا تتركوا الصلاة عمدًا فمن تركها عمدًا متعمدًا فقد خرج من الملة», رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في سننه. 

 

الدليل السادس: ما رواه معاذ بن جبل قال: قال رسول الله [ص]: «من ترك صلاة مكتوبة متعمدًا فقد برئت منه ذمة الله», رواه الإمام أحمد ولو كان باقي على إسلامه لكانت له ذمة الإسلام. 

 

 الدليل السابع: ما رواه أبو الدرداء قال: أوصاني أبو القاسم  [ص]أن لا أترك الصلاة متعمدًا فمن تركها متعمدًا فقد برئت منه الذمة, رواه عبدالرحمن بن أبي حاتم في سننه.  

 

 الدليل الثامن: ما رواه معاذ بن جبل [رمز] عن النبي [رمز] أنه قال: «رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة», وهو حديث صحيح مختصر، ووجه الاستدلال به أنه أخبر أن الصلاة من الإسلام بمنزلة العمود الذي تقوم عليه الخيمة فكما تسقط الخيمة بسقوط عمودها, فهكذا يذهب الإسلام بذهاب الصلاة وقد احتج أحمد بهذا بعينه. 

 

 الدليل التاسع: في الصحيحين السنن والمسانيد من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله [رمز]: «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان», رواه الإمام أحمد  وفي بعض ألفاظه الإسلام خمس فذكره. 

 

 ووجه الاستدلال به من وجوه:  

 

أحدها: أنه جعل الإسلام كالقبة المبنية على خمسة أركان فإذا وقع ركنها الأعظم وقعت قبة الإسلام.  

 

الثاني: أنه جعل هذه الأركان في كونها أركانًا لقبة الإسلام قرينة الشهادتين فهما ركن والصلاة ركن والزكاة ركن فما بال قبة الإسلام تبقى بعد سقوط أحد أركانها دون بقية أركانها! 

 

 الثالث: أنه جعل هذه الأركان نفس الإسلام وداخلة في مسمى اسمه وما كان اسمًا لمجموع أمور إذا ذهب بعضها ذهب ذلك المسمى ولاسيما إذا كان من أركانه لا من أجزائه التي ليست بركن له كالحائط للبيت فإنه إذا سقط سقط البيت بخلاف العود والخشبة واللبنة ونحوها. 

 

 الدليل العاشر: قوله [ص]: «من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم له ما لنا وعليه ما علينا».  

 

ووجه الدلالة فيه من وجهين:  

 

أحدهما: أنه إنما جعله مسلما بهذه الثلاثة فلا يكون مسلما بدونها.  

 

الثاني: أنه صلى إلى الشرق لم يكن مسلما حتى يصلي إلى قبلة المسلمين فكيف إذا ترك الصلاة بالكلية؟ 

 

الدليل الحادي عشر: وما رواه الدارمي عبد الله بن عبد الرحمن قال: حدثنا يحيى بن حسان قال: حدثنا سليمان بن قرم عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن النبي [رمز] قال: «مفتاح الجنة الصلاة». 

 

وهذا يدل على أن من لم يكن من أهل الصلاة لم تفتح له الجنة وهي تفتح لكل مسلم فليس تاركها مسلمًا ولا تناقض بين هذا وبين الحديث الآخر وهو قوله: «مفتاح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله», فإن الشهادة أصل المفتاح والصلاة وبقية الأركان أسنانه التي لا يحصل الفتح إلا بها إذ دخول الجنة موقوف عن المفتاح وأسنانه.  

 

وقال البخارى: وقيل لوهب بن منبه أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال: بلى ولكن ليس مفتاح إلا وله أسنان فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك. 

 

الدليل الثاني عشر: ما رواه محجن بن الادرع الأسلمي أنه كان في مجلس مع النبي [رمز] فأُذن للصلاة فقام النبي [رمز] ثم رجع ومحجن في مجلسه فقال له: «ما منعك أن تصلي ألست برجل مسلم؟» قال: بلى ولكني صليت في أهلي فقال له: «إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت قد صليت», رواه الإمام أحمد والنسائي. 

 

 

 

الشرح 

 

هذا الدليل الثاني عشر وهذا لقوله [ص]: لما رأي محجن جالس بعد ما مضى وصلى لم يصل لأنه حضر الجماعة نهاه أن يفعل ذلك، إذا جاء إلى جماعة قد أقيمت فإنه يدخل معهم وإن كان قد صلى في جماعة أخرى, يعني ما يجلس الناس وهم يصلون، وهذا يقول الفقهاء: إذا أدرك الصلاة كاملة أما إذا أدرك بعضها فلا يلزمه ذلك، وتكون الثانية نافلة له, تكون صلاته الأولى هي الفريضة ولكن يصلى مع الجماعة التي تقام وهو حاضر وهذا عام في كل من جاء جماعة وسواء كان يعني في قوت نهي مثل العصر أو في غيره لأن الحديث مطلق، الحديث عام يدخل فيه العصر والفجر وغيرهما. 

 

 وقوله : فجعل الفارق بين المسلم والكافر الصلاة وأنت تجد تحت ألفاظ الحديث إنك لو كنت مسلمًا لصليت وهذا كما تقول: مالك لا تتكلم ألست بناطق؟ وما لك لا تتحرك ألست بحي؟ ولو كان الإسلام يثبت مع عدم الصلاة لما قال لمن رآه: لا يصلي ألست برجل مسلم؟  

 

فصلٌ 

 

وأما إجماع الصحابة فقال ابن زنجويه حدثنا عمر بن الربيع قال: حدثنا يحيى بن أيوب عن يونس عن ابن شهاب قال: حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أخبره انه جاء عمر بن الخطاب حين طعن في المسجد قال: فاحتملته أنا ورهط كانوا معي في المسجد حتى أدخلناه بيته قال: فأمر عبد الرحمن بن عوف أن يصلي بالناس قال: فلما دخلنا على عمر بيته غشي عليه من الموت فلم يزل في غشيته حتى أسفر ثم أفاق فقال: هل صلى الناس؟ قال فقلنا: نعم. فقال: (لا إسلام لمن ترك الصلاة)، وفي سياق آخر (لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة) ثم دعا بوضوء فتوضأ وصلى وذكر القصة. 

 

فقال هذا بمحضر من الصحابة ولم ينكروه عليه، وقد تقدم مثل ذلك عن معاذ بن جبل وعبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة ولا يعلم عن صحابي خلافهم, وقال الحافظ عبد الحق الإشبيلي رحمه الله في كتابه في الصلاة: ذهب جملة من الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم إلى تكفير تارك الصلاة متعمدًا لتركها حتى يخرج جميع وقتها منهم عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، وجابر، وأبو الدرداء رضي الله عنهم، وكذلك روي عن علي بن أبي طالب هؤلاء من الصحابة، ومن غيرهم أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية، وعبد الله بن المبارك وإبراهيم النخعي والحكم بن عيينة وأيوب السختياني وأبو داود الطيالسي وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو خيثمة زهير بن حرب . 

 

 الشرح 

 

يعني تخصيص أحد من الصحابة في شيء يخصه دون غيره هذا من شعار أهل البدع، إذا جاء ذكر علي يقال: رضي الله عنه كسائر الصحابة وأما أن يذكربشيء من ذلك أنهم خصوه بهذا لأنه لم يسجد لصنم فهذا غير صحيح, يوجد غيره من لم يسجد إلى صنم ولا يقال له ذلك، الصحابة يترضي عنهم جميعًا, ولا يخص أحد بينهم بالصلاة فإن الصلاة تكون للأنبياء و كذلك في دعاء معين فإن تخصيص أحدهم بدعاء معين يكون من طريقة أهل البدع، أما أهل السنة الصحابة كلهم عندهم عدول مرضيون قد رضي الله عنهم وقد عدلهم وزكاهم وإن كان يوجد بعضهم أفضل من بعض بلا شك ولكن كونه يخص واحد منهم بينهم بدعاء معين هذا لا يصح. 

 

 وقوله : قال المانعون من التكفير يجب حمل هذه الأحاديث وما شاكلها على كفر النعمة دون كفر الجحود كقوله [رمز]: «من تعلم الرمي ثم تركه فهي نعمة كفرها». 

 

 الشرح 

 

هذا بعيد كما سبق، أن الكفر إذا جاء محلًا بالألف واللام الكفر, فإنه يكون الكفر الذي يخرج من الدين الإسلامي, أما كفر النعمة فلا يطلق على صاحبه أن كفر بالإسلام أو أنه أشرك, أو أنه ليس بينه وبين الإسلام إلا الشرك أو الكفر, هذا ما يطلب فلم يأت في كلام الله جل وعلا وكلام رسوله إطلاق الكفر المحلى بأل على من ترك نعمة من النعم أو من فعل كبيرة من الكبائر، وإنما يأتي فيمن يأتي ركن من أركان الدين الإسلامي الذي لا يتم الدين إلا به ولا يستقيم إلا به هذا هو المعهود, فهذا بعيد جدًا, كونه تحمل هذه النصوص على كفر النعمة. 

 

 وقوله: «لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم». 

 

  الشرح 

 

 قال: كفر. ولم يقل: الكفر. على مثل ما جاء في الحديث الآخر: «ثلاث في أمتي هن بهم كفر: الطعن بالأنساب، والنياحة على الميت، والاستسقاء بالأموات», فالكفر خصلة من الكفر قد تكون في الإنسان ولكن يكون الغالب عليه في الإسلام, كما أنه قد يكون فيه خصلة من خصال الجاهلية, وإن كان مسلمًا وإن كان تقيًا قد يوجد فيه شيء من أمور من الجاهلية, ولكن الغالب هي الخصال الأخرى, فيصح  أنه يطلق عليه أن فيه فسق أو فيه نفاق أو فيه كفر أو فيه جاهلية وما أشبه ذلك وإن كان مسلما، أما أن يطلق عليه الكفر فهذا لا يجتمع مع الإسلام الكفر الذي يأتي محلًا بالألف واللام, وإنما يقصد به الكفر الذي يخرج من الدين الإسلامي كما في النصوص التي تقدمت. 

 

 وقوله: «تبرؤه من نسب وإن ذاق كفر بعد إيمان», وقوله: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر», وقوله: «من أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد». 

 

 الشرح 

 

 وكذلك قوله: كفر بكذا هذا فعل، والفعل قد يطلق وإن كان خصلة واحدة عليه بأنه كفر ولا يلزم أن يكون الإنسان بذلك خرج من الدين الإسلامي. 

 

 وقوله: «من حلف بغير الله فقد كفر» رواه الحاكم في صحيحه بهذا اللفظ  وقوله: «اثنتان في أمتي هما بهم كفر: الطعن في الأنساب والنياحة على الميت», ونظائر ذلك كثيرة.  

 

وقالوا : وقد نفى النبي ص الإيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر والمنتسب ولم يوجب زوال هذا الإثم عنهم كفر الجحود والخلود في النار فكذلك كفر تارك الصلاة ليس بكفر جحود ولا يوجب التخليد في الجحيم . 

 

وقد قال النبي [ص]: «لا إيمان لمن لا أمانة له», فنفى عنه الإيمان ولا يوجب ترك أداء الأمانة أن يكون كافرًا كفرًا ينقل عن الملة. 

 

 الشرح 

 

الحديث الذي في الصحيحين عن ابن مسعود وغيره: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن, ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن  ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع إليه الناس أبصارهم وهو مؤمن», هنا ليس معنى ذلك أنه إذا زنا أو سرق أو انتهب نهبة أنه يكون خارجًا من  الدين الإسلامي, ولكن المعنى أنه ليس عنده الإيمان الكامل الذي يمنعه من ارتكاب هذه الأمور, ولا تتناقض نصوص رسول الله [رمز] فإنه لما رجم الزانية صلى عليها, كانت زانية وهو لا يصلى على الكفار ولا على المنافقين, فإن الله جل وعلا يقول: {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ}[التوبة:84]، وكذلك القاتل لنفسه، وكذلك القاتل لغيره فإنه إن كان القتل من أعظم الجرائم  لا يخرج الإنسان من الدين الإسلامية فيكون معنى قوله: « لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن», مقيد بقوله: «حين», يعني وقت زنائه غطي إيمانه الذي يمنعه من ارتكاب هذه الفاحشة, يعني غلبت عليه الشهوة وارتكبها ولو كان عنده الإيمان الكامل لمنعه من ذلك, ولكن معنى ذلك إن الإيمان موجود مؤمن، فهو لم يخرج  بذلك من الدين الإسلامي,  وكذلك غيره. 

 

 أما قوله [ص]: «لا أيمان لمن لا أمانه له», فهذا أيضًا مثله يعني أن الإيمان يمنع. 

 

يعنى أن الإيمان يمنع الخيانة أن يخون الإنسان، والإيمان المقصود به هو الإيمان الواجب الكامل الذي مع وجوده لا يكون الإنسان معذبًا، أما أنه يفقد منه شيء ويكون ترك بعض واجباته فإنه لا يخرج به من الدين الإسلامي ويكون أيضًا بذلك معرضًا إلى عقاب الله جل وعلا مع أنه مؤمن أصل الإيمان، ولكن لا يعطى الإيمان المطلق ولا يسلب الإيمان كلية فيقال: أنه مؤمن ناقص الإيمان أو أنه مؤمن مرتكب كبيرة، أو أنه مؤمن بإيمانه وفاسق بكبيرته، يعنى أنه لا يطلق له الإيمان يعطى الإيمان المطلق، ولا يسلب منه الإيمان. 

 

 وهذا على أصل أهل السنة أن الإيمان يتجزأ، وهو مركب من ثلاثة أمور: من العلم ومن القول والعمل، فإذا كمل الإيمان منع الإنسان من اقتراف الجرائم أو المعاصي، أما إذا كان ناقصًا فإنه لا يقتضيه أن يكون الإنسان خارجًا من الدين الإسلامي، ويكون أيضًا يرتكب بعض الذنوب لنقص إيمانه كمثلًا خيانة أو زنا أو سرقة أو شرب خمر أو ما أشبه ذلك، فهذا هو الحق الذي دلت عليه النصوص وبه تجتمع الأدلة، والذين خالفوا هذا ضلوا في الواقع إما أن يكفروا المسلمين ويخرجونهم من الدين الإسلامي بالمعاصي كفعل الخوارج، وإما أن يأتوا بطريقة مخترعة مبتدعة كفعل المعتزلة الذين يقولون: إذا فعل شيئًا من ذلك خرج من الدين الإسلامي ولم يدخل في الكفر، فكان بمنزلة بين المنزلتين لا يكون مؤمن ولا يكون كافر، ولكنه إذا مات يكون خالدًا في النار، فهذا ضلال في التسمية وفي الحكم، وهو خلاف الحق خلاف ما دلت عليه النصوص، ولهذا ما يكون ذلك مشكلًا على كون الذي ترك الصلاة يطلق عليه أنه كافر أنه كفر، لأن الصلاة هي عماد الدين وهي أصل من أصول الإسلام لا يستقيم الدين الإسلامي إلا بها، فإذا تركها صار دليلًا على أنه قد انتفى الإيمان ليس عنده شيء من الإيمان بخلاف غيرها من الأمور التي ذكرت فإنها لا تدل على أن الإيمان منقص، لأن الإنسان الذي يفعل مثل هذه الأمور إما أن يحمله على فعله غضب شديد يغطي عقله، أو يحمله عليه شهوة شديدة تغطي أيضًا عقله وتغلبه عليه، أو ما أشبه ذلك مع وجود الإيمان أنه موجود، بخلاف الصلاة فإن الصلاة ما هناك شيء يقتضي أن تترك لا شهوة ولا غضب، وإنما يتركها إما لأنه ليس لها قيمة عنده فيكون الإيمان غير موجود يعنى خوف الله، ورجاء ثوابه لا وجود له عنده، أو يكون جاحدًا بوجوبها أصلًا أو جاحدًا للإسلام أصلًا، لا يخلو من واحد من هذه الأمور.  

 

وقوله : وقد قال ابن عباس [رمز] في قول الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}[المائدة:44]^، ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، وقد قال طاووس: سئُل ابن عباس عن هذه الآية فقال: هو به كفر وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وقال أيضًا: كفر لا ينقل عن الملة.  

 

وقال سفيان بن أبي جريج عن أبي عطاء: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق. 

 

(الشرح) 

 

  هذا الذي ذكر عن ابن عباس ليس على إطلاقه هكذا، يعنى في الآية التي قال فيها جل وعلا: {فأولئك هم الكافرون}، مستحيل أن الله [رمز] يطلق الكفر على إنسان ونقول: أنه ليس كفر، وإنما هو في قضايا معينة ذكرت قضية أو قضايا معينة كون الإنسان يحكم فيها بغير ما أنزل الله مع إقراره بالإيمان وأنه مخطئ في ذلك ومستحق للعقاب، فهذا هو الذي يقول فيه: إنه كفر دون كفر.  

 

  أما أن يستبدل بالشرعية الإسلامية بالقانون أو يفضل القانون على الشرع ويقال في هذا: إنه كفر دون كفر هذا لا يمكن هذا مستحيل، لأن هذا في الواقع هو الكفر الذي يقول الله جل وعلا فيه: {أولئك هم الكافرون}، وسبق ذكر الآية التي في سورة النساء لما ذكرها الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إلى محمد [رمز] وبما أنزل من قبله، لما ذكر أنهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت مجرد الإرادة، أنها تخرجهم عن الإيمان، ثم ذكر من صفاتهم إلى أن قال: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}[النساء:65] ، فذكر القيود التي في الآية عدة مع التحكيم أنها الانقياد والرضا والتسليم بذلك، وإذا تخلف شيء منها لا يكون الإنسان مؤمنًا فكيف بالذي يحكم القوانين ثم يقال: أنه كفر دون كفر، هذا لا يمكن أن يقوله ابن عباس ولا غيره من العلماء الذين فهموا ما أنزله الله جل وعلا على رسوله، ولكن هذا في قضايا معينة، إذا حكم الإنسان في قضية أو قضيتين أو ما أشبه ذلك بغير ما أنزل الله ويكون الذي حمله على ذلك، إما طمع في الدنيا أو منصب يريد الاستيلاء عليه يكون في منصبه يخشي أن يزحزح عن منصبه و هو يقول: هذه وظيفتي التي آكل منها، وما أشبه ذلك فهذا الذي يقال فيه: أنه كفر دون كفر.  

 

فصلٌ 

 

في الحكم بين الفريقين وفصل الخطاب بين الطائفتين 

 

 معرفة الصواب في هذه المسألة مبني على معرفة حقيقة الإيمان والكفر ثم يصح النفي والإثبات بعد ذلك، فالكفر والإيمان متقابلان النفي والإثبات بعد ذلك فالكفر والإيمان متقابلان إذا زال أحدهما خلفه الآخر. 

 

 ولما كان الإيمان أصلًا له شعب متعددة وكل شعبة منها تسمى إيمانًا فالصلاة من الإيمان وكذلك الزكاة والحج والصيام والأعمال الباطنة كالحياء والتوكل والخشية من الله والإنابة إليه حتى تنتهي هذه الشعب إلى إماطة الأذى عن الطريق فإنه شعبة من شعب الإيمان. 

 

 (الشرح) 

 

ولكن هذه الشعب تختلف منها ما هو أصل الإيمان ولا يمكن أن يوجد الإيمان مع عدمه كشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وكالصلاة أيضًا، ومنها ما هو من واجبات الإيمان، ومنها ما هو من مكملاته كالحياء وكإماطة الأذى عن الطريق وما أشبه ذلك فهذا الذي يكون من مكملات الإيمان إذا زال لا يزول الإيمان إذا انتفي لا ينتفي الإيمان، بخلاف ما هو من أصله من أصل الإيمان، إنه لا يكون الإيمان موجودًا مع زواله. 

وقوله :وهذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزوالها كشعبة الشهادة ومنها ما لا يزول بزوالها كترك إماطة الأذى عن الطريق وبينهما شعب متفاوتة تفاوتًا عظيمًا منها ما يلحق بشعبة الشهادة ويكون إليها أقرب ومنها ما يلحق بشعبة إماطة الأذى ويكون إليها أقرب . 

وكذلك الكفر ذو أصل وشعب فكما أن شعب الإيمان إيمان، فشعب الكفر كفر والحياء شعبة من الإيمان، وقلة الحياء شعبة من شعب الكفر والصدق شعبة من شعب الإيمان، والكذب شعبة من شعب الكفر والصلاة والزكاة والحج والصيام من شعب الإيمان، وتركها من شعب الكفر، والحكم بما أنزل الله من شعب الإيمان، والحكم بغير ما أنزل الله من شعب الكفر، والمعاصي كلها من شعب الكفر كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان. 

وشعب الإيمان قسمان: قولية وفعلية، وكذلك شعب الكفر نوعان قولية وفعلية . 

 ومن شعب الإيمان القولية شعبة يوجب زوالها زوال الإيمان، فكذلك من شعبه الفعلية ما يوجب زوالها زوال الإيمان . 

 وكذلك شعب الكفر القولية والفعلية، فكما يكفر بالإتيان بكلمة الكفر اختيارًا وهي شعبة من شعب الكفر، فكذلك يكفر بفعل شعبة من شعبه كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف فهذا أصل . 

وههنا أصل آخر وهو: أن حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل . 

 والقول قسمان: قول القلب وهو الاعتقاد، وقول اللسان وهو التكلم بكلمة الإسلام. والعمل قسمان: عمل القلب وهو نيته وإخلاصه وعمل الجوارح، فإذا زالت هذه الأربعة زال الإيمان بكماله وإذا زال تصديق القلب لم تنفع بقية الأجزاء، فإن تصديق القلب شرط في اعتقادها وكونها نافعة . 

 وإذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصدق فهذا موضع المعركة بين المرجئة وأهل السنة . 

 فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب وهو محبته وانقياده،

كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول [رمز] بل ويقرون به سرًا وجهرًا ويقولون ليس بكاذب، ولكن لا نتبعه ولا نؤمن به. 

 وإذا كان الإيمان يزول بزوال عمل القلب فغير مستنكر أن يزول بزوال أعظم أعمال الجوارح ولاسيما إذا كان ملزوما لعدم محبة القلب وانقياده، الذي هو ملزوم لعدم التصديق الجازم كما تقدم تقريره. 

 فإنه يلزمه من عدم طاعة القلب عدم طاعة الجوارح إذ لو أطاع القلب وانقاد أطاعت الجوارح وانقادت ويلزم من عدم طاعته وانقياده عدم التصديق المستلزم للطاعة وهو حقيقة الإيمان فإن الإيمان

ليس مجرد التصديق كما تقدم بيانه وإنما هو التصديق المستلزم للطاعة والانقياد. 

 وهكذا الهدي ليس هو مجرد معرفة الحق وتبينه بل هو معرفته المستلزمة لإتباعه والعمل بموجبه، وإن سمي الأول هدى فليس هو الهدى التام المستلزم للاهتداء كما أن اعتقاد التصديق وإن سمي تصديقا فليس هو التصديق المستلزم للإيمان. 

 فعليك بمراجعة هذا الأصل ومراعاته. 

(الشرح) 

هذا أصل أهل السنة أولا أن الإيمان مركب وليس جزئي وهو مركب من ثلاثة أمور من ثلاثة أشياء وإذا كان مركبا فإنه لا يمكن وجوده بوجود واحد أو وجود اثنين لابد أن الثلاثة موجودة كلها، وهي القول والعلم الذي هو التصديق وكذلك العمل ومعلوم أن القول مجرد القول باللسان، لهذا جاءت النصوص الكثيرة تدل على أن مجرد القول لا ينفع قال الله : {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}[المنافقون:1]^، فأخبر أنهم كاذبون مع قولهم نشهد أنك رسول الله، لأن ذلك بقولهم، بألسنتهم ليس بقلوبهم، القلوب ما فيها شيء من ذلك، فالقول وحده لا يفيد لا ينفع، لابد أن يكون مطابقا لما في القلب من العلم والتصديق ثم التصديق ليس كل تصديق يكون أيمانا، وإنما التصديق الذي يكون أيمان هو الذي يقتضي العمل، وهو الذي يحمل على العمل إذا كان في القلب تصديق جازم، لا بد أن يأتي الإنسان بالأعمال التي تقتضي هذا  التصديق فإن لم يأتي بها فهو دليل على أنه لم يكن بقلبه التصديق النافع الذي يكون إيمانا، ثم كذلك الأعمال والطاعات تزيد هذا الشيء تزيد الإيمان ولابد منه أنه ما يمكن أن يقال أن هذا مثلا نطق بلسانه وصدقه بقلبه ثم لا يأتي بالأوامر ولا يجتنب النواهي، هذا مستحيل أن يكون مؤمن ولا يفعل ذلك، والمسائل التي تذكر في هذا في كثير منها فرضيات لا تقع يفرضون إيمان مع ضده وهذا غير موجود لا وجود له، فكونه يجعل محلا للخلاف مع أنه لا يمكن وجوده هذا ليس صحيح، فإذا أتم هذه الأمور الناس فيها يتفاوتون تفاوت عظيم، منهم من يكون تصديقه كاملا، ثم يأتي بالأعمال كاملة، يأتي بالواجبات والمستحبات، منهم من يكون أقل من ذلك، تفاوت كثير جدا فإذا كان كذلك فلا إشكال في كون الإنسان مثلا ينقص إيمانه وكونه يكون عنده بدل نفس الإيمان شيء من الفسق، أو شيء من خصال الكفر، فإنها لا يقتضي أن يكون خرج من الدين الإسلامي، وهذا هو الذي صان قدره أهل السنة وتميزوا به عن أهل البدع لما تركوا هذا الأصل ضلوا، كالخوارج وكالمعتزلة وكالمرجئة، وغيرهم والمرجئة سموا مرجئة لأنهم عزلوا العمل عن الإيمان، أخروه أرجعوا العمل عن الإيمان فالإرجاء هو التأخير، فسموا مرجئة من هذا المعنى، لابد أن يكون الإيمان معه العمل، وإلا ما يكون مؤمنا وإذا تأملنا كتاب الله [رمز] ما تجد آية فيها ذكر المؤمنين وإلا وتقرن: {الذين آمنوا وعملوا الصالحات}، العمل تقرن بالعمل، هذه يدل على أنه لا بد من الإعمال الإيمان تقتضيها، الإيمان يقتضي العمل، وأما الكفر فالكفر أيضا أنواع، منه كفر الجحود وكفر الجحود قد يكون مع التصديق كما قال [رمز]{فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ}[الأنعام:33]^، وكذلك قوله: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ}[النمل:14]^هذا في فرعون وقومه لما جاءهم موسى عليه السلام، وكذلك يكون الكفر بالإعراض مجرد الإعراض، كون الإنسان لا يهتم بالدين الإسلامي ولا يرفع به رأسه يعرض عنه، ويشتغل في ديناه وفي ما هو فيه فإن هذا يكون كفر، وكذلك يكون الكفر أيضا بالإيباء والاستكبار أن يأبي ويستكبر كما قال عن إبليس: {إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}[البقرة:34]^أبي فالإيباء و الاستكبار كلاهم كفر—  وقد يكون أيضا الكفر بالدعاء يدعو مع الله غيره، وهو يؤمن بالله [رمز] ويصدق ولكنه يدعو مع الله غيره، ككفر المشركين ونحوهم، وقد يكون الكفر في القلب فقط والأعمال بخلاف ذلك يأتي بأعمال ظاهرا أنه يؤمن، ومنقاد ولكن في قلبه إنكار، وإيباء ككفر المنافقين، فالكفر أنواع كما أن الإيمان مركب وله خصال كذلك كل واحد من هذه الأنواع يكون له خصال من الكفر والإنسان لم غلب عليه إذا كان الغالب عليه خصال كفر قد يكون كافرا وإذا كان الغالب عليه خصال النفاق يكون منافقا، وإذا كان الغالب عليه خصال الإيمان وعنده شيء، من خصال الكفر أو خصال النفاق يكون مؤمنا ولكن يكون ناقص الإيمان، يكون إيمانه ناقص ويكون معرض للعقاب، من الله [جل وعلا] إلا أن يتوب ويراجع نفسه، ويتخلص مما هو فيه. 

فصل 

وقوله : وههنا أصل آخر وهو أن الكفر نوعان كفر عمل وكفر جحود وعناد، الجحود أن يكفر... 

 (الشرح) 

جحود عناد يعنى مع العلم ما مقتضي الدليل ما قيام الدليل والعلم به مع ذلك يجحده ويعاند، يكون الدليل قائم ويكون عارف له وعرف وجه الاستدلال ولكنه يجحد ذلك عنادا، وتكبرا فهذا يوجد في كثير من الناس ولكن أن يكون الكفر كفر جحود بلا أن يكون العناد كفر مجرد كفر لأنه لم يتبين له فهذا لا يكون إلا نادرا لأن الرسل جاءوا بالبينات الواضحات، التي تضر الناس إلى الإيمان بها، معجزات باهرة وآيات تجعل الإنسان الذي ينظر فيها، يضطر لإيمان مع ما يقوم في النفس وفي ألآفاق من الآيات الدالة على ذلك، على أن الله[رمز] هو الذي يجب أن يعبد ولكن قدي عرض  الإنسان عن تأمل ذلك ويكون إعراضه أيضا كفر، مثل ما ذكر في السيرة، أن النبي [ص] ذهب إلى الطائف يرجوا منهم أن يقبلوا دعوته لما رأي إعراض قريش وكبرائها فالتقي بثلاثة إخوة من كبار أهل الطائف فدعاهم فردوا عليه رديا سيئا ومختلفا، مختلف أحدهم قال له: إنه يسرق أو أنه سارق كسوة الكعبة إن كان الله أرسلك وهذا تكذيب هذا، بدون تأمل بدون نظر والثاني قال له: ما وجد الله غيرك يرسله، يعنى استهزاء وأيضا هذا قد يكون أعظم من الأول أما الثالث فقال: والله لا أكلمك كلمة، لأن كنت صادقا فأنت أعظم من أن أرد عليك ولأن كنت كذابا فأنت أحقر من أكلمك وهذا أيضا أعراض، لأنه معه آيات ودلائل وبينات لو نظر فيها لتبين له أنه صادق ولكنه أعرض عن هذا وكل واحد من هؤلاء الثلاثة سلك طريق من طرق الكفر كل واحد نوع من أنواع الكفر، هذا نوع وهذا نوع وهذا نوع، الكفر يكون أنواع وأقسام ما يلزم أن يكون مجرد الجحود فقط جحود ولكن إذا كان جحود فمعه عناد، أو معه إعراض أنه معرض لا ينظر في الآيات والدلائل أو انه معاند ومكابر، أو أنه هناك شيء منعه من القبول، من خوف ذهاب منصب يكون فيه او منزلة تكون له، أو منافع دنيوية ينتفع بها، فإذا آمن تفوته هذه فهذا يمنعه، فيكون أيضا كفره من هنا هذا كفر أيضا إيباء يدون استخبار بل إيباء وطمع وحب للدنيا واعتياض بها عن الآخرة. 

وقوله : فكفر الجحود أن يكفر بما علم أن الرسول [رمز] جاء به من عند الله جحودا وعنادا، من أسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكامه وهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه. 

 

(الشرح) 

أما الصفات فكونه [جل وعلا] ذو مغفرة وذو عزة وما أشبه ذلك من الصفات، وأن الأسماء كونه رحمن ورحيم وعزيز وحكيم، وأما الأفعال كونه يخلق ويحي ويميت ويدبر ويتصرف في الأمور ويأمر وينهي كونه هو الحاكم الذي يجب أن يعمل في بحكمه، وأن أوامره مثل الصلاة والزكاة والصوم وما أشبه ذلك، الأحكام التي جاء بها الرسول [ص] فإذا رد واحد من هذه الأمور مع علمه بأن الرسول[رمز] جاء بها فهذه يكون كفر. 

 وقوله : وأما كفر العمل فينقسم إلى ما يضاد الإيمان وإلى ما لا يضاده .فالسجود للضم والاستهانة بالمصحف وقتل النبي وسبه يضاد الإيمان . 

 (الشرح) 

الاستهانة كفر بالله [رمز] والاستهانة أنواع كثيرة قد تكون بالفعل الحقيقي البارز وقد تكون بالإعراض عنه وتركه وهجره والاعتياض عنه بأفكار الناس وأرائهم هذه استهانة وأما الاستهانة الظاهرة، كان يطأه بقدمه أو يبقيه في مكان نجس أو يمزقه أو يبصق عليه أو ما أشبه ذلك، فهذا كفر لأن هذا صادر عن إما عناد واستكبار وإما جحود وإما سخرية واستهزاء، والسخرية وإن كان الإنسان عنده سابقا انقياد وتسليم يكون به كافرا، مجرد الاستهزاء الفعل الذي يدل على الاستهزاء فمن فعل شي من ذلك فهو كافر، وهذا يذكره العلماء ويفصلونه كثيرا، لأنه يقع من الناس. 

 وقوله : وأما الحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة فهو من الكفر العملي قطعا ولا يمكن أن ينفي عنه اسم الكفر بعد أن أطلقه الله ورسوله عليه فالحاكم بغير ما انزل الله كافر وتارك الصلاة كافر بنص رسول الله ولكن هو كفر عمل لا كفر اعتقاد ومن الممتنع أن يسمي الله سبحانه الحاكم بغير ما انزل الله كافرا ويسمى رسول الله تارك الصلاة كافرا ولا يطلق عليهما اسم كافر وقد نفى رسول الله[ص] الإيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر وعمن لا يأمن جاره بوائقه وإذا نفي عنه اسم الإيمان فهو كافر من جهة العمل وانتفى عنه كفر الجحود والاعتقاد.  

 

(الشرح) 

ولكن ينبغي أن يعلم أن العمل لا يمكن أن يفك عن الاعتقاد، إلا إذا وقع من سكران، أو من نائم أو من ساعي غافل، أما أن يقع من عاقل فهذا لابد أن يكون مصاحبا له الاعتقاد الذي في القلب، إلا أن الاعتقاد الذي في القلب قد يكون مغطي بشيء، لأنه قد يصدر هذا من غضبان قد يصدر ممن يشبع غضب كالذي عقله وإيمانه غطته الشهوة، التي تدعه إلى فعل منكر من المنكرات ولكن لو زال هذا الغطاء لعاد لما كان عليه سابقا، وحصل الندم وحصل الرجوع وهذا لأن الإيمان موجود، أما أن يوجد عمل بلا عقيدة، بلا أن يكون معتقدا الإنسان قاصدا له ومريد له، هذا لا يكون إلا من مجنون أو ممن نائم أو من سكران، ولهذا يقول الرسول [رمز]: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، الأعمال بالنيات يعنى تعتبر وتصح، بالنية ولا طريق عمل إلا بالنية والنية هو العقدة هي عمل القلب وإرادته. 

 

وقوله : لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض  فهذا كفر عمل. 

 وكذلك قوله من أتى كاهنا فصدقه أو امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد. 

 وقوله:” إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها احدهما “. 

وقد سمى الله سبحانه وتعالى من عمل ببعض كتابه وترك العمل ببعضه مؤمنا بما عمل به وكافرا بما ترك العمل به فقال تعالى: {وإذا أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون * ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسرى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون}. 

 

(الشرح) 

هذه كفر، هذا إذا عمل الإنسان ببعض الكتاب وترك بعضه فهو كفر وقد سماه الله أيضا كفرا قال: {الذين يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض أولئك هم الكافرون حقا}، فما يمكن أن يجتمع شيئا من الكفر المخرج للدين الإسلامي والعمل بالإيمان كاتصاف شيء من خصال الإيمان، إلا ويغلب عليه الكفر، أما أن يكون خصلة من الخصال فهذا شيء آخر، فإن الإنسان قد يكون عنده شيء من النفاق وليس بمنافق، كما قال الرسول: «ثلاث من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كان فيه خصلة منهن كان في خصلة من النفاق حتى يدعه»، وهذه الثلاث: «إذا حدث كذب وإذا خاصم فجر وإذا عاهد غدر»، وفي رواية: «وإذا أؤتمن خان»، وقد جاء أيضا انه يعنى في هذه الأشياء إذا اجتمعت في الإنسان كان منافقا خالصا، وهذه أيضا من الأعمال لأن تحديث الكذب عمل اللسان وكذلك الخصوم مع الكذب فيها وهو يعرق وكذلك خيانة الأمانة وكذلك الغدر المعاهدة يعاهد ويغدر، وهذه لأن الباطن خالف الظاهر، صارت من خصال النفاق، وهذه تسمى يسمى هذا  النفاق العملي أما النفاق الاعتقادي فهو ينتج العمل فإذا اجتمعت هذه في إنسان فدل على أنه مناف نفاقا اعتقادي، أما إذا كان عنده واحد منها فلا يدل على أنه منافق نفاق اعتقادي ولكن عنده خصلة من خصال المنافقين أما إذا كان عنده خصلة من خصال النفاق الاعتقادي فتكفي في كونه خالد في النار، كبغضه الحق كبغضه الدين الإسلامي يبغضه في قلبه، ويفرح في كون الكفار ينتصرون على المسلمين، ويسعده ذلك وإذا انتصر المسلمون حزن على ذلك أو كونه مبغض الرسول [رمز]، أو يبغض بعض ما جاء به، هذه واحدة منها تجعل الإنسان كافر كفرا حقيقيا، وإن كان منقاد في الظاهر، وإن جرت عليه أحكام المسلمين في الظاهر، من كونه يتزوج منهم وكونه يرث ويورث وما أشبه ذلك، لأن الحكم في الظاهر في الدنيا وأما في الباطن الله يتولي السرائر، ويثيب عليها ويعاقب. 

وقوله : فاخبر سبحانه أنهم أقروا بميثاقه الذي أمرهم به والتزموه به وهذا يدل على تصديقهم به أنهم لا يقتل بعضهم بعضا ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم ثم أخبر أنهم عصوا أمره وقتل فريق منهم فريقا وأخرجوهم من ديارهم فهذا كفرهم بما أخذ عليهم في الكتاب ثم أخبر أنهم يفدون من اسر من ذلك الفريق وهذا إيمان منهم بما أخذ عليهم في الكتاب فكانوا مؤمنين بما عملوا به من الميثاق كافرين بما تركوه منه . 

فالإيمان العملي يضاده الكفر العملي والإيمان الاعتقادي يضاده الكفر الاعتقادي. 

 وقد أعلن النبي [رمز] بما قلناه في قوله في الحديث الصحيح: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»، ففرق بين قتاله وسبابه وجعل احدهما فسوقا لا يكفر به والآخر كفراً. 

ومعلوم أنه إنما أراد الكفر العلمي لا الاعتقادي وهذا الكفر لا يخرجه من الدائرة الإسلامية والملة بالكلية كما لا يخرج الزاني والسارق والشارب من الملة وإن زال عنه اسم الإيمان. 

 (الشرح) 

وهذا على القاعدة السابقة أنه قال: كفر سبابه فسوق منكر وقتاله أيضا كفر منكر، فمن منكر ليس معرف، إنه يكون خصلة من خصال الكفر، ولا يقتضي ذلك أنه يكون كافرا أما إذا كان الفسوق كله فهذا لا يسمى في المؤمن لا بالمؤمن بل يضاد الإيمان. 

 

وقوله : وهذا التفصيل هو قول الصحابة الذين هم اعلم الأمة بكتاب الله وبالإسلام والكفر ولوازمهما فلا تتلقى هذه المسائل إلا عنهم فإن المتأخرين لم يفهموا مرادهم فانقسموا فريقين : 

فريقا اخرجوا من الملة بالكبائر وقضوا على أصحابها بالخلود في النار. 

 وفريقا جعلوهم مؤمنين كاملي الإيمان، فهؤلاء غلوا وهؤلاء جفوا، وهدى الله أهل السنة للطريقة المثلى والقول الوسط... 

(الشرح) 

الأولى كالخوارج ومن وفقهم في الحكم لا في التسمية كالمعتزلة، والفريق الثاني المرجئة الذين جعلوا الإيمان هو مجرد التصديق الذي يكون في القلب وهذا مستحيل أن يكون مؤمنا وهو لا يعمل، ولكن عندهم لأنهم لم يفهموا ما أراده الله [جل وعلا] وما أرداه الرسول [ص]، والسبب في هذا أعراضهم عن كتاب الله وسنة رسوله [رمز] وكذلك هدي الصحابة وطريقهم الذي بينوا فيه بالأعمال بالعمل الذي كانوا يعملونه، ويبينون للناس بأنهم هم الذين نقلوا الشرع عن للأمة عن رسول الله [ص] هم الذين تلقوا الدين عن رسول الله وتتلمذوا عليه ونقلوا القرآن ومعانيه إلى الناس فيجب أن يؤخذ ذلك عنهم لأنهم الواسطة بيننا وبين رسولنا [ص]. 

 قوله : وهدى الله أهل السنة للطريقة المثلي والقول الوسط الذي هو في المذاهب كالإسلام  في الملل. 

 فههنا كفر دون كفر ونفاق دون نفاق وشرك دون شرك وفسوق دون فسوق وظلم دون ظلم . 

قال سفيان بن عيينة عن هشام بن حجير عن طاووس عن ابن عباس في قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون}، ليس هو بالكفر الذي يذهبون إليه. 

 وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال سئل ابن عباس عن قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}، قال: هو بهم كفر وليس كمن كفر بالله وملائكته كتبه ورسله وقال: في رواية أخرى عنه كفر لا ينقل عن الملة. 

 وقال: طاووس ليس بكفر ينقل عن الملة. 

 وقال: وكيع عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق. 

وهذا الذي قاله عطاء بين في القرآن لمن فهمه فإن الله سبحانه سمى الحاكم بغير ما أنزله كافرا وسمى جاحدا ما أنزله على رسوله كافرا وليس الكافران على حد سواء. 

 وسمى الكافر ظالما كما في قوله تعالى: { والكافرون هم الظالمون}، وسمى متعدي حدوده في النكاح والطلاق والرجعة والخلع ظالما فقال: {ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه}، وقال نبيه يونس: {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين}، وقال صفيه آدم: {ربنا ظلمنا أنفسنا}، وقال كليمه موسى:{ب إني ظلمت نفسي فاغفر لي}، وليس هذا الظلم مثل ذلك الظلم. 

ويسمى الكافر فاسقًا كما في قوله كما في قوله: {وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه} وقوله:{ولقد أنزلنا إليك آيات بينات يكفر بها إلا الفاسقون}، وهذا كثير في القرآن. 

 وسمى المؤمن العاصي فاسق كما في قوله { يأيها الذين 

ءامنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهلة فتصبحوا على ما فعلتم ندمين )  الحجرات : 6 ] نزلت في الحكم ابن أبي العاص ، وليس الفاسق كالفاسق . 

وقال تعالى ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمنين جلدة ولا تقبلوا لهم شهدة أبدا وألئك هم الفاسقون ) [النور :4] . 

وقال عن ابليس : { ففسق عن امر ربه } [الكهف :50 ] ، وقال : { فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق } البقرة : 197 وليس الفسوق كالفسوق . 

والكفر كفران ، والظلم ظلمان ، والفسق فسقان . 

وكذا الجهل جهلان ، جهل كفر كما في قوله تعالى: {  خذ العفو وأمر بالعرف واعرض عن الجاهلين } [الأعراف :199 ].  

وجهل غير كفر، كقوله تعالى : { إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهلة ثم يتوبون من قريب } [ النساء : 17] . 

كذلك الشرك شركان ، شرك ينقل عن الملة، وهو الشرك الأكبر. وشرك لا ينقل عن الملة وهو الشرك الأصغر، وهو شرك العمل كالرياء. 

 وقال تعالى في الشرك الأكبر : { إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار ) سورة المائدة :72] ، وقال : { ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير او تهوي به الريح في مكان سحيق} ، [ الحج :31 ] ، وفي شرك الرياء: { فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه احدا ، [ الكهف : 110 ] . 

 ومن هذا الشرك الأصغر: قوله صلى الله عليه وسلم : “ من حلف بغير الله فقد اشرك رواه ابو داود وغيره،  ومعلوم أن حلفه بغير الله لا يخرجه عن الملة ولا يوجب له حكم الكفار. 

 
ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم : ” الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل ” . 

فانظر كيف انقسم الشرك، والكفر ، والفسوق ،والظلم والجهل، إلى ما هو كفر ينقل عن الملة، وإلى ما لا ينقل عنها . 

فنفاق الاعتقاد هو الذي أنكره الله على المنافقين في القرآن ، واوجب لهم الدرك الأسفل من النار .  

ونفاق العمل ، كقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : ” آية المنافق ثلاث ،إذا حدث كذب ، وإذا وعد اخلف ،وإذا ائتمن خان ” . 

وفي الصحيح ايضا: “ أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ، ومن كانت فيه خصلة منهن خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر ، وإذا ائتمن خان ” . 

فهذا نفاق عمل ،قد يجتمع مع اصل الايمان ،ولكن إذا استحكم وكمل فقد ينسلخ صاحبه عن الإسلام بالكلية، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم ، فإن الإيمان ينهى المؤمن عن هذه الخلال ،فإذا كملت في العبد ولم يكن له ما ينهاه عن شيء منها فهذا لايكون إلا منافقا خالصا . 

وكلام الإمام أحمد يدل على هذا، فإن إسماعيل بن سعيد الشالنجي قال سألت: أحمد ابن حنبل عن المصر على الكبائر، يطلبها بجهده ، إلا أنه لم يترك الصلاة والزكاة والصوم، وهل يكون مصرا من كانت هذه حاله؟  
قال هو مصر ،مثل قوله صلى الله عليه وسلم :” لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ” ، يخرج من الإيمان، ويقع في الإسلام. ونحو قوله صلى الله عليه وسلم ” لا يشرب الخمر حين بشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن “ ، ونحو قول ابن عباس في قوله تعالى : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } [ المائدة : 44 ] . 

قال اسماعيل فقلت له ما هذا الكفر؟ قال كفر لا ينقل عن الملة. 

 مثل الإيمان بعضه دون بعض، فكذلك الكفر، حتى يجيء من ذلك أمر لا يختلف فيه . 

 

فصل 

  

وههنا أصل آخر، وهو أن الرجل قد يجتمع فيه كفر وإيمان، وشرك وتوحيد ، وتقوى وفجور، ونفاق وإيمان، هذا من أعظم اصول أهل السنة وخالفهم فيه غيرهم من أهل البدع كالخوارج والمعتزلة والقدرية . 

ومسألة خروج أهل الكبائر من النار، وتخليدهم فيها مبنية على هذا الأصل ، وقد دل عليه القرآن والسنة والفطرة وإجماع الصحابة . 

وقال تعالى : { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } [ يوسف 106 ] ، فأثبت لهم إيمانا به سبحانه مع الشرك . 

وقال تعالى : { قالت الاعراب ءامنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الايمن في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من اعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم } [الحجرات : 14 ] ، فأثبت لهم إسلاماً ،  وطاعة لله ورسوله ، مع نفي الإيمان عنهم، وهو الإيمان المطلق الذي يستحق اسمه بمطلقه الذين { ءامنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجهدوا بأموالهم وانفسهم في سبيل الله ) الحجرات : 15] . 

وهؤلاء ليسوا منافقين في اصح القولين، بل هم مسلمون بما معهم من طاعة الله ورسوله. وليسوا مؤمنين، وإن كان معهم جزء من الإيمان أخرجهم من الكفر. 

قال الإمام احمد من أتى هذه الأربعة أو مثلهن ، أو فوقهن – يرد الزنا ، والسرقة، وشرب الخمر، والانتهاب – فهو مسلم، ولا اسمية مؤمناً، ومن اتى دون ذلك  يريد: دون الكبائر سميته مؤمنا ناقص الإيمان . 

وقد دل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم : ” فمن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق ” فدل على أنه يجتمع في الرجل نفاق وإسلام . 

 

الشرح 

… يقر في القلب وتصدقه الأعمال، يعنى تظهر الأعمال على الجوارح، أما الإسلام فقد يكون ظاهرًا فقط، كما قال جل وعلا: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ }[الحجرات:14] . 

قال: فكذلك الرياء شرك فإذا راءى الرجل في شيء من عمله اجتمع فيه الشرك والإسلام، وإذا حكم بغير ما أنزل الله أو فعل ما سماه رسول الله كفرًا وهو ملتزم للإسلام وشرائعه فقد قام به كفر وإسلام. 

وقد بينا أن المعاصي كلها شعب من شعب الكفر, كما أن الطاعات كلها شعب من شعب الإيمان، فالعبد تقوم به شعبة أو أكثر من شعب الإيمان وقد يسمى بتلك الشعبة مؤمنًا وقد لا يسمى، كما أنه قد يسمى بشعبة من شعب الكفر كافرًا وقد لا يطلق عليه هذا الاسم. 

فههنا أمران: أمر اسمي لفظي وأمر معنوي حكمي. فالمعنوي هل هذه الخصلة كفر أم لا ؟ 

واللفظي هل يسمى من قامت به كافرًا أم لا ؟ 

فالأمر الأول شرعي محض والثاني لغوي وشرعي. 

فصلٌ 

وههنا أصل آخر وهو أنه لا يلزم من قيام شعبة من شعب الإيمان بالعبد أن يسمى مؤمنًا وإن كان ما قام به إيمان، ولا من قيام شعبة من شعب الكفر به أن يسمى كافرًا وإن كان ما قام به كفرًا . 

كما أنه لا يلزم من قيام جزء من أجزاء العلم به أن يسمى عالمًا ولا من معرفة بعض مسائل الفقه والطب أن يسمى فقهيًا ولا طبيبًا. 

ولا يمنع ذلك أن تسمى شعبة الإيمان إيمانًا وشعبة النفاق نفاقًا وشعبة الكفر كفرًا وقد يطلق عليه الفعل كقوله: «فمن تركها فقد كفر», «ومن حلف بغير الله فقد كفر», وقوله: «من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر ومن حلف بغير الله فقد كفر», رواه الحاكم في ” صحيحه بهذا اللفظ . 

فمن صدر منه خلة من خلال الكفر فلا يستحق اسم كافر على الإطلاق. وكذا يقال لمن ارتكب محرمًا: إنه فعل فسوقًا، وإنه فسق بذلك المحرم ولا يلزمه اسم فاسق إلا بغلبة ذلك عليه. 

وهكذا الزاني والسارق والشارب والمنتهب لا يسمى مؤمنًا وإن كان معه إيمان كما أنه لا يسمى كافرًا وإن كان ما أتى به من خصال الكفر وشعبه، إذ المعاصي كلها من شعب الكفر كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان. 

والمقصود: أن سلب الإيمان عن تارك الصلاة أولى من سلبه عن مرتكب الكبائر وسلب اسم الإسلام عنه أولى من سلبه عمن لم يسلم المسلمون من لسانه ويده، فلا يسمى تارك الصلاة مسلمًا ولا مؤمنًا وإن كان معه شعبة من شعب الإسلام والإيمان . 

يبقى أن يقال: فهل ينفعه ما معه من الإيمان في عدم الخلود في النار؟ فيقال: ينفعه إن لم يكن المتروك شرطًا في صحة الباقي واعتباره، وإن كان المتروك شرطا في اعتبار الباقي لم ينفعه ولهذا لم ينفع الإيمان بالله ووحدانيته وأنه لا إله إلا هو من أنكر رسالة محمد [رمز] ولا تنفع الصلاة من صلاها عمدًا بغير وضوء. 

فشعب الإيمان قد يتعلق بعضها ببعض تعلق المشروط بشرطه وقد لا يكون كذلك. فيبقى اللغز في الصلاة هل هي شرط لصحة الإيمان؟ وهذا سر المسألة. 

والأدلة التي ذكرناها وغيرها تدل على أنه لا يقبل من العبد شيء من أعماله إلا بفعل الصلاة فهي مفتاح ديوانه ورأس مال ربحه ومحال بقاء الربح بلا رأس مال فإذا خسرها خسر أعماله كلها وإن أتى بها صورة وقد أشار إلى هذا في قوله: «فإن ضيعها فهو لما سواها أضيع», وفي قوله: «إن أول ما ينظر في أعماله الصلاة فإن جازت له نظر له في سائر أعماله وإن لم تجز له لم ينظر في شيء من أعماله بعد». 

ومن العجب أن يقع الشك في كفر من أصر على تركها ودعي إلى فعلها على رؤوس الملأ وهو يرى بارقة السيف على رأسه ويشد للقتل وعصبت عيناه وقيل له تصلي وإلا قتلناك فيقول: اقتلوني ولا أصلي أبدًا !! 

ومن لا يكفر تارك الصلاة يقول: هذا مؤمن مسلم يغتسل ويصلي عليه ويدفن في مقابر المسلمين. 

وبعضهم يقول: إنه مؤمن كامل الإيمان إيمانه كإيمانه جبريل وميكائيل فلا يستحي من هذا قوله من إنكاره تكفير من شهد بكفره الكتاب والسنة واتفاق الصحابة والله الموفق  

 

فصلٌ 

 في سياق أقوال العلماء من التابعين ومن بعدهم ومن حكى الإجماع على ذلك 

قال محمد بن نصر: حدثنا محمد بن يحيى: حدثنا أبو النعمان قال: حدثنا حماد بن زيد عن أيوب قال: ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه . 

وحكى محمد عن ابن المبارك قال: من أخر صلاة حتى يفوت وقتها متعمدًا من غير عذر فقد كفر. 

وقال علي بن الحسن بن شقيق: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: من قال إني لا أصلي المكتوبة اليوم فهو أكفر من الحمار. 

وقال يحيى بن معين: قيل لعبد الله بن المبارك إن هؤلاء يقولون: من لم يصم ولم يصل بعد أن يقر به فهو مؤمن مستكمل الإيمان، فقال عبد الله: لا نقول نحن ما يقول هؤلاء من ترك الصلاة متعمدًا من غير علة حتى أدخل وقتًا في وقت فهو كافر. 

وقال ابن أبي شيبة: قال النبي [ص]: «من ترك الصلاة فقد كفر فيقال له ارجع عن الكفر فإن فعل وإلا قتل بعد أن يؤجله الوالي ثلاثة أيام». 

وقال أحمد بن سيار: سمعت صدقة بن الفضل وسئل عن تارك الصلاة فقال: كافر فقال له السائل: أتبين منه امرأته؟ فقال صدقة: وأين الكفر من الطلاق لو أن رجلا كفر ولم تطلق منه امرأته! 

وقال عبد الله محمد بن نصر: سمعت إسحاق يقول صح عن النبي [ص]: «أن تارك الصلاة كافر», وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي [ص] إلى يومنا هذا أن تارك الصلاة عمدًا من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر.  
 

فصلٌ 

وأما المسألة الخامسة : وهي قوله هل تحبط الأعمال بترك الصلاة أم لا؟ فقد عرف جوابها مما تقدم. 

 الشرح 

يعني أن الأعمال تحبط بترك الصلاة، لأن الذي تقدم أنها شرط لوجود الإيمان، يعني يرى أن الصلاة شرط لوجود الإيمان، فالذي مثلًا لا يصلى ما يفيده كونه يصوم كونه يزكي كونه يحج ما تفيده هذه الأعمال, لأن الصلاة هي العماد الذي تعتمد عليه هذه الأعمال، بقية الأمور التي هي إسلام تعتمد على الصلاة، وأعظم من الصلاة الشهادتين, فإذًا هذه مرتبط بعضها ببعض ولكن بعضها يكون شرط لحصول الثاني, ويدل على هذا الحديث الصحيح الذي في الصحيحين حديث معاذ بن جبل, عن النبي [رمز] لما بعثه إلى اليمن قال له: «إنك تأتي قوم من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة إن لا إله إلا الله, فإن هم أجابوك إلى ذلك, فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أجابوك إلى ذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تأخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم», فرتب الصلاة على الإتيان بالشهادتين إذا لم يأتوا بها ما يأمرهم بالصلاة ثم رتب الزكاة على الإتيان بالصلاة, فإذا لم يأتوا للصلاة, لا فائدة في أدائهم الزكاة وهذا واضح من سيرة الرسول ومن أقواله, وهذا الذي قرره هنا وجعل الصلاة هي التي يبنى عليها النظر في سائر الإعمال فإذا كانت صالحة نظر في بقية أعماله وإلا لم ينظر في سائر عمله. 

 وقوله : على أنا نفرد هذه المسألة بالكلام عليها بخصوصيتها. 

فنقول: أما تركها بالكلية فإنه لا يقبل معه عمل كما لا يقبل مع الشرك عمل, فإن الصلاة عمود الإسلام كما صح عن النبي [رمز]، وسائر الشرائع كالأطناب والأوتاد ونحوها, وإذا لم يكن للفسطاط عمود لم ينتفع بشيء من أجزائه فقبول سائر الأعمال موقوف على قبول الصلاة فإذا ردت، ردت عليه سائر الأعمال وقد تقدم الدليل على ذلك . 

وأما تركها أحيانا فقد روي البخاري في صحيحه من حديث بريدة قال: قال رسول [رمز]: «الله بكروا بصلاة العصر فإن من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله». 

وقد تكلم قوم في معنى هذا الحديث فأتوا بما لا حاصل له. 

قال المهلب: معناه من تركها مضيعًا لها متهاونا بفضل وقتها مع قدرته على أدائها حبط عمله بالصلاة خاصة, أي لا يحصل له أجر المصلي في وقتها ولا يكون له عمل ترفعه الملائكة. 

وحاصل هذا القول أن من تركها فاته أجرها, ولفظ الحديث ومعناه يأبى ذلك, ولا يفيد حبوط عمل فقد ثبت وفعل وهذا حقيقة الحبوط في اللغة والشرع ، ولا يقال لمن فاته ثواب عمل من الأعمال إنه قد حبط عمله, وإنما يقال فاته أجر ذلك العمل. 

وقالت طائفة: يحبط عمل ذلك اليوم لا جميع عمله فكأنهم استصعبوا حبوط الأعمال الماضية كلها بترك الصلاة واحدة وتركها عنده ليس بردة تحبط الأعمال فهذا الذي استشكله هؤلاء هو وارد عليهم بعينه في حبوط عمل ذلك اليوم. 

والذي يظهر في الحديث والله أعلم بمراد رسوله أن الترك نوعان: 

ترك كلي ، لا يصليها أبدًا، فهذا يحبط العمل بجميعه وترك معين في يوم معين, فهذا يحبط عمل ذلك اليوم فالحبوط العام في مقابلة الترك العام والحبوط المعين في مقابلة الترك المعين . 

 

الشرح 

يشير إلى القصة التي وقعت لزيد بن ثابت [رمز] أنه كان اشترى من زوجة جارية بثمانمائة دينار, إلى أن يأتي العطاء يعني معجل, ثم باعها عليها بستمائة نقدًا, فلما علمت عائشة بذلك قالت: أخبريه أن جهاده مع رسول الله [رمز] قد حبط, هذه هي العلة لأن السلعة نفسها تشترى بقيمة مرتفعة مؤجلة ثم تباع نقدًا بأقل من ذلك، وهذا نوع من أنواع الربا, ولكن الشاهد قولها: أخبريه أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله [رمز] إلا أن يتوب، فظاهر ذلك أن الجهاد يبطل بفعل مثل هذا إن كان كثيرًا إلا أن يتوب فإن تاب فإن لا يبطل، فكذلك الذنوب الكبيرة قد تبطل الأعمال الكثيرة, وإذا كان رفع الصوت عند رسول الله [رمز] قد يحبط العمل كله, وكذلك ما هو أعظم منه كمثلًا انتهاره صلوات الله وسلامه عليه أو كبغضه [رمز] وما أشبه ذلك أي رد قوله إذا قال شيئًا فهذا يحبط العمل أعظم من رفع الصوت. 

 وقوله : فإن قيل كف تحبط الأعمال بغير الردة؟ قيل: نعم قد دل القرآن والسنة والمنقول عن الصحابة أن السيئات تحبط الحسنات كما أن الحسنات يذهبن السيئات, قال الله تعالى: {يأيها الذين امنوا لا تبطلوا صدقتكم بالمن والأذى}, وقال: {يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون}. 

وقالت عائشة لأم ولد زيد بن أ: أخبري زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله [ص] إلا أن يتوب، لما باع بالعينة . 

وقد نص الإمام أحمد على هذا فقال ينبغي للعبد في هذا الزمان أن يستدين ويتزوج لئلا ينظر ما لا يحل فيحبط عمله . 

وآيات الموازنة في القرآن على هذا، فكما أن السيئة تذهب حسنة أكبر منها فالحسنة يحبط أجرها بسيئة أكبر منها . 

فإن قيل: فأي فائدة في تخصيص صلاة العصر بكونها محبطة دون غيرها من الصلوات؟ 

قيل الحديث الذي ينفي الحبوط بغير العصر إلا بمفهوم لقب وهو مفهوم ضعيف جدا. 

وتخصيص العصر بالذكر لشرفها من بين الصلوات ولهذا كانت هي الصلاة الوسطى بنص رسول الله الصحيح الصريح، ولهذا خصها بالذكر في الحديث الآخر وهو قوله: «الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله» ،أي فكأنما سلب أهله وماله فأصبح بلا أهل ولا مال. 

وهذا تمثيل لحبوط عمله بتركها كأنه شبه أعماله الصالحة بانتفاعه وتمتعه بها بمنزلة أهله وماله، فإذا ترك صلاة العصر فهو كمن له أهل ومال فخرج من بيته لحاجة وفيه أهله وماله فرجع وقد اجتيح الأهل والمال فبقي وترًا دونهم وموتورًا بفقدهم فلو بقيت عليه أعماله الصالحة لم يكن التمثيل مطابقًا.  

فصل ٌ 

والحبوط نوعان عام وخاص:  

فالعام حبوط الحسنات كلها بالردة والسيئات كلها بالتوبة . 

والخاص حبوط السيئات والحسنات بضعها ببعض وهذا حبوط مقيد جزئي وقد تقدم دلالة القرآن والسنة والآثار وأقوال الأئمة عليه . 

ولما كان الكفر والإيمان كل منهما يبطل الآخر ويذهبه كانت شعبة كل واحد منهما لها تأثير في إذهاب بعض شعب الآخر، فإن عظمت الشعبة ذهب في مقابلتها شعب كثيرة. 

وتأمل قول أم المؤمنين في مستحل العينة: إنه قد أبطل جهاده مع رسول الله كيف قويت هذه الشعبة التي آذن الله فاعلها بحربه وحرب رسوله على إبطال محاربة الكفار فأبطل الحراب المكروه الحراب المحبوب كما تبطل محاربة أعدائه التي يحبها محاربته التي يبغضها والله المستعان. 

 

الشرح 

فالموازنة التي يشير إليها في القرآن المقصود بها وزن الحسنات والسيئات التي تكون يوم القيامة, وقد ذكر الله جل وعلا في الدنيا نظير ذلك فيهما حين مثل أن قد يوجد مثلًا حسنة واحدة تحبط وتبطل سيئات كثرة، وقد يوجد العكس على حسب رضا الفعل وما يقوم في القلب قلب الفاعل, ومن محبة الله جل وعلا والإنابة إليه والافتقار إليه أو التكبر والتجبر والعناد والإباء، ومعلوم أن أعمال القلوب, قد تكون أعظم من أعمال الجوارح, التي هي الكبر والإباء والمعاندة معاندة الرب جل وعلا ومن ذلك إذا كان الإنسان يعرف أن هذا الفعل المعين محرمًا فيه نصوص صريحة يعرف ذلك ثم يرتكب هذا تهاونًا واجتراء على الله يجترئ على الله ويستهين بأمره فيرتكبه كأنه لاشيء، فمثل هذا ما يكون مثل الذي يرتكب هذا الأمر وهو خائف وهو خائف من عذاب الله وهو مستح من الله جل وعلا فإنه بينهم بون شاسع جدًا وإن كان الفعل واحب، ولهذا السبب قال جل وعلا: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ}فرفع الصوت قد يحبط العمل {أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ }[الحجرات:2]، يعني أن رفع الصوت فوق صوت النبي [رمز] يجعل عمل الرافع حابطًا كله، ومن أعمالكم فعم الأعمال, ومعلوم أن الشيء إذا أضيف يعم إذا قيل أعمالكم فهي تعم الأعمال أما إذا قيل: نعمة الله فإنها تعم النعم كلها: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها}, يعني النعم وليس نعمة واحدة, ولهذا خاف الصحابة من ذلك، ثم هذا الحكم الذي هو رفع الصوت على النبي ليس خاصًا في وقته وفي حياته, يعنى التقدم على سنته وقوله والاستهانة بها يكون أعظم من ذلك، وكذلك في مسجده صلوات الله وسلامه عليه, رفع الصوت فيه قد يدخل في هذا كما فهم ذلك الصحابة والمقصود أنه قد يحبط العمل بفعل واحد, وقصة آدم في هذا واضحة أبونا آدم [رمز] أنه أكل من الشجرة فقط ذنب واحد, فأخرج من الجنة وأبعد, كما قال الله: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى }[طه:121], يعنى مجرد أنه فعل واحد صار محبطًا لقربه وموجبا لإبعاده وغضب الرب لولا أنه تاب ورجع وأناب, فتاب الله جل وعلا عليه، ولكن ما نفع في إرجاعه إلى الجنة قد أخرج أهبط إلى الأرض بسبب هذه الذنب الواحد فكذلك الموازنات التي في الكون فإنه ينصب الميزان وتوضع الحسنات في هذا والسيئات في هذا, وإذا رجحت واحدة على الأخرى ولو قليل، أن الحكم لها كما قال جل وعلا: { إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا }[النساء:40], يعنى ولو كانت الراجح من الحسنات مثقال ذرة فإنه يضاعفها لصاحبها ويكون الحكم له ويكون ناجي, وكذلك إذا خف ميزانه: {فمن خفت موازينه فأولئك هم الخاسرون}, { فأما من ثقلت موازينه وأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ }[القارعة:8-9]، الأم المقصود بها هنا النار يعني مصيره ومآله إلى الهاوية, التي هي النار فهي أولي به وهي التي تضم كما تضم الأم ابنها, فهذه الموازنات التي يذكرها الله جل وعلا قد يكون واحدًا منها يأخذ الحكم الذي رجح يأخذ الحكم وإن كان واحدًا ذنبًا واحدًا, ولهذا نهي الرسول عن احتقار الذنوب قال: «إياكم ومحقرات الذنوب», يعنى قد يحتقر الإنسان بعض الشيء ثم يتراكم عليه يكثر ويكثر ثم يهلكه, وضرب لذلك مثلًا صلوات الله وسلامه عليه, قال: «مثل ذلك كقوم نزلوا فجمعوا حطبًا فواحد يأتي بعود وآخر يأتي ببعرة وهكذا فجمعوا حطبًا كثيرًا فأججوا نارهم وأنضجوا ما معهم» , فهكذا الذنوب, هذا ذنب من هنا وهذا من هنا وإن كان صغير تجتمع فيكون الحكم لها, فلابد ألا يعني الإنسان الذي يخشي المآل والرجوع إلى الله أن يحاسب نفسه وأن ينظر في العواقب وأن يحذر, يحذر أن يفعل ذنب من الذنوب قد يحبط عمله. 

وأما قول عائشة: أخبري زيدًا أنه أبطل جهاده مع رسول الله إن لم يتب، فهذا وإن كان قولها فإن مثل هذا لا يقال بالرأي مجرد الرأي، فلابد أن لها مستند تستند إليه, في كتاب الله وسنة رسوله[رمز] لأن إحباط في هذا ما يكون بالقياس ولا يكون بالرأي وهذا لعظم الربا, السبب في هذا لعظم الربا ولأن الله جل وعلا أمر الذي لا ينتهي من الربا أن يبرز محاربًا لله جل وعلا { فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ}[البقرة:279], ومعنى ائذنوا، يعنى ابرزوا ائذنوا بحرب يعنى ابرزوا محاربين لله جل وعلا, وهل يستطيع الإنسان أن يحارب رب العالمين؟ ولكن المعنى أنكم حرب لله, وإن كان الإنسان مثلًا ضعيف والله جل وعلا إذا أراد أخذه فلا يحول بينه وبين حائل، ولكنه حليم جل وعلالا يعجل, وقد مثلًا يملي للإنسان إذا كان معاندًا حتى يتمادي في ذنوبه، فإذا أخذه لم يفلته, فقال جل وعلا: {وأملي لهم إن كيدي متين}, يعنى اتركهم وأنظرهم إلى أجل قريب, ولهذا تجد الإنسان مثلًا يفعل الذنوب الكبيرة ويتمادى فيها، ثم ينظر إليه أنه كآحاد الناس يأكل ويشرب وينعم وبعافية وتدر عليه الأرزاق فيخيل للناس أنه غير مأخوذ، ولكن الأمر قريب جدًا، الدنيا كلها ليست شيء, قد بين جل وعلا أن الحكمة في هذا أنها زيادة في العذاب, يعنى تركه أنه يزاد عذاب: { وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا }[آل عمران:178]، فإملاء الله جل وعلا لهم يعنى تركهم بلا أخذ حتى تكثر ذنبوهم و تعظم فيكون عذابهم أشد وأمتن نسأل الله العافية, ولهذا كان السلف يقولون: إذا رأيت الإنسان مقيمًا على الذنب وهو يتنعم بالنعم وبالأرزاق فاعلم أن ذلك استدراج اعلم أنه استدراج، والاستدراج معناه كما قال جل وعلا: {وأملي لهم أن كيدي متين}, {إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدًا فمهل الكافرين أملهم رويدا}, يعني قليل يعنى مهلتهم قليلة، وليس هذا خاص بالكافرين بل حتى العصاة الفسقة هذا شأنهم، قد يكون الإنسان مبارزًا بالذنوب فيتمادى ذنب مع ذنب وواحد يجر الآخر ثم تكبر وتعظم، وهنا كون قضية واحدة التي هي هذه المعاملة التي حصلت من زيد بن الأ [رمز] من سادات الصحابة, قضية واحدة، تقول أم المؤمنين: أنها تبطل جهاده مع رسول الله [رمز] إن لم يتب، هذا صادم في الواقع كونه باع وصورة القضية كما سبق، كانت زوجته عندها جارية مملوكة له، فطلب منها أن تبيعها عليه إلى أجل إلى العطاء، يعنى حتى يأتي وقت توزيع الراتب الذي كان له من أمير المؤمنين عمر [رمز] يعني كل شهر يعطون كذا أو كل سنة يعطون كذا, فاشتراها بثمانمائة إلى أجل، فلما اشتراها باعها عليها بستمائة حاضرة نقدًا، لما علمت عائشة بذلك أخبرتها هي نفسها أخرتها ذهبت إلى عائشة قالت: أشعرت أني بعت جارتي على زيد بثمانمائة ثم اشتريتها بستمائة فقالت: أخبريه أنه أبطل جهاده مع رسول الله إن لم يتب, لأن هذه هي العينة التي أخبر الرسول [رمز] بها أنها من الربا، لأن المقصود لما اشتراها ما هو مقصوده شراها؟ مقصوده ها الفلوس، نقول: احتاج نقود فباعها عليها حاضرًا بالنقود التي صارت أقل من القيمة، فإذا كان هذه في مسألة واحدة, فكيف بالمسائل الكثيرة كيف بمن يكون عمله كله من هذا القبيل أو أعظمه أن هذا نوع منه، وهذا مثال فقط, وكذلك يخبر جل وعلا أن المن على الفقير والتكبر عليه التطاول عليه في إعطائه الصدقات أنها تبطل عمله، تبطل العمل، أي كونه من عليه، يعني يذكره بذلك ويقول: أنا أعطيتك وأنا أعطيت، لأن العطية ليست له الصدقة تجب أن تكون لله يطلبها من الله وإلا فهو أخوك الله فضلك عليه بزيادة المال وليس هذا لا على الفضل لأن الله جل وعلا كما قال الرسول [رمز]«إن ا لله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الدين إلا من يحب», الدنيا تعطى الكافر وتعطى للمؤمن وتعطى للبر وتعطى للفاجر وتعطى ما هي دليل إذا كان الإنسان عنده دنيا أن يكون أفضل من غيره ليس دليلًا، ومع ذلك طبيعة الإنسان تدعوه إلى أنه يتكبر كما قال جل وعلا: { كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى }[العلق:6-7]، إذا رأي نفسه أن عنده غنى دعاه ذلك إلى التكبر و الطغيان والعلو في الأرض وعلى أهلها هذه طبيعة الإنسان، إلا أن الدين يهذب الأخلاق ويهذب النفوس، إذا تحلى الإنسان به ويذهب هذه الأخلاق الدميمة، أما إذا لم يكن عنده دين فهذه الطبيعة التي تقضيها يقتضيها هذا الشيء, والمقصود أن عملًا واحدًا قد يحبط أعمالًا كثيرة, والنصوص على هذا كثيرة، في صحيح مسلم النبي [رمز] حديث أبي هريرة أنه قال: «كان رجلين متآخيين في ما كان قبلكم وكان أحدهما مجتهدًا والآخر مقصر فكان المجتهد كلما رأي أخاه على ذنب نهاه ونصحه, وقال: يا هذا أقصر اتق الله، وفي يوم من الأيام رآه على ذنب استعظمه, فقال له: يا هذا أقصر والله لا يغفر الله لك, فقال الله :جل وعلا من هذا الذي يتألى علي أن لا أغفر له», يعني قبضهما، فقال للذي تألى : «أتستطيع أن تحجر رحمتي عن عبدي؟ فقال: لا يا رب فقال: قد أحبطت عملك وغفرت له», فمجرد كلمة واحدة قالها حبط عمله وه ذا القولة الذي قالها أيضًا قالها غضب لله ما هو لأجل أنه يعنى شيء يعود على نفسه, ومع ذلك حبط عمله بسبب هذا القول, قال الله: «من ذا الذي يتألى على ألا أغفر لفلان قد غفرت له وأحبطت عملك», فحبط عمله بكلمة, وقصة الذين كانوا في غزوة تبوك آخر غزوة غزاها رسول الله [رمز] أنهم كانوا يمشون وتعبوا حسب ما جاء في قولهم, فصار ينكتون، صار واحد يقول: ما ر أينا كقرائنا هؤلاء أرغب بطونًا، أرغب بطون يعنى أوسع بطون واسعة، وأكذب ألسنة وأجبن عند اللقاء, فضحكوا، هو يقول هذا ليضحكهم، فلما سمع ذلك أحد المسلمين أخبر الرسول ذهب ليخبره فوجد الخبر جاءه من السماء, فأرسل إليهم فجاءوا صاروا يعتذرون ويقسمون بالله، يقول: أحدهم والله ما قصدت الحقيقة, والله إني أقول ذلك لأذهب عنا وعثاء الطريق, وكآبة السفر, يعنى لأن النفس إذا ذكر لها الشيء الذي تفرح به أو يضحكها, يجد راحة ويذهب التعب عنه, فكان الرسول [رمز] يقول لهم يتلوا عليهم الآية التي نزلت: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}[التوبة:65-66]، وجعل هذا كفر، كفر بعد الإيمان، كلمة قالوها ليس على سبيل الجد بل على سبيل المزح، ولكن ما هذا محل المزح, قال الله جل وعلا: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ}، يعني المزح الذي هو الاستهزاء السخرية ما هذا محلها، ليس محلها رب العالمين وآياته ورسوله وما جاء به، هم قالوا: ما رأينا كقرائنا هؤلاء، لأن هذا القراء يعني الذين يحفظون القرآن, هم ما قالوا في الله شيء غير هذا، ولكن لأن هؤلاء تدينوا بالدين الذي أمرهم الله جل وعلا به صار ذلك عائدًا على الآمر جل وعلا وعلى الواسطة الذي هو الرسول, وعلى الأمر الذي هو القرآن والآيات، فالمقصود أن الإحباط قد يأتي من جراء قول, ففي الصحيحين صحيح البخاري وغيره أنه [رمز] قال: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بال, يهوى بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب», وفي حديث الآخر: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة ليضحك بها القوم يكتب الله جل وعلا سخطه إلى يوم أن يلقاه», كلمة واحدة هذا كثير يعنى، كل هذا يدل على أن الذنب الواحد قد يحبط أعمالًا كثيرة ذنب واحد, وكذلك المقابل, فإنه جاء في الحديث نفسه: «وإن الرجل ليتكلم الكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالًا يكتب الله بها رضاه إلى يوم يلقاه», يعني صارت كلمة واحدة يحصل بها الرضا, فكذلك كلمة يحصل بها الغضب, كل هذا يدل على أن الإحباط قد يحصل فعلى هذا ما يكون مشكل قول الرسول [رمز]«من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله», لا يكون هذا مشكلًا لأن فوت الصلاة هذه من أعظم المصائب ومن أعظم الذنوب, وليست فوت الصلاة هنا يقصد به فوت الجماعة, فوت الصلاة في وقتها يخرج الوقت وما صلى, فهذا الذي يحبط علمه، وأما الجماعة فقد يدرك جماعة أخرى أو قد يصلى جماعة في غير هذه الجماعة في الوقت، ولكن المصيبة إذا ترك الصلاة حتى خرج الوقت, وكونه نص على العصر هنا ليس معناه أن غير العصر أنه ما يكون بهذه المنزلة, ولكن العصر هي أفضل الصلوات، كما جاءت النصوص تدل على ذلك، يقول الله جل وعلا:{ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى}[البقرة:238]، فنص عليها بالخصوص للاعتناء بها خصوصًا فهي داخلن في الصلوات: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} وقد صح الحديث أن الصلاة الوسطي هي العصر ففي قصة غزوة الخندق أن الرسول [رمز] قال: «شغلونا عن الصلاة الوسطي صلاة العصر ملأ الله قبورهم عليهم نارًا», هكذا جاء، قيل أن الصلاة الوسطي هي صلاة العصر, وقيل غير ذلك لأن الصلوات الخمس وإن كان في خلاف بين العلماء، ولكن إذا صح حديث عن رسول الله [رمز] في المسألة فيها الخلاف يجب أن يزول الخلاف أن يؤتى إذا صح، ولكن بعض العلماء قد لا يبلغه متن الحديث فيبقى في النظر، لأن الإنسان إذا نظر إلى الصلوات الخمس يصح كل واحدة أن تكون وسطي كل واحدة من الصلوات الخمس يصح أن تكون وسطى, لأن كل واحدة قبلها اثنتين وبعدها اثنتين, تكون وسطي ولهذا قال قوم: أن الوسطي الظهر وقوم قالوا: أن الوسطي الفجر, وهكذا وقوم قالوا: أن الوسطي العصر فقبلها صلاة الفجر وصلاة الظهر وبعدها صلاة المغرب وصلاة العشاء، والمقصود أن الذنب الواحد قد يحبط أعمالًا كثيرة نسأل الله العافية، كما أن الحسنة الواحدة قد تبطل سيئات كثيرة وكثيرة, كما في قصة صحاب البطاقة. 

 

فصلٌ 

 وقوله :وأما المسألة السادسة التي هي قوله: هل تقبل صلاة الليل بالنهار وصلاة النهار بالليل أم لا ؟  

الشرح 

هذه المسألة إذا قصد بالقبول مطلقًا كده فهذا غير الصحيح, فالله لا يقبل عمل الليل في النهار ولا يقبل عمل النهار في الليل, لأن المقصود الشيء المؤقت الأعمال المؤقتة كالصلوات مثلًا، أنه أخبر جل وعلا: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا }[النساء:103], يعني محددة لها أوقات, وقد أسري برسول الله [رمز] ثم عرج من بيت المقدس إلى السماء السابعة, ففرضت عليه الصلاة فقط, يعنى في المعراج ما أمر إلا الصلاة هذا الذي جاء له صلوات الله وسلامه عليه وعرفناه, لم يذكر إلا الصلاة أنه أمر بها لعظمها، فنزل جبريل عليه السلام من غد تلك الليلة فصار يؤم الرسول[رمز]ثم نزل من الغد وأمه جاء في اليوم الأول فصلى به الصلوات الخمس في أول أوقاتها، ثم من الغد نزل وصلى به الصلوات الخمس في آخر أوقاتها, ثم قال له: الوقت بين هذين الوقتين، يعني وقت الصلوات كلها, فمعنى ذلك أن الوقت محدد, محدد لا يجوز أن يؤخر وقت عن تحديده, ولهذا ذكر العلماء أن الوقت شرط من شروط الصلاة دخول الوقت شرط من شروط الصلاة, وإذا ذهب قد ذهب شرطها وإذا ذهب الشرط ما يصح المشروط, فلا يجوز ما يجوز أن يقول الإنسان أن صلاة العصر مثلًا تقبل بعد المغرب, أو صلاة الظهر تقبل بعد المغرب أو بعد العصر, أو أن صلاة الفجر تقبل بعد طلوع الشمس, وهكذا لأن لها أوقات محددة, ولهذا جاء في الأثر: إن الله لا يقبل عمل النهار في الليل ولا يقبل عمل الليل في النهار, إن لله عمل في الليل لا يقبله بالنهار ولله عمل بالليل لا يقبله بالنهار, فهذه الأمور المحددة لا يجوز تأخيرها, أما إذا عجز الإنسان كأن نام أو نسي فهنا تقبل إذا نام أو نسي تقبل، ولهذا ذكر الله أنه جعل الليل والنهار خلفه لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورًا, يعنى إذا نسي شيء فتذكره, أنه يصليه في الوقت الذي ذكره سواء كان في الليل أو في النهار هذا وقته, فهو كذلك إذا كان نائمًا, ولكن لا يجوز أن يفرط ينام عمدا ويترك الوسائل التي يمكن أن يستيقظ بها كما يفعله كثير من المسلمين وللأسف, تجده ينام عن الفجر حتى تطلع الشمس, أوي نام عن العصر حتى تغرب الشمس, ويقول: أنا نائم, هو بإمكانه أن يستيقظ إن كان يضع مثلًا ساعة أو يضع أي وسيلة, تليفون أو غاير ذلك أي وسيلة يمكنه، أو أن يأمر غيره أن يوقظه, ولكن لو أوقظ لغضب قال: أنا تعبان وأنا نائم ولا أقوم حتى هناك مصيبة يعني كون إنسان ينام عن الصلاة ثم يحدد وقت العمل لا يتأخر عنه, ويكون العمل أعظم عنده من الصلاة لا شك أن الدليل على ضعف الإيمان، الإيمان ضعيف , وكون صلاة العصر صلا في النهار لا تقبل بالليل وصلاة الليل لا تقبل في النهار لأنها مؤقتة ومحددة والأوقات شروط، الوقت دخول الوقت شرط لصحة الصلاة لهذا يقول الفقهاء: لو أن الإنسان دخل في الصلاة قبل دخول الوقت ما كانت صحيحة يجب عليه أن يعيدها, لأن معنى ذلك أنها لا تقبل لأنها ليست في قوتها والوقت شرط, أما الأعمال المطلقة الأعمال التي ليست محدد لها وقت معين, فهذه في أي وقت عملها الإنسان يرجى أن الله يقبلها إذا توافر فيها دوافع وداوعي القبول أي عمل فتكون الأعمال على قسمين: عمل له وقت محدد وعمل تحديده واسع ليس محددًا بوقت معلوم, وهذا يقبل في أي وقت عمله أما الأول فلابد من أدائه في وقته. 

قال: فهذه المسألة لها صورتان: 

إحداهما يقبل فيها بالنص والإجماع وهي ما إذا فاتته صلاة النهار بنوم أو نسيان فصلاها بالليل وعكسه. 

 

الشرح 

بنوم ونسيان لأن المسألة في الصلاة فقط ما هي في سائر الإعمال, إذا ترك الصلاة وفاتته ناسي الإنسان قد ينسي أو أنه نام, ليس عن اختياره فإنه كأنه أدى الصلاة في وقتها إذا استيقظ فالله جل وعلا رحيم غفور ولرحمته جل وعلا أنه أجرى على رسوله [ص] الذي هو القدوة والأسوة للأمة شيء من ذلك, فإنه [رمز] لما رجع من غزوة خبير والمعروف أن غزوة خبير في السنة السابعة من الهجرة وكان ساريًا في الليل وتعب الصحابة من المسير وصاروا في آخر الليل فأرادوا أن يناموا يرتاحوا, فطلبوا من النبي [رمز] الراحة أن يناموا والراحة في آخر الليل تفيد المسافر كثيرًا فقال[ص]«أخاف أن تناموا عن الصلاة», فقال بلال: أنا أحرس لكم الصبح, فقال: «إذًا لا بأس», فناموا ونام الرسول وقد استند بلال إلى راحلته متجهًا الشرق ينظر الصبح إذا طلع الصبح يريد أن يؤذن والعادة الرسول لا يوقظ إذا نام لا أحد يوقظه, حتى يستيقظ هو [رمز] ولكن أذن يستيقظ وهو [رمز] من خصائصه أن عينه تنام وقلبه لا ينام, صلوات الله وسلامه عليه, فاستند إلى راحلته فنام فلم يستيقظ إلا بحر الشمس, فكان أول من استيقظ عمر ين الخطاب [رضي الله عنه] فصار يكبر الله أكبر الله أكبر ويرفع صوته, لأنه ما كانوا يوقظون رسول الله فاستيقظ رسول الله [رمز] فلما رأي قال لبلال: «أين قولك؟», فقال: يا رسول الله ذهب بنفسي الذي ذهب بنفسك, فقال لا بأس فأمر أن يتوضئوا, ويسيروا قليلًا عن هذا المكان قال: «هذا مكان حضر فيه الشيطان», جاء الشيطان إلى بلال وصار يهده حتى نام, صلى الحمد لله أن هذه فيه خير الكثير للأمة كون التأسي بالرسول [ص], أن يكون للإنسان حرج في هذا أن ينام على غير اختيار منه أخذه النوم, وهو لا يريد ذلك يريد أن يستيقظ للصلاة ولكن غليه النوم فليس عليه شيء، لأن وقت الصلاة الذي يؤديها فيه, ومثل ذلك النسيان إذا نسي, أنه لا يؤاخذ الخطأ والنسيان, الخطأ هو الذي يكون غير مقصود. 

كما ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك عن النبي قال: «من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها», واللفظ لمسلم . 
وروى مسلم عنه أيضًا قال: قال رسول الله[ص]: «إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله يقول: {وأقم الصلاة لذكري}. 

 الشرح 

غفل عنها المقصود بها النسيان وليس الغفلة هنا المقصود بها التغافل وتركها لأنه اشتغل بغيرها, هذا لا يرد هنا. 

 وقوله : وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله [ص] حين قفل من غزوة خيبر سار ليلة حتى إذا أدركه الكرى عرس وقال لبلال: «أكد لنا الليل», فصلى بلال ما قدر له ونام رسول الله [ص] وأصحابه فلما تقارب الفجر استند بلال إلى راحلته مواجًا الفجر فغلبت بلالا عيناه وهو مستند إلى راحلته فلم يستيقظ رسول الله [ص] ولا بلال ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس فكان رسول الله [رمز] أولهم استيقاظ ففزع رسول الله فقال: «أي بلال», فقال: بلال أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك بأبي أنت وأمي يا رسول الله، قال قتادة: فاقتادوا رواحلهم شيئًا ثم توضأ رسول الله وأمر بلالا فأقام الصلاة فصلى بهم الصبح فلما قضى الصلاة قال: «من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها فإن الله تعالى قال: {وأقم الصلاة لذكري}. 

 الشرح 

جاء هنا أن رسول الله أول من استيقظ وفي الرواية الأخرى أن عمر أول من استيقظ. 

 وفي الصحيحين من حديث عمران بن حصين نحو هذه القصة, وفي صحيح مسلم عن أبي قتادة قال ذكروا للنبي نومهم عن الصلاة قال: «إنه ليس بنوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى». 

الشرح 

نوم تفريط يعني إذا لم يتعمد الإنسان، أما إذا سهر ليلة على مشاهد الأفلام والمعارض التي تعرض وما أشبه ذلك، ثم إذا قارب الفجر أو قبل أن يقارب الفجر نام, بدون أن يضع وسيلة توقظه, فإنه قريب من العمد هذا متعمد لم يخصها بالعمل، يعنى إذا أراد أن يذهب للعمل قام ربما قد يصلى وقد لا يصلى فمثل لا يقال أنه نام أن هذا النوم الذي يعذر به هذا لا يعذر به, لأنه متعمد لذلك و باستطاعته أن يستيقظ لو أراد. 

وفي مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن مسعود قال: أقبل النبي من الحديبية ليلًا فنزلنا منزلًا دهاسًا من الأرض فقال: «من يكلؤنا», فقال: بلال أنا قال: إذًا تنام قال: لا فنام حتى طلعت الشمس فاستيقظ فلان وفلان فيهم عمر فقال اهبطوا فاستيقظ النبي [ص] فقال: «افعلوا كما كنتم تفعلون», فلما فعلوا قال: «هكذا فافعلوا لمن نام منكم أو نسي», فهذا متفق عليه بين الأئمة. 

 الشرح 

واختلف هل هذه قصة ثانية أم قصة واحدة، فمن العلماء والمحدثين من يقول أنها قصتان، ومنهم من يقول أنها قصة واحدة، ولكن اختلف ذلك على بعض الرواة. 

 وقوله : واختلفوا في مسألتين لفظية وحكمية. 

فاللفظية هل تسمى هذه الصلاة أداء أو قضاء فيه نزاع لفظي محض. 

 

الشرح 

لا فائدة فيه، فائدتنا قد رفع عنه الاثم وأن هذا وقتها كما قال الرسول [رمز]، ولا فائدة في الخلاف فيها هل هي أداء أم قضاء ما فيه فائدة، والأداء هو فعل العبادة في وقتها, أما القضاء فهو فعلها في غير وقتها, الحديث كان صورتها أنه ذهب وقتها لكن الواقع أنه وقتها بالنسبة لهذا النائم هذا وقتها. 

 وقوله : فهي قضاء لما فترض الله عليهم وأداء باعتبار الوقت في حق النائم والناسي فإن الوقت في حقهما وقت الذكر والانتباه فلم يصلها إلا في وقتها الذي أمرنا بإيقاعها فيه. 

وأما ما يذكره الفقهاء في كتبهم من قولهم: فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها فهذه الزيادة لم أجدها في شيء من كتب الأحاديث ولا اعلم لها إسنادًا ولكن قد روى البيهقي السنن والدار قطني من حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي قال: «من نسي صلاة فوقتها إذا ذكرها». 
 

فصلٌ 

وأما المسألة الحكمية فهل تجب المبادرة إلى فعلها على الفور حين يستيقظ ويذكر أم يجوز له التأخير وفيه قولان : 

 أصحهما وجوبها على الفور وهذا قول جمهور الفقهاء منهم إبراهيم النخعي ومحمد بن شهاب الزهري وربيعة ابن أبي عبد الرحمن ويحيى بن سعيد الأنصاري وأبو حنيفة ومالك والإمام أحمد وأصحابهم وأكثر العلماء. 

وظاهر مذهب الشافعي أنه على التراخي. 

الشرح 

وهو الصواب ولكن لا معناه أنه يأتي بها بدون شروطها يعني بدون وضوء، أو من غير السترة والسترة تعنى أن يلبس الشيء الذي يستره هذا لا يحوز ولكن المشتغل بالشرط مشتغل بها، إذا استيقظ اشتغل بالوضوء، فهذا تحرير شرطها، فما يقال أنه تأخر لأنه توضأ وإذا كان عليه مثلًا جنابة يغتسل لأنه يجب عليه ذلك وهذا من شرط الصلاة فلا يقال أنه أخرها، أخر لأنه اشتغل بشرطها والمشتغل بالشرط لأنه يعمل على أدائها، أما أن يأخرها قصد حتى يذهب الوقت، وقت النهي أو ما أشبه ذلك أو المكان الفلاني فهذا لا يجوز، الصواب أنه لا يجوز لأنه تمكن من أدائها فجيب عليه أن يعملها. 

وقوله : وظاهر مذهب الشافعي أنه على التراخي واحتج من نص على هذا القول بأن النبي لم يصلها في المكان الذي ناموا به بل أمرهم فاقتادوا رواحلهم إلى مكان آخر فصلى فيه. 

الشرح 

ثم صاروا قليلًا يعني أبعد عن المكان الذي ناموا فيه فقط، قال: «لأنه حضركم فيه الشيطان»، فكره وهذا لا يؤثر مثل هذا لا يؤثر. 

 وقوله : وفي حديث أبي قتادة فلما استيقظوا قال: اركبوا فركبنا فسرنا حتى ارتفعت الشمس نزل ثم دعا بميضأة فيها ماء فتوضأ ثم أذن بلال بالصلاة فصلى رسول الله ركعتين ثم صلى الغداة. 

قالوا: ولو وجب القضاة على الفور لم يفارق منزله حتى يفعلها. 

 قالوا: ولا يصح الاعتذار عن هذا بأن ذلك المكان كان فيه شيطان فلم يصلوا فيه فإن حضور الشيطان في المكان لا يكون عذرا في تأخير الواجب . 

قال الشافعي: ولو كان وقت الفائتة يضيق لما أخره لأجل الشيطان فقد صلى [رمز] وهو يخنق الشيطان. 

قال: الشافعي فخنقه للشيطان في الصلاة أبلغ من واد فيه شيطان ! 

قالوا: ولأنها عبادة مؤقتة فإذا فاتت لم يجب قضاؤها على الفور كصوم رمضان بل أولى لأن الأداء متوسع في الصلاة دون الصوم فكانت التوسعة في القضاء أولى . 

وقال أبو إسحاق المروزي: إن أخرها لعذر قضاها على التراخي للحديث وإن أخرها لغير عذر قضاها على الفور لئلا يثبت بتفريطه ومعصيته رخصة لم تكن . 

واحتج الجمهور بما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي قتادة [رمز] أنهم ذكروا للنبي نومهم عن الصلاة فقال: «ليس في النوم تفريط فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك». 

وفي صحيحه أيضًا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله [رمز]: «من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها فإن الله قال»: {وأقم الصلاة لذكري} . 

وعند الدار قطني في هذا الحديث: «من نسي صلاة فوقتها إذا ذكرها», وهذه الألفاظ صريحة في الوجوب على الفور. 

قالوا: وما استدللتم به على جواز التأخير فإنما يدل على التأخير اليسير الذي لا يصير صاحبه مهملًا معرضًا عن القضاء بل يفعله لتكميل الصلاة من اختيار بقعة على بقعة وانتظار رفقة أو جماعة لتكثير أجر الصلاة ونحو ذلك من تأخير يسير لمصلحتها وتكميلها، فكيف يؤخذ من هذا التأخير اليسير لمصلحتها جواز تأخير جواز تأخيرها سنين عددًا! 

وقد نص الإمام أحمد على أن المسافر إذا نام في منزله عن الصلاة حتى فاتت أنه يستحب له أن ينتقل عنه إلى غيره فيقضيها فيه للخبر مع أن مذهبه وجوب فعلها على الفور. 

وإذا كانت أوامر الله ورسوله المطلقة على الفور فكيف المقيدة، ولهذا أوجب الفورية في المقيدة أكثر من نفاها في المطلقة. 

 وأما ما تمسكوا به من القياس على قضاء رمضان فجوابه من وجهين: 

أحدهما: أن السنة فرقت بين الموضعين فجوزت تأخير قضاء رمضان وأوجبت فعل المنسية عند ذكرها فليس لنا أن نجمع ما فرقت السنة بينهما. 

الثاني: أن هذا القياس حجة عليهم فإن تأخير رمضان إنما يجوز إذا لم يأتي رمضان وهم يجوزون تأخير الفائتة وإن أتى عليها أوقات صلوات كثيرة فأين القياس؟ 

وأما قولهم لو وجب الفور لما جاز التأخير لأجل الشيطان فقد تقدم جوابه وهو أن الموجبين للفور يجوزون التأخير اليسير لمصلحة التكميل . 

وأما نقضهم بخنق النبي للشيطان في صلاته فمن أعجب النقض فإن التأخير اليسير للعدول عن مكان الشيطان لا تترك به الصلاة ولا يذهب به وقتها ولا يقطعها المصلي بخلاف من عرض له الشيطان في صلاته فإنه لو تركها لأجله لكان قد أبطل صلاته وقطعها بعد دخوله فيها ولعله إن تعرض له في الصلاة الثانية فيقطعها فيترك الصلاة بالكلية فأين إحدى المسألتين من الأخرى والله أعلم . 

 

الشرح 

الحديث هذا الذي يشير إليه حديث ثابت صحيح، وهو أن النبي [رمز] قام يصلى في الليل, يقول: «فعرض لي جن من الشياطين شيطان بيديه شهاب يريد أن يقطع على صلاتي فأمكنني الله جل وعلا منه فأمسكته وخنقته حتى سل لعابه على يدي وأردت أن أربطه بسارية من سواري المسجد حتى يصبح صبيان أهل المدينة يلعبون به, فذكرت قول أخي سليمان: {وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب}, فتركته» فهذا لأنه جاء يريد أن يقطع عليه الصلاة فعاقبه بما ومكنه الله جل وعلا منه من خنقه فليس هذا دليل على أن الشيطان إذا عرض للإنسان أنه يترك عمله، ودليل على أنه إذا عرض عليه شيء ليقطع صلاته فإنه يدافعه في صلاته. 

فصلٌ 

وأما الصورة الثانية وهي ما إذا ترك الصلاة عمدًا حتى خرج وقتها فهي مسألة عظيمة تنازع فيها الناس هل ينفعه القضاء ويقبل منه أم لا ينفعه ولا سبيل له إلى استدراكها أبدًا. 

 الشرح 

وهذا هو الصواب لأن الإنسان إذا ترك الشيء عمدًا قاصدًا بإرادته وبعلمه فلا عذر له في ذلك والصلاة محددة الأوقات, لها وقت تقضي به, إذا تركها الإنسان مع تمكنه بالإتيان بها ثم ذهب وقتها فمعنى ذلك أنه لو أتى بها في غير وقتها لا تقبل هذا هو الصواب ولكن العلاج في ذلك وطريقة الاستدراك التوبة أن يتوب ويرجع إلى ربه جل وعلا من النوافل وإن كان قول الجمهور خلاف هذا والجمهور أنه يقضيها ولكن هذا الذي تدل عليه الأدلة والقياس الصحيح يدل على ذلك , ولاسيما الذي يقولون إن ترك الصلاة كفر. 

 وقوله : فقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد ومالك: يجب عليه قضاؤها ولا يذهب القضاء عنه إثم التفويت بل هو مستحق للعقوبة إلا أن يعفو الله عنه . 

وقالت طائفة من السلف والخلف: من تعمد تأخير الصلاة عن وقتها من غير عذر يجوز له التأخير, فهذا لا سبيل له إلى استدراكها ولا يقدر على قضائها أبدًا ولا يقبل منه . 

ولا نزاع بينهم أن التوبة النصوح تنفعه, ولكن هل من تمام توبته قضاء تلك الفوائت التي تعمد تركها, فلا تصح التوبة بدون قضائها أم لا تتوقف التوبة على القضاء, فيحافظ عليها في المستقبل, ويستكثر من النوافل وقد تعذر عليه استدراك ما مضى؟ هل هذا محل الخلاف . 

ونحن نذكر حجج الفريقين. 

قال الموجبون للقضاء: لما أمر النبي النائم والناسي بالقضاء وهما معذوران غير مفرطين, فإيجاب القضاء على المفرط العاصي أولى وأحرى . 

فلو كانت الصلاة لا تصح إلا في وقتها لم ينفع قضاؤها بعد الوقت في حق النائم والناسي . 

قالوا: وقد صلى العصر بعد المغرب يوم الخندق هو وأصحابه, ومعلوم قطعًا أنهم لم يكونوا نائمين ولا ساهين عنها ولو اتفق النسيان لبعضهم لم يتفق للجميع . 

قالوا: وكيف يكون المفرط بالتأخر أحسن حالا من المعذور فيخفف عن المفرط ويشدد على المعذور!. 

 قالوا: وإنما أنام الله سبحانه وتعالى رسوله والصحابة ليبين للأمة حكم من فاتته الصلاة وأنها لا تسقط عنه بالتفويت, بل يتداركها فيما بعد . 

قالوا: وقد أمر النبي من أفطر بالجماع في رمضان أن يقضي يوما مكانه . 

قالوا: ولا قياس يقتضي وجوب القضاء فإن الأمر متوجه على المكلف بفعل العبادة في وقتها, فإذا فرط في الوقت وتركه لم يكن ذلك مسقط لفعل العبادة في وقتها, فإذا فرط في الوقت وتركه لم يكن ذلك مسقطا لفعل العبادة عنه. 

 

الشرح 

في هذه المسألة التي يتكلم فيها الصواب الذي رجحه المحققون هو أنه لا سبيل إلى قضائها, والأدلة التي ذكروها لا تدل على أنها تقضي، وإنما هذه في الناسي والنائم وقتها إذا استيقظ أو ذكرها, كما قال رسول الله [رمز]، بخلاف الذي يترك الصلاة عمدًا مع تمكنه من ذلك وعدم العذر وإنما ارتكب ذلك باختياره, مثل هذا أصل المسألة في هذا أن الصلاة مؤقتة لها وقت محدد, إذا انتهي فقد انتهي وقتها, وهو موسع إذا كان يستطيع أن يأتي به مع السعة باختياره وليس فيه أي مانع, فمثل هذا لا عذر له, ثم من العلماء من يقول: أن هذا كفر والكافر إذا خرج من الدين الإسلامي ما تقبل منه صلاة ولا عبادة, كما أن الكافر إذا أسلم ما يؤمر بأداء العبادات التي مرت عليه في وقت كفره, وإنما يقال له أحسن فيما ستتقبله, استقبل عمرك من جديد، تب إلى الله وأحسن وأكثر من العبادات التي تستطيعها هذه هو الذي صححه كثير من العلماء السلف ومن الخلف, وهو الذي تدل عليه الأدلة. 

 أما قياسهم وقضاء رمضان على هذا فهذا قياس مع الفارق ولا يسلم  والله جل وعلا لما ذكر أصحاب الأعذار في رمضان, أخبر أنه من لم يستطيع أو كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر, الأمر واسع في الصيام وليس في الصلاة, الصلاة إذا كان الإنسان مريض أو مسافر ما يقال: أخرها إلى أن تقيم أو إلى أن تشفى, هذا لا يمكن بل يقال: صلى حسب حالك, حتى في القتال يصلي وهو يقاتل, حسب حاله مما يدل على أنه لا يعذر الإنسان بترك الصلاة, في وقت من الأوقات, أما قصة النبي [رمز] في غزوة الخندق فهذا قبل نزول صلاة الخوف, كان مرابطا العدو لئلا يقتحموا الخندق, منهم من نسي والظاهر أنها نسيان نسوا صلاة العصر لأنهم اشتغلوا بمحاربة العدو ولهذا لما جاء في الحديث جاء عمر [رمز] يدعو على قريش والكفار ويلعنهم ويقول: شغلوني عن صلاة العصر, ما صليتها قد غربت الشمس, قال له الرسول [رمز]: «والله ما صليتها», صلوا بعد غروب الشمس نسيانا نسوها, اشتغلوا حتى نسوها، ثم بعد ذلك أمر الله جل وعلا بالصلاة وإن كان العدو يقاتل المسلمين يصلون, قد وقعت هذه مرات من الرسول [رمز] ثم احتمل فيها ترك أركان كثيرة من الصلاة, لأجل الصلاة في الوقت الصلاة في الجماعة, إذا أمكن أن يصلوا جماعة صلوا جماعة, إذا لم يمكن كل واحد يصلى بنفسه, حسب حاله ففرق شاسع جدًا بين الصوم وبين الصلاة, الصوم فيه سعة إذا كان الإنسان مريض أو كان مسافر فإنه يقال: تصوم أيام أخر من غير هذا, أما الصلاة لا يقال انك تؤخرها حتى تقضيها في وقت السعة وقت الفراغ هذا لا يمكن. 

  وقوله : قال الآخرون: أوامر الرب تبارك وتعالى نوعان: نوع مطلق غير مؤقت فهذا يفعل في كل وقت، نوع مطلق غير مؤقت بوقت محدود وهو نوعان: 

 أحدهما: ما وقته بقدر فعله كالصيام. 

والثاني: ما وقته أوسع من فعله كالصلاة. 

وهذا القسم فعله في وقته شرط في كونه عبادة مأمورًا بها, فإنه إنما أمر به على هذه الصفة فلا تكون عبادة على غيرها. 

قالوا: فما أمر الله به في الوقت فتركه المأمور حتى فات وقته لم يمكن فعله بعد الوقت شرعًا, وإن أمكن حسا بل لا يمكن حسا أيضًا, فإن إتيانه بعد الوقت أمر غير المشروع . 

قالوا, ولهذا لا يمكن فعل الجمعة بعد خروج وقتها ولا الوقوف بعرفة بعد وقته. 

 قالوا: ولا مشروع إلا ما شرعه الله ورسوله وهو سبحانه ما شرع فعل الصلاة والصيام والحج إلا في أوقات مختصة به, فإذا فاتت تلك الأوقات لم تكن مشروعة. 

ولم يشرع الله سبحانه فعل الجمعة يوم السبت, ولا الوقوف بعرفة في اليوم العاشر ولا الحج في غير أشهره, وأما الصلوات الخمس فقد ثبت بالنص والإجماع أن المعذور بالنوم والنسيان وغلبة العقل يصليها إذا زال عذره, وكذلك صوم رمضان شرع الله سبحانه قضاءه بعذر المرض والسفر والحيض. 

وكذلك شرع رسوله [ص] الجمع بين الصلاتين المشتركتين في الوقت للمعذور بسفر أو مرض أو شغل يبيح الجمع . 

فهذه يجوز تأخيرها عن وقتها المختص إلى وقت الأخرى للمعذور, ولا يجوز لغيره بالاتفاق بل هو من الكبائر العظام كما قال عمر بن الخطاب [ص] الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر. 

ولكن يجب عليه فعلها وإن أخرها إلى وقت الثانية في هذه الصورة لأنها تفعل في هذا الوقت في الجملة . 

وقد أمر النبي بالصلاة خلف الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها وقيل له [رمز] ألا نقاتلهم؟ قال: «لا ما صلوا», وهم كانوا يؤخرون الظهر خاصة إلى وقت العصر فأمر بالصلاة خلفهم, وتكون نافلة للمصلي وأمره أن يصلي الصلاة في وقتها ونهى عن قتالهم. 

قالوا: وأما من أخر صلاة النهار فصلاها بالليل أو صلاة الليل فصلاها بالنهار, فهذا الذي فعله غير الذي أمر به وغير ما شرعه الله ورسوله فلا يكون صحيحًا ولا مقبولًا. 

 قالوا: وقد قال رسول الله [ص]«من ترك صلاة العصر حبط عمله» وقال: «الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله», فلو كان يمكنه استدراكها بالليل لم يحبط عمله, ولم يكن موتورًا من أعماله بمنزلة الموتور من أهله وماله . 

قالوا: وقد صح عنه [ص]  أنه  قال: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر», فكذا من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح . 

ولو كان فعلها بعد المغرب وطلوع الشمس صحيحا مطلقا لكان مدركًا سواء أدرك ركعة أو اقل من ركعة أو لم يدرك منها شيئا. 

 فإنه لم يرد أدرك ركعة صحت صلاته بلا إثم, إذ لا خلاف بين الأمة أنه لا يحل له تأخيره إلى أن يضيق وقتها عن كمال فعلها, وإنما أراد بالإدراك الصحة والأجزاء وعندكم تصح وتجزيء ولو أدرك منها قدر تكبيرة أو لم يدرك منها شيئا فلا معنى للحديث عندكم البتة.

قالوا: والله سبحانه قد جعل لكل صلاة وقتا محدود الأول والآخر, ولم يأذن في فعلها قبل دخول وقتها ولا بعد خروج وقتها, والمفعول قبل الوقت وبعده أمر غير مشروع . 

فلو كان الوقت ليس شرطا في صحتها لكان لا فرق في الصحة بين فعلها قبل الوقت وبعده, لأن كلا الصلاتين صلاها في غير وقتها فكيف قبلت من هذا المفرط بالتفويت ولم تقبل من المفرط بالتعجيل. 

قالوا: والصلاة في الوقت واجبة على كل حال حتى إنه يترك جميع الواجبات والشروط لأجل الوقت, فإذا عجز عن الوضوء والاستقبال أو طهارة الثوب والبدن وستر العورة أو قراءة الفاتحة أو القيام في الوقت, وأمكنه أن يصلي بعد الوقت بهذه الأمور, فصلاته في الوقت بدونها هي التي شرها الله وأوجبها, ولم يكن له أن يصلي بعد الوقت مع كمال هذه الشروط والواجبات فعلم أن الوقت مقدم عند الله ورسوله على جميع الواجبات . 

فإذا لم يكن إلا أحد الأمرين وجب أن يصلي في الوقت بدون هذه الشروط والواجبات, ولو كان له سبيل إلى استدراك الصلاة بعد خروج وقتها لكانت صلاته بعد الوقت مع كمال الشروط والواجبات خيرا من صلاته في الوقت بدونها, وأحب إلى الله وهذا باطل بالنص والإجماع . 

قالوا: وأيضا فقد توعد الله سبحانه من فوت الصلاة عن وقتها بوعيد التارك لها قال تعالى: {فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون}, وقد فسر أصحاب رسول الله السهو عنها بأنه تأخيرها عن وقتها, كما ثبت ذلك عن سعد ابن أبي وقاص وفيه حديث مرفوع . 

وقال تعالى: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوات واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا}, وقد فسر الصحابة والتابعون إضاعتها بتفويت وقتها . 

والتحقيق أن إضاعتها تتناول تركها وترك وقتها وترك واجباتها وأركانها . 

وأيضا إن مؤخرها عن وقتها عمدا متعد لحدود الله كمقدمها عن وقتها, فما بالها تقبل مع تعدي هذا الحد ولا تقبل مع تعدي الحد الآخر! 

 قالوا: وأيضا فنقول لمن قال إنه يستدركها بالقضاء أخبرنا عن هذه الصلاة التي تأمر بفعلها هي التي أمر الله بها أم هي غيرها؟  

فإن قال هي بعينها. 

قيل له: فالعامد بتركها حينئذ ليس عاصيا لأنه قد فعل ما أمر الله به بعينه, فلا يلحقه الإثم والملامة وهذا باطل قطعا. 

وإن قال: ليست هي التي أمر الله بها قيل له: فهذا من أعظم حججنا عليك إذ أقررت أن هذه غير مأمور بها. ثم نقول أيضا: ما تقولون في من تعمد تفويتها حتى خرج وقتها ثم صلاها أطاعه صلاته تلك أم معصية؟ فإن قالوا: صلاته طاعة وهو مطيع بها خالفوا الإجماع والقرآن والسنن الثابتة. 

وإن قالوا: هي معصية قيل فكيف يتقرب إلى الله بالمعصية, وكيف تنوب المعصية عن الطاعة . 

فإن قلتم: هو مطيع بفعلها عاص بتأخيرها, وهو أنه إذا تقرب بالفعل الذي هو طاعة لا بالتفويت الذي هو معصية . 

قيل لكم: الطاعة هي موافقة الأمر وامتثاله على الوجه الذي أمر به فأين الله ورسوله ممن تعمد تفويت الصلاة بفعلها, بعد خروج وقتها حتى يكون مطيعا له بذلك فلو ثبت ذلك لكان فاصلا للنزاع في المسألة . 

قالوا: وأيضا فغير أوقات العبادة لا تقبل تلك العبادة بوجه, كما أن الليل لا يقبل الصيام وغير أشهر الحج لا يقبل الحج وغير وقت الجمعة لا تقبل الجمعة . 

فأي فرق بين من قال: أنا أفطر النهار وأصوم الليل أو قال: أنا أفطر رمضان في هذا الحر الشديد وأصوم مكانه شهرا في الربيع: أو قال: أنا أؤخر الحج من شهره إلى المحرم أو قال: أنا أصلي الجمعة بعد العشاء الآخرة أو أصلي العيدين في وسط الشهر, وبين من قال: انا أؤخر صلاة النهار إلى الليل وصلاة الليل إلى النهار؟ 

فهل يمكن أحدا قط أن يفرق بين ذلك؟! 

قالوا: وقد جعل الله سبحانه للعبادات أمكنه وأزمنة وصفات فلا ينوب مكان عن المكان الذي جعله الله مكانا ميقاتا لها كعرفة ومزدلفة ومنى ومواضع الجمار والمبيت والصفا والمروة, ولا تنوب صفة من صفاتها التي أوجبها الله عليها عن صفة فكيف ينوب زمان عن زمانها الذي أوجبها الله فيه عنه ؟ 

قالوا: وقد دل النص والإجماع على أن من أخر الصلاة عن وقتها عمدا أنها قد فاتته, كما قال النبي [رمز]: «من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله», وما فات فلا سبيل إلى إدراكه البتة ولو أمكن أن يدرك لما سمي فائتا, وهذا مما لا شك فيه لغة وعرفاً . 

وكذلك هو في الشرع وقد قال النبي [ص]: «لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من يوم عرفة», أفلا تراه جعله فائتا بفوات وقته لما لم يمكن أن يدرك في يوم بعد ذلك اليوم. 

وهذا بخلاف المنسية والتي نام عنها فإنها لا تسمى فائتة ولهذا لم تدخل في قوله: «الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله» . 

قالوا والأمة مجمعة على أن من ترك الصلاة عمدا حتى يخرج وقتها فقد فاتته, ولو قبلت منه وصحت بعد الوقت لكان تسميتها فائتة لغوا وباطلا, وكيف يفوت ما يدرك! 

قالوا: وكما أنه لا سبيل إلى استدراك الوقت الفائت أبدا فلا سبيل إلى استدراك فرضه ووظيفته. 

 قالوا: وهذا معنى قوله في الحديث الذي رواه أحمد وغيره: «من أفطر يوما من رمضان من غير عذر لم يقضه عنه صيام الدهر» . 

فأين هذا من قولكم يقضيه عنه صيام يوم من أي شهر أراد ! 

قالوا: وقد أمر الله سبحانه المسلمين حال مواجهة عدوهم أن يصلوا صلاة الخوف فيقصروا من أركانها ويفعلوا فيها الأفعال الكثيرة, ويستدبروا فيها القبلة ويسلمون قبل الأمام, بل يصلون رجالا وركبانا حتى لو لم يمكنهم إلا الإيماء أتوا بها على دوابهم إلى غير القبلة في وقتها. 

 

الشرح 

مثل هذا الذي يشير إليه أنه يجوز أن يسلموا قبل في بعض الصفات التي فعلها الرسول [ص], من صلاة الخوف, إنه إذا كان العدو أمامهم من جهة القبلة يصفون جميعا ويبقي طائفة تحرس, فيصلى بهم جميعا يركع فإذا سجدا يبقي طائفة واقفة الصفوف الخلفية تبقي واقفة تحرص ثم إذا كمل الركعة تذهب الطائفة المتأخرة أماما, تتأخر الطائفة المتقدمة, في مكان الأولى ثم يصلى بهم الركعة الثانية وأولئك قيام, الذي صلى بهم الركعة الأولى, ثم يسلم بهم جميعا, هذه صفة أخرى: أن طائفة منهم يصلى بهم ركعتين ثم تسلموا, وتذهب إلى مصافها إذا كان العدو في غير القبلة, ويبقي الإمام وتأتي الطائفة التي كانت تحرص فيصلى بهم ركعتين أيضا فأولئك صلى بهم ثم سلموا, صلى ركعتين بهم ثم سلموا, وفي رواية أنه يصلى بهم الركعة ثم يتموا لأنفسهم ركعة أخرى, ثم يسلموا ثم تأتي الطائفة الثانية ويصلى بهم ركعة, ثم يتموا لأنفسهم ركعة ثانية ويثبت حتى ينتهوا من الركعة التي يأتون بها ثم يسلم بها, هذه كلها جاء في صفة صلاة الخوف, وهذا يختلف اختلاف إذا ما كان العدو في القبلة أو كان على غير القبلة, هذا في حال المواجهة, أما في حال القتال إذا نسب القتال صار فيه جلاد قتل هذا لا يكمن أن يصلوا جماعة, يصلوا فرادي كل يصلى على حسب حاله, ومع ذلك ما يعذر الإنسان في تركه الصلاة, في وقت كان يجالد ويقاتل, النفوس تزهق والرقاب تنذر والصلاة واجبة, يجب كيف مثل هذا يقال انه يجوز أن تؤخر وقت الصلاة في وقت آخر في وقت السعة والعافية الصحة وليس للإنسان أي عذر في هذا, هذا من أبعد ما يكون أن يكون مثلا يؤخرها ثم يقال: أنه يقضيها, وأنها صحيح أما ما ذكر أنه يغتفر لشروطها ويغتفر لأركانها فإنه في مثل ما ذكرنا من الشروط استقبال القبل ومع ذلك يغتفر, وهذا من أحل المحافظة على الجماعة, ما يدل أيضا على وجوب الجماعة يعن يستدبرون القبلة, يتجهون العدو يصلون العدو إذا كان ليس بينهم وبين القبلة, وهو مستدبرين القبلة يتجهون للعدو ينظرون إليه, ومع ذلك يأخذون أسلحتهم ويستعدون, وهم في الصلاة يحملون الأسلحة و يستعدون لقاتله ويصلون على هذا الحالة, وأما كون الذي يضيع الصلاة يعم من ضيعها جملة ومن ضيع ركن منها أو شرك منها, هذا أيضا لأن الله جل وعلا يقول: {وأقيموا الصلاة}, في كل الأوامر التي جاءت في القرآن يأمر جل وعلا بإقامة الصلاة, وإقامة الصلاة هو الإتيان بها تامة, بشروطها وأركانها التي أشترط الرسول [رمز] للصلاة هي الأركان التي جعلها لها, والواجبات أم إذا ترك شيء من ذلك فإنه لم يقم الصلاة, وإن صلى, صلى ولكنه ما أقام الصلاة وكل أمر للصلاة في كتاب الله, جاء بهذه الصيغة أقيموا الصلاة, ومعلوم أن إقامة الشيء هو أن يؤتي به تاما, ليس ناقص أما إذا كان ناقصا فليس مقام, لم يقم وأن أتي به فهو غير قائم, بل هو معوج فيه اعوجاج, فيه نقص فإذا يكون ترك ما يلزم لها من إضاعتها, وهو واضح ظاهر. 

 وقوله : ولو قبلت منهم في غير وقتها وصحت لجاز لهم تأخيرها إلى وقت الأمن, وإمكان الإتيان بها وهذا يدل على أنها بعد خروج وقتها لا تكون جائزة, ولا مقبولة منهم مع العذر الذي أصابهم في سبيله وجهاد أعدائه. 

فكيف تقبل من صحيح مقيم لا عذر له البتة؟ وهو يسمع داعي الله جهرة فيدعها حتى يخرج وقتها ثم يصليها في غير الوقت؟! 

وكذلك لم يفسح في تأخيرها عن وقتها للمريض بل أمره أن يصلي على جنبه بغير قيام ولا ركوع ولا سجود إذا عجز عن ذلك ولو كانت تقبل منه وتصح في غير وقتها لجاز تأخيرها إلى زمن الصحة . 

فأخبرونا أي كتاب أو سنة أو اثر عن صاحب نطق بأن من أخر الصلاة وفوتها عن وقتها, الذي أمر الله بإيقاعها فيه عمدا يقبلها الله منه 
بعد خروج وقتها وتصح منه وتبرأ ذمته منها ويثاب عليها ثواب من أدى فريضته, هذا والله ما لا سبيل لكم إليه البتة حتى تقوم الساعة ! 

ونحن نوجد لكم عن أصحاب رسول الله [ص] مثل ما قلناه وخلاف قولكم.  

فصلٌ 

في قول أبي بكر الصديق الذي لم يعلم أن أحدا من الصحابة أنكره عليه . 

 قال عبد الله بن المبارك: أخبرنا إسماعيل ابن أبي خالد عن زيد أن أبا بكر قال لعمر بن الخطاب: إني موصيك بوصية إن حفظتها لم يضرك شيء إن لله حقا بالنهار لا يقبله بالليل, وحقا بالليل لا يقبله بالنهار, وإنها لا تقبل نافلة حتى تؤدي الفريضة. 

وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة بإتباعهم في الدنيا الحق وثقله عليهم وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا, وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة بإتباعهم الباطل وخفته عليهم وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يخف. 

 وإن الله عز وجل ذكر أهل الجنة وصالح ما عملوا وتجاوز عن سيئاتهم, فإذا ذكرتهم خفت ألا تكون منهم, وذكر أهل النار وأعمالهم فإذا ذكرتهم قلت: أخشى أن أكون منهم: وذكر آية الرحمة وآية العذاب ليكون المؤمن راغبا راهبا, فلا يتمنى على الله غير الحق ولا يلقى بيده إلى التهلكة. 

فإن حفظت قولي فلا يكونن غائب أحب إليك من الموت ولا بد لك منه, وإن ضيعت وصيتي فلا يكونن غائبا أبغض إليك من الموت ولن تعجزه. 

 

الشرح 

المقصود هنا ولله حق في النهار لا يقبله في الليل حق في الليل لا يقبله في النهار, ومقصده بهذا الصلوات المؤقتة المحددة وكذلك الصوم فحق الصوم أن يكون بالنهار لا يقبل بالليل, الصلاة التي في النهار لا تقبل في الليل هذا دليل على أنه إن كان قول الصحابة حجة, يعنى هو حجة عند جمهور العلماء, أنه إذا أخر الصلاة حتى يخرج وقتها أنها غير مقبولة, ولكن قد يكون الإنسان جاهلا فيترك الصلاة, جهلا منه أو متهاونا بها مع عدم جحودها, أو متكاسل, تكاسل ثم ذهب وقتها, وقد يكون الصلوات كثيرة أو قد يكون في وقت من الأوقات وهو لا يؤدي الصلاة لأنه إما سفيه وإما عنده من اللهو ومن التغافل ما يمنعه من ذلك, ثم بعد ذلك تبين له أنه على خطأ, فمثل هذا لا يقال له تقضي ما فات, أو انه الذي فات انتهى وعليه أن يستقبل عمره بأعمال جديدة, وتوبة تمحوا ما سبق هذا هو الصواب لأنه حتى لو قضي على قول المحققين الذين ذكروا أنها لا تقبل ولا فائدة فيها, لو قضاها في غير مقبولة وغير مفيدة, فهي تعب بلا فائدة, وإنما المفيد أن يستغفر ويتوب ويكثر من الصلاة النافلة ما استطاع, أم الذي مضي انتهي, وإذا جاءت التوبة الصحيحة المستوفية للشروط, فإنها تمحوا ما قبلها الذي قبلها يمحي, كما قال الله جل وعلا: { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا }[الزمر:53]وهذه في التائبين هذه الآية في التائب, أما قوله جل وعلا: { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}[النساء:48]وصفنا الشرك فقط فيقال أيضا: الصلاة تدخل فيه, الصلاة تركها ليس شرك لا يدخل فيه يقال: ليس هذا هو الذي يتكلم به هؤلاء، هؤلاء يقولون أن ترك الصلاة كفر, ليس مجرد معصية حتى يدخل فيه هذا الاستثناء, بل هو كفر بالله وخروج من الدين الإسلامي لأنه هدم للدين إذ أن الدين له عمود يبني عليه يقوم عليه وهو الصلاة, وإذا سقط العماد أنه لا فائدة فيه ينتهي وهي قرينة الشاهدتين, التي لا يمكن أن يقبل أي عمل من أعمال الناس إلا لمن شهدهما وعمل بمدلولهما, الصلاة كذلك مثلها ولها خاصية, عن بقية الأركان الأخرى, والمرجع في هذا الأدلة من سنة رسول[رمز] ومن قول الله جل وعلا لأنه هذا ليس من باب القياس ولا من باب التواضع وإتباع البعض والتقليد, وإنما هو بمقتضي الأدلة, فإذا كان يخرج الدين الإسلامي فالكافر لا يؤمر بأن يقضي ما مر عليه في وقت كفره من إهمال وترك العبادات يكون هذا مثله, وهذا هو الراجح فإذا كان الإنسان فرط يعنى مر عليه, شيء من يعنى أنه لا فرق بين كونه تركه عمدا أو تركه جهلا وتكاسلا وتفريطا ما في فرق كله سواء وإنما الذي يقضي فقط إذا كان ناسيا أو نائما لأنه لا يؤاخذ بذلك لا يؤاخذ بالنسيان ولا بالنوم, أما إذا كان يتركها مع وجود الذكر والعلم والاستطاعة استطاعة الفعل, فهذا ما يفده قضاؤها إذا خرج وقتها. 

 وقوله :وقال هناد بن السري حدثنا عبده عن إسماعيل ابن أبي خالد عن زيد اليامي قال: لما حضرت أبا بكر الوفاة فذكره. 

قالوا: فهذا أبو بكر قال: إن الله لا يقبل عمل النهار بالليل ولا عمل الليل بالنهار ومن يخالفنا بهذه المسألة يقولون بخلاف هذا صريحا, وأنه يقبل صلاة العشاء الآخرة وقت الهاجرة, ويقبل صلاة العصر نصف الليل! 

 قالوا: فهذا قول أبي بكر وعمر وابنه عبد الله وسعد ابن أبي وقاص وسلمان الفارسي وعبد الله بن مسعود والقاسم بن محمد ابن أبي بكر وبديل العقيلي، ومحمد بن سيرين ، ومطرف بن عبدالله ، وعمر بن عبدالعزيز رضي الله عنهم ، وغيرهم . 

 

الشرح 

والقاسم بن محمد بن أبي بكر ليس من الصحابة, هذا تابعي ولكن هذا أحد الفقهاء السبعة, الذين عليهم مدار الفتوى من التابعين, انتهي من ذكر الصاحبة وصار يذكر أتباع الصحابة. 

 وقوله : قال شعبة عن يعلى بن عطاء عن عبد الله بن خراش قال: رأى ابن عمر رجلا يقرأ في صحيفة قال له يا هذا القارئ إنه لا صلاة لمن لم يصل الصلاة لوقتها فصل ثم أقرأ ما بدا لك. 

قالوا: ولا يصح تأويلكم ذلك على أنه لا صلاة كاملة لوجوه: 

أحدها: أن النفي يقتضي نفي حقيقة المسمى والمسمى هنا هو الترتيب وحقيقة منتفية هذه حقيقة اللفظ فما الموجب للخروج عنها؟. 

 الثاني: إنكم إذا أردتم بنفي الكمال، الكمال المستحب فهذا باطل, فإن الحقيقة الشرعية لا تنتفي لنفي مستحب فيها, وإنما تنتفي لنفي ركن من أركانها وجزء من أجزائها, وهكذا كل نفي ورد على حقيقة شرعية كقوله: «لا إيمان لمن لا أمانة له», وقوله: «لا صلاة لمن لا وضوء له, ولا عمل لمن لا نية له ولا صيام لمن لا يبيت الصيام من الليل ولا صلاة لمن لا يقرأ بفاتحة الكتاب». 

ولو انتفت لانتفاء بعض مستحباتها فما من عبادة إلا وفوقها من جنسها ما هو أحب إلى الله منها. 

وقد ساعدتمونا على أن الوقت من واجباتها فإن انتفت بنفي واجب فيها لم تكن صحيحة ولا مقبولة.  

الثالث: إنه إذا لم يكن نفي حقيقة المسمى فنفي صحته والاعتداد به اقرب إلى نفيه من كماله المستحب . 

وقال محمد بن المثنى: حدثنا عبد الأعلى حدثنا سعيد ابن أبي عروبة عن قتادة قال: ذكر لنا أن عبد الله بن مسعود كان يقول: إن للصلاة وقتا كوقت الحج فصلوا الصلاة لميقاتها . 

فهذا عبد الله قد صرح بأن وقت الصلاة كوقت الحج, فإذا كان الحج لا يفعل في غير وقته فما بال الصلاة تجزيء في غير وقتها؟ 

وقال عبد الرزاق:عن معمر عن بديل العقيلي قال: بلغني أن العبد إذا صلى الصلاة لوقتها صعدت ولها نور ساطع في السماء وقالت حفظتني حفظك الله وإذا صلاها لغير وقتها طويت كما يطوى الثوب الخلق فيضرب بها وجهه. 

فصلٌ 

قال الذين يعتدون بها بعد الوقت ويبرئون بها الذمة, واللفظ لأبي عمر ابن عبد البر فإنه انتصر لهذه المسألة أتم انتصار, ونحن نذكر كلامه بعينه. 

قال في الاستذكار في باب النوم عن الصلاة قرأت على عبد الوارث أن قاسما حدثهم حدثنا أحمد بن زهير حدثنا ابن الأصبهاني حدثنا عبيدة بن حميد عن يزيد بن أبي زياد عن تميم بن سلمة عن مسروق عن ابن عباس قال: كان رسول الله في سفر فعرسوا من آخر الليل, فلم يستيقظوا حتى طلعت الشمس فأمر بلالا فأذن, ثم صلى ركعتين قال ابن عباس: فما يسرني بها الدنيا وما فيها يعني: الرخصة. 

 

الشرح 

هذا سبق أن هذا عذر للنائم وأن الحكمة في هذا حتى إذا ما وقع الإنسان في النوم أو السهو, أنه يقع في تحصر أو كآبة أو في حزن لأن مصل هذا وقع لسيد البشر [رمز], وهو الغاية والقدوة والأسوة, فهذا من فضل الله وهذا هو سبب فرح عبد الله بن عباس [رمز] يفرح بهذا وليس معنى ذلك أنه يجوز للإنسان أن يؤخر الصلاة, مع إمكانه أن يصلى يؤخرها حتى يخرج الوقت, فيكون هذا دليل على جواز أدائها في غير وقتها لمن لم يصليها وهو متمكن من الصلاة ولم يكن معذورا, مثل هذا لا يدل عليه. 

  وقوله : قال أبو عمر: ذلك عندي والله اعلم لأنه كان سببا إلى أن أعلم أصحابه المبلغين عنه إلى سائر أمته بأن مراد الله عن عباده في الصلاة, وإن كانت مؤقتة أن من لم يصلها في وقتها يقضيها أبدا متى ذكرها ناسيا كان لها أو نائما عنه أو متعمدا لتركها. 

 الشرح 

هذه عجيب هذا من الإمام ابن عبد  البر أن يجعل النائم والمتعمد كالناسي, فهذا قياس مع الفارق ولكن من المعلوم أن الإنسان إذا انتصر لشيء إنه يحاول أن يأتي بأدلة وإن كانت الأدلة قد تكون على خلاف المدلول عليه, فهذه في الناسي فقط ومعلوم أن النص لا يجوز إخراجه عن محل وروده, وإلا يكون تستطيع جديد, وأمر زائف فالنص جاء في النوم أم العمد فجاء فيه نصوص أخرى, وهذا أخرج عموم النصوص الأخرى أن يدخل فيها النوم, فكيف تعكس القضية, فالعكس هنا كونه لا مبرر له. 

وقوله : ألا ترى ألا حديث مالك في هذا الباب عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن رسول الله قال: «من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها» . 

والنسيان في لسان العرب يكون للترك عمدا أو يكون ضد الذكر قال الله تعالى: {نسوا الله فنسيهم}, أي تركوا طاعة الله والإيمان بما جاء به رسول الله فتركهم الله من رحمته وهذا لا خلاف فيه ولا يجهله من له اقل علم بتأويل القرآن. 

 

الشرح 

ولكن هذا ليس مقصودا في من يترك الصلاة عمدا ثم يقال له: صلها عندما تفرغ وتريد, فتكون قد أديت الواجب الذي وجب عليك فإن هذا في الواقع تلاعب في أمر الله, وأمر رسوله وإلا ما فائدة الوقت إذا, كونه وقتا محددا كون الصلاة جعلها الله على المؤمنين كتاب موقوتا, لو كان كذلك صار الوقت ما في يعنى تحديد ولازما حتما أن يصليها في وقتها ومعلوم أن هذا خلاف النصوص. 

 

*** 

وقوله : فإن قيل فلم خص النائم والناسي بالذكر في قوله في غير هذا الحديث: «من نام عن الصلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها». 

قيل: خص النائم والناسي ليرتفع التوهم والظن فيهما لرفع القلم في سقوط التأثيم عنهما بالنوم والنسيان فأبان رسول الله [رمز] أن سقوط الإثم عنهما غير مسقط لما لزمهما من فرض الصلاة, وأنها واجبة عليهما عند الذكر لها يقضيها كل واحد منهما بعد خروج وقتها إذا ذكرها. 

ولم يحتج إلى ذكر العامد معهما لأن العلة المتوهمة في الناسي والنائم ليست فيه ولا عذر له في ترك فرض قد وجب عليه من صلاته إذا كان ذاكرا له . 

وسوى الله سبحانه وتعالى في حكمها على لسان رسوله بين حكم الصلاة المؤقتة, والصيام المؤقت في شهر رمضان, بل كل واحد منهما يقضى بعد خروج وقته, ونص على المريض والمسافر في الصوم . 

 

الشرح 

لكن هذا قياس غير صحيح لأن الذين نص  عليه في الصيام للمريض والمسافر هو الذي حدد له وقت آخر فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر, أما إذا كان صحيحا يقال له: كل واشرب واعمل ما تشاء ثم صم يوما آخر فهذا لا يمكن لا يقال, فكذلك الصلاة, الصلاة التي قيل له أنك تصليها في غير وقتها عندما تستيقظ أو تذكر فقط للناسي والنائم, والناسي ليس التارك عمدا أما إذا كان تركها عمدا فنسيناه هنا تهاون وتعمد وعدم مبالاة, فهذا نسيها بمعنى أنها لا تساوى عنده شيء وبمعنى أنها لا يهتم بها ولا يكترث بها ولهذا قوبل من الله بجنس فعله, فأخبر الله أنه ينساه من رحمته وتركه في عذابه, نسوا الله فنسيهم أو نسوه انه ذهلوا وما تذكروا, نسوه يعنى عمدا تركوه تساهلا وتهاونا, فتركوا في العذاب وتركوا من الرحمة التي تكون لمن يذكر ربه فيعبده. 

وقوله : وأجمعت الأمة ونقل الكافة في من لم يصم شهر رمضان عامداً وهو مؤمن بفرضه وإنما تركه أشرا وبطرا ثم تاب منه بعد ذلك أن عليه قضاء. 

 الشرح 

هذا ليس صحيح ما أجمعت الأمة ولا نقل الكافة, والحديث بخلاف ذلك, حديث أبي هريرة: «من أفطر من رمضان متعمدا ما قضاه ولو صام الدهر كله», لو صام الدهر ما قضاه فكيف تجمع الأمة على خلاف قول رسول الله [رمز]. 

وقوله : وكذلك من ترك الصلاة عامداً. 

فالعامد والناسي في القضاء للصلاة والصيام سواء, ، وإن اختلفا في الإثم كالجاني على الأموال المتلف لها عامدا وناسيا سواء إلا في الإثم. 

وكان الحكم في هذا النوع بخلاف رمي الجمار في الحج, الذي لا يقضى في غير وقته لعامد ولا ناس لوجوب الدم فيما ينوب عنها. 

وبخلاف الضحايا أيضا، لأن الضحايا ليست بواجبة فرضا, والصلاة والصيام كلاهما فرض واجب ودين ثابت يؤدي أبدا , أن خرج الوقت المؤجل لهما قال رسول الله [رمز]:” دين الله أحق أن يقضى “. 

وإذا كان النائم والناسي للصلاة وهما معذوران يقضيانها بعد خروج وقتها, كان المتعمد لتركها الآثم في فعله ذلك وإن أبي لا يسقط عنه فرض الصلاة وأن يحكم عليه بالإتيان بها, لأن التوبة من عصيانه في عمد تركها هي أداؤها وإقامتها مع الندم على ما سلف من تركه لها في وقتها. 

وقد شذ بعض أهل الظاهر أي ابن حزم وأقدم على خلاف جمهور علماء المسلمين, وسبيل المؤمنين فقال: ليس على المتعمد لترك الصلاة في وقتها أن يأتي بها في غير وقتها, لأنه غير نائم ولا ناس وإنما قال رسول الله[رمز]: «من نام عن صلاته أو نسيها فليصلها إذا ذكرها». 

 قال والمتعمد غير الناسي و النائم. 

 

الشرح 

هذا الشذوذ الذي ذكره في الواقع ليس شذوذا من أهل الظاهر, الذي يقول إذا تركها عمدا فإنه لا سبيل إلى قضائها, بل هذا قال به جماهير من السلف ومن الخلف وهو القول الصواب الصحيح, وإنما هذا القول الذي ذكره رحمه الله لا يدل عليه دليل وإنما قياس مع الفارق قياسات مع الفارق فكيف يقاس مثلا  الناسي والنائم على المتعمد, هذا بعيد جدا, المتعمد له حكم والنائم والناسي له حكم آخر. 

 وقوله : قال: وقياسه عليهما غير جائز عندنا كما أن من قتل الصيد لا يجزيه عندنا. 

فخالف في المسألتين جمهور العلماء, وظن أنه يستتر في ذلك برواية شاذة جاءت عن بعض التابعين شذ فيها عن جماعة من علماء المسلمين, وهو محجوج بهم مأمور بإتباعهم. 

فخالف هذا الظاهري طريق النظر والاعتبار, وشذ عن جماعة علماء الأمصار ولم يأت فيما ذهب إليه من ذلك بدليل يصح في العقول . 

ومن الدليل على أن الصلاة تصلى وتقضي بعد خروج وقتها كالصيام سواء, وإن كان إجماع الأمة الذين أمر من شذ عنهم بالرجوع إليهم وترك الخروج عن سبيلهم ... 

 

الشرح 

لكن هذه الدعوى يقال له: أين الإجماع أين إجماع الأمة وأين الأدلة؟ أما مجرد كلام مجرد إدعاء فهذا كل يمكنه أن يتكلم وأن يدعي, وأنهم العبرة في هذا الأدلة الصحيحة الصريحة وأما كونه يأتي بالقياس الفاسد فيجعل دليل هذا غير صحيح, ومن هذا القبيل قال بعض العلماء من تتبع رخص العلماء تزندق صار زنديقا, فأحيانا كون الإنسان وإن كان عالما وإن كان تقيا, أحيانا يكون له ذلة ويكون له هفوة, وأحيانا يرى شيء في وقت ما يراه في الآخر, ولا أحد يسلم من الخطأ إلا رسول الله [ص], ولهذا يقول إمام دار الهجرة مالك ابن أنس [رمز]: كل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر [رمز], ويقول: كلنا راد ومردود عليه, كل واحد يكون يرد على الآخر والآخر يرد عليه, وكل واحد قوله يجب أن يعرض على قول الله وقول رسوله [رمز], فإن وافق قول الله وقول رسوله [رمز], وجب قبوله ما هو لأنه قول فلان, بل لأنه وافق قول فلان وقول رسوله[رمز], أما إذا خالف فيجب رده على قائله مهما كان قائله مهما كان له من المكانة ومن العلم ومن التقي, يجب أن يرد ومع ذلك لا يجوز أن يخدش وأن يتنقص من حقه لأن الإنسان محل للخطأ والنسيان, وقديما قال العلماء: الكامل من عدت أخطائه, الذي تعد أخطائه يعنى يمكن أن يحصر أخطائه هذا كامل وإلا معظم الناس لا تحص أخطائهم, أخطائهم كثيرة ولهذا لما قيل للإمام أحمد أن غندر يخطأ في بعض الأسماء قال: سبحان الله أليس من بني آدم يعنى كل بني آدم يخطئون لهم أخطاء ولا يجوز للإنسان أن يتتبع أخطاء العلماء, بل يجب أن يتبع الحق يجب أن يبحث عن الحق وأن يتبعه وإذا تبين له لا يعدل به شيء, ولكن قد يخفي الحق على بعض الناس ولاسيما الذي يتكلم عنده من البلاغة والفصاحة وعنده من المقدرة على أظهار حجته, فإن هذا قد يلتبس على من يقرأ كلامه أو من يسمع كلامه, فعليه أن يتوقف وعليه أن يتثبت قد قال الرسول [رمز] لما ذكر الحكم: «إني بشر ربما يكون أحدكم ألحن بحجته من الآخر, فأقضي له على نحوا ما أسمع فإذا قضيت له بخلاف الحق فإنها قطعة من النار إن شاء أخذها وإن شاء تركها», أو نحو ذلك وما يقول الشاعر:  

تقول منجاج النحل تمدحه وإن شئت قلت قئ الزنابير, مدحًا وذمًا وما جاوزت وصفتها والحق قد يعتريه سوء تعبير. 

يعنى قد يكون الذي معه الحق تعبيره قاصر ويكون الذي معه الباطل تعبيره شامل بين فيخفي الحق أمام هذا التأثير, الله جل وعلا يقول في صفة المنافقين: { وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ}[المنافقون:4] يعنى أنهم لهم مناظرة جميلة وحسنة تعجبك, وعندهم فصاحة وبلاغة في إذا نطقوا وتكلموا أيضا تستمع لهم وتتعجب من كلامهم, ولكن ليس هذا وصف المؤمنين العلماء لا, ولكن المقصود انه قد يغطي على الحق بالباطل ويلتبس فيجب على الإنسان أن يقف في هذا ويبحث على الحق. 

 وقوله : ومن الدليل على أن الصلاة تصلى وتقضي بعد خروج وقتها كالصيام سواء, وإن كان إجماع الأمة الذي أمر من شذ عنهم بالرجوع إليهم وترك الخروج عن سبيلهم يغني عن الدليل في ذلك قول النبي [رمز] من أرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح  ولم يستثن متعمدا من ناس. 

 الشرح 

 في هذا الاستدلال من الإمام ابن عبد البر رحمه الله, غرابة وذلك لأن الحديث يدل على أنه يدرك فيه الوقت, من أدرك ركعة قبل غروب الشمس فقد أرك العصر, فقد أدرك العصر فهذا وقتها لم يخرج لأنه أدرك ركعة من الوقت فإذا أدرك الركعة وكمل عليها البقية, فإنه دخل في الصلاة في الوقت, دخل فيها في وقتها إذا كان دخل فيها وفي وقتها وإن كان بعضها خرج عن الوقت, لا يكون دليل على أن التارك للصلاة عمدا يقضيها بعد خروج الوقت, وهو استدلال في غير محله وكذلك صلاة الفجر إذا أدرك الإنسان ركعة قبل ان تطلع الشمس منها فقد أدرك الوقت كما قال الرسول[رمز]: يعنى أنه دخل في الصلاة في وقتها, ومع ذلك المتعمد آثم في مثل هذا, لأنه يجب عليه أن يأتي بالصلاة في وقتها المختار, ولهذا كان الرسول [رمز] يأمر إذا كان علينا غيمة أن نبادر بصلاة العصر, إذا كان في السماء غيم يبادروا بصلاة العصر, فإن من فاتته صلاة فقد حبط عمله, إذا تأخر الإنسان هذا الحد عامدا قاصدا فهو آثم ولكنه أدي الصلاة أدي ما عليه. 

  وقوله : ونقلت الكافة عنه أن من أدرك ركعة من صلاة العصر قبل الغروب صلى تمام صلاة العصر بعد الغروب, وذلك بعد خروج الوقت عند الجميع ولا فرق بين عمل صلاة العصر كلها لمن تعمد أو نسي أو فرط, وبين عمل بعضها في نظر ولا اعتبار. 

 

الشرح 

بل فيه فرق واضح جلي فإنه إذا أدرك ركعة فقد دخل في الصلاة في الوقت, أما إذا لم يدرك شيئا فإنه فات الوقت فإذا قدر أنه دخل في الصلاة فإنه في غير وقتها, ومن المعلوم بالإجماع أن الوقت شرط في صحة الصلاة, لابد منه لهذا يذكر العلماء شروط الصلاة, ومن شروطها قبلها ومن شروطها دخول الوقت والله جل وعلا يقول في كتابه: {الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا}[النساء:103]مؤقت يعنى محددة, فإذا خرج الوقت فقد خرج وقتها وقد أثم بل قد عصي بارتكاب هذا الأمر ومثل ما سبق يعنى هل إتيانه في هذه الصلاة في هذا الحالة هل هو طاعة أم معصية لأنه في الواقع ترك أمر الله والكلام في المتعمد ليس في الناسي, أو النائم الناسي والنائم لا كلام فيه لأن الوقت في حقه إذا استيقظ أو إذا ذكر هذا وقته الوقت في حقه ولكن المتعمد. 

 

وقوله : ودليل آخر وهو أن رسول الله [رمز] لم يصل هو ولا أصحابه يوم الخندق صلاة الظهر والعصر حتى غربت الشمس, لشغله بما نصبه المشركون من الحرب, ولم يكن يومئذ نائما ولا ناسيا ولا كانت بين المسلمين والكافرين يومئذ حرب قائمة ملتحمة وصلى الظهر والعصر بالليل. 

 

الشرح 

وهذا عجيب كما كان الحرب وخيول الكفار ترصد غفلة المسلمين واقفين خلف الخندق غفلتهم حتى يقتحموا, هل هذا ليس هناك حرب واقفين بأسلحتهم يزودنهم لئلا يقتحموا, فهي حرب قائمة. 

 

*** 

وقوله : ودليل آخر أيضاً، وهو أن رسول الله[رمز] قال بالمدينة لأصحابه يوم انصرافه من الخندق: «لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة», فخرجوا مبادرين وصلى بعضهم العصر دون بني قريظة خوفا من خروج وقتها المعهود, ولم يصلها بعضهم إلا في بني قريظة بعد غروب الشمس لقوله[رمز]: «لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة». 

فلم يعنف رسول الله [رمز] أحدا من الطائفتين, وكلهم غير ناس ولا نائم وقد أخر بعضهم الصلاة حتى خرج وقتها ثم صلاها, وقد علم رسول الله [رمز]  ذلك فلم يقل لهم إن الصلاة لم تصل في وقتها ولا تقضى بعد خروج وقتها. 

 

الشرح 

وهذا أيضا من أعجب ما يكون, لأن هذا كيف يستدل بالخطاب الذي وجه إلى طائفة معينة وفهموا منه خطاب الرسول [رمز] وامتثلوا أن يكون عاما في الأمة كلها وهو لهؤلاء الطائفة قال لهم: «لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة», حثا منه على المبادرة إلى القتال وجهاد الخونة الذين خانوا الله وخانوا رسوله وظاهروا الكفار على رسول الله [رمز], وهذا ظاهر الخطاب: «لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة», وهذا يقوله بعد صلاة الظهر يقولوه لهم يحثهم على الخروج إلى بني قريظة فلما خرجوا وصاروا في أثناء الطريق وجبت صلاة العصر, وصاروا فريقين: فريق يقول: ما أراد منا رسول الله [رمز] تأخير الصلاة, وإنما أراد منا سرعة الخروج والمبادرة فصلوا العصر في الطريق لعلمهم أن رسول الله [رمز] ما أمرهم بتأخير الصلاة, فريق آخر أخذ بظاهر القول: خطابه لنا أننا ما نصلى إلى في بني قريظة, ولن نصلى إلى في بني قريظة فأخروا الصلاة وصاروا, وقسم منهم وقفوا وصلوا, ثم لم يصلوا بني قريظة إلا بعد غروب الشمس صلوا العصر بعد غروب الشمس, في بين قريظة فلما لحق بهم الرسول [رمز] وذكروا له ذلك لم يعنف على طائفة من الطائفتين, يعنى أنها هؤلاء الذين أخروا الصلاة صاروا معذورين لأنهم تعلقوا بظاهر الخطاب, ومن تعلق بخطاب خاص به لا يكون متعديا إلى غيره, مثل هذا ما أحد يقول من العلماء أنه عام, في الأمة كلها وإنما هو في أولئك النفر فقط, الذي خطبوا بهذا, فكيف يستدل بهذا على جواز تأخير الصلاة, عن وقتها أو أنها إذا أخرت وتركت عمدا عنادا أنه يؤديها وكأنها يؤديها في وقتها وقد برأت ذمته هذا بعيد لا في القياس ولا في الاستدلال وفي النظر. 

 

*** 

وقوله : ودليل آخر وهو قوله: «سيكون بعدي أمراء يؤخرون الصلوات عن ميقاتها», قالوا: أفنصليها معهم؟ قال: «نعم» . 

 حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا إسحاق بن الحسن الحربي حدثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود حدثنا سفيان الثوري عن منصور عن هلال بن يساف عن أبي المثنى الحمصي قال: أتى إلي عن امرأة عبادة بن الصامت عن عبادة بن الصامت قال: كنا عند النبي [رمز] فقال: «إنه سيجيء بعدي أمراء تشغلهم أشياء حتى لا يصلوا الصلاة لميقاتها», قالوا: نصليها معهم يا رسول الله؟ قال: «نعم» . 

 قال ابو عمر: أبو مثنى الحمصي هو الأملوكي ثقة. 

 وفي هذا الحديث أن رسول الله [رمز] أباح الصلاة بعد خروج ميقاتها ولم يقل إن الصلاة لا تصلى إلا في وقتها!. 

 

الشرح 

في الواقع أن هذا فيه إجمال وفيه شبه تلبيس لأن  الحديث تقدم أنه [رمز] قال لأصحابه: «إنه سيكون أمراء يؤخرون الصلاة عن ميقاتها», فقالوا: ألا نقاتلهم؟ قال: «لا ما صلوا», ثم قال: «صلوا الصلاة في وقتها ثم صلوا معهم تكون لكم  نافلة», فأمرهم بالصلاة في وقتها, أمرهم أن يصلوا معهم وتكون لهم نافلة صلاتهم معهم خشية أن يكون ذلك خروج عليهم, فيكون هناك قتال وهناك تفرق, لأنه صلوات الله وسلامه عليه ينهي عن هذا فمادام الأمراء يصلون فلا يجوز الخروج عليه, ومعنى هذا أنهم يؤخرونها إلى آخر وقتها, يؤخرون الظهر إلى قرب العصر أو إلى وقت العصر, ويؤخرون العصر إلى اصفرار الشمس, وما كانوا يؤخرونها إلى غروب الشمس, ويصلون بعد الغروب, فهذا يقع وشوهد منهم, فمعنى ذلك أنهم أدوها في وقتها ولكن الوقت الضروري الذي لا يجوز أن تصلى الصلاة فيه بالاختيار والسعة, ومع ذلك أمر [رمز] أن يصلوا معهم حتى يكون ذلك في الالتئام والاتفاق, وعدم النفرة والخروج فليس في هذا دليل على أن الصلاة تصلى في غير وقتها ويكون عداء يكون مثل من صلاها في وقتها. 

 

*** 

والأحاديث في تأخير الأمراء الصلاة حتى يخرج وقتها كثيرة جداً. 

وقد كان الأمراء من بني أمية وأكثرهم يصلون الجمعة عند الغروب وقد قال [رمز]: «إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى», وقد أعلمهم أن وقت الظهر في الحضر ما لم يدخل وقت العصر, وروي ذلك عنه من وجوه صحاح قد ذكرت بعضها في صدر الكتاب يعني الاستذكار في المواقيت. 

 

الشرح 

الذي روي أنهم يؤخرون الظهر إلى قرب العصر هذا الذي جاء،  ويؤخرون العصر إلى وقت الغروب إلى قرب غروب الشمس,  أما الجمعة كانوا يؤخرونها على غروب الشمس هذا ما نعرف أنه ورد, لأن الجمعة يجتمع لها الناس كلهم, وليس معقولًا أنهم يقومون يخطبون إلى غروب الشمس, لأن الذي دعاهم للتأخير هو الكلام والخطب والأمر والنهي الذي يوجهونه للناس. 

 

*** 

 وقوله : قال: وحدثنا عبد الله بن محمد بن راشد قال:  حدثنا حمزة بن محمد بن علي قال: حدثنا أحمد بن شعيب النسوي قال:  حدثنا سويد بن نصر قال: حدثنا عبد الله يعني ابن المبارك عن سليمان بن مغيرة عن ثابت عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة [رمز] أن رسول الله [رمز] قال: «ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى» . 

 فقد سمى رسول الله من فعل هذا مفرطًا والمفرط ليس بمعذور, وليس كالنائم والناسي عند الجميع من جهة العذر, وقد أجاز رسول الله صلاته على ما كان عليه من تفريطه. 

قال: وقد روي في حديث أبي قتادة هذا أن رسول الله [ص] قال: «وإذا كان الغد فليصلها لميقاتها». 

 

الشرح 

إن هذا باطل هذا القول, فالحديث لم يثبت عن رسول الله [رمز] وإنما الثابت أنه إذا ذكرها يصليها في الوقت الذي ذكرها فيه، هذا سواء نام عنها أو نسيها, فإذا استيقظ صلاها في أي وقت كان, وقت نهي أو غير نهي وإذا كان ناسيًا لها فإنه إذا ذكرها صلاها, أما إن يتركها إلى أن يأتي الوقت الثاني , فهذا باطل. 

  

 وقوله : وهذا أبعد وأوضح في أداء المفرط للصلاة عند الذكر وبعد الذكر، وحديث أبي قتادة هذا صحيح الإسناد, إلا أن هذا المعنى قد عارضه حديث عمران بن الحصين في نوم رسول الله [ص] في صلاة الصبح بسفره وفيه قالوا: يا رسول الله ألا نصليها لميقاتها من الغد؟ قال: «لا، إن الله لا ينهاكم عن الربا ثم يقبله منكم». 

 

الشرح 

وهذا ضعيف أيضًا

وقوله: وروى من حديث أبي هريرة عن النبي[ص]  مثله، وقد ذكرنا الأسانيد بذلك كله في ” التمهيد. 

وقد روى عبد الرحمن بن علقمة الثقفي وهو مذكور في الصحابة قال: قدم وفد ثقيف على رسول الله فجعلوا يسألونه فلم يصل يومئذ الظهر إلا مع العصر. 

وأقل ما في هذا أنه أخرها عن وقتها الذي كان يصليها فيه لشغل اشتغل به, وعبد الرحمن بن علقمة من ثقات التابعين وكبارهم. 

 

الشرح 

كان [رمز] إذا شغله شغل ما يصلى الصلاة في أول وقتها يؤخرها، ولكن ما كان يتركها إلى أن يأتي وقت الضرورة, ما كان يترك الظهر حتى وقت العصر, وإنما يؤخرها في آخر وقتها وكذلك العشاء أحيانًاأحيانًا يشغل في أمر المسلمين فيؤخر العشاء إلى أن ينام بعض الناس, وأما الأوقات التي مثل المغرب ومثل الفجر التي تكون وقتها قليل, فما جاء أنه يؤخرها صلوات الله وسلامه عليه, سواء عنده شغل إلا أنه جاء في الصحيح أنه أخر صلاة الفجر يومًا حتى كادت تطلع الشمس, ثم خرج وصلى بهم صلاة تجوز فيها ثم لما انتهى من صلاته قال: «مكانكم», فقال لهم: «إن الذي حبسني أني صليت ما شاء الله أن أصلي ثم غلبتني عيناي فنمت», فذكر القصة أنه رأي ربه جل وعلا وأنه سأله أسئلة ثم ذكر القصة, فهذا أيضًا لأمر عرض ومع ذلك هذا هو الوقت هذا هو وقتها لأنه ثبت أن جبريل عليه السلام أم رسول الله [رمز] في أول الوقت وآخره وقال له: الصلاة بين هذين الوقتين. 

 قوله: وقد أجمع العلماء على أن من تارك الصلاة عامدًا حتى يخرج وقتها عاص لله, وذكر بعضهم أنها كبيرة من الكبائر . 

وأجمعوا على أن على العاصي أن يتوب من ذنبه بالندم عليه, واعتقاد ترك العود إليه قال الله تعالى: {وتوبوا إلى الله جميعًا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون }, ومن لزمه حق لله أو لعباده لزمه الخروج منه. 

وقد شبه رسول الله [ص]  حق الله عز وجل بحقوق الآدميين وقال: «دين الله أحق أن يقضى». 

والعجب من هذا الظاهري في نقضه أصلًا بجهله وحبه لشذوذه وأصل أصحابه فيما وجب من الفرائض بإجماع, أنه لا يسقط إلا بإجماع مثله أو سنة ثابتة لا ينازع في قبولها, والصلوات المكتوبات واجبات بإجماع ثم جاء من الاختلاف شذوذ خارج عن أقوال علماء الأمصار, فاتبعه دون سنة رويت في ذلك وأسقط به الفريضة المجمع على وجوبها ونقض أصله ونسي نفسه!. 

 الشرح 

وهذا عجيب أيضًا ما فيه خلاف كون التوبة واجبة ما أحد ينازع فيها وأن الإنسان إذا عصا بترك الصلاة أنه يجب عليه أن يتوب, ولكن الخلاف في أنه إذا ترك الصلاة عمدا حتى خرج وقتها أنه إذا صلاها يكون أداءًا أو قضاءًا مقبولًا وأنها وقعة موقعها, الخلاف في هذا, فالذي ينازعه يقول: هذه ليست صلاة لا أداء ولا قضاء, لأنها فقدت شروطها ولأن الله لم يأمر بها على هذه الصيغة, ولأن تارك الصلاة عمدًا يكون كافرًا, والكافر عمله مردود جميعه فكيف يكون هذا خلافًا للإجماع وخلافًا ويكون نبذا للأصول,  بل الذي يقول هذا هو أقرب شيء إلى القياس وإلى الأصول أقرب من إلى القياس والأصول. 

 

وقوله : ثم ذكر أن مذهب داوود وأصحابه وجوب قضاء الصلاة إذا فوتها عمدًا, ثم قال: فهذا قول داود وهو وجه أهل الظاهر. 

وما أرى هذا الظاهري إلا وقد خرج عن جماعة العلماء من السلف والخلف. 

 الشرح 

قوله: وجه أهل الظاهر يعنى أنه قدوتهم وهو إمامهم, يقتدون به لأنه هو إمام الظاهرية, والظاهرية سموا ظاهرية لأنهم يأخذون بظواهر النصوص, ومعلوم أن الأخذ بظاهر النص واجب، ولكن قد يجمدون جمودًا يخرجهم عن الاعتدال في الواقع, تمسكًا بالظاهر لأن المقصود  إتباع الدليل ومن المعلوم أن أدلة الكتاب والسنة لا تتعارض يعنى بعضها لا يعارض بعض, وإنما يجب أن تتفق ويوافق بعضها بعضا, فإذا جاء ما ظاهره معارض للأخر في الحقيقة أن النظر الذي يرى أنه معارضة, أن هذا خطأ لأن في واقع الأمر ليس هناك معارضة, فعلى الإنسان أن يتهم رأيه ونظره ولا يتهم النصوص بأنها متعارضة, والنصوص لا تتعارض لأنها كلها من عند الله, وحي من عند الله ولكن لدقة هذه المآخذ أحيانًا قد يترك هذا الشيء ويقال: خذوا بالظاهر، وأحيانًا أيضًا يترك أمر معتبرًا مثل القياس الولي الواضح, يتركون وهم ينكرون القياس, يأخذون ما يسمونه ظاهر النصوص فقط مع أن القياس من النص لأن القياس أصله على حكم شرعي على نص شرعي يقاس أما قياس بالرأي فهذا لا يجوز. 

  قولهوخالف جميع فرق الفقهاء وشذ عنهم ولا يكون إماما في العلم من أخذ بالشاذ من العلم. 

وقد أوهم في كتابه أن له سلفا من الصحابة والتابعين تجاهلًا منه,  فذكر عن ابن مسعود ومسروق وعمر بن عبد العزيز في قوله: «أضاعوا الصلاة», أن ذلك عن مواقيتها ولو تركوها لكانوا بتركها كفارًا.

الشرح 

الظاهر أنه يشير إلى ابن حزم و ابن حزم هو رفيقه وزميله في الطلب متعاصران كلاهما معاصر للآخر وابن حزم ذكر هذه المسألة في المحلى, وذكر خلاف ما ذهب إليه ابن عبر البر, وانتصر له ويظهر انه يرد عليه في هذا. 

 وقوله : وهو لا يقول بتكفير تارك الصلاة عمدًا إذا  أبى إقامتها, ولا بقتله إذا كان مقرًا بها فقد خالفهم فكيف يحتج بهم ! 

على انه معلوم أن من قضى الصلاة فقد تاب من تضييعها قال تعالى: {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صلحا ثم اهتدى}. 

لشرح 

ولكن هذا ما هو محل الشاهد وتمسكه في مثل هذا تمسك بشيء خارج عن محل النزاع, لأن التوبة لا أحد ينازع فيها, أنه إذا تاب الإنسان من ذنبه وأناب وعمل صالحًا ثم اهتدى, أن هذا أمر متفق عليه أنه على الحق أن يقبله وأن هذا هو المطلوب لله جل وعلا من العباد, يطلب من العباد أن يكونوا كذلك, رأينا من هذا من يترك الصلاة عمدًا ثم يقضيها في  غير وقتها يقال: أنها صحيحة وأنها مقبولة, أما إذا تاب من ذنبه وندم وأداها في وقتها فلا خلاف في هذا الكلام.

وقوله : ولا تصح لمضيع الصلاة توبة إلا بأدائها كما لا تصح التوبة من دين الآدمي إلا بأدائه. 

 الشرح 

كذلك لو قال له منازع يقول: نعم لا تصح توبة من الصلاة إلا بأدائها ولكن في وقتها, ليس إذا خرج وقتها أما أدائها في خارج وقتها فهذا ذنب يجب أن يتاب منه. 

وقوله : ومن قضى صلاة فرط فيها فقد تاب وعمل صالحًا والله لا يضيع أجر من أحسن عملا. 

وذكر عن سلمان [عليه السلام]  أنه قال: الصلاة مكيال فمن وفاه وفي له ومن طففه قد علمتم ما قاله الله في المطففين, وهذا لا حجة فيه لأن الظاهر من معناه أن المطفف قد يكون من لم يكمل صلاته بركوعها وسجودها وحدودها وإن صلاها في وقتها. 

وذكر عن ابن عمر أنه قال: لا صلاة لمن لم يصل الصلاة لوقتها, وكذا نقول لا صلاة له كاملة الأجزاء كما جاء لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ولا إيمان لمن لا أمانة له. 

 

الشرح 

الحديث هذا الذي هو لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد حديث ضعيف, وأم قول ابن عمر فهو ثابت قوله, لكن التأويل هذا يخرجه عن ظاهره, ويضطر إلى التأويل حتى يتفق مع ما مذهب إليه, وهو تأويل باطل في الواقع, فلم يعهد كما سبق في لسان الشارع لسان رسول الله [رمز] أو كلام الله جل وعلا أنه ينفى شيء, لأجل أنه سقط المستحبات منه, وإنما ينفس إذا فقد الشرط أو واجب يقال: لا صلاة لمن وضوء له, أما أن يقال: لا صلاة لمن لم يتعوذ بالله من فتنة الدجال أو فتنة المحيى والممات فهذا لا يجب لم يرد, لأنه ما في صلاة لانتفاع المستحب, لا يجوز ولم يأتي عن الشارع,  فلهذا كون هذا التأويل باطل تأويله هذا أنها يعنى لك كاملة إلا إذا أراد الكمال الواجب إذا أراد الكمال الواجب نعم, والكمال الواجب يعنى أنه ترك إما شرط وإما ركن, وإذا ترك الشرط أو الركن فاعتبارها فيه نظر لا يعتبر مع القدرة على إتيانها. 

 

وقوله : ومن قضى الصلاة فقد صلاها وتاب من نسي عمله بتركها. 

وكل ما ذكر في هذا المعنى فغير صحيح, ولا له في شيء منه حجة لأن ظاهره خلاف ما تأوله.  

فصل ٌ 

قال المانعون من صحتها بعد الوقت وقبولها لقد أرعدتم وأبرقتم ولم تنصفونا في حكاية قولنا على وجهه ولا في نقلنا مذاهب السلف, ولا في حججنا فإنا لم نقل قط ولا أحد من أهل الإسلام إنها سقطت من ذمته بخروج وقتها, وإنها لم تبق واجبة عليه حتى تجلبوا علينا بما أجلبتم وتشنعوا علينا بما شنعتم. 

بل قولنا وقول من حكينا قوله من الصحابة والتابعين أشد على مؤخر الصلاة ومفوتها من قولكم، فإنه قد تحتمت عقوبته, وباء بإثم لا سبيل له إلى استدراكه إلا بتوبة يحدثها وعمل يستأنفه. 

وقد ذكر من الأدلة ما لا سبيل لكم إلى رده فإن وجدتم السبيل إلى الرد فأهلًا بالعلم أيًا كان ومع من كان, فليس القصد إلا طاعة الله وطاعة رسوله [ص] ومعرفة ما جاء به. 

ونحن نبين ما في كلامكم من مقبول ومردود. 

فأما قولكم إن سرور ابن عباس بتلك الصلاة التي صلاها بعد طلوع الشمس لأنه كان سببًا إلى أن أعلم رسول الله أصحابه المبلغين عنه إلى سائر أمته بأن مراد الله من عباده في الصلاة وإن كانت مؤقتة أن من لم يصلها في وقتها يقضيها أبدًا ناسيًا كان لها أو نائما أو متعمدًا لتركها فهذا ظن محض منكم, أن ابن عباس أراده! 

ومعلوم إن كلامه لا يدل على ذلك بوجه من وجوه الدلالة ولا هو يشعر به, ولعل ابن عباس إنما سر بها ذلك السرور العظيم لكونه صلاها مع رسول الله [ص] وأصحابه, وفعل مثل ما فعلوا وحصل له سهمان من الأجر كما حصل للصحابة. 

وخص تلك الصلاة بذلك تنبيهًا للسامع أنها مع كونها ضحى قد فعلت بعد طلوع الشمس, فلا يظن أنها ناقصة وأنها لا أجر فيها ” فما يسرني بها الدنيا وما فيها. 

 

الشرح 

الظاهر أن سرور ابن عباس مثل ما سبق أن في هذا رحمة وإحسان من الله للأمة, حيث أنام رسوله[رمز] فصلها من بعد وطلوع الشمس في غير وقتها, فكان من حصل له شيء من ذلك يكون رسول الله [رمز] قدوة له وأسوة ولا يعود باللوم, أو التحسر أو الندم الذي قد يحرقه، لأنه وقع من أفضل الخلق وخيرهم فالظاهر أن هذا السرور من أجل ذلك من أجل هذا، أم كونه صلاها معه فابن عباس صلى صلوات كثيرة مع رسول الله [ص] فكيف يسر بهذه دون الصلوات الأخرى. 

 وقول : وليس ما فهمتموه عن ابن عباس أولى من هذا الفهم . 

ولعله أراد أن ذلك من رحمة الله بالأمة, ليقتدي به من نام عن الصلاة ولم يفرط بتأخيرها. 

فمن أين يدل كلامه هذا على أن سروره بتلك الصلاة لأنها تدل على أن من لم يصل وأخر صلاة الليل إلى النهار عمدا, وصلاة النهار إلى الليل أنها تصح منه وتقبل وتبرأ بها ذمته؟ 

وإن فهم هذا من كلام ابن عباس لمن أعجب العجب, فأخبرونا كيف وقع لكم هذا الفهم من كلامه وبأي طريق فهمتموه؟ 

فصلٌ 

وأما قولكم إن النسيان في لغة العرب هو الترك كقوله: {نسوا الله فنسيهم}, فنعم لعمر الله إن النسيان في القرآن على وجهين نسيان ترك ونسيان سهو ولكن حمل الحديث على نسيان الترك عمدًا باطل لأربعة أوجه: 

 أحدها: أنه قال: «فليصلها إذا ذكرها», وهذا صريح في أن النسيان في الحديث نسيان سهولا نسيان عمد وإلا كان قوله: إذا ذكرها، كلامًا لا فائدة فيه, فالنسيان إذا قوبل بالذكر لم يكن إلا نسيان سهو كقوله:  {واذكر ربك إذا نسيت}, وقوله [رمز]:  «إذا نسيت فذكروني». 

الثاني: أنه قال: ” فكفارته أن يصليها إذا ذكرها “, ومعلوم أن من تركها عمدًا لا يكفر عنه فعلها بعد الوقت إثم التفويت, هذا مما لا خلاف فيه بين الأمة ولا يجوز نسبته إلى رسول الله [رمز] إذ يبقى معنى الحديث: من ترك الصلاة عمدا حتى خرج وقتها فكفارة إثمه صلاتها بعد الوقت! 

وشناعة هذا القول أعظم من شناعتكم علينا القول بأنها لا تنفعه ولا تقبل منه فأين هذا من قولكم؟ 

الثالث: أنه قابل الناسي في الحديث بالنائم، وهذه المقابلة تقتضي أنه الساهي كما يقول جملة أهل الشرع النائم والناسي غير مؤاخذين. 

الرابع: أن الناسي في كلام الشارع إذا علق به الأحكام لم يكن مراده إلا الساهي وهذا مطرد في جميع كلامه كقوله [رمز]: « من أكل أو شرب ناسيًا فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه». 

فصلٌ 

وأما قولكم وسوى الله سبحانه في حكمهما، أي حكم العامد والناسي على لسان رسوله, بين حكم الصلاة المؤقتة والصيام المؤقت في شهر رمضان بأن كل واحد منهما يقضى بعد خروج وقته, فنص على النائم والساهي في الصلاة كما وصفنا, ونص على المريض والمسافر في الصوم واجتمعت الأمة, ونقلت الكافة فيمن لم يصم شهر رمضان عامدا وهو مؤمن بفرضه, وإنما تركه أشرا وبطرا ثم تاب منه, أن عليه قضاءه إلى آخره فجوابه من وجوه: 

 أحدها: قولكم إن الله سبحانه وتعالى سوى بينهما أي بين العامد والناسي, فكلام باطل على إطلاقه, فما سوى الله سبحانه بين عامد وناس أصلا وكلامنا في هذا العامد العاصي الآثم المفرط غاية التفريط, فأين سوى الله سبحانه بين حكمهما في صلاة أو صيام؟ 

وقولكم فنص على النائم والناسي في الصلاة كما وصفنا قد تقدم أن النسيان المذكور في الصلاة لا يصح حمله على العمد بوجه, وأن الذي نص عليه في الحديث هو نسيان السهو الذي هو نظير النوم فلا تعرض فيه للعامد. 

وأما نصه على المريض والمسافر في الصوم فهما وإن أفطرا عامدين, فلا يمكن أخذ حكم تارك الصلاة عمدا من حكمها. 

وما سوى الله ولا رسوله بين تارك الصلاة عمدا أو أشرا, حتى يخرج وقتها وبين تارك الصوم لمرض أو سفر, حتى يؤخذ حكم احدهما من الآخر. 

فمؤخر الصوم في المرض والسفر كمؤخر الصلاة لنوم أو نسيان وهذان هما اللذان سوى الله ورسوله بين حكمهما. 

فنص الله على حكم المريض والمسافر في الصوم المعذورين ونص رسول الله [رمز]  على حكم النائم والناسي في الصلاة المعذورين, فقد استوي حكمهما في الصوم والصلاة ولكن أين استوي حكم العامد المفرط الآثم والمريض والمسافر والنائم والناسي المعذورين! 

يوضحه أن الفطر بالمرض قد يكون واجبا بحيث يحرم عليه الصوم . 

والفطر في السفر إما واجب عند طائفة من السلف والخلف . 

أو أنه أفضل من الصوم عند غيرهم. 

 أو هما سواء.  أو الصوم أفضل منه لمن لا يشق عليه عند آخرين. 

الشرح 

هذا خلاف بين العلماء في الفطر في السفر هل هو أفضل من الصوم أو الصوم أفضل فالأدلة في هذا واضحة فإن رسول الله [رمز] جاء عنه أنه قال: «ليس من البر الصوم في السفر», هذا نص أن البر أن يفطر الإنسان في السفر, ولأن فيه رخصة الله جل وعلا يحب أن تؤتي رخصه كما يحب أن تفعل عزائمه, وهذا جاء في الحديث ويقابل هذا أن الرسول [رمز] لما خرج في غزوة  الفتح صام, لأنه خرج في رمضان صام حتى بلغ حديب  فقيل له: أن الناس قد شق عليهم الصوم لأنهم يقتدون به صلوات الله وسلامه عليه, فأفطر وجاء أنه كان في سفر وفي حر شديد وأنه كان صائما هو وعبد الله بن رواحه, فهذا أيضا من الأدلة على أن الصيام يكون أفضل, من أجل ذلك أختلف العلماء في هذه المسألة, و توسط وقال: إذا كان الإنسان ما يشق عليه المشتقة التي تمنعه من الأمور التي ينبغي أن يأتي بها في السفر, من الأمور التي يؤجر عليها فالصوم أفضل أما إذا كان تمنعه من ذلك فالإفطار أفضل. 

 

 وقوله : وعلى كل تقدير فإلحاق تارك الصلاة والصوم عمدا وعدوانا به من أفسد الإلحاق وأبطل القياس, وهذا مما لا خفاء به عند كل عالم. 

وقولكم إن الأمة اجتمعت والكافة نقلت أن من لم يصم شهر رمضان عامدا أشرا أو بطرا ثم تاب منه فعليه قضاؤه. 

فيقال لكم: أوجدونا عشرة من أصحاب رسول الله [رمز] فمن دونهم صرح بذلك ولن تجدوا إليه سبيلا! 

وقد أنكر الأئمة كالإمام أحمد والشافعي وغيرهما دعوى هذه الإجماع التي حاصلها عدم العلم بالخلاف لا العلم بعدم الخلاف, فإن هذا مما لا سبيل إليه إلا فيما علم بالضرورة أن الرسول[رمز] جاء به . 

وأما ما قامت الأدلة الشرعية عليه فلا يجوز لأحد أن ينفي حكمه لعدم علمه بمن قال به, فإن الدليل يجب إتباع مدلوله وعدم العلم بمن قال به لا يصح أن يكون معارضا بوجه ما. فهذه طريق جميع الأئمة المقتدى بهم. 

 

الشرح 

 يعنى أن العلم بعدم الدليل لا يدل على عدم الدليل, إذا ما علم الإنسان أن هذا ما فيه دليل ما يجوز أن يقول هذا إجماع, أنه يجوز أن يعلمه غيره, فالإجماع في مثل يجب أن يكون له مستند وليس معناه أنه لم يعلم قائلا بخلافه, إذا لم يعلم قائلا بخلافه يقول ما علما قائل بخلاف ذلك, ويجوز أن يأتي من هو أعلم ويجد القول في ذلك. 

 

 وقوله : قال الأمام أحمد في رواية ابنه عبد الله من ادعى الإجماع فهو كاذب لعل الناس اختلفوا !. 

 الشرح 

يعنى هذا مقصودة فالمسائل التي سكت عنها وليس فيها أدلة إجماع ظاهر ثم الإجماع اللي يمكن أن ينضبط هو إجماع الصحابة رضوان الله عليهم لأنه يمكن أن يعلم إجماعهم ويعلم عدم إجماعهم, أما الأمة بعدهم فقد افترقت واتسعت رقة الإسلام, فمن فنقل الإجماع عنهم صعب جدا بل قد يكون مستحيل, لو مثلا علم إجماع أهل بلد ما يعلم إجماع البلد الثاني, ولو علم إجماع بلدين ما علم إجماع ثلاث وهكذا, ولهذا السبب قال الأمام أحمد من نقل الإجماع مثل هذه فقد كذب وما يدريه؟ لعل الناس اختلفوا وهو لا يدري. 

 

وقوله : هذه دعوى بشر المريسي والأصم ولكن يقول لا نعلم للناس اختلافا إذا لم يبلغه. 

وقال في رواية المروزي: كيف يجوز للرجل أن يقول أجمعوا؟ إذا سمعتهم يقولون أجمعوا فاتهمهم, لو قال: إني لا اعلم مخالفا كان أسلم . 

وقال في رواية أبي طالب: هذا كذب ما اعلمه أن الناس مجمعون, ولكن يقول ما اعلم فيه اختلافا فهو أحسن من قوله اجماع الناس . 

وقال في رواية أبي الحارث: لا ينبغي لأحد أن يدعي الإجماع لعل الناس اختلفوا. 

وقال الشافعي في أثناء مناظرته لمحمد بن الحسن: لا يكون لأحد أن يقول أجمعوا حتى يعلم إجماعهم في البلدان, ولا يقبل على أقاويل من نأت داره منهم ولا قربت, إلا خبر الجماعة عن الجماعة. 

فقال لي

: تضيق هذا جدا قلت له: وهو مع ضيقه غير موجود. 

وقال في موضع آخر وقد بين ضعف دعوى الاجتماع, وطالب من يناظره بمطالبات عجز عنها فقال له المناظر: فهل من إجماع؟ 

قلت نعم، نحمد لله كثيرا في كل الفرائض التي لا يسع جهلها, وذلك الإجماع هو الذي إذا قلت اجمع الناس لم تجد أحدا يقول لك ليس هذا بإجماع, فهذه الطريق التي يصدق بها من ادعى الإجماع فيها. 

وقال بعد كلام طويل حكاه في مناظرته أو ما كفاك عيب الإجماع أنه لم يرو عن احد بعد رسول الله [رمز] دعوى الإجماع إلا فيما لم يختلف فيه احد، إلى أن كان أهل زمانك هذا قال له المناظر: فقد ادعاه بعضكم! 

قلت: أفحمدت ما ادعى منه؟ قال: لا . 

 قلت: فكيف صرت إلى أن تدخل فيما زعمت في أكثر ما عبت الاستدلال من طريق عن الإجماع وهو ترك ادعاء الإجماع فلا تحسن النظر لنفسك إذا قلت هذا إجماع، فتجد حولك من يقول لك معاذ الله أن يكون هذا إجماعًا. 

 

الشرح 

ليس معنى ذلك أنه إنكار للإجماع فإن الإجماع أحد الطرق الأربعة التي اتفق عليها علماء امة في الاستدلال, الكتاب والسنة الإجماع والقياس, ولكن معنى ذلك الإجماع في المسائل المختلف فيها, التي يدعيها كثير من الناس أنها إجماع, فإن هذا هو المنكر الذي ينكر, ولكن إجماع لابد أن يكون له أصل, أصل من كتاب الله وسنة رسوله وكذلك القياس يكون له أصل لأن بعض الأصول يكون مجمع عليه فيكون الإجماع أقوى من غيره, قد قال رسول الله [رمز]: «لا تجتمع هذه الأمة على باطل», وقال [رمز]: «لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق منصورة حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك», فهاذ من أدلة الإجماع أنه صحيح وقائم والذي ينكر هو الدعوة في مسائل مختلف فيها, كأن يكون الإنسان ما علم مثل ما سبق, أنه أحد بلغه أنه خالف في هذه المسألة, فيقول أجمعوا على ذلك, ويقال له مثل ما قال الإمام أحمد, وما يدريك أنهم أجمعوا هل نص على هذا أو أنك فقط لما لم  يأتك، ذلك أنهم خالفوا قلت: أجمعوا هذا يجوز أنه ما وصلك علمه, ولكن الأوثق والأحسن أنه يقال: ما نعلم في هذا خلاف ما علمنا في هذا خلاف لأنه يجوز غير المتكلم قد علم خلاف, فإذا قال: أجمع قيل له: هذا كذب غير صحيح. 

 

 وقوله : وقال الشافعي في رسالته ما لا يعلم فيه خلاف فليس إجماعا. 

فهذا كلام أئمة أهل العلم في دعوى الإجماع كما ترى . 

فلنرجع إلى المقصود فنقول من قال من أصحاب رسول الله [رمز] إن من ترك الصلاة عمدا لغير عذر حتى خرج وقتها أنها تنفعه بعد الوقت وتقبل وتبرأ ذمته ؟ 

فالله يعلم أنا لم نظفر على صاحب واحد منهم قال ذلك, وقد نقلنا عن الصحابة والتابعين ما تقدم حكايته . 

وقد صرح الحسن بما قلناه فقال محمد بن نصر المروزي في كتابه في الصلاة قال: حدثنا إسحاق قال:  حدثنا النضر عن الأشعث عن الحسن قال: إذا ترك الرجل صلاة واحدة متعمدا فإنه لا يقضيها. 

قال محمد: وقول الحسن هذا يحتمل معنيين: 

أحدهما: انه كان يكفره بترك الصلاة متعمدا فلذلك لم يرى عليه القضاء, لأن الكافر لا يؤمر بقضاء ما ترك من الفرائض في كفره. 

الثاني: أنه لم يكفره بتركها وأنه ذهب إلى أن الله عز وجل إنما فرض أن يأتي بالصلاة في وقت معلوم, فإذا تركها حتى ذهب وقتها فقد لزمته المعصية لتركه الفرض في الوقت المأمور بإتيانه فيه, فإذا أتى به بعد ذلك فإنما أتى به في وقت لم يؤمر بإتيانه فيه فلا ينفعه أن يأتي بغير المأمور به, عن المأمور به وهذا قول غير مستنكر في النظر, لولا أن العلماء قد أجمعت على خلافه. 

قال: ومن ذهب إلى هذا قال في الناسي للصلاة حتى يذهب وقتها وفي النائم أيضا لو لم يأت الخبر عن النبي [رمز] أنه قال: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا استيقظ», وذكر أنه نام عن صلاة الغداة فقضاها بعد ذهاب الوقت لما وجب عليه في النظر قضاؤها أيضا, فلما جاء الخبر عن النبي [رمز] بذلك وجب علي قضاؤها وبطل حظ النظر. 

فقد نقل محمد الخلاف صريحا وظن أن الأمة أجمعت على خلافه وهذا يحتمل معنيين: 

أحدهما: أنه يرى أن الإجماع ينعقد بعد الخلاف. 

الثاني: أنه لا يرى خلاف الواحد قادحا في الإجماع . وفي المسألتين نزاع معروف. 

وأما قوله: إن القياس يقتضي أن لا يقتضي النائم والناسي, لولا الخبر فليس كما زعمتم لأن وقت النائم والناسي هو وقت ذكره وانتباهه لا وقت له غير ذلك كما تقدم والله أعلم. 

وأما قولكم إن الكافة نقلت والأمة أجمعت أن من لم يصم شهر رمضان أشرًا وبطرًا أن عليه قضاءه, فأين النقل بذلك الذي جاء عن أصحاب رسول الله [رمز] ؟ 

وقد روى عنه أهل السنن والإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة: «من افطر يوما من رمضان من غير عذر لم يقضه عنه صيام الدهر وإن صامه», فهذه الرواية المعروفة. 

 فأين الرواية عنه أو عن أصحابه من افطر رمضان أو بعضه أجزأ عنه أن يصوم مثله؟ 

وأما قولكم: إن الصلاة والصيام دين ثابت يؤدي أبدا وإن خرج الوقت المؤجل لهما,  لقول رسول الله [رمز] : «دين الله أحق أن يقضي», فيقال هذا الدليل مبني على مقدمتين: 

 إحداهما: إن الصلاة والصيام دين ثابت في ذمة من تركهما عمدا. 

المقدمة الثانية: أن هذا الدين قابل للأداء فيجب أداؤه. 

 فأما المقدمة الأولى فلا نزاع فيها ولا نعلم أن أحدا من أهل العلم قال بسقوطها من ذمته بالتأخير, ولعلكم توهمتم علينا أنا نقول بذلك. 

فأخذتم في الشناعة علينا ، وفي التشغيب ، ونحن لم نقل ذلك، ولا أحد من أهل الإسلام . 

الشرح 

في هذا الحديث الذي ذكره الذي  معناه ” من أفطر يوم من رمضان لم يصمه ولم يقضه ولو صام الدهر كله ” , معناه انه إذا أفطر يوما عمدا قاصدا بلا عذر فإنه لا يكفي عنه وإن صام جميع الأيام, لا يقوم مقام ذلك اليوم أو يكفر عنه ذلك اليوم وإنما الطريق في مثل هذا أن يتوب الإنسان, يستغفر ربه ويتوب ويرجع إليه فالتوبة تجب ما قبلها, وهي من كل ذنب ولكن التوبة لها شروط لا بد  من تحققها حتى تكون مقبولة ومن شروطها أن يندم الإنسان على ما وقع وأولا قبل الندم أن يقلع عن الذنب يعنى يترك الذنب يتركه ثم يندم على ذلك على الأمر الذي وقع فيه ثم يعزم عزما أكيد على أنه لا يواقع الذنب ما دام حيا, وليس معنى ذلك انه لا يقع منه ذنب الإنسان لا ينفك عن الذنوب ولكن ينبغي أن تكون هذه صفته دائما عند كل ذنب, كل ما وقع في ذنب تكون هذه صفته يترك الذنب ويندم على وقوعه فيه ويعزم عزما جازما أنه  لا يعاوده, ويكون هذا بصدق يصدق ربه جل وعلا, ويخلص في ذلك. 

مقطع صوتي تجريبي

بواسطة اسم المؤلف | مقاطع صوتية