سبيل المؤمنين

لفضيلة الشيخ العلامة

عبدالله بن محمد الغنيمان

غفر الله له ولوالدبه وللمسلمين

كتبه

عبدالعزيز بن حمود البليهي

 نحمد الله ونستعينه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ونسأله أن يهدينا فيمن هدى وأن يجنبنا الضلالة ويرزقنا الإخلاص في العمل والقول إنه على كل شيء قدير.

سبيل المؤمنين كلمة تجمع الخير كله ..

 فالعلم هو الأساس لأنه لا عمل إلا بعلم، ولهذا يقول الله جل وعلا: { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ}[محمد:19]، فبدأ بالعلم قبل العمل لأن قوله {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} (هو عمل) أن تعمل، فدل أنه لابد من العلم، ومعلوم أن مبنى الأعمال كلها النية التي هي علم القلب و(يقينه) ومعرفته، فقد قال سيد البشر rصلوات الله وسلامه عليه: (إنما الأعمال بالنيات..)، ولابد أن طالب العلم يعرف معنى “إنما” هذه التي تحصر كل ما يذكر يعني كل العمل فيما يذكر، (إنما الأعمال بالنيات..)، يعني : ما خرج من النية عمل، فكل عمل يبدأ به العبد يجب أن يكون على علم، والعلم إذا جاء مدحه والثناء على أهله فالمقصود به العلم الذي جاء به المصطفى r، أما إذا كان هناك علوم أخرى كعلوم الدنيا فيجب أن تكون تبع لهذا العلم، ولابد أن تكون النية خالصة صالحة لله جل وعلا ولهذا جاء في الطبراني وغيره قول الرسولr: (نية المؤمن أبلغ من عمله)، يعني: أنك تدرك بالنية ما لا تدركه بالعمل .

نقول هذا : لأن مبنى الأمور على الإخلاص، العلم والعمل يجب أن يكون خالصاً لله جل وعلا، هذا سبيل المؤمنين “العقيدة” والله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً لوجهه، والإخلاص : هو تصفية العمل من شوائب الأمور التي قد تلحق به من أمور الدنيا أو مرادات النفوس أو مرادات الرفعة عند الناس أو المنصب أو الظهور أو ما أشبه ذلك وهو كثير، يجب أن يكون العمل لله فقط، ليس فيه شيء وإلا إذا داخلته النية بأمور أخرى فسد و (رُد)، لأن الله أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه غير الله يرده الله على صاحبه ويقول له : اذهب إلى من أشركت اطلب أجرك، وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة t قال سمعت رسول اللهr يقول: (أول من تسجر بهم النار ثلاثة؛ أحدهما: مجاهد في سبيل الله والثاني عالم والثالث منفق..) انظر هذه الأمور الثلاثة هي أفضل الأعمال التي يتعدى نفعها إلى الغير، (.. المجاهد يؤتى به فيقرره الله جل وعلا بنعمه فيقر بها) النعم كثيرة لله جل وعلا؛ خلقه نعمة ، وصحته نعمة ، وعقله نعمة ، وسمعه وكذلك قواه، فالنعم كثيرة، يقرره ؛ فيقر بها فيقول الله جل وعلا: ماذا عملت فيقول: جاهدت في سبيلك حتى قتلت، فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، ولكنك جاهدت ليقال هو جريء هو شجاع وقد قيل ثم اذهبوا به إلى النار، “وقد قيل” يعني وقد أخذت أجرك من عملك، وهو قول الناس، ماذا (يجدي) ماذا ينفع قول الناس ؟!

 ما ينفع أي شيء بل هو مضرة.

ثم يؤتى بالعالم وفي الرواية القارئ، والقارئ في (…) العالم، فيُقرر بنعم الله فيقر بها، فيقول الله: ماذا صنعت؟ فيقول: يا رب تعلمت فيك العلم وعلمته، فيقول الله: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال هو عالم وقد قيل، ثم يؤمر به إلى النار، ويؤتى بالمتصدق فيقرره الله بنعمه فيقر بها فيقول جل وعلا: ماذا صنعت فيقول: ما تركت بابا من أبواب الخير إلا وأنفقت فيه، فيقول الله: كذبت ولكنك أنفقت ليقال هو جواد هو كريم وقد قيل، فيسحب إلى النار، أنظر كيف ؟!

 أول من تسجر بهم النار هؤلاء يعني قبل الكفار، لماذا ؟! لأنهم قدموا حظوظ نفوسهم فصاروا عبدة لأهوائهم ونفوسهم ومراداتهم، عبدوها دون الله جل وعلا.

فالمقصود أن الأمر يجب الاجتهاد فيه، يقول الإمام أحمد ( وهو ) من الذين (…) العلم والعمل تماماً، يقول: ما كابدتم مثل النية

النية تحتاج إلى تجدد كل وقت وتجديدها أن تكون خالصة لله، يجب أن يكون تعلمك ، وحضورك ، وقولك ، وعملك كله خالصا لله جل وعلا وإلا مصيبة إذا خالط العمل خالطته الإرادات الأخرى التي تكون لغير الله أفسدته، وهذا أمر كثر الكلام فيه العلماء والذين يهمهم مستقبلهم.

مستقبل الإنسان الحقيقي يوم ينفرد في قبره وتأتيه الملائكة تسأله ثم يُبعث فيقف بين يدي الله فيسأله، كل واحد منا سوف يكلمه ربه ويسأله، ما بينه وبينه حجاب ولا ترجمان، الله جل وعلا بنفسه سيسألك عن أعمالك، والله لا يخفى عليه شيء ولكن حتى تظهر الأمور ويظهر العذر، يُعذِر الإنسان من نفسه يعلم أنه لا حجة له، وإلا فالله علام الغيوب لا يخفى عليه شيء .

ولهذا نقول: أول ما ينبغي لطالب العلم أن يخلص النية لربه جل وعلا، يتعلم العلم ليعرف كيف يعبد ربه ؟

يعرف كيف يتوضأ ؟

كيف يصلي ؟

كيف يؤدي حق الله في ماله ؟

 كيف يصوم وهكذا

 كيف يعامل الناس ؟ كيف يتعامل معهم ؟

بل كيف يتعامل مع أهله وولده وجيرانه ؟..

 دين الله شامل لحياة المسلم كلها، يجب أن يكون الإنسان عبداً لله في تقلباته وفي أعماله وفي تصرفاته كلها، يعبد ربه جل وعلا ويخلص، من كان بهذه الصورة وهذه الصفة فسوف يسبق إلى الجنة بلا حساب، وهذا أمر كبير جداً يجب أن يُهتم له .

فالعلم هو الأساس

والعلم له طرق وأسباب، من أهم أسباب تحصيل العلم:

 أن يسلك الإنسان السبيل الذي سلكه الصالحون (من) عباد الله في العلم لأنهم عرفوا كيف يسيرون وكيف يعملون وأولهم صحابة الرسول r الذين تلقوا ذلك عن الرسولr، فأول شيء الإخلاص فيه .

يعني: يجعله خالصا لله جل وعلا يتعلم لله جل وعلا، أما إذا جاءت أمور تبعاً لهذا لم تكن هي المرادة فلا بأس، ما يقال أن الإنسان يجب أن يكون عمله كله خارجاً عن الدنيا، لا تنسى نصيبك من الدنيا ، ولكن لا تكن الدنيا على سبيل الأمر الذي (…) يعني: على خلاف ما أمر الله جل وعلا به، يعني: إذا صلحت طريقتك وحسنت تصبح أعمالك كلها لله حتى الأكل حتى الشرب والنوم والخروج فقط يجب أن تكون النية.. وقد كثرت إرشادات الرسولr في هذا كثيرة جداً ما ترك شيء من الخير إلا ودلنا عليه في هذا، حتى دخولك للبيت يجب أن يكون لله إذا دخلت تقول : بسم الله، سم الله جل وعلا بقلبك صحيح ما هو عادة !

وإذا قدم الطعام تقول بسم الله وإذا انتهيت تقول : الحمد لله على نعمة الله.

هذا لما ذكر الرسول Ir شيئا من ذلك قال: الإنسان يؤجر حتى على اللقمة التي يضعها في فيّ امرأته، مع أنها شيء واجب يجب عليك أن تنفق عليها، فإذا نويت أن هذا قياماً بما أمرك الله به وأنك تغني من يجب عليك إغناؤه فإنك تكون مأجور (…) وكذلك حتى الأمور التي قد تكون شهوات، مثل ما قال الرسول r: (وفي بضع أحدكم صدقة)، يعني إتيانه زوجته يكون فيه صدقة، قالوا: أيأت أحدنا شهوته ويكون له صدقة؟ قال: (نعم، أرأيتم لو وضعها في حرام أليس عليه وزر؟ قالوا : بلى، قال: كذلك إذا وضعها في…) وهذا يشير به إلى أنك إذا اكتفيت بأمر الله وما أحله لك جل وعلا أنك تؤجر على هذا، لأنك أطعت الله جل وعلا في هذا، أما إذا كانت عادة؛ العادة قد يكون الإنسان قد يكون أمر مباح إذا سلم من المقاصد لا يؤجر عليه ولا يؤزر وفرق بين هذا وهذا، فالطرق التي يمكن أن الإنسان يسلكها في هذا (تباعا) لعباد الله في طلب العلم.

ثانياً : التقوى، يتق الله جل وعلا، {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ}[البقرة:282]، وقد عرفنا من سيرة السلف أنهم يتقوون على حفظ الحديث ، وحفظ العلم بالصيام ، والصدقة والعمل الصالح، كما قال الأعمش: كنا نستعين على حفظ الحديث بالصيام، لأن الله جل وعلا يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا}[الأنفال:29]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا}[الحديد:28]، النور هو العلم، فكذلك ينبغي أن يسلك الطريق الأفضل بأن يبدأ بالشيء المهم، الأمور المهمة وهي معرفة الله جل وعلا والله جل وعلا يُعرف بأسمائه وصفاته وأفعاله وخلقه الذي تعرف به إلى عباده، يتفهم ذلك ويتعقله، بذلك يزيد علمه وتقاه ومعرفته بالله جل وعلا يكون يبنى عليها كل ما يأتي من العلم .

ثالثاً : يبدأ بالطريقة السليمة بأن يبدأ بالشيء الأصل المتون الصغيرة كما قال بعض العلماء: العلم يؤخذ صغاره قبل كباره، وقد خُدم هذا الأمر من قبل العلماء، كل فن من الفنون جعلوا فيه مختصرات جمعوا فيها العلوم باختصار وقواعد وكليات، فيأخذ هذا المختصر سواء كان في العقيدة أو في الفقه أو في الأصول أو في الفرائض أو في الحديث أو في المصطلح أو في النحو أو في اللغة أو في غير ذلك، ولكن يأخذها بفهم يتعقلها ويفهمها رابعاً : لابد أن يأخذ عن شيخ، لأنه كما قيل: العلوم كانت في صدور الرجال ثم صارت في الكتب وصار الرجال مفاتيح لها، فلابد أنك (…) ثم هذا الشيخ الذي يأخذ عنه يجب أن يكون قد تحلى بالعلم وتحقق به، ويكون متقيا لله جل وعلا، فكان السلف ينظرون إلى من يأخذون عنه يقولون: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم، ولهذا إذا أُخلّ بهذه القاعدة هذا الأمر اختلت الموازين وفسدت المباني كلها، والسبب في انحراف كثير من العلماء هو الإخلال بهذه القاعدة، الإخلال بذلك لأنهم تلقوا أصول علومهم أصول الدين عن قوم انحرفوا في صفات الله جل وعلا وفي أسمائه، فرسخ ذلك في أذهانهم فصاروا يجهدون أنفسهم بأن يجعلوا كتاب الله وسنة رسوله تتفق مع ما تلقوه عن مشايخهم وصار التأويل بل التحريف في هذا، لهذا السبب فقط، لأن من القواعد التي جعلها الله تعالى طبيعة في الإنسان وقد أخبر بها الرسول r أن الإنسان على ما تلقى ممن يتلاقاه ويتربى على يديه عقيدته (…) كما قال r: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانهأو ينصرانه أو يمجسانه)، كالبهيمة تنتج بهيمة سليمة ، وإنما المشركون الذين يقطعون آذنها ويعملون كذا يغيرون خلق الله فيها، هذا كان أما الآن لا يوجد ، لكن يوجد غيره مما هو نظيره، فالحقيقة أنه المربي المعلم هو الذي يخرج على عقيدته وتربيته الطالب، فهذا يجب أن يهتم به كثيراً.

وكذلك يجب أيضا أن يكون الإنسان عنده ذكاء ، وعنده حرص ، وعنده فطنة ، وعنده بلغة ، وعنده أيضا وقت، طول الوقت وممارسة في هذه الأمور، أما الذكاء فالإنسان ما يوجد في نفسه الذكاء ولكن معروف أن هذا من الأمور التي إذا حاول الإنسان أنه ينميها في نفسه ويجهد أنها تنمو وتزيد، كملكة الحفظ والذكاء نفس الشيء، درب نفسك وتفهم ولهذا العلماء الكبار الذين يؤلفون في العلوم يحاولون أن تكون كتبهم مرقية للطالب في هذا السبيل، كالبخاري مثلا، كيف يعمل في صحيحه، يترجم في الباب ثم يأت بالأمور الخفية التي تحتاج إلى كد الذهن حتى يدرب القارئ في التفهم ويذكر الأمور الواضحة الجلية، وغيره كذلك.

فالمقصود أن هذا من باب التعليم، وهذا له أصل من كلام رسول اللهr ففي أحاديث كثيرة كان يلقي r عليهم المسائل كما في الصحيحين حديث عبد الله ابن عمر قال: جيء بجمار إلى النبيr فقال: (إن مثل المؤمن كمثل شجرة لا يتساقط ورقها أخبروني ما هي) يقول: فوقع الناس في شجر البادية ووقع في نفسي أنها النخلة ولكن كنت أصغر القوم (…) أن أتكلم، فلما لم يعرفوها قال r هي النخلة، وكذلك كثير من هذا الباب كثير جداً، لأنه من طبيعة الإنسان أنه إذا ألقي عليه السؤال ثم حاول الإجابة ولم يجدها ثم جاءه الجواب يأتيه وهو يتلهف له مشتاق إليه فيثبت في (الذهن) ولكن أصل السؤال يراد به تفتح الذهن ، وكد الذهن ، والتفهم ، والتعقل، وقدم الله جل وعلا الذين يعقلون ، وذم الذين لا يتدبرون القرآن .

ولهذا نقول لطالب العلم يجب أن يكون من أول الأمر يهتم بالفهم، ثم إذا فهم الشيء لا يثق بنفسه ويأخذه على ما فهمه بدون أن يرجع إلى التأكد والتثبت، لابد من التأكد والتثبت، والتثبت إما أن يكون بسؤال من هو أعلم منك سواء كان زميلا لك أو شيخا لك أو غير ذلك، أو الرجوع إلى الأصل، التثبت له طرق فلابد من التثبت، ولكن إذا وافق الفهم الأصل وأصبح صحيح يفرح الإنسان بهذا يعرف أن فهمه صحيح، فإذا الإنسان عرف هذا الشيء يجد في ذلك لذة وفرح ويجب أن يكون هذا لأنه امتثل أمر ربه جل وعلا.

 خامساً :  الوقت، الوقت عمر الإنسان قصير فلا يجوز أن يضيعه في اجتماعات وفي استراحات وفي أمور تذهب عليه بدون فائدة، فذهاب الوقت هذا من أكبر الخسارات إذا ذهب بدون فائدة ، فهو خسارة كبرى، أما إذا ذهب الوقت في المعاصي فكيف يقال ؟! هذا معناه أنه سعي إلى جهنم نسأل الله العافية، ونحن خلقنا لعبادة ربنا جل وعلا وخلقنا للبقاء ، ما خلقنا للدنيا التي تفنى وتنتهي !

الدنيا لا تصفوا لأحد، أعلى من في المجتمعات الملوك والأمراء ومع ذلك ما تصفي لهم الأمور، المكدرات والمنغصات كثيرة جداً في الدنيا، وهذا من رحمة الله حتى ما يثق العبد في الدنيا.

فالمقصود أنه إذا كانت هكذا يجب أن تحافظ على رأس مالك، رأس مالك دينك ، ووقتك فلا يذهب إلا بفائدة، والفائدة إما تحصيل مسألة علم ، أو مثلا ذكر الله ، أو عمل صالح تقدمه لنفسك، لما كان العلماء يعرفون قدر هذا كانوا يتعبون في هذه الأمور، وأولهم الصحابة رضوان الله عليهم، أحدهم يذهب مسيرة شهر ويشتري بعير ويركبه ويسير من المدينة إلى مصر، لماذا ؟!

(ليعرض) حديثاً معه، ذُكر أن عند فلان حديث فذهب يعارضه، ثم لما لقيه وقال له ذلك وعارض الحديث الذي حفظه من حفظه رجع في الحال، ما في قهوة ولا فيه غداء ولا فيه وليمة ولا فيه شيء، ولهذا يقول الزهري: لو أن رجلاً سافر إلى برك الرمال لأجل مسالة ما كانت سفرته ضائعة، مسألة واحدة، برك الرمال (…) اليمن وهو يقول هذا وهو في الشام (…)

 سعيد بن جبير رحل من الشام إلى مكة ليسأل ابن عباس عن معنى آية، ويرى أن هذا مكسب عظيم.

وهذا كثير جداً في الذين يعرفون قدر العلم يتحصلون عليه، فلا يضيع الوقت، يقول الربيع صاحب الشافعي جاء إلى مصر يقول أنه اشترى له أصحابه جارية، في ذاك الوقت الجواري تباع وتشترى، فجيء بها إليه فأصبح ساهراً لا ينظر إليها مع سراجه وهي تنتظر اجتماعه بها حتى جاء الصباح فذهب إلى الصلاة، فلما أصبحت إلى النخاس، النخاس هو الذي يبيع الجواري والعبيد وقالت أنت بعتني على مجنون، لما بلغ ذلك الشافعي قال: المجنون الذي تشغلينه عن العلم، المجنون من اشتغل بك ونظائرك عن العلم، يعرف در العلم كيف، ولهذا تقول بنته: في ليلة من الليالي أسرجنا السراج له أكثر من ثلاثين مرة ، وفي رواية أكثر من سبعين مرة، كلما أراد ينام ذكر مسألة ثم قال اسرجوا السراج، ما في كهرباء، سراج يراجع وينظر ويتأكد، فلابد من الاجتهاد والحرص .

 ثم كذلك من الأمور التي ينبغي أن يسلكها الإنسان في هذا يعني بعد هذه الأمور؛ لابد أن يلازم الطريقة التي فيها التحصيل وهي نوعان :

النوع الأول :  إما أن تكون مشافهة وهي أنفع الطرق، أخذ العلم بالمشافهة أنفع الطرق وأثبتها، والذي تفوته هذه لابد أن يقع في مشاكل وفي أخطاء، فلهذا يقولون كثرة أخطاء الذين لم يتلقوا ذلك عن.. مثل ابن حزم رحمه الله، لهذا السبب .

النوع  الثاني : الكتب، والكتب أيضا تحتاج إلى تفهم وتحتاج إلى مفاتيح كما سبق، ويجب أن تكون الكتب التي يأخذ منها الطالب كتب المتقدمين، أما كتب المتأخرين في هذه الأوقات فهي مضيعة، تقرأ الكتاب من أوله إلى آخره –يعني ما هو كلها، الغالب هكذا- فتخرج بفكرة فقط، شبه الإنشاء الذي يعرف في المدارس (تنشئ موضوع)، بخلاف كتب المتقدمين؛ لا تقرأ صفحة واحدة إلا تزداد علماً وإيماناً، فيها البركة ؛ للإخلاص وفيها أيضا (…) للعلم وأعلم بذلك.

المهم أن هذه إشارات فقط أما الدعوة؛ سبيل المؤمنين في الدعوة فيجب أن يكون العبد إذا علم الحق وعرفه لا (يقتصره) على نفسه، وأول من يبدأ به أقرب الناس إليه أهله وأولاده وأقاربه ثم يجتهد في ذلك، ويجب أن يكون متحليا بمنهج رسول اللهr فالله جل وعلا يقول: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}[يوسف:108]، وكانت دعوة الرسولr إلى تأصيل التوحيد في القلوب أولا ولهذا بقي صلوات الله وسلامه عليه في مكة ثلاثة عشر سنة يدعوا الناس إلى قول: “لا إله إلا الله” مع انها موجودة عندهم انحرافات كثيرة ولكن أهم شيء التخليص من الشرك وتثبيت ذلك، وهذا بقي في دعوته إلى أن فارق الدنيا صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا لما بعث معاذ إلى اليمن وبعثه إما في السنة العاشرة أو في آخر السنة التاسعة، قال له: (إنك تأت قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله، فإن هم أجابوك إلى ذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات…)إلخ، فبنى الأركان التي هي أركان الإسلام بناها على إجابتهم إلى شهادة ألا إله إلا الله، يعني: أن يعرفوا ربهم جل وعلا ويخلصوا له العمل، ثم يؤمروا بعد ذلك.

أما أننا نترك الناس على عقائدهم وعلى عاداتهم الشركية وغيرها ونقول: حسنوا أخلاقكم وانفعوا الناس واعملوا كذا وكذا وصلوا وصوموا والعقائد فاسدة فهذا لا ينفع فهذا لا يفيد شيئا، بل هو مضر في الواقع، فيجب أن تكون الدعوة على ما جاء به المصطفى rوعلى سبيله، وكذلك لا ننسى أن هذا أيضا يجب أن يكون المقصود به وجه الله جل وعلا حتى يثاب الإنسان وحتى يثمر عمله والله جل وعلا علام الغيوب، يعلم ماذا تنطوي عليه النفوس وماذا يقصد العبد من عمله لا يخفى عليه ذلك ؟ ، ثم هذا ربما يظهر للناس وكثيراً ما يظهر، (والقول) في هذا أظنه والحمد لله لا يخفى ولكن تذكيراً.

أسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يرزقنا وإياكم الإخلاص وأن يجعلنا من السائرين على نهج رسول الله r.

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد