تأملات في آية الكرسي 

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحابته ومن سار على نهجه ودعا بدعوته إلى يوم الدين وبعد:- 

من الأمور المسلمة () وكل آية من كتاب الله فيها من الهداية وفيها من الدلالة على توحيد الله وعلى الصراط المستقيم حسب ما يفتح الله جل وعلا على متأملها . 

ولكن آية الكرسي اختصت من بين آي القرآن بأنها أعظم آية في كتاب الله كما قال [رمز] كما في صحيح مسلم أن النبي [رمز] سأله: أي آية في كتاب الله أعظم, فقلت الله ورسوله أعلم , ثم أعاد السؤال ثلاثا ثم قلت: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ}[البقرة:255], فضرب صدره وقال: (ليهنك العلم أبا المنذر), وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال وكل إلي رسول الله [رمز] حفظ زكاة الفطر, فلما كان في أثناء الليل أتى آت فصار يحثوا من التمر, فقلت : لأرفعنك إلى رسول الله [رمز] فقال دعني فإني ذو حاجة وعلي عيال, يقول فرحمته فتركته, لأنها زكاة, فلما غدوت على رسول الله [رمز] قال: ما فعل أسيرك يا أبى هريرة ؟ قلت زعم أنه له حاجه وعليه عيال فرحمته وتركته, فقال: (أما إنه سيعود), فعاد في الليلة الثانية, فقلت لأرفعنك إلى رسول الله[رمز], فقال دعني فإني ذو حاجة وعلي عيال وأنا فقير, يقول فرحمته وتركته, فقال له مثل ما قال في الليلة الثانية [رمز], فلما كانت الليلة الثالثة قلت هذه .. ثالث ليلة فلن أتركك, فقال دعني أعلمك شيئا ينفعك الله به, وكان من أحرص الناس.. كانوا الصحابة عموما حريصون على الخير, فقلت نعم , فقال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي فإنه لا يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح, فلما غدوت على النبي[رمز] قال: (ما فعل أسيرك) فقلت زعم قال لي كذا وكذا, فقال: (صدقك وهو كذوب؛أتدري من تخاطب منذ ثلاث! ذاك شيطان) ومثل هذه القصة وقعت (لأبي)[رمز], فإنه يقول: كان لي تمر في مكان ما فكان ينقص فترصدت له, فجاء (,,,,) فأمسكته, فإذا شبه الكلب, فقال دعني فإني علي أهل بيت فقراء وإني كذا وكذا, قلت ناولني يدك, فناولني يده فإذا هي يد كلب وإذا هي ضئيلة, فقلت أكل خلقت الجن هكذا, فقال زعموا أني من أعظمهم فقلت ما حملك على ذلك؟  

فقال علمت أنك تحب الصدقة فأردت أن أصيب من مالك, فقلت سأرفعك إلى رسول [رمز] قال دعني أعلمك شيئا ينفعك الله به, فذكر مثل ما ذكر لأبي هريرة, أنك إذا قرأت آية الكرسي لا يقربك شيطان, ولا يزال عليك من الله حافظ . 

ومثل هذه القصة أيضا وقعت لعمر [رمز], كما قال بن مسعود قال خرج رجل فلقي شيطان فقال تصارعني, فإن صرعتني أخبرتك بشيء ينفعك الله به, فصارعه فصرعه, يقول ثم قال تعاودني مرة أخرى فصرعه عمر فقال إني أراك ضئيلا, فقال لقد زعمت الجن أني أعظمهم, يقول فقال له: اقرأ آية الكرسي فإنه لا يقربك شيطان ولا يزال عليك من الله حافظ إذا أويت إلى فراشك. 

فالأحاديث في فضل آية الكرسي كثيرة, ولكن معنى هذا أن قراءتها تحفظ الإنسان تحفظه من الشياطين وكذلك يكون عليه من الله حافظ, فهذا فضل عظيم, ولكن هذا يكون لمن يؤمن بهذا أما الذي مثلا يفعل هذا الشيء يقول : أبجرب أشوف هل ينفع والا ما ينفع ؟ 

 

هذا لا ينفع, لابد أن يكون العبد موقنا بذلك يقدم على هذا بصدق وإيمان بذلك فإنه كما أخبر الرسول [رمز] أنه لا يقربه شيطان ولا يزال عليه من الله حافظ, وجاء في سورة البقرة أن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة, وجاء أن من أعظم آيات القرآن يقول من سور القرآن يقول أن (البقرة هي سنام القرآن وآية الكرسي سيدة أي القرآن, وسورة الصمد تعدل ثلث القرآن), ففي هذا دليل على أن صفات الله جل وعلا تتفاضل, لأن كلام الله جل وعلا من صفاته فبعضه أفضل من بعض, وإن كان بالنسبة للقول من قاله النسبة واحدة ولكن الذي تشتمل عليه بعض الآيات أعظم من بعض, فلا يمكن أن تكون مثلا {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد:1], كسورة الصمد, فإنها أُخلصت لصفات الله جل وعلا وهذا هو أحد معاني التي قيل أنها تعدل ثلث القرآن لأنها أخلصت للصفات والقرآن يقولون انه جاء لثلاثة مقاصد عظيمة : 

 

المقصد الأول: الإخبار عن الله جل وعلا وتعريف عباد الله جل وعلا لربهم بصفاته وأفعاله وهذه السورة خلصت لذلك . 

 

المقصد الثاني: ذكر الجزاء والوعيد وما يؤول إليه العباد . 

 

والمقصد الثالث: الأحكام وما يأمر الله جل وعلا به وينهى عنه. 

 

فالمقصود أن كلام الله بعضه أفضل من بعض وإن كان هذا ينكره كثير من الناس ولكن هذا هو الصحيح والصواب, ومثل ذلك يقال في الصفات,في صفات الله جل وعلا, ولهذا جاء أن هذه الآية اشتملت على الاسم الأعظم, اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب, وإن كان أسماء الله كلها عظيمة والإجابة إجابة الدعاء قد تكون أسبابها ليست هي التعلق باسم معين إنما يكون لانكسار القلب وصدق الإنسان مع ربه واضراره, كما قال الله جل وعلا: { أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ}[النمل:62], والخطاب هذا للمشركين, المشركون إذا اضطر أحدهم ودعا ربه أجيب لأن هذا من مقتضى الربوبية ربوبيته جل وعلا لعباده فإن الرب هو الذي يربي عباده بما يحتاجون إليه ويقوم عليهم بماتبقى حياتهم به, وهذا من أعظم معاني الربوبية, ثم إن هذه الآية -كما يقول الحافظ بن كثير رحمه الله-اشتملت على عشر جمل, كل جملة مستقلة. 

فالجملة الأولى, قوله جل وعلا: “اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ” فهذه كلمة الإخلاص التي جاءت بها الرسل وهي التي تدل على توحيد العبادة, فعبادة الله جل وعلا فرض عيني على كل أحد, وفهمه لهذه الكلمة أمر لابد منه ولهذا الإسلام كله يدور على هذه الكلمة, لهذا كان الرسول [رمز] بقي وقتا طويلا قرابة عشر سنوات وهو يدعوا إلى هذه الكلمة يقول للناس قولوا “لا إله إلا الله” وذلك لأنهم يفهمون معنى “لا إله إلا الله” أن هذا يكون يجعل العبادة لله وحده ويبطل عبادة كل معبود من دونه تعالى وتقدس, والإله هو المألوه الذي تألهه القلوب حبا وخوفا وإنابة, وقوله “اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خبر بمعنى الأمر, يأمر بهذا, يعني أنكم لا بد أن يكون تألهكم وعبادتكم وخوفكم ورجاؤكم وتعلق قلوبكم بالله وحده الذي إذا تعلق القلب به وتألهه كفاه كل ما أهمه, وصار مطمئنا بربه جل وعلا وحصلة له السعادة في الدنيا والآخرة, فالمشركون كانوا يعرفون هذا تماما. 

ولهذا كما في الصحيحين لما حضرة الوفاة أبا طالب, جاء إليه رسول الله[رمز] ومعنى حضرة يعني علاماتها وقربها, فقال له: (يا عم قللا إله إلا اللهكلمة أحاج بها لك عند الله) وكان عنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية , فقالا له: أترغب  عن ملة عبد المطلب! فأعاد عليه رسول الله [رمز]قوله, فأعادا عليه هذ الكلمة: أترغب عن ملة عبد المطلب, ومعنى هذا أنهم فهموا أنه إذا قالها خرج من ملة الشرك التي هي ملة عبد المطلب إلى محمد بن عبد الله إلى التوحيد, لأن قول “لا إله إلا الله” ليس معناها مجرد لفظ, معناها أنه يتأله ربه جل وعلا ويكفر بما عداه من الآلهة كلها, ولهذا يقول إمام الدعوة رحمه الله: لا خير في مسلم يكون أبو جهل أعلم منه بلا إله إلا الله, فتجد مثلا كثيرا ممن يقول أنا مسلم يقول لا إلهإلا الله ويطوف على القبور ويستنجد بأصحابها , ويقصدها عند المهمات, فهذا معناه أنه ما عرف معنى “الله لا إله إلا هو” إنما هو كلام يقوله بدون معرفة. 

فقوله جل وعلا “اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ” نقول خبر بمعنى الأمر يخبر بهذا يعني تألهوا ربكم فهو مثل قوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ}[البقرة: 21], فهو الإله الحق, ومثل ذلك {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ}[البقرة:163],وفي هذا تقسيم التوحيد أن التوحيد ينقسم إلى الأقسام التي قسمها أهل السنة, سواء قلنا أنها أقسامه قسمان أو ثلاثة كلها سواء, لأن الذي يقول أنها قسمان يجعل توحيد الربوبية والأسماء والصفات شيئا واحد, والذي يقول ثلاثة يفصل, فمعنى “الله” كما ذكر بن جرير عن بن عباس وغيره أنه: ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين, يعني ذو صاحب الألوهية الذي يجب أن يؤله ويعبد, وهذا معنى: الله, ومعنى الرب غير معنى الله, فمعنى الرب: المالك المتصرف الذي يتصرف بالشيء ويملكه وهو الذي يربه بما يحتاج إليه, فالخالق المدبر المتصرف المدبر له معنى والله له معنى وكذلك الأسماء والصفات, أسماؤه وصفتاه نوع آخر. 

ففي هذه الآية ذكر هذه الأقسام الثلاثة, الأول قوله: “اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ” ثم يأتي البقية, وقوله “الْحَيُّ الْقَيُّومُ” هذا والله أعلم الذي قصد بأنه اسم الله الأعظم, لهذا جاء كما في السنن أن اسم الله الأعظم في ثلاث سور, في البقرة وفي آل عمران وفي طه, {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ}[طه:111], وفي آل عمران: { الم * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ}[آل عمران:1-2], وذلك أن هاذين الاسمين يشتملا على جميع أسماء الله وصفاته تعالى وتقدس . 

فالحي: الذي له الحياة الكاملة ومن كانت له الحياة الكاملة فله جميع الصفات التي تتعلق بالذات فكلها تدخل في هذا كما ذكر العلماء ذلك أنه يدخل فيه كل صفة تتعلق بذات الله جل وعلا, فمعناه: له الحياة الكاملة التامة التي لا يلحقها خلل ولا نقص ولهذا جاء الوصف بعد ذلك: “لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ” هذه الجملة الثانية الذي يقول بن كثير “الْحَيُّ الْقَيُّومُ” والقيوم معناه القائم بنفسه المقيم لغيره الذي لا يحصل قيام لغيره إلا به, ومعنى القائم بنفسه أنه لا يحتاج إلى غيره فهو غني بذاته عن كل ما سواه, ومعنى القائم على غيره أن كل شيء لا قيام له إلا بالله فقد سبق بالعدم فالله أوجده من العدم ولا قيام لحياته ووجوده إلا بالله جل وعلا, ولهذا أخبر جل وعلا أنه الذي {يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ}[فاطر:41], فدخل في الحي صفات الذات كلها, وصفات الذات, الفرق بينها وبين صفات الفعل أن صفة الذات ملازمة لا تنفك عن الذات بحال من الأحوال ووقت من الأوقات, أما الأفعال فهي تتعلق بالمشيئة, تتعلق بمشيئته إذا شاء أن يفعلها فعلها وإذا شاء ألا يفعلها لا يفعلها, فقوله: “الْحَيُّ الْقَيُّومُ” يعني الذي له الحياة الكاملة الذي لا يتطرق إليها نقص والحياة الكاملة تتطلب جميع الصفات صفات الكمال, ففي هذا الاسم اثبات صفات الكمال كلها لله جل وعلا, والقيوم كذلك الذي استغنى بنفسه عن كل ما سواء وكل ما سواه لا قيام له إلا به جل وعلا, فهو بمعنى الصمد, يعني القيوم بمعنى الصمد الذي صمد بنفسه وقام بنفسه وصمد إليه الخلق كلهم بحوائجهم إليه, فدخل في القيوم جميع صفات الأفعال, لأنه وكلها صيغة مبالغة, وقد كان عمر [رمز] يقرأ “القيام” وفي الصحيحين عن بن عباس في قصته لما بات عند خالته زوج النبي[رمز] ميمونة, أن العباس أرسله لحاجة إلى لنبي[رمز] فلما أتى إليه, قال (,,له) بت عندنا ففرح بن عباس لأنه كان غلام صغير يريد أن يطلع على أعمال الرسول[رمز]وصلاته في الليل, يقول فبات رسول [رمز] وأهله في طول الوسادة وبت في عرضها يعني(قريب منه), فذكر قصته إلى أن قام يصلى, فافتتح الصلاة بقوله: (اللهم أنت قيام السماوات والأرض ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ولك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت الحق وقولك الحق… إلى آخره) فهذا من الثناء الذي كان يستفتح به الرسول[رمز] صلاته ومعلوم أن هذا من الأمور التي تستوجب إجابة الدعاء, كون الإنسان عندما يبدأ عمله أو ينته من عمله يذكر الثناء على الله بالمحامد التي يحبها ربنا جل وعلا ثم يصلي على النبي[رمز] ثم يطلب طلبته, وقد جاء الأمر بها وهذا من الأدب الذي ينبغي أنه يتأدب به الداعي والعابد . 

فقوله: “القيوم” معناه انه ,,(ينتظم),,جميع صفات الأفعال التي يوصف الله جل وعلا بها.  

وقوله: “لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ”  

السنة هي مبادئ النوم يسمى النعاس كونه.. والنوم هو الاستغراق في النوم حتى انه يغيب عن الحياة وعما هو فيه, وهو نوع من الموت أو هو شبيه بالموت, ولهذا لما سئل الرسول[رمز] هل أهل الجنة ينامون؟ قال : (لا؛ النوم أخو الموت) لأن حياتهم كاملة لا ينامون, فقوله”لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ” يعني لكمال حياته, “لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ” لكمال حياته فإن حياته كاملة جل وعلا فلا يتطرق إليها نقص أو أمر يعترضها مما يعترض لحياة الخلق التي حياتهم ناقصه ولا حياة لهم إلا بالله جل وعلا, وفي صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري قال: قام فينا رسول الله [رمز] بخمس كلمات فقال: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يُرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) وسبحات وجهه بهاؤه وجماله ونوره تعالى وتقدس, ولهذا لما طلب الكليم من ربه أن يراه {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا – تدكدك وذاب- وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا}[الأعراف:143], فالله لا يقوم لرؤيته في هذه الدنيا شيء, والعلماء في عقائدهم يقولون: إن رؤية الله في الدنيا جائزة لكون موسى عليه السلام طلبها وهو من أولوا العزم ولا يطلب موسى [رمز] وغيره من الأنبياء الشيء الذي يمتنع ولا يجوز, ولكنها غير واقعة, أما خلاف العلماء في نبينا[رمز] هل رأى ربه ليلة المعراج والصحيح أنه لم يره, وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال سألت النبي[رمز] هل رأيت ربك؟ يعني ليلة المعراج فقال: (نور أنى أراه), وفي رواية (رأيت نورا) وفي رواية: (رأيت نارا) وقد حرفه بعض المنحرفين من الصوفية وقال (نوراني أراه) يعني أنه يثبت ذلك, وجاء عن بن عباس اثبات الرؤية في رواية ونفيها في رواية, ولكن الرؤية المثبتة جاءت مقيدة, فلا إشكال فيها لأنه قال : رآه بفؤاده, والمنفية مطلقة, وهكذا أيضا جاء عن الإمام أحمد, لأن الإمام أحمد رحمه الله يأخذ بأقوال الصحابة, فإذا جاء عنهم روايتين تجد عنه الروايتين, والصحيح أنه لم يره[رمز], في صحيح مسلم أيضا في قصة الدجال يقول [رمز]: (وتعلموا أن أحدا منكم لن يرى ربه حتى يموت) تعلموا يعني اعلموا أن أحدا لن يرى ربه حتى يموت, أما رؤية الله في المنام فليست رؤية بصرية حقيقية فهي جائزة, فالرسول [رمز] كما في المسند يقول (رأيت ربي في أحسن صورة) يعني في منامه, وكذلك غيره من آحاد الناس يجوز أنه يرى ربه ولكن رؤيته على حسب إيمانه فإن كان إيمانه حسن رأى صورة حسنة وإن كان دون ذلك رأى دون ذلك, لهذا لما كان الرسول [رمز] إيمانه أحسن الإيمان قال: (رأيت ربي في أحسن صورة) يعنيفي المنام, وأما في الآخرة فلا إشكال في ذلك؛ المؤمنون يرون ربهم في عرصات القيامة ويشاركهم معهم المنافقون كما ثبت ذلك في الصحيحين في حديث أبي هريرة وحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنهم, وفيه أن الله جل وعلا إذا وقعت الشفاعة وجاء لفصل القضاء يخاطب الناس يقول: (أليس عدلا مني أن أولي كل واحد منكم ما كان يتولاه في الدنيا! ثم تُمثل لهم معبوداتهم فيقال لهم اتبعوها, ويبقى المؤمنون وفيهم المنافقون, وفي صحيح مسلم وفيهم شافعوهم وفي رواية وفيهم منافقوهم, فيأتيهم الله جل وعلا في صورة غير الصورة التي رأوه فيها), في صحيح مسلم (غير الصورة التي رأوه فيها أول مرة) فيقول🙁ما الذي أبقاكم وقد ذهب الناس, فيقولوا تركناهم أحوج ما كنا إليهم أما اليوم فلا نحتاج إليهم في شيء ولنا برنا رب ننتظره, فيقول أنا ربكم, فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه-وهذا من الامتحان لأن يبقى شيء من الامتحان في الآخرة كالامتحان في القبر بالسؤال والامتحان في عرصات القيامة في مثل هذا- فيقول لهم هل بينكم وبينه آية فيقولون نعم الساق, فيكشف عن ساقه فيخر له كل مؤمن ساجدا, ويبقى المنافق ظهره طبقة واحدة إذا اراد أن يسجد خر إلى قفاه)وذكر الله جل وعلا هذا في سورة الحديد: {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ… إلى أن قال أن المنافقين ينادونهم:– انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا…. إلى آخره}[الحديد:12-13], فالرؤية في القيامة أفضل نعيم الجنة ولهذا لما ذكر الله جل وعلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأنه أعد لهم {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ  قال- وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ}[التوبة:72] 

,فدخل في ذلك رؤيته جل وعلا, وفي صحيح مسلم عن صهيب عن النبي[رمز] أنه قال: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ؛ الحسنى الجنة والزيادة رؤية الله جل وعلا). 

فعلى كل حال نقول : أن قول أبي موسى أنه الرسول [رمز] يقول: (قام فينا بخمس كلمات؛ إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام..) فقوله:”لا ينبغي له”كلمة “لا ينبغي” يعني لا يجوز, لا يجوز أن يكون له النوم, لأن النوم موت أو نوع من الموت وقد قال الله جل وعلا: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى}[الزمر:42], يعني التي توفيت في المنام ترسل إلى أن ينتهي أجلها, فالموت شبيه بالموت, بل النوم نوع من الموت, فقوله: (لا ينبغي له أن ينام) يعني لا يجوز عليه ذلك تعالى وتقدس لأنه نقص . 

فقوله في هذه الآية: “لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ”  

فالسنة مبادئ النوم والنوم الاستغراق فيه, فنفاهما لكمال حياته جل وعلا, نفاهما عن نفسه لكمال حياته, مع أن الناقصين إذا لم يناموا ماتوا, لأنه لا بد من الراحة أن يرتاح بالنوم, لو بقي وقتا لا ينام هلك, فلهذا لأنتركيبه وحياته ناقصة, فلابد لها من النقص, والله جل وعلا لا يشبهه شيء من خلقه وهو لا يشبه شيئا من خلقه تعالى وتقدس ليس كمثله شيء, ولكن اثبات الصفات ليس فيه تشبيه كما زعم أهل الباطل, ولهذا المعتزلة عندهم نفي الصفات من مسمى التوحيد ومعنى مسمى التوحيد يعنيمن أصله, أصل التوحيد عندهم نفي الصفات لأن عندهم إذا أثبت الصفات معنى ذلك أنك أثبت آلهة متعددة أو قدماء متعددين كما يقولون وهو تصور باطل, فالكمال فيما أثبته الله جل وعلا, فالحي نقول : هذا اسم وفي ضمنه الصفة والقيوم كذلك . 

والأصل في الأسماء الصفات الأسماء أُخذت من الصفة, والفرق بين الاسم والصفة : 

 أن الإسم ما دل على المسمى ، الإسم ما دل على الذات . 

والصفة : المعنى الذي يقوم بالمسمى, ففرق بين هذا وهذا . 

أولاً نقول الأصل هي الصفات لا كما يقول بعض طلبة العلم يعكسون يقولون الأصل الأسماء والصفات أخذت من الأسماء !! 

هذا غير صحيح والذي يتصور هذا الكلام يتبين أنه باطل, الأمر بالعكس . 

ثم أيضاً الفرق الثاني : أن الاسم ما دل على المسمى أو يمكن تقول ما دل على الذات ووضع عليها علما عليها يدل عليها . 

أما الصفة فهي المعنى الذي يقوم بالموصوف . 

فالحياة صفة والحي إسم , القيومية صفة والقيوم اسم, والرحمة صفة والرحمن اسم وهكذا, فلهذا يعني هل يقال ان أسماء الله مشتقة أو غير مشتقة!  

[ وليس ] المقصود بالاشتقاق ما يذكره أهل اللغة من أن الكلمة لها أصل ولها اشتقاق كبير واشتقاق صغير (,,,).. 

ولكن الاشتقاق المقصود أن لها معنى أخذت منه أن الاسماء مشتقة من الصفات يعني : أخذت من الصفات وليس معنى أنها ليس أصل أنها أخذت من أصل والله جل و علا تسمى بأسمائه قبل الخلق فليس الخلق الذي سموه بل هو الذي سمى نفسه بالأسماء وأسماؤه أخذت من أوصافه وأفعاله تعالى وتقدس, غير أنه لا يجوز أن نأخذ من الأفعال من كل فعل اسم لأنها كما يقول العلماء توقيفية يجب أن نقف مع النص الذي ورد بأنه اسم لله جل و علا ولو أخذنا من كل فعل اسم لخرجنا عن كون أسماء الله جل وعلا تكون حسنى لأنها حسنى ومعنى الحسنى أنها لا يلحقها نقص ولا عيب, فـ “لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ”  

ثم قال”لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ”  

هذه الجملة أيضا مستقلة, يعني له ملك وإيجاد يتصرف فيه كيف يشاء جل وعلا, لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ من الأعيان والمعاني والعقلاء وغيرهم, فليس لأحد معه ملك تعالى وتقدس, فهذا يدل على أنه مالك لكل شيء وإن كان جل وعلا ملّك بعض أحبابه ما يشاء ولكنها ملك سيزول وينتهي إما انه يسلب هو من ملكه أو الملك يسلب منه ولا بد وهذا لكل فرد, كما قال جل وعلا: { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى}[الأنعام:94], ليس معهم شيء, وفي الحديث الصحيح يقول [رمز]: (إنكم تحشرون عراة حفاة غرلا) وفي رواية (بهما), فحفاة : ما فيه نعال  ، وعراة : ما فيه كساء لا شيء يلبس ولا شيء ينتعل ولا شيء يوكل ولا يشرب هكذا, وغرلا غير مختنين : , يعني القطعة التي تلقى من الإنسان في هذه الدنيا تعود إليه حتى يذوق الألم بجميع بدنه جميع أجزائه إذا كان يستحق ذلك, وأما قوله : بُهما, فقد سُئل عنها[رمز] قيل ما بهما؟ قال: (ليس معهم شيء), وقوله جل وعلا: {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ}[الإنفطار:19], هنا نفس نكرة والنفس الثانية نكرة فدخل فيه كل من كان حيا أنه لا يملك شيء؛ الملائكة والرسل وغيرهم, وهذا إذا تُؤمل دل على ابطال تعلق الناس الذين يتعلقون بالمقبورين وبالأولياء وبغيرهم, أنه هم ضالون لأن الأمر كله لله جل وعلا, ولكن قد يقولون مثلا إن الله ملكهم ونحن نسألهم الشيءالذي ملكهم الله, فيقال لهذا دعوى هذه دعوى والدعوى بلا برهان مردودة على صاحبها والقرآن يدل على خلاف ذلك ونصوص الرسول [رمز]. 

لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ  ملكا يتصرف فيه كيف يشاء, ولكن ليس معنى هذا أن نقول كما يقول الأشاعرة وغيرهم: إنه يجوز أن يعذب جميع خلقه حتى الذين أفنوا أعمارهم بطاعة الله, لأنهم ملكه يتصرف فيه ويستدلون بقوله [رمز] الذي يروى عنه: (لو عذب الله أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم), نقول ليس هذا معنى قول الرسول[رمز]إذا صح عنه أن معناه ما تقصدون أنتم لأن ما في مخلوق يمكن أن يقوم بما وجب عليه تمام القيام, الشيء الذي أوجبه الله عليه تمام القيام ما يستطيع أن يقوم به, الملائكة الذين لا يفترون دائما في عبادة وتسبيح وصلاة وغيرها إذا كان يوم القيامة يقولون: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك, فلو عذبهم عذبهم لظلمهم لأنهم لم يقوموا بما وجب عليهم غير أن الله جل وعلا غفور رحيم يقبل القليل ويعف عن الكثير وإذا اعترف الإنسان بتقصيره عفا الله عنه, وقد جاء في الحديث الذي في المسند وغيره يقول [رمز]: (سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا انت خلقتني وأنا عبدك على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي..) معنى أبوء يعني أعترف؛ أعترف وأقر, فالإقرار والاعتراف من الإنسان بالتقصير يجعل ربنا جل وعلا يعف عنه, ولهذا طلب أننا نتوب ونرجع إليه جميعا. 

فالمقصود أن قوله “لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أنه ملك واستحقاق سواء من العقلاء وغيرهم جل وعلا فليس لأحد ملك إلا ملك مستعار, وقالوا انه دخل أحد الزهاد على الرشيد فقال له عظني, وكان بيده قدح ماء يريد أن يشرب, فقال انتظر يا أمير المؤمنين: لو منعت هذا القدح هذا الماء بم تشتريه؟ فقال أشتريه بنصف ملكي, قال اشرب, فلما شرب قال: لو منع اخراجه من بدنك بم تفتديه؟ قال: بالنصف الثاني, قال ملك لا يساوي إلا شربه ينبغي أن يزهد فيه هذه موعظة يعني وعظه بهذا.  

فالمقصود أن هذا الملك مستعار وهو أيضا زائل وهو أيضا لا يساوي حياة الانسان كلها الذي أعطاه مهما وإن كان الملك, ومع ذلك سيذهب ويعود إلى المالك الحقيقي مالك الملك تعالى وتقدس, فله ما في السماوات وما في الأرض. 

وقوله جل وعلا: “مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ  

هذا استفهام انكاري, ينكر أن يكون هناك أحد يمكن أن يقدم على الشفاعة بلا إذن منه والإذن هو الأمر, الإذن هنا الأمر, مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ والشفاعة هي التي يتعلق بها المشركون قديما وحديثا وهي عندهم من باب القياس وقد يقولون أنها من باب التعظيم أيضا لأنهم يشاهدون العظماء والكبراء لا يقدم الإنسان إليهم بالطلب الذي يريد أن ينجح إلا بواسطة الشفعاء المقربين عندهم فهي في مثل هذا من باب التعظيم, وهذا من باب القياس الفاسد قياس الرب جل وعلا على المخلوق الضعيف الذي يحتاج إلى من يجعله عاطفا ويحتاج إلى من يخبره بمن يحتاج وبما يجب عليه وما أشبه ذلك.  

الرب جل وعلا علام الغيوب تعل وتقدس وهو على كل شيء قدير, فنفي الشفاعة هنا أو انكار أن يكون هناك من يشفع إلا بإذنه مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ” فيه أمران:  

الأمر الأول : أن الشفاعة لا تقع إلا بإذنه وهذا صريح الآية . 

الأمر الثاني : أن إثبات الشفاعة لأنه لو لم يكن هناك شفاعة ما قال “بإذنه” “مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ” فاستثنى أنه إذا اذن أنه يُشفّع وقد جاءت النصوص في بيان ذلك من سيد الشفعاء نبينا [رمز]. 

والشفاعة معناها ضم الطلب إلى الطلب, ضم طلب الشافع إلى المشفوع له بدل ما كان فردا كان شفعا, وقد قال الله جل وعلا: { وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ}, {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ}[الفجر:3], كثير من المفسرين يقول ان الشفع هو المخلوق الخلق كلهم شفع فتجده كل مخلوق من زوجين, والوتر هو الله جل وعلا, فهو وتر يحب الوتر ولا نظير له تعالى وتقدس, فهو وتر في ذاته وفي أوصافه وفي أفعاله وكذلك يجب أن يكون في حقه, يكون في أمور أربعة, في ذاته لا نظير له تعالى وتقدس وفي أوصافه يعني صفاته إذا مثلا أضيفت إليه ووصف بها فهي خاصة به, وإذا كان هناك اشتراك فيزول الاشتراك بالإضافة والتخصيص, وكذلك في أفعاله وإن كانت الأفعال قد تكون صفات, وكذلك في حقه الذي هو العبادة يجب أن يكون خالصا له ولهذا إذا وقع فيه اشتراك أبطله ورده, فالله جل وعلا {لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:48 , 116], فالمشرك في العبادة غير مغفور له, فقوله “مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ” يدلنا على إثبات الشفاعة كما يدلنا على إثبات القول والكلام وأنه يتكلم ويقول جل وعلا, خلافا للذين لا يثبتون الكلام بل عندهم الكلام.. وهم يقولون انهم أهل السنة, الكلام عندهم مستحيل على الله, الكلام الذي يشتمل على الصوت والحرف هذا عندهم مثل النوم ومثل الأكل تعالى الله وتقدس عن قولهم, فماذا تكون الشرائع والرسالات والأمر والنهي يعن يهذا نقول ان نفي الكلام يبطل الرسالة ويبطل الشرع كله, فهم يقسمون الكلام عندهم إلى قسمين: 

 القسم الأول : كلام معنوي يقوم بالذات . 

القسم الثاني : كلام حرفي صوتي يُسمع, فهذا ينفونه عن رب العالمين والأول هو الذي يصفون الله جل وعلا به لأنهم يقولون أنهم هم أهل السنة, ولسنة بعيدة عنهم في مثل هذا. 

فالمقصود أن قوله مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ فيه إثبات الشفاعة التي تكون بإذنه ولمن يرضى عنه, وفيها نفي الشفاعة التي يزعمها المشركون, فإنهم يزعمون أن من يطلبون منه الشفاعة أنه يشفع ولولم يأذن له وهذا سواء في المشركين القدامى أو المتأخرين الذين يطلبون ذلك من المقبورين ومن الأولياء وغيرهم, فطلبهم هذا هو سبب لمنع الشفاعة أن تنالهم. 

وقوله :يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ”  

هذه جملة ايضا مستقلة, فيخبر جل وعلا أنه يعلم المتقدم والمتأخر, وأن علمه محيط بكل شيء وعلمه صفة له تعالى وتقدس, فيعلم ما بين أيديهم وما خلفهم, ما بين أيديهم كل ما هو مستقبل وهذا خطاب للخلق كلهم, وما خلفهم ما كان قبلهم, أما تفسير ذلك ما بين أيديهم اعمالهم التي تستجد وما خلفهم أعمالهم التي عملوها فهذا تفسير جزئي يعني .. المعنى ليس هو المعنى كله, فعلم الله محيط بكل شيء فدخل في علم الله جل وعلا أنه عالم وله اعلم جل وعلا¸ ودخل فيه تدبيره ودخل فيه وجوب الإيمان بالقدر لأن القدر عبارة عن علمه, علمه السابق الأولي بالأشياء وكذلك كتابته لعلمه يعني لأن القدر عبارة عن أمور أربعة أو إن شئت قلت عن أمرين: والأربع من باب التفصيل : 

علم الله المحيط بكل شيء وكتابته لعلمه بالأشياء قبل وجودها ومشيئته التي لا يوجد شيء إلا بها, فما شاء كان وما لم يشأ لا يكن وخلقه لكل شيء, فهو الخالق لكل شيء تعالى وتقدس . 

وهذا يدخل في قوله “يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ 

وقوله “وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ”  

“ولا يحيطون” يعني أن المخلوقين لا يمكن أن يحصل لهم علم إلا ما علمهم الله جل وعلا فالعلم علمه جل وعلا.  

وقوله : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ”  

يدل على عظمته جل وعلا وعظمت المخلوقات والصحيح أن الكرسي غير العرش, فقد ثبت أن الكرسي أنه عن بن عباس وغيره موضع القدمين قدمي الرب جل وعلا, وجاء في الحديث أن السماوات السبع بالنسبة للكرسي كسبعة دراهم ألقيت في أرض من فلاة, و الكرسي بالنسبة للعرش كدرهم ألقي في أرض من فلاة, فأكبر المخلوقات وأعظمها هو العرش ولهذا ذكر هذا “وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ” وما ذكر عن بن عباس أن الكرسي هو العلم ليس صحيحا وقد رده الإمام الحافظ بن كثير رحمه الله وقال إن الاسناد ضعيف ولو قيل بذلك لاقتضى هذا تكرارا في الاية والله جل وعلا ينزه عن هذا. 

وقوله “وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ”  

العلي العظيم ” يعني :  له العلو المطلق والعلو له علو أقسامه الثلاثة: 

القسم الأول : علو الذات فهو مستو على عرشه فوق خلقه . 

القسم الثاني : وهو علي في قلوب عباده المؤمنين . 

القسم الثالث : و هو كذلك له علو القهر فهو الذي قهر خلقه والعظيم له العظمة المطلقة فهو أعظم من كل شيء تعالى الله وتقدس . 

 

نسأله جل وعلا أن يعلمنا ما ينفعنا وينفعنا بما علمنا.  

 

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد  

 

مقطع صوتي تجريبي

بواسطة اسم المؤلف | مقاطع صوتية