صَريحُ السُنَّة
تأليف
الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري

شرح فضيلة الشيخ العلامة
عبد الله بن محمد الغنيمان
غفر الله له ولوالديه ولمسلمين

اعتنى به
عبدالعزيز بن حمود البليهي

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.

الحمد لله مفلج الحق وناصره ومدحض الباطل وماحقه الذي اختار الإسلام لنفسه دينا فأمر به وأحاط وتوكل بحفظه وضمن إظهاره على الدين كله ولو كره المشركون ثم اصطفى من خلقه رسلا ابتعثهم بالدعاء اليه وأمرهم بالقيام به والصبر على ما نابهم فيه من جهلة خلقه وامتحنهم من المحن بصنوف وابتلاهم من البلاء بضروب تكريما لهم غير تذليل وتشريفا غير تخسير ورفع بعضهم فوق بعض درجات فكان أرفعهم عنده درجة أجدهم إمضاء من شدة المحن وأقربهم إليه زلفا وهو أحسنهم انفاذا لما أرسله به مع عظيم البلية.

يقول الله عز و جل في محكم كتابه لنبيهr {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف 35], وقال لهr ولأتباعه رضوان الله عليهم {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة 213], وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} [الأحزاب 9:12].

وقال تعالى ذكره : { أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين }[ العنكبوت : 1-2 ] .

الشرح

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحابته وسلم تسليما كثيرا وبعد:

المؤلف ” رحمه الله ” ابتدأ كتابه بذكر الصبر والابتلاء وأن المؤمن إذا قال: آمنت بالله لا بد أن يبتلى ويمتحن, وهذا كما قال الله جل وعلا:{أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ}[العنكبوت:2], فلا بد من الفتنة وذلك لأن عند الافتتان يظهر العزم والصدق ويتبين عدم الصدق كما قالوا: عند الامتحان يكرم المرء أو يهان, وليس هذا [ بأن] لا بد من ذلك لأن الله علام الغيوب, يعلم الذي سيكون قبل كونه ووجوده, ولكن من فضله ورحمته أنه لا يأخذ إلا بالعمل الظاهر الذي يسطر ويسجل على الإنسان, لا يأخذ بعلمه مع أن الواقع لا يمكن أن يختلف عن علم الله جل وعلا, فالامتحان ليظهر علمه الأزلي في خلقه, فإنه جل وعلا خلق القلم فأمره أن يكتب ما هو كائن فجرى فيتلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة وهذه الكتابة قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة, وفيها كتابة كل شيء فكل شيء يقع على وفق هذه الكتابة,كتابتة جل وعلا على هذا الامتحان والابتلاء لرفع الدرجات أو لإهانة الإنسان الذي لا يصبر ولا يكون عنده العزيمة ، مع أن الأمور في هذه الدنيا ليست صعبة والوقت قليل غير أن الإنسان عنده ظلم وعنده جهل , ظلوم جهول, فلابد من امداده من رب العالمين, والله أمده بعقل وأمده بآيات تحيطه من حوله وأمده بالرسل وأمده بكتبه التي أنزلها وأفضلها وأعلاها هو القرآن الكريم, غير أنه يجب أن يكون العبد صلته بالله جل وعلا دائمة لأنه لا قوة له ولا حول إلا بالله جل وعلا, فإن وفقه الله جل وعلا وأمده بفضله وإلا ما يستطيع أنه يهتدي بنفسه أو يجلب لها الراحة والسرور.

ثم لنعلم أن العبد مضطر ضرورة فوق ضرورة الأكل والشرب إلى هداية الله جل وعلا, لأن كل حي -إذا نظر الإنسان بعقله- كل حي يحتاج إلى ما ينعمه ومحتاج إلى ما يزيل عنه الهم والعذاب, وهذا له سبب وهذا له سبب, فإذاً الأمور أربعة :

الأمر الأول : أمر مطلوب مرغوب فيه .
الأمر الثاني : وأمر مرهوب مخوف ، وسبب لهذا وسبب لهذا, وإذا نظر الإنسان إلى هذه الأمور وجدها كلها بيد الله جل وعلا الإنسان ليس بيده شيء .
فإذاً جماع الأمر: اللجوء إلى الله عبادته وحده تعالى وتقدس.

ولما كانت العبادة لا تمكن أن تكون بالعقل والفكر, أمد الله جل وعلا بالرسل والكتب وجعل أفضل الكتب وأعلاها وأجمعها الذي هو مهيمن على الكتب كلها: القرآن كما جعل رسوله الخاتم هو أفضل الرسل, وبهذا يكون المرجع إلى التمسك بما أحبه الله وأمر به هو كتاب جل وعلا وحديث رسوله r يبين ويوضح, لأن الله أنزل عليه ضعفي ما قاله وأنزله كلاما له ليكون ذلك بيانا وإيضاحا, ولهذا يقول: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف 35], الأوامر التي توجه إلى رسول الله r هي أوامر لأمته, لأنه هو القدوة والأسوة الذي يجب أن نتأسى به ونقتدي به.

أولو العزم من الرسل قالوا : إنهم خمسة , نوح u وإبراهيم u  وموسى u  وعيسى u  ومحمد u , لأنهم ذكروا في آيتين من كتاب الله بهذا النسق, في سورة الأحزاب وسورة الشورى ، وإلا لم يأت نص عليهم بالعدد أنهم فلان وفلان, فهذا الذي عليه جمهور العلماء أنهم هؤلاء ، ولم يكن آدم منهم لأن الله جل وعلا يقول: {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا}[طه:115], ومعلوم أن رسل الله كلهم على الحق والهدى, ولكن فضل الله بعضهم على بعض, وهذا من التفضيل والتكريم.

وقوله : فلم يخل جل ثناؤه أحدا من مكرمي رسله ومقربي أوليائه من محنة في عاجلة دون آجله ، ليستوجب بصبره عليها من ربه من الكرامة ما أعد له ومن المنزلة لديه ما كتب له ثم جعل تعالى جل وعلا ذكره علماء كل أمة نبي ابتعثه منهم وراثه من بعده والقوام بالدين بعد اخترامه إليه وقبضه ، الذابين عن عراه وأسبابه والحامين عن أعلامه وشرائعه والناصبين دونه لمن بغاه وحاده والدافعين عنه كيد الشيطان وضلاله .

الشرح

يعني : هذا بالنسبة لهذه الأمة, فإن الأمم التي قبلنا مثل بني إسرائيل جعل الله جل وعلا فيهم أنبياء يتتابعون كلما ذهب نبي جاء بعده آخر, أما هذه الأمة لما كان رسولنا r هو خاتم الرسل جعل العلماء بمنزلة أنبياء بني إسرائيل .

هذا المفروض يعني :أنهم يقومون بالأمر الذي قام به الرسول r حسب الاستطاعة ولهذا جاء أن العلماء هم ورثة الأنبياء, والأنبياء لم يورثوا دنيا درهم ولا دينار وإنما ورثوا العلم, فمن أخذه على وجهه وبحقه فقد أخذ بنصيب وافر, وحقه أنه ينشر ويدع الناس به بالعلم الذي ورثوه عن المصطفى r, ومعلوم أن العمل يتوقف على العلم فلا بد منه, ومن فضل الله جل وعلا أنه تولى حفظ العلم الذي جاء به الرسول r بنفسه, وجعل من حفظه له ورثة يتوارثونه فلابد من قائل بالحجة على الخلق إلى أن تقوم الساعة .

يعني : الساعة التي وعد الله جل وعلا بها وهي آخر الزمان النهائي يعني في الدنيا وإلا قد جاءت الأحاديث أن الساعة تقوم على شرار الناس وأنه في ذلك الوقت لا يعرف معروف من منكر لما يتهارج أولئك تهارج الحمر, وعلى شرار الناس تقوم الساعة.

وقوله : فضلهم بشرف العلم وكرمهم بوقار الحلم وجعلهم للدين وأهله أعلاما وللإسلام والهدى منارا وللخلق قادة وللعباد أئمة وسادة إليهم مقرعهم عند الحاجة وبهم استغاثتهم عند النائبة لا يثنيهم عند التعطف والتحنن عليهم سوء ما هم من أنفسهم يولون ولا تصدهم عن الرقة عليهم والرأفة بهم قبح ما إليه ما يأتون محرما منعهم طلب جزيل ثواب الله فيهم وتوخيا طلب رضى الله في الأخذ بالفضل عليهم ثم جعل جل ثناؤه ذكره علماء أمة نبيناr من أفضل علماء الأمم التي خلت قبلها فيما كان قسم لهم من المنازل والدرجات والمراتب والكرامات فشمل واجزل لهم فيه حظا ونصيبا مع ابتلاء الله أفاضلها بمنافعها وامتحانه خيارها بشرارها ورفعائها بسفلها وضعائها فلم يكن يثنيهم ما كانوا به منهم يبتلون ولا كان يصدهم ما في الله منهم يلقون عن النصيحة لله في عباده وبلاده أيام حياتهم بل كانوابعلمهم على جهلهم يعودون وبحلمهم لسفههم يتعمدون وبفضلهم على نقصهم يأخذون بل كان لا يرضى كبير منهم ما أزلفه لنفسه عند الله من فضل ذلك أيام حياته وادخر منه من كريم الذخائر لديه قبل مماته حتى تبقى لمن بعده آثارا على الأيام باقية ولهم إلى الرشاد هادية جزاهم الله عن أمة نبيهم أفضل ما جزا عالم أمة عنهم وحباهم من الثواب أجزل ثواب وجعلنا ممن قسم له من صالح ما قسم لهم وألحقنا بمنازلهم وكرمنا بحبهم ومعرفة حقوقهم وأعاذنا والمسلمين جميعا من مرديات الأهواء ومضلات الآراء إنه سميع الدعاء.

الشرح

هذه المقدمة يعني: كلها في فضل العلم ودرجة العلماء وأن العلماء المقصود بهم : علماء الشرع الذين علموا فعملوا وإلا العلم هو وسيلة وليس هو غاية, العلم وسيلة للعمل, من علم وعمل فهذا المطلوب وهو الذي يكون قد أخذ نصيبا وحظا وافرا من إرث الرسول r, أما مجرد علم بلا عمل أو أنه يخالف علمه فهذا معناه أن العلم يكون زيادة في عذابه نسأل الله العافية .

والمقصود علم الشرع, غير أن علم الشرع يدخل فيه كل نافع حتى يدخل فيه كل ما يحتاج إليه المسلم مثل علم الزراعة وعلم الطب ونحوهما, من ذلك ايضا علم الصناعات ولا يجوز للمسلمين أن يخلوا بشيء من ذلك حتى يحتاجوا إلى الكفار, فإن احتاجوا إليهم معناه أنهم ما امتثلوا أمر الله وخالفوه لأن الله جل وعلا يقول: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}[الأنفال:60], فالإعداد امتثالا لأمر الله جل وعلا, أما اذا احتاجوا إلى الكافرين لشيء سواء من السلاح أو من الزراعة أو من الطب أوغير ذلك فهم مخلون بالأمر ولم يقوموا به ويكون على ذلك الإثم شاملا لجميع الأمة, لأن هذا كما قسمه العلماء من فروض الكفايات إذا قام بها من يكفي يسقط الإثم عن الأمة كلها, أما إذا لم يقوموا بذلك ولم يكتفوا عن الكافرين؛ صاروا يعني مثلا يحتاجون إليهم في مرفق من مرافق الحياة كالزراعة ، أو كالطب ،أو كالصيدلة ، أو كالسلاح ، أو غير ذلك فهم لم يقوموا بما أمرهم الله جل وعلا على الوجه المطلوب فيحصل الإثم, فكل هذا تبع لما جاء به الرسول r ولهذا كان يحث على تعلم الرمي وعلى السباق وكل ما فيه تدرب على قتال العدو, ويذكر عليه أجرا وفضلا فكيف [ بما ذكر! ].

قوله : وبهم استغاثتهم عند النائبة, يعني قصده في هذا الاستغاثة الجائزة لأنه يجوز أن يستغاث بالمخلوق فيما يستطيعه ويقدر عليه وإلا فالاستغاثة من العبادات التي يجب أن تكون خالصة لله جل وعلا غير أنها في المخلوق مقيدة بالاستطاعة والقدرة, كما قال الله جل وعلا في قصة موسى: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ}[القصص:15]

وقوله: ثم أنه لم يزل من بعد مضي رسول الله r لسبيله حوادث في كل دهر تحدث ونوازل في كل عصر تنزل يفزع فيها الجاهل الى العالم فيكشف فيها العالم سدف الظلام عن الجاهل بالعلم الذي آتاه الله وفضله به على غيره إما من أثر وإما من نظر فكان من قديم الحادثة بعد رسول الله r في الحوادث التي تنازعت فيه أمته واختلافها في أفضلهم بعده وأحقهم بالإمامة وأولاهم بالخلافة.

الشرح

إن الرسول r لما قام بالأمر كما أمره الله جل وعلا لم يترك شيئا تحتاج إليه الأمة إلا وبينه وكشفه وأزال اللبس فيه فتوفاه الله جل وعلا وأصحابه على الجادة البيضاء ليلها كنهارها كما أخبر بذلك, وخلفه أفضلهم أفضل الصحابة وأقربهم من النبي r وأولاهم به, وقد ذكر ذلك وكرره مرارا صلوات الله وسلامه عليه, وقام بالكتابة وهذا قدره الله جل وعلا كما أراد […] لله, ولهذا صار الخليفة خليفة الرسول هو أبو بكر وهو الذي يقال له الخليفة وبعده لما جاء عمر وصاروا يقولون له: خليفة خليفة رسول الله , قال: هذا فيه تطويل, أنتم المؤمنون وأنا أميركم فقولوا: أمير المؤمنين, ثم صار هكذا, فقصرة الخلافة على أبي بكر وإن كانت خلافة النبوة كما أخبر الرسول r في حديث سفينة أنها ثلاثون سنه وختمت بخلافة الحسن بن علي ستة أشهر ثم صار بعد ذلك الملك يؤتيه الله من يشاء .

المقصود أن الرسول r بين الأمر ووضحه وجلاه غير أن من الناس من لا يروق له الحق ولا يعجبه ، .. ولا دين.. وإنما يريد الباطل ولهاذا حدثة المنازعات والخلافات وسوف تستمر إلى يوم القيامة لأن الله جل وعلا خلقهم هكذا أحزابا منهم من يتحزب بالباطل وينتصر له ومنهم من يعرف الحق وينتصر له ويدع إليه, ولكن الصحابة رضوان الله عليهم أفضل الأمة بل هم أفضل الناس على الإطلاق بعد الرسل والأنبياء, فالله جل وعلا يقول: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}[آل عمران:110], وأول من يدخل في هذا هم صحابة الرسولr مع قوله r:(بعثت في خير القرون).

وقوله : ثم القول في أعمال العباد طاعتها ومعاصيها وهل هي بقضاء الله وقدره أم الأمر في ذلك المبهم مفوض.

الشرح

يقصد بهذا يعني : ذكر الخلاف فيه, ولا شك أن كل شيء بقضاء الله وقدره ، وليس الأمر مبهم .

وقوله: أم الأمر في ذلك المبهم مفوض .

المبهم ومفوض يعني : أن الله لم يعلمه ولم يكتبه ولم يقدره وهذا قول باطل أجمع الصحابة على كفر قائله, وقد نبر بعض من نبر في آخر عهد الصحابة بالقول في نفي القدر وأن الأمر أنف, كما جاء ذلك في صحيح مسلم في المقدمة وفي غريه فتبرأ الصحابة منهم وكفروهم, وكل شيء قدره الله وقضاه لأن الله لا يخفى عليه شيء وقد علم الأشياء قبل وجودها فكتبها, ثم مشيئة الله العامة الشاملة وخلقه لكل شيء فهو الخالق وما سواه مخلوق وهذا هو القدر, عبارة عن هذه الأمور الأربعة, يعني علم الله الشامل وكتابته لعلمه وخلقه لكل شيء ومشيئته الشاملة العامة, أما الأمران الأولان فلا خلاف فيهما وأما الأخيران ففي عمومهما نزاع وكذب بذلك طوائف ممن ينتسب إلى الإسلام مثل القدرية الذين كذبوا عموم المشيئة وبعموم الخلق, جعلوا الإنسان يخلق فعله وجعلوا الإنسان هو الذي يشاء ما يفعل, إن شاء آمن وإن شاء كفر وقالوا: إن مشيئته هي التي تقع ومعنى ذلك أنه يشارك الله جل وعلا في بعض الحوادث وهذا شرك بالله جل وعلا في ربوبيته ولهذا الشرك يكون ملازما لهؤلاء نسأل اله العافية, وهو شرك من أقبح الشرك وهو الشرك في الربوبية فإن هذا أعظم من الشرك في العبادة.

وقوله : ثم القول في الإيمان هل هو قول وعمل أم هو قول بغير عمل ، وهل يزيد وينقص أم لا زيادة له ولا نقصان .

الشرح

القول في الإيمان هل هو قول وعمل أم هو قول بغير عمل, وهل يزيد وينقص أم لا زيادة له ولا نقصان, فهذا الشطر الأول من هذه الذي يقوله هو الصواب وهو الحق وهو مذهب أهل السنة يعني : أنه قول وعمل .

والعمل يكون عمل الباطن وعمل الظاهر, ومعنى ذلك أن الإيمان نفسه يكون بالقلب علما وتصديقا وإقرارا وعدم منازعة وتسليما للشارع .

ويكون في الجوارح عملا يقوم بها, وهذا أدلته لا حصر لها, فإن الله جعل العمل إيمان كما قال الله جل وعلا: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}[البقرة:143], يعني الصلاة التي صلوها إلى بيت المقدس, أنها محفوظة لهم وأنهم يثابون عليها, فجعل الصلاة إيمان قال تعالى:{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ}[البقرة:84-85],فجعل المفاداة إيمان وهو عمل –فعل- وجعل الإخراج من الديار والقتال كفر, فإذا الكفر يكون عمل والإيمان يكون عمل وهذا هو القول الصحيح, أما الذين يقولون أن الإيمان هو التصديق تصديق القلب, أو يقصرونه على الخشوع أعمال القلب الخشية والإنابة وما أشبه ذلك فهذا غير صحيح, ثم إن الإيمان الذي هو أصله في القلب وهو الإقرار والانقياد للشارع فيما جاء به يكون متفاوتا بين الناس, فمنهم من يكون إيمانه قوي لا يقبل التردد أو الشك أو التوقف, ويكون فيه التسليم الكامل لله جل وعلا ولرسولهr ومنهم من يكون دون ذلك, كذلك في الأعمال منهم من يكون أعماله أكمل من غيره وهذه ظاهرة جدا ومعروف, فمن هنا كان الإيمان يزيد وينقص وإذ ازداد عملا زاد إيمانا, وإذا نقص عمله عن الواجبات والمستحبات يكون إيمانه ناقصا, يكون الإيمان ناقص, وإن كان أصل الإيمان في القلب ولكن الجوارح تشاركه في هذا لأن القلب هو أميرها وملكها, كما قال المصطفى r: (إن في البدن مضغة إذا صلحت صلح لها سائر البدن وإذا فسدت فسد لها سائر البدن), فكذلك الشيء الذي يزيد يلزم أن يكون ينقص ولا بد, فقد قال الله جل وعلا: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا}[الأنفال:2], وقال جل وعلا: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي}[المائدة:3], استدل البخاري بهذه الآية على نقصان الإيمان, وأن الذي يزيد كان قبل زيادته ناقصا, وإذا زاد الشيء يلزم أنه ينقص.

وقوله : ثم القول في القرآن هل هو مخلوق أو غير مخلوق .

الشرح

هذه مسألة من [ أشر ]المسائل, وحدثت من الجهمية ، ومتجهمة المعتزلة ، لما تولوا إمام المسلمين وصاروا هم أساتذته وهم الذين يعلمونه زينوا له أن القرآن مخلوق .

فالقرآن صفة من صفات الله, لأن الكلام صفة المتكلم فإذا كان القرآن مخلوق يكون علمه مخلوق وسمعه مخلوق وسائر صفاته تكون مخلوقة !!

ولهذا العلماء كفروا من يقول هذا القول .

ثم حدثة الفتن, الفتنة التي بها قتل من قتل من العلماء ، وامتحن من امتحن واشتد الأمر, ثم لا يقال أن هذه فتنة كانت ثم بانت وذهبت فلماذا ننميها ؟!!

كما يقول بعض الذين لا يفهمون, يقولون : أنتم تنبشون القبور, تذكرون شيئا لا حاجة إليه, مثل هذه, مع أن هذا معناه أنه لا … الناس عليه ، لأن هذا القول لا يزال موجود في كثير من الناس, فالأشعرية التي يزعمون أنهم هم الناس ، ويزعمون أنهم هم أهل السنة وكتبهم ملأت الأرض ، يقولون بهذا القول الآن !! يقولون : أن الكلام الذي هو الكلام العام ينقسم إلى قسمين:

القسم الأول : كلام يكون بالصوت والحرف, فهذا لا يجوز أن نصف الله جل وعلا به. القسم الثاني : كلام هو معنى يكون بذات المتكلم وهذا هو الذي يصفون الله به, تعالى الله وتقدس .

فإذاً معناه أنهم يجعلون الكلام الذي هو معقول وهو ما كان بحروف وأصوات ويسمع ويصدر من المتكلم هذا ممتنع على الله عندهم, عندهم مثل الأكل والشرب والنوم مثل هذا الشيء, فهم يتفقون مع المعتزلة الذين يقولون : بخلق القرآن كما صرحوا بذلك فيكون الخلاف بينهم وبينهم لفظي ، وهذا موجود ولا يزال يقولونه الآن ، وينشرونه يدعون الناس إليه, يزعمون أن هذا هو الحق, تبعا لإنكار الصفات الأخرى, فهم في الواقع يؤولون بقية الصفات أو يفوضونها والتأويل أو التفويض هو : تحريف وتعطيل لرب العالمين عما يتصف به !

فلهذا صرح كثير من علماء الأمة بأن القول: بأن القرآن مخلوق أنه كفر, كفر بالله جل وعلا.

وقوله: القرآن [ هل هو مخلوق أو غير مخلوق ] يعني : … والا فالمقصود الكلام كله, ومعلوم أن إرسال الله للرسل وتشريعه الشرائع هو بالقول بالكلام, وإذا بطل الكلام بطل كل شيء, بطلة الشرائع وبطل الرسل وبطل العلم .

وقوله : ثم رؤية المؤمنين ربهم تعالى يوم القيامة .

الشرح

قوله : ” ثم رؤية المؤمنين “ أيضا هذا من الصفات التي حصل فيها خلاف, والسبب في هذا أنهم يقولون: لا يُرى إلا ما هو جسم, فلوم من الرؤية أن تقولوا أن الله جسم, وهذا من لوازمهم التي…

ثم قولهم : أنه جسم أو غير جسم, هو منكر من القول ولا يجوز لا قبوله ولا رده, بل يجب أن يتوقف فيه ويستفسر من القائل: ماذا تريد بالجسم ؟

إن كنت تريد من يقوم بنفسه ويشاهد ويرى فهذا نقول: حق ، ولكن لا نقول أنه جسم لأن الله لا يسمى إلا بما سمى به نفسه, ولا يوصف إلا بما وصف به نفسه ووصفته به الرسل, ولكنه أكبر من كل شيء وأعظم من كل شيء وهو مستو على عرشه تعالى وتقدس .

وإن كان مثلا يقول : أن الجسم هو الذي يشار إليه أو يشغل مكان أو يجوز أن نقول: هو هاهنا أو هناك, فقد قال المصطفى r: أين الله ؟

هذا حق ولكن هذا التعبير نقول : باطل, يجب أن يعبر عنه بالألفاظ الشرعية التي جاءت في كتاب الله وسنة رسوله r .

وإن كان يقصد بالجسم الذي يتركب من أجزاء فهذا باطل لفظاً ومعنى ، أو أنه يكون لحم ودم وعظام ؛أن هذا أيضا باطل لفظاً ومعنى ، فإن الله: { ليس كمثله شيء } ، تعالى الله وتقدس .

والمقصود أنه يجب على المؤمن أن يكتفي بما جاء في كتاب الله وما قالت به الرسل بدون خروج عن ذلك إلى ألفاظ المتكلمين وإراداتهم وشكوكهم .

ثم الرؤية هي من نعيم الجنة, بل هي أعلى نعيم الجنة ورؤية الله تكون يوم القيامة, أما في الدنيا فلا يُرى تعالى الله وتقدس كما قال المصطفى r: (اعلموا أن أحدا منكم لن يرى ربه حتى يموت), وقد جاءت النصوص الدالة على رؤية الله ورؤيته تكون في الموقف قبل دخول الجنة للمؤمنين, وتكون في الجنة من أعلى النعيم كما قال الله جل وعلا: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}[يونس:26] .

الحسنى :هي الجنة،كما فسرها الرسول والزيادة هي الرؤية, {وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ}[المطففين:23], يعني ينظرون إلى ربهم جل وعلا, {وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} [ق:35],  يعني : على الجنة

والمزيد:  هي رؤيا الله جل وعلا .

ومن ينكر الرؤيا يجوز أنه يحرمها يوم القيامة لأن الجزاء من جنس العمل كما هي سنة الله في خلقه.

وقوله :  ثم القول في ألفاظهم بالقرآن .

الشرح

ألفاظهم : يعني ألفاظ المتكلمين, المتكلم يقول هل يكون لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق؟

نقول : هذا من المنكر, لا يجوز أن تقول : مخلوق ولا غير مخلوق؛ لأن كلمة لفظ هذه يجوز أنها تكون مصدر ، ويجوز أن تكون مفعولا .

فالمصدر معناه :  تحريك اللسان الشفتين والصوت الذي يخرج من الإنسان ولا شك أن هذا مخلوق .

أما المفعول : فهو المصوت به المحرك به المسموع, والمسموع يكون كلام رب العاملين إذا تكلم بالقرآن .

والمقصود أنه لما كان الشيء فيه إجمال وفيه اشكال وجب التوقف فيه فلا يطلق لا نفيا ولا إثبات إلا بالتفصيل .

وقد ثبت عن الإمام أحمد أنه قال: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع, وقصده في هذا أنه لا بد من التفصيل كما ذكرنا.

وقوله : ثم حدث في دهرنا هذا حماقات خاض فيها أهل الجهل والغباء ونوكي الأمة الرعاع يتعب إحصاؤها ويمل تعدادها ، فيها القول في اسم الشيء أهو هو أم هو غيره ، ونحن نبين الصواب لدينا من القول في ذلك إن شاء الله تعالى ، وبالله التوفيق.

الشرح

نوكي: هو الغبي الجاهل الذي يُقدم على الأشياء بدون روية ولا علم.

يعني : أن هذه مقدمة ذكرها مجملة وسيفصلها .

والقول في الاسم : هل هو المسمى أو غيره  ؟

أمر مبتدع, ولكن للناس فيه ثلاثة مذاهب :

المذهب الأول : منهم من يقول الاسم هو المسمى وعينه وحقيقته .

المذهب الثاني : منهم من يقول هو غيره .

المذهب الثالث : هو الصواب: أن الاسم للمسمى,كما قال الله جل وعلا: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى}[الأعراف:180], وسيأتي الكلام فيه.

القول في القرآن وأنه كلام الله

فأول ما نبدأ بالقول فيه من ذلك عندنا : القرآن كلام الله وتنزيله إذ كان من معاني توحيده فالصواب من القول في ذلك عندنا أنه كلام الله غير مخلوق كيف كتب وحيث تلي وفي أي موضع قرئ في السماء وجد وفي الأرض حيث حفظ في اللوح المحفوظ كان مكتوبا وفي ألواح صبيان الكتاتيب مرسوماً ، في حجر نقش أو في ورق خط أو في القلب حفظ وبلسان لفظ ، فمن قال غير ذلك أو ادعى أن قرآنا في الأرض أو في السماء سوى القرآن الذي نتلوه بألسنتنا ونكتبه في مصاحفنا أو اعتقد غير ذلك بقلبه أو أضمره في نفسه ، أو قال بلسانه دائنا به فهو بالله كافر حلال الدم بريء من الله والله منه بريء بقول الله عز و جل: {بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} [البروج: 23 ,22], وقال [ وقوله الحق ] عز و جل: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: 6],

فأخبر [جل ثناؤه] أنه في اللوح المحفوظ مكتوب وأنه من لسان محمدr مسموع وهو قرآن واحد من محمد r مسموع في اللوح المحفوظ مكتوب وكذلك هو في الصدور محفوظ وبألسن الشيوخ والشباب متلو.

قال أبو جعفر: فمن روى عنا أو حكى عنا أو تقول علينا فأدعى أنا قلنا غير ذلك فعليه لعنة الله وغضبه ولعنة اللاعنين والملائكة والناس أجمعين لا قبل الله له صرفا ولا عدلا وهتك ستره وفضحه على رؤوس الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار.

الشرح

هذا التفصيل الذي ذكره, تفصيل الإجمال الذي سبق, وهو الحق الذي لا ريب فيه ، وهو مذهب أهل السنة, والقرآن مهما تصرف سواء كتب أو حفظ فهو كلام الله جل وعلا, مكتوبا محفوظا وكذلك إذا تلي فهو كلام الله, ومعلوم أن وجود الكلام غير وجود ذوات الأجساد, فله وجود غير وجوده, ولا يجوز أن نقول مثلا: إن القرآن حآلّ في المصحف , كما يقوله من يقوله.. القرآن مكتوب في المصحف وليس حالا, لأنه ليس جسدا يحل في شيء كما يكون الماء في الكوز وما أشبه ذلك, ومعلوم أن الأشياء لها وجود ولها حقيقة ولها جعل بذلك, ولكن المقصود هو أن الكلام يضاف إلى من قاله منشئا مبتدئا له, ولا يقال لمن قاله لمن أداه ورواه فإن هذا يكون راو ومؤدي, ولهذا أضافه الله جل وعلا إلى الرسول البشري ومرة إلى الرسول الملكي, كما قال جل وعلا: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [الحاقة: 40, 42], وقال بالنسبة لجبريل: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} [التكوير: 19,21], وقال جل وعلا: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: 6].

معلوم أنه يسمع كلام الله من المبلغ المؤدي الذي يتلوا عليه ذلك يبلغه, فصار هو كلام الله في جميع التصرفات, وهذا يكون أيضا لكل كلام .

ثم إن القرآن جزء من كلام الله وليس هو كل كلام الله فكلام الله جل وعلا صفة تقوم به, ونوع كلام لكلام الله جل وعلا نوعه يتجدد وهو أيضا أزلي قديم وآحاده تحدث وتتجدد, وأحدث كتاب أنزله الله وتكلم به هو القرآن, كما قال الصحابة: كيف تسألون أهل الكتاب وعندكم كتاب الله أحدث كتاب والله جل وعلا يقول: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} [الأنبياء:2], قوله “محدث” فالله يحدث من أمره ما يشاء كما هو مسطور في كتاب الله جل وعلا, فسماه “محدث” يعني : جديد ، وليس محدث مخلوق كما قال الله جل وعلا: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا}[الزخرف: 3], يعني : أنزلناه قرآنا عربيا.

وقوله: إنه في اللوح محفوظ ومكتوب, لا ينافي ذلك أنه تكلم به جل وعلا كما أنه جاء في حديث ابن عباس أن القرآن نزل إلى بيت العزة في السماء الدنيا جملة واحدة, ثم نزل مفرقا في ثلاث وعشرون سنة على حسب الوقائع, وكل هذا ما يخالف ولا ينافي كون الله يتكلم به في المناسبات, كل مناسبة كما قال الله جل وعلا: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا}[الفتح:1], هذا في غزوة الحديبية, وقال جل وعلا: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ}[المجادلة:1], لخولة رضي الله عنها لما جاءت تشتكي إلى النبي r تقول عائشة: سبحان من وسع سمعه الأصوات, لقد جاءت المجادلة وإني لفي طائفة البيت يخفى علي بعض كلامها, فأنزل الله جل وعلا وهو فوق سبع سماوات: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} وأبو جعفر ” رحمه الله ” يشير في هذا إلى أنه قد قيل عليه مالم يقله في هذه المسألة ولهذا دعا عليه.

حدثنا موسى بن سهل الرملي حدثنا موسى بن داود حدثنا معبد أبو عبدالرحمن عن معاوية بن عمار الدهني قال : قلت لجعفر بن محمد رضي الله عنه : إنهم يسألون عن القرآن مخلوق أو خالق فقال: إنه ليس بخالق ولا مخلوق ولكنه كلام الله عز و جل .

وحدثني محمد بن منصور الأملي حدثنا الحكم بن محمد الأملي أبو مروان حدثنا ابن عيينة قال سمعت عمرو بن دينار يقول: أدركت مشايخنا منذ سبعين سنة يقولون: القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود .

الشرح

قوله : منه بدأ يعني : أنه ظهر منه, فهو كلامه صفت له  .

وقوله : وإليه يعود يعني : يكون صفة له, يعود إليه صفة .

وقد يكون أيضا “وإليه يعود” : في آخر الزمان فإنه يرفع ولا يبقى منه حرف واحد, يسحب من صدور الرجال ومن المصاحف فلا يبقى منه شيء, وهذا إذا ترك العمل به.
القول في رؤية الله عز وجل

وأما الصواب من القول في رؤية المؤمنين ربهم عز و جل يوم القيامة وهو ديننا الذي ندين الله به وأدركنا عليه أهل السنة والجماعة فهو أن أهل الجنة يرونه على ما صحت به الأخبار عن رسول اللهr.

الشرح

الرؤية تكون لوجهه الكريم جل وعلا ، وإلا فالله لا يحاط به, ولا يحاط به الرؤية فهو أكبر من كل شيء وأعظم من كل شيء .

(وجهه) رؤيته : أعلى نعيم أهل الجنة ،كما ثبت ذلك في أحاديث كثيرة عن النبي r, والذين ينكرون هذا هو أهل البدع والضلال.

حدثنا أبو السايب سلم بن جنادة حدثنا ابن فضيل وحدثنا تميم بن المنتصر ومجاهد بن موسى ، قال تميم : أنبأنا يزيد وقال مجاهد : حدثنا يزيد بن هارون وحدثنا ابن الصباح حدثنا سفيان ومروان بن معاوية ويزيد بن هارون جميعاً عن اسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير ابن عبد الله قال: كنا جلوسا عند رسول الله r فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: (انكم راءون ربكم عز و جل كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا) ثم تلى رسول الله ((وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ)) [طه 130], ولفظ الحديث لحديث مجاهد .

قال يزيد: من كذّب بهذا الحديث فهو بريء من الله ورسوله حلف غير مرة, وأقول أنا: صدق رسول الله وصدق يزيد وقال الحق .

الشرح

أي هذا فرد من أحاديث كثيرة في الرؤية, لكن حديث جرير t من آخر من أسلم من الصحابة وهو سيد من سادات العرب ففي هذا اللفظ يعني : في هذا ألفاظ مختلفة لفظه في بعضها: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون –وفي رواية- لا تَضَآمّون..) .

وقوله : لا تضامون يعني : من الضيم, لا يلحقكم في رؤيته ضيم ولا قصور .

أما تَضآمّون يعني : لا يحتاج بعضكم إلى مساعدة بعضكم في الرؤية ، كرؤية الشيء الخفي, كرؤية الهلال مثلا, ثم هذا المثل الذي ضربه الرسول r فيه تأكيدات متعددة, وهو قوله: إنكم .. ” إن ” :حرف تأكيد .

وقوله: ترون ربكم, وفي رواية هذه التي ذكر, “راءون ربكم”, ترون فهو فعل والفعل أيضا يدل على التأكيد والتكرار .

وقوله: كما ترون هذا القمر, إشارة أيضا هذا فيه من التأكيد الزائد الذي لا يحتاج الكلام معه إلى تفسير أو إلى إيضاح .

ثم أن هذا التشبيه: “كما” هذه حرف تشبيه, هو تشبيه الرؤية في الوضوح والجلاء بما هو واضح جلي فهذا بيان عظيم, تولاه رسول الله r .

وقوله: ” ..فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها..” المقصود بهذا : صلاة العصر وصلاة الفجر, يقول العلماء: في هذا إشارة إلى أن من حافظ على هاتين الصلاتين في وقتهما وأداهما بأركانهما وواجباتهما على الوجه المطلوب أنه يرى ربه في اليوم مرتين بكرة وعشيا ، وقراءة الرسول r للآية ربما تدل على ذلك.

القول في أفعال العباد

وقوله : وأما الصواب من القول لدينا فيما اختلف فيه من أفعال العباد وحسناتهم وسيئاتهم فإن جميع ذلك من عند الله تعالى والله سبحانه مقدره ومدبره لا يكون شيء الا بإذنه ولا يحدث شيء الا بمشيئته له الخلق والأمر كما يريد.

حدثنى زياد بن يحيى الحساني وعبيدالله بن محمد الفريابي قالا حدثنا عبدالله بن ميمون قال حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبدالله قال : قال رسول الله r : ” لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ” .

اللفظ لحديث أبي الخطاب زياد بن عبدالله .

حدثني يعقوب بن إبراهيم الجوزجاني قال حدثنا ابن أبي حازم قال حدثني أبي عن ابن عمر قال: القدرية مجوس هذه الأمة فإن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم .

الشرح

وقوله: وأما الصواب من القول لدينا فيما اختلف فيه من أفعال العباد وحسناتهم وسيئاتهم.. ليس الحسنات والسيئات فقط؛ كل ما يصدر من العبد يفعله فهو خلقه وإيجاده استقلالا, وإخوانهم يعارضون في هذا تمام المعارضة, فإذا عرفنا أن هؤلاء يقولون: أن العبد هو الذي يخلق فعله, وفريق آخر انقسموا منهم قالوا: أن العبد لا دخل له في الأفعال وإنما هو بمنزلة الآلة التي تدار, عرفنا أن أقل ما في ذلك أننا نعرف أن أحد المذهبين باطل بلا شك, والصحيح أن كلا المذهبين باطل بالجملة ولكن هؤلاء عندهم شيء من الحق وهؤلاء عندهم شيء من الحق, والغالب على المذهبين البطلان, فالعبد الله جل وعلا خلقه, ولا أحد يقول : أن العبد أنه خلق نفسه أو خلقه غيره هذا أمر مجمع عليه, فإذا كان الله جل وعلا خلق ذات الإنسان ، فكذلك الصفات ،لأن الفعل يوجد بالقدرة والاختيار, إذا كان الإنسان عنده قدرة واختيار فلا بد من وجود (المطلوب) ولا بد, فالقدرة والاختيار كلاهما خلقهما الله جل وعلا, والله جل وعلا أناط التكليف بهذا أن يكون عنده قدرة على الفعل أما الكف فهو سهل, يعني الترك سهل .. لكن الفعل؛ الله يقول: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}[البقرة:286], والوسع : هو ما يسعه العبد يعني يأتيه باختياره من دون أن يضطر إلى شيء يكلفه كلافة فوق طاقته, فإذا كان الفعل يعني : يأتي بالقدرة والاختيار فنقول :أن الله خلق القدرة والاختيار كما خلق محلها, فتكون الأفعال مخلوقة لله بهذا الاعتبار, وأهل السنة يحتجون بالعقل في هذا وبالوضع وبالأدلة الشرعية التي جاءت, فالله جل وعلا: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ}[التكوير:19], فأثبت للناس مشيئة للخلق مشيئة, وهذه المشيئة وإن كانت تابعة لمشيئة الله جل وعلا لأن الله جل وعلا هو الخالق لكل شيء وهو المدبر لكل شيء وهو المالك لكل شيء فلا يقع شيء إلا بعد إرادته ومشيئته, ويقول جل وعلا: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات:96], وإن كانت هذه الآية يتنازعها أهل السنة والقدرية, فأهل السنة يقولون: إن “ما” هذه مصدرية “خلقكم وما تعملون” والقدرية يقولون : أنها موصولة, والفرق بين هذا وهذا : إذا كانت مصدرية يكون المعنى : خلقكم وخلق عملكم .

وإذا كانت موصولة يكون المعنى : خلقكم وخلق الذي تعملونه, والذي يعملونه هو الخشب والحجارة والطين الذي يصورونه يصير معبودا لهم, أو خشب يدعونه يصير معبود, فهذا الفرق بين قول اهل السنة والقدرية, والصحيح كما رجحه ” الطبري ” في التفسير وغيره أنها موصولة ولا تدل على الباطل, خلقكم وخلق الذي تعملونه, والذي يعملونه يدخل فيه حركاتهم وأفكارهم أما الخشب فلا نزاع فيه الخشب والحجارة والطين وغيرها لا أحد ينازع فيها أنها.. ولا يكون هذا هو المراد, فتكون موصولة وتدل على ما ذهب إليه أهل السنة ولا تدل على الباطل أصلا, والآيات في هذا كثيرة .

فالقدرية هم الذين ينفون قدرة الله على فعل العمل, قد يقول قائل: ما الحامل لهذا ؟ لماذا يقولون هذا القول ؟

نقول : أن الذي حملهم على هذا عقائدهم الفاسدة التي بنوا عليها أصولهم, وهو أنهم بنو هذا على قاعدة يقولون: أننا لو قلنا أن الله خلق أفعال العباد دخل في ذلك الكفر والإيمان والفسق والطاعة وغير ذلك ! ولهذا نص ” الطبري ” على السيئات والحسنات لأجل ذلك, وإذا كان مثلا السيئات التي هي الكفر والمعصية فسق, يقولون: كانت مخلوقة لله فمعنى ذلك أنه يخلق الشيء ويعذب عليه ويكون هذا ظلم, هذا منزعهم الذي فروا منه ! وهذا معلوم أنه باطل لأن الله جل وعلا خلق الإنسان وخلق له قدرته واختياره وأمره بأمور يستطيع فعلها وقال : هذا طريق الخير وهذا طريق الشر والاختيار إليك ،ولهذا تجد الإنسان يعمل أعمالا ما يحس أن أحدا أرغمه على هذا أو أنه ألزمه بذلك لأنه يعملها باختياره وهذا.. وقدرة الله من وراء هذا؛مشيئته لأنها قدرته عامة شاملة لكل شيء, فهذا من صفاته العامة التي يجب أن يؤمن بها: أنه قادر على كل شيء وأنه خالق كل شيء وأنه ما شاء كان ومالا يشأ لا يكون, هذا لا بد منه, ثم دخل في هذا مخلوقاته التي يخلقها ويجعل لها أفكارا واختيارا بخلاف البهائم التي لا اختيار لها, وإن كان لها قدرة ولكن لا اختيار لها, فالعبد الذي له اختيار وله قدرة هو الذي كلف نهي عن المعاصي وأمر بالطاعات وأمر بشيء يستطيعه ونهي عن الشيء الذي يستطيع تركه, فصار إذا فعل فِعل فهو مضاف إليه حقيقتا, فإذا آمن فهو مؤمن وإذا كفر فهو كافر, وإن كان الآلات مخلوقة لله جل وعلا, ولا يقع شيء إلا بمشيئة الله جل وعلا لأنه هو المالك لكل شيء والخالق لكل شيء, فليس في هذا أن المعصية أو الكفر أنها فعل الله بل هي فعل الفاعل الذي جعله الله قادرا على فعل ذلك فأقدره على هذا وجعل الاختيار إليه وبهذا يبطل ادعائهم وقولهم أنه يلزم منه الباطل, لا يلزم الباطل منه بل هو واضح وجلي, ولكن لمن يسر الله جل وعلا له الهداية, فالأمر كله لله, نازع هؤلاء اخوانهم الذين انقسموا منهم وسموا جبرية وهم [ أشهر ] منهم, مذهبهم أشهر من هذا المذهب لأنهم قالوا: أن العبد لا اختيار له ولا مقدور له, وإذا أضيف إليه شيء فمن باب المجاز, كما تقول مثلا: سقط الحائط, الحائط يسقط بنفسه والا..! هكذا يقولون, كما تقول: طلعت الشمس هبت الريح أمطرت السماء, هل هي تُمطر والا تُمطَر! يعني تجعل ممطرة, والشمس أيضا تُؤمر مسخرة مدبرة, ولكن هل هذا مثل: آمن فلان أو كفر أو صلى أو صام؟ هم يلحقونه بهذا يقولون : هذا هو … ، هذا باطل فلهذا يقول:  أهل السنة يجب أن يعامل هؤلاء بمقتضى مذهبهم حتى يرجعوا, كيف يعاملون بمقتضى المذهب؟

مثلا: تصكه في وجهه وتقول :  ما فعلت هذا, أنا مالي فعل ولا لي قدرة, هل يمكن يقرك على هذا؟

لا يمكن ابدا! لا بد أن كل فعل له فاعل مؤثر فيه, ولا بد أن يحاسب الفاعل على فعله, إذا أحرقت ماله مثلا يرضى؟

يقول … مالي قدره ولا عملت شيء هذا القدر ؟!

ما يمكن يرضى أبدا, ويستدلون بأشياء فيها شبه عندهم, مثل قوله جل وعلا: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى}[الأنفال:117], يقول : نفى الرمي عن نبيه وأثبته لنفسه, ويحتجون بالحديث الذي في الصحيحين حديث آدم مع موسى الذي يقول:  أن موسى عليه السلام قال لربه: (رب أرني آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة فأراه الله إياه, فقال أنت آدم أبو البشر, لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة, قال له : أنت موسى الذي كتب الله التوراة له بيده؟ كم وجدت بين قوله جل وعلا: {فعصى آدم ربه فغوى} وبين خلقي؟قال: بينهما أربعون سنة, وقال تلومني على شيء كُتب علي قبل أن أخلق بأربعين سنة! فحاج آدم موسى, فحاج آدم موسى, فحاج آدم موسى), حاجه يعني : غلبه بالحجة, هم يقولون هذا دليل لصحة مذهبنا ! وفيه غير هذا..

الجواب عن الآية : أن الذي نفي غير المثبت, لأن الله أمر نبيه r أن يأخذ بيده من الحصباء فيرمي بها نحو الكفار فدخلت هذه الرمية في مناخرهم وأعينهم, فتحريك اليد لأخذ التراب وتحريك اليد : هذا فعل الرسولr,ولكن الإيصال هذا المرمي به إلى أعين الكفار ومناخرهم : ليس هذا فعل الرسول هذا فعل الله جل وعلا هو الذي أوصله, فإذا المنفي غير المثبت, فقال: {وما رميت إذ رميت}, فأثبت له الرمي, والمثبت هو تحريك اليد أخذ التراب وتحريك اليد, هذا فعله, فعل الرسول r أما إيصال هذا الذي على خلاف العادة وصل إلى مناخرهم وأعينهم فدخل فيها, فهذا فعل الله جل وعلا هو الذي أصله,, فلا يكون في الآية حجة لهم .

أما الحديث: فهو كذلك لا حجة لهم فيه, لأن موسى u لام آدم على المصيبة التي هي الخروج من الجنة, قال: لماذا أخرجتنا ونفسك, ولم يلمه على الذنب لأن الذنب الذي تيب منه لا وجود له كأنه لم يوجد, ولا يجوز أن أحدا من آحاد الناس يلوم إنسان على ذنب تاب منه !!

هذا لا يمكن إذ لو كان اللوم على الذنب لقال آدم: وأنت قتلت نفس, لماذا ؟ لماذا تقتل نفس؟

ولكن هذا لا يجوز أصلا ، لأن الإنسان إذا تاب من شيء فكأنه لا وجود له فلا يذكر ذلك, والمصيبة التي هي الخروج شيء مقدر مكتوب عليه قبل وجوده, وإذا وقعت فلا يمكن أن تستدرك, فيُتسلى بالقدر ويقال : هذا شيء مقدر ولا حيلة لنا فيه والحمد لله نؤمن بما قدره الله جل وعلا ونرضى بذلك, فالاحتجاج بالقدر على المصائب لا بأس به, أما الاحتجاج به على الذنوب والمعائب فهذا لا يجوز, لأن الاحتجاج على هذا ينافي الشرع, والطريق في هذا أن يقال: تب وارجع واستغفر, إذا وقع في الذنب, أما أن تقول : أنا مقدر علي هذا, فهذا عناد , عناد وتبريرا للفعل وجعل اللوم على القدر, وهذا كذب وذنب عظيم فوق الذنب الذي ارتكبه,أما الشيء الذي يقع وينتهي فلا يمكن استدراكه ولا حيلة فيه فيجوز أن يحتج الانسان بالقدر عليه, فعلى هذا آدم u احتج على المصيبة بالقدر ولم يحتج على الذنب لأنه ما ليم على الذنب وإنما ليم على المصيبة التي هي الخروج من الجنة وهذا الجواب عن هذا الحديث يصبح لا حجة لهم فيه .

وقوله: فيما اختلف فيه من أفعال العباد حسناتهم وسيئاتهم , يعني : أن الاختلاف في هذا, الحسنات والسيئات, [ هل ] الأكل والنوم والجلوس والمشي وغير ذلك, يدخل في هذا ؟

نقول: كل الأفعال داخلة في هذا ولكن قصده بالحسنات أن الحسنات هي التي يثاب عليها والسيئات هي التي يعاقب عليها أما هذا فقد يكون مباح لا ثواب ولا عقاب, الأكل والمشي والجلوس, وإلا الواجب طريقة واحدة ما دام أنهم مكلفون فهم مسئولون عن أفعالهم ونحن في هذا المقام يعني نجد أننا جئنا باختيارنا, ما أحد كلفنا بذلك, وهو مكتوب علينا قبل وجودنا, الله علمه وكتبه أننا سوف نجتمع في هذه الساعة في هذا المكان, فهو مقدر والله علمه وقدره وكتبه وشاءه, فوجد, وهو إن لم يشأه لا يوجد, وهو فعلنا حقيقة نحن جئنا باختيارنا ما أحد أرغمنا على هذا, وكذلك نقول في أفعالنا كلها, أن الإنسان يفعل فعله باختياره فإذا كانت حسنات فإنه يثاب عليها لأنه له الفعل حقيقة, هو الذي فعله وإذا كانت سيئات يعاقب عليها لأنه فعله حقيقة وإن جميع هذا من عند الله , يعني خلقا ومشيئة لهذا الشيء فهو الذي خلقه وشاءه, ولكنه هذا القول يعني : يضاف للعباد لا بد .

وقوله: والله سبحانه مقدره ومدبره ..يعني التقدير: والتقدير عبارة عن علم الله جل وعلا وكتابته لعلمه ومشيئته وخلقه, هذا التقدير معناه, وليس كونه مثلا يكون الفعل ذاته هو فعل الله حقيقة وإنما يضاف إليه لأنه خالقه ومقدره, ومريده, أراده فوجد, ويكون مضافا إلى الفاعل ذاته نفسه حقيقة لهذا قال: لا يكون فعل إلا بإذنه, الإذن القدري يعني, لأن الإذن ينقسم إلى قسمين :

القسم الأول : إذن شرعي أمري  .

القسم الثاني : إذن قدري كوني , فإذنه الكوني القدري ولا يحدث شيء إلا بمشيئته ولا فرق بين المشيئة والعلم كلاهما شيء واحد أو الإرادة فهو له الخلق والأمر كما يريد, يعني :لا ينافي هذا أن أفعالنا نفعلها حقيقة ، ولكنها أفعالنا بعد مشيئة الله وإرادته وخلقه لذلك كما سبق أن الله خلق القدرة والإرادة .

وقوله : قال رسول الله  r” لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره…”  الخير إذا أضيف إلى القدر ” خيره وشره” يعني : أفعال المكلف تكون خير وتكون شر بالنسبة إليه, أما فعل الله جل وعلا فكله خير ليس فيه شر, فإذا عرفنا أن القدر : عبارة عن علم الله بالمخلوق أنه علمه أنه سيخلق وأنه يفعل كذا وكذا وكتب الله ذلك يدل على المفارقة بين الفعل الحقيقي وبين التقدير والكتابة ، والخلق خلق الأسباب وجعله مريدا لهذا الشيء فاعلا له, فهذا غير هذا, فإذا تبين الفرق بين هذا وهذا بطل المذهب الخبث الفاسد .

وقوله: قال رسول الله r “… حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ” يعني : الشيء الذي قدره الله لا بد من وجوده, ولكن الله جعل لكل شيء سببا, وبالأسباب يكتسب الإنسان الثواب أو العقاب .

وقوله : قال : ” مجوس هذه الأمة ..” الحديث لا يثبت؛ أن هذه القدرية مجوس هذه الأمة وهم يشبهون المجوس ، لأن المجوس يقولون بخالقين: خالق الخير وخالق الشر, فيجعلون النور يخلق الخير والظلمة تخلق الشر!! هذه سخافة من السخافات ،ومن شذوذ بني آدم وشطحاتهم التي قد يجمع طوائف كثيرة عليها, النور مخلوق !!, [كيف] المخلوق يخلق؟! وكذلك الظلمة؟! ، وعندهم أن النور خير ، والظلمة شريرة والخير يغلب الشرير!!

كلها سخافة ، ولكنهم قالوا : بخالقين فصاروا مشركين بهذا, وهؤلاء مشركون لأنهم جعلوا الإنسان شريكا لله في الخلق, تعالى الله وتقدس.

المقصود أن قوله : وأما الصواب من القول لدينا فيما اختلف فيه من أفعال العباد وحسناتهم وسيئاتهم ..

يعني : أن الحسنات والسيئات والإيمان والكفر والأعمال كلها مخلوقة لله جل وعلا, والإنسان في هذا مدَبَّر مقهور, غير أن له قدرة واختيار جعلها الله إليه, وكلفه بالشيء الذي يستطيعه ويعمله, والناس في هذا [ ثلاثة ] أقوال, يعني طرفان ووسط :

القول الأول : يقولون : إن العباد أحرار في هذا وأنهم هم الذين يوجدون الأشياء من إيمان وطاعة ومعصية بإرادتهم وخلقهم, ولا يكون لله جل وعلا عليهم شيء في ذلك يعني أنه لا فرق بين المؤمن والكافر فلا منة لله على أحد في هذا, بل كل أحد أمير نفسه بل هو الذي يخلق الفعل استقلالاً ! .
القول الثاني : يقابل [ الأول ]  تماما: يقولون أن العبد بمنزلة الآلة لا اختيار له ولا قدرة له, وإذا أضيف إليه شيء فعلى سبيل المجاز, كقولك “مات فلان” وقولك “طلعت الشمس وهبت الريح وأمطرت السماء وسقط الحائط” كل هذه بغير اختيارها, وكذلك إذا قلت “آمن الإنسان وكفر الإنسان وصلى وصام وجلس وقام” .
فإذاً بين هاذين القولين تناقض تام ومقابلة تامة, وهذا يعطيك قطعا أن أحدهما على الأقل باطل ولا شك, ، ولكن الحق: بين هاذين القولين ، لأن المتناقضات لا تجتمع.
القول الثالث : [ أن ] الإنسان ليس حر يتصرف كيف يشاء ، وليس أيضا مجبور كالآلة التي تُدار, كالشجرة التي تديرها الريح يمينا وشمالا ليس كذلك, بل خلق الله جل وعلا فيه قدرة وجعل له اختيارا وأمره بما يقدر عليه وما يفعله, ولكن وراء هذا كله فضل من الله وتوفيق وتسديد وإرشاد وهداية, فإن منع الله جل وعلا فضله وهدايته عن الإنسان ضل ولا شك, وإن أسعفه بهدايته وإرشاده وفضله وإسعاده اهتدى, فعلى هذا لا يقال الإنسان لا حر ولا مجبور, كما يقولون هل هو مسير أو مخير ؟!
فنقول: لا  مسير ولا مخير بل هو عبد مكلف وهو تحت قدرة الله ومشيئته وإرادته {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ}[الإنفطار:29], غير أن له مشيئة وله استطاعة .

ورداً على القول الأول: الذي هو أن الإنسان يفعل بما يشاء ما يشاء, والله ليس له على عبده فضل في هذا كما تقوله الطائفة الضالة ويقابلهم طائفة ضالة أخرى, نقول : أن العبد له قدرة جعلها الله إليه وله اختيار يختار به وكلاهما مخلوق لله جل وعلا يعني: أن القدرة والاختيار مخلوق لله جل وعلا كما أنه هو مخلوق, فعلى هذا تكون أفعاله مخلوقه وإن جعلت إليه فإن الله جل وعلا جعل إليه ذلك ثم بعد ذلك نقول أن الله جل وعلا يهدي من يشاء ويضل من يشاء بهدايته, وهم يقولون : الهداية ..لله .. هي البيان يعني : إذا قيل لهم: أن الله يقول: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [الحجرات:7], قالوا : إن هذا معناه البيان أن الله بين وذكر الثواب وذكر العقاب, وهو التكريه والتحبيب عند هؤلاء الطائفة الضالة, لكن هذا باطل, التحبيب يكون في القلوب والتكريه يكون فيها مخلوق والله يتولاه فعلى هذا تكون الهداية قسمان:

القسم الأول : هداية فيها البيان والإرشاد وهذه التي قيل فيها: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ..}[الشورى: 52,53], يعني تدل وتبين وترشد .
القسم الثاني : هداية هي خلق الهدى في القلب وتحبيب الخير إليه وتكريه الشر إليه وهذه إلى الله جل وعلا هو الذي يتولاها.

القول في صحابة رسول الله

وقوله :وأما الحق في اختلافهم في أفضل أصحاب رسول اللهr فما جاء عنهr وتتابع على القول به السلف وذلك ما :

حدثني موسى بن سهل الرملي وأحمد بن منصور بن سيار الرمادي قالا : حدثنا عبدالله بن صالح قال حدثني نافع بن يزيد عن زهرة بن معبد عن سعيد ابن المسيب عن جابر بن عبدالله قال رسول اللهr : ” إن الله جل وعلا اختار أصحابي على جميع العالمين سوى النبيين والمرسلين ، واختار من أصحابي أبا بكر وعمر وعثمان وعليا رضوان الله عليهم ، فجعلهم خير أصحابي ، وفي اصحابي كلهم خير ، واختار امتي على سائر الأمم ، واختار من أمتي أربعة قرون من بعد أصحابي : القرن الأول والثاني والثالث تترى ،والقرن الرابع فردا ” .

وكذلك نقول : فأفضل أصحابه r الصديق أبو بكر رضي الله عنه ،ثم الفاروق بعده عمر ثم ذو النورين عثمان بن عفان ،ثم أمير المؤمنين وإمام المتقين علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين .

وأما أولى الأقوال بالصواب عندنا فيما اختلفوا من أولى الصحابة بالإمامة فبقول من قال بما :

حدثني به محمد بن عمارة الأسدي قال حدثنا عبيد الله بن موسى قال حدثنا حشرج ابن نباته قال حدثني سعيد بن جهمان قال عن سفينة مولى رسول الله r : ” الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم من بعد ذلك ملك ” .

قال لي سفينة : امسك خلافة أبي بكر سنتان وخلافة عمر عشر وخلافة عثمان اثنتا عشر وخلافة علي ست ، قال : فنظرت فوجدتها ثلاثون سنة.
الشرح

صحابة الرسول r هم أفضل الناس بعد الرسل والأنبياء, ولكن هذا عجيب من ” ابن جرير” ! كيف يأتي بهذا الحديث الضعيف ؟ ويترك الأحاديث الثابتة الصحيحة التي لا مطعن فيها, مثل قوله r: (خير القرون التي بعثت فيهم قرني) .
وقوله :r في خطاب بعض الصحابة المتأخر اسلامهم: (لو أنفق أحدكم مثل أحد ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) .
وقوله : r (الله  الله في أصحابي فمن أحبهم بحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذ الله ومن آذ الله يوشك أن يأخذه), الأحاديث في هذا كثيرة أحاديث صحيحة ثابته عن النبي r .
أما هذا الحديث الذي ذكر فهو حديث ضعيف, فالصحابة رضوان الله عليهم تلقوا الإيمان والعلم من رسول الله r, ثم هم جاهدوا معه وامتثلوا لأمره ودافعوا عنه وعن دينه دين الله جل وعلا فرضي الله عنهم وأرضاهم وكتاب الله مملوء من الثناء عليهم كقوله جل وعلا: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}[آل عمران:110], {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ}[البقرة:143], وقلوه: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ}[الوبة:100], وقوله: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ-شطأه يعني فراخه- فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا}[الفتح:29],”من”هذه ماذا تكون؟ “منهم” تبعيضية؟ أو ماذا تكون ؟

الرافضة يقولون: تبعيضية يعني : حتى يخرج البعض فقط وهم: علي وسلمان والمقداد بن الأسود وأبو ذر والباقي في النار كلهم كفروا !!, التبعيضية لا تصح إلا إذا صح مكانها “بعض”, تقول “بعض” هذه ما يصح مكانها بعض, فهي ابتدائية .

فالمقصود أن القرآن مملوء من الثناء عليهم, قال جل وعلا بعد ما أثنى على المهاجرين والأنصار وخصهم بالفيء قال: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}[الحشر:10], الذي لا يكون بهذه المثابة, يدعوا لهم ويترضى عليهم ويكون قلبه محبا لهم سليما من أن يكون فيه غلا عليهم أو حقد, لا يكون مستحقا لا للخير ولا للثواب, فالصحابة رضوان الله عليهم :

أولاً : أنهم جاهدوا مع الرسول rونصروه, فهم معه على الإيمان والجهاد في سبيل الله,
الثاني: أنهم تلقوا الإيمان والعلم .
ثالثاً: أنهم نقلوا لنا الشرع, هم الواسطة بيننا وبين نبينا, والطاعن فيهم يطعن في الدين الإسلامي, لو أن مثلا رجل فتح مدرسة واجتهد فيها ودرّس فيها واجتهد مثلا أكثر من عشر سنين, نقول:  انه مثلا لو قيل له إن الذي انتفع من مدرستك ثلاثة أنفار أو أربعه, هل يكون عمله ناجح والا فاشل؟! فإذا قال قائل بقول : هؤلاء المخذولين الرافضة معناه أن الرسول دعوته فاشلة !!, ما نجح في دعوته إلا علي بن  أبي طالب وسلمان الفارسي لأنه من فارس, والمقداد وأبو ذر, أما البقية فرسبوا كلهم!!

هذا لا يقوله مسلم يؤمن بالله وباليوم الآخر ولكن هؤلاء ليسوا مسلمين ليسوا من الإسلام في شيء وإنما هم أعداء الإسلام والمسلمين, وجعلوا علي بن أبي طالب وذريته جدارا لأمور (,,,,) وإلا لا يحبونهم بل يبغضونهم ويكرهونهم أشد الكراهة, غير أن هذه حيلتهم التي أوجدوها وهم منافقون, والذي ليس منافق هو ملبس عليه ومخذول وهو من الذين ذكر الله جل وعلا فيهم: {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا}[الأحزاب:67], ولكن هذا يقولونه يوم القيامة وينكشف الغطاء, يوم يبعثر ما في القبور ويحصل ما في الصدور وسوف يعلمون, وكلما قرأ الإنسان قول الله جل وعلا: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً}[عبس:2:4],يتذكر هؤلاء, “وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً” فيه نصب وفيه خشوع وبكاء ولكن بكاء الشيطان, على الباطل على الكفر بالله جل وعلا.

المقصود أن الصحابة رضوان الله عليهم هم أفضل هذه الأمة ،والأمة هي أفضل الأمم كما هو معلوم, أما التفصيل والأشياء التي.. وهذا من خالفه فهو ضال .

وكذلك الخلافة ، خلافة النبوة, فإن أبو بكر هو خليفة رسول الله, وعمر t خلف خليفة رسول اله وكذلك عثمان وعلي والحسن, الحسن خلافته ستة شهور كملة الثلاثين سنة, ثم بعد ذلك تنازل وثبت عن النبي rأنه قال: (ابني هذا سيد –الحسن- وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين), ولهذا الرافضة لا يحبونه ولا يتولونه, لماذا تنازل لمعاوية ؟! ويزعمون أن نسله انقطع حتى لا يكون الأئمة فيما بعد أحد منهم, لأن المهدي الذي جاءت به النصوص هو من ذريته من ذريت الحسن وليس من ذرية الحسين, وهم يقولون: انقطع لأجل ذلك, وهم يكابرون ولهذا جعلوا إرث الرجل للبنات ليس للذكور, ..الانعكاس لماذا ؟

حتى يسلم لهم دعواهم أن فاطمة ورثت أباها, وهم يقولون :أن أبا طالب مسلم وهو في الجنة وهو من رموزهم على ما يقولون ومسيلمة كذلك ولكن الصحابة ظلموه وقتلوه, يعني مذهبهم مذهب خزي وعار وكذب وبهت, كله وهذا من الخذلان التي رموا بها.

يقول شيخ الإسلام بن تيمية: أنها لا تقوم لهم قائمة ولا يؤيدهم الله في شيء مما يقولون به, لأنهم عادو أصحاب رسول الله r, وتقربوا حد زعمهم ببغض أولياء الله وهو مما يسخط الله جل وعلا, الإنسان يسأل ربه العافية..

[ ولكن صار عند هذا بن جرير]

قوله: وكذلك نقول فأفضل أصحابه r الصديق أبو بكر رضي الله عنه ثم الفاروق بعده عمر ثم ذو النورين عثمان بن عفان ثم أمير المؤمنين…!! هذا وجه الاستغراب!

..لو قال..عمر أمير المؤمنين ثم أمير المؤمنين وإمام المتقين علي.

ما أظن هذا يكون من ” ابن جرير”  ولكن هذا من الكتاب الذين ينسخون الكتب ربما يكون رافضي فيقول مثل هذا القول, يعني معناه: عثمان ما هو أمير المؤمنين وعمر ما هو أمير المؤمنين ولا إمام المتقين !, فمثل هذا لا يجوز مثل هذا الشيء, أمير المؤمنين وإمام المتقين علي بن أبي طالب, يجب أن يقال فيه مثل ما قيل فيمن سبقه فقط, ولا يُمَيّز بشيء يخصه دون الصحابة رضوان الله عليهم, ومثل ذلك إذا ذكروه قالوا: كرم الله وجهه أو عليه السلام, كل هذا من صنع أهل الباطل الذي يتولاه إما الرافضة أو عملائهم..[ تراجعت بعضه أسفل من بعض ].

وقوله : وأما أولى الأقوال بالصواب عندنا فيما اختلفوا من أولى الصحابة بالإمامة.. من هم الذين اختلفوا ؟

الصحابة ما اختلفوا ..الخلافة هذا كذب افتراء من الرافضة ونحوهم كما ذكر الشهرستاني في كتابه ” الملل والنحل “, والشهرستاني متهم أنه يصنع الكتب للرافضة أو لحكام الرافضة, يقول : أول خلاف وقع فيه الصحابة الاختلاف في موته, ثم الاختلاف في دفنه, ثم يقول: أول سيف سل في الإسلام (الخلافة) !

كيف هذا ! هذا كذب, ما سل السيف في الخلافة ولا اختلف الصحابة, نعم ،في أول الأمر حصل بينهم تردد ،ثم اتفقوا فيم بعد على بيعة أبي بكر ولم يختلف منهم إلا سعد بن عبادة وعلي بن أبي طالب سعد بن عبادة كان […] ويقال : انه يكون هو أمير الأنصار فكأنه تطلع لهذا ، ثم توقف ، ثم فيم بعد بايع على الخلافة كما ذكر ذلك شيخ الاسلام بن تيمية في المنهاج ، وعلي كذلك توقف أولا ثم بايع, لأن النفوس قد يكون فيها شيء (فيتوقفها), وهل هذا يعد خلاف ؟!

لا يعد خلاف ولا فيه سيف سل على هذا كما يقول هذا المفتري !, فالصحابة اتفقوا والرسول r كما ثبت في الصحيحين في حديث بن عباس قال: ” ايتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا ” ثم اختلفوا عنده فقال: ” قوموا عني لا ينبغي الاختلاف عندي” , اختلفوا هل هذا القول هل جد أو أنه من آثار المرض, فقال: قوموا عني, ثم قال لعائشة:(ادعِ لي أباك وأخاك لأكتب له كتابا حتى لا يتمنى متمن أو يقول قائل), ثم قال: (يأب الله والمسلمون إلا أبا بكر), فعدل عن الكتابة .

أما قول الرافضة أنه أراد أن يكتب لعلي ! هذا تمنيهم فقط, فهم كذبة أصحاب بهت ودينهم كله مبني على الكذب والبهت ويكابرون في هذه المكابارات, يقولون: أن علي منصوص عليه, أن الرسول نص عليه ولكن الصحابة تمالأوا على كتمان ذلك !!.

فالمقصود أن الخلاف يجب أن يكون مع عقلاء, ماهو مع كذبة أصحاب بهت, العاقل يرجع إلى عقله, مع هؤلاء…

ثم ذكر هذا الحديث هذا غريب من ابن جرير “رحمه الله ” .. ولكن هذا الحديث الذي ذكر حديث سفينة, يعني : قد رواه الأئمة رواه أبو داود وأحمد والترمذي وله طرق, وأثبته أهل السنة, والواقع يدل عليه .

فالمقصود أن أهل السنة يرون أن أفضل الأمة هم الصحابة, وأفضل الصحابة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ثم بقية العشرة المشهود لهم بالجنة؛ طلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة, فهؤلاء نص عليهم الرسول rبالجنة ثم كذلك بعد هذا أهل بدر ثم بعد أهل بدر أهل بيعة الرضوان, وكعب بن مالك t يرى أن أصحاب العقبة أفضل, الذين بايعوا الرسول r عند العقبة, وكان يقول العقبة ليس لها ذكر عند كثير.. والرسول r قال: (لايدخل النار رجل بايع تحت الشجرة), فكانوا ألف وخمسمائة أو أربع ماءة وزيادة, والصحابة كلهم رضوان الله عليهم خيار من خيار, ولكن الله فضل بعضهم على بعض كما قال جل وعلا: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ}, ثم قال بعد ذلك: {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [الحديد:10], يعني الذين قبل الفتح والذين بعده وعدهم الحسنى ، والحسنى : هي الجنة, وبعد ذلك التابعين لهم أفضل ممن بعدهم ثم أتباع التابعين أفضل ممن بعدهم ثم اختلفوا, هل القرون المفضلة ثلاث أو أربعة, ثم يأت الخلاف فيه والقول بالكذب قول الاختلاف من (أعمال).. أما الخلافة, الخلافة على ما وقعت فمن خالف فيها فهو ضال, وكذلك التفضيل كما قال أيوب السختياني: من قدم علي على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار, فكان مثل ما يقول شيخ الاسلام في الواسطية: حدث أول خلاف بين أهل السنة أيهما أفضل علي أو عثمان ؟! ثم استقر رأيهم بعد ما قال أيوب السختياني وغيره هذا القول, استقر رأيهم على أن فضلهم على ترتيب خلافته, قد جاء أن من قدم  علي على عثمان يكون أضل من حمار أهله, لأن الصحابة اجتمعوا على هذا كما قال عبد الرحمن بن عوف, بقي أياما وهو يستشير الناس حتى استشار النساء, يقول فما وجدت أحدا يعدل بعثمان, فبايعوه بالإجماع بإجماعهم, خلافة علي صار فيها الخلاف وصار فيها الاضطراب وصار فيها الانقسام فكيف يكون أفضل!

ومعنى قوله: أبو بكر الصديق, الصديق سماه الرسول r الصديق والفاروق : سماه الرسول فاروق فرق بين الحق والباطل لأنه لما أسلم قام وأشهر اسلامه ودخل المسجد وعلم الكفار أن الرسول تقوى به لأنه كان شديدا وقويا في الجاهلية وفي الاسلام, ودعا له الرسول قال: (اللهم أعز الاسلام بأحد العمرين), من هو العمر الثاني ؟

عمرو بن الحكم أبو جهل, نعم اسمه عمرو, وهذا اسمه عمر, فصار أحبهما إلى الله عمر, وذاك صار أحب إلى الشيطان ، صار من حزب الشيطان, فما يكون مثلهم رضوان الله عليهم.

القول في الإيمان زيادته ونقصانه

وقوله : وأما القول في الإيمان هل هو قول وعمل وهل يزيد وينقص أم لا زيادة فيه ولا نقصان فإن الصواب فيه قول من قال هو قول وعمل يزيد وينقص وبه جاء الخبر عن جماعة من أصحاب رسول الله r وعليه مضى أهل الدين والفضل.
حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال سألنا أبا عبدالله أحمد ابن حنبل رحمه الله عن الإيمان في معنى الزيادة والنقصان فقال حدثنا الحسن بن موسى الأشيبب قال حدثنا حماد بن سلمة عن أبي جعفر الخطمي عن أبيه عن جده عمير بن حبيب قال: الإيمان يزيد وينقص فقيل : وما زيادته وما نقصانه فقال : إذا ذكرنا الله فحمدناه وسبّحناه فذلك زيادته وإذا غفلنا وضيعنا ونسينا فذلك نقصانه.

حدثنا علي بن سهل الرملي قال حدثنا الوليد بن مسلم قال : سمعت الأوزاعي ومالك بن أنس وسعيد بن عبد العزيز رحمهم الله ينكرون قول من يقول إن الإيمان إقرار بلا عمل ويقولون لا إيمان إلا بعمل ولا عمل إلا بإيمان.

الشرح

هذه مسألة أخرى .

وقوله : “القول في الإيمان زيادته ونقصانه”

تعريف الإيمان : عرفه بأنه قول وعمل ويزيد وينقص .

[فالقول أن العمل ]، القول يدخل فيه ما هو ركن لا بد منه, وهو شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ،كما قال الله جل وعلا: {قُولُوا آَمَنَّا } [البقرة:136], وقال الرسول r: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا “لا إله إلا الله” فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله) , فلا بد من القول .

أما العمل فهو كذلك لأن الدين عمل, فالله جل وعلا أمر بالصلاة وإيتاء الزكاة وبالصوم والحج ورغب في الأعمال التي هي نوافل من هذه , يعني : نوافل الصلوات ،ونوافل الزكاة ، الصدقات ، والحج ، والعمرة [وغير ذلك ]، والجهاد في سبيل الله ومن ذلك العلم, لا بد منه ،لأن العمل يجب أن يكون عمل بماذا ؟

عمل بما جاء به الرسول r, ولهذا يقول الله جل وعلا: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ}[محمد:19], فالعلم مقدم على العمل ،وعمل بلا علم يكون ضلال, والعلم هو الذي جاء به المصطفى r ، يعني : علم الشرع, فلا بد منه, وهو فرض على كل مكلف, ومنه ما هو فرض كفاية, ومنه ما هو مستحب استحبابا متأكد, أما الذي هو فرض على كل مكلف فلا بد أن يعرف ربه يعرفه بالدلائل التي وضعها الله جل وعلا من المخلوقات المنصوبة والآيات, والآيات تكون قولية ،وتكون خلقية ، مثل خلق السماء والأرض والرياح ، والأمطار ، والنبات ، والحياة ، والموت ،كل هذه تدل على أن الله جل وعلا يجب أن يُعبد, ما هو أنه هو الخالق فقط !, لهذا يقول جل وعلا: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}[البقرة:21:22], ما معنى “وأنتم تعلمون” ؟

يعني : تعلمون أن الله خلقكم ، وخلق من قبلكم ،خلق السماء والأرض وأنزل المطر وأنبت النبات تعلمونها تمام, فمعنى ذلك : أن هذا دليل على وجوب العبادة, يعني : توحيد الربوبية دليل على وجوب توحيد الإلاهية, وهما متلازمان.

فالمقصود أن كذلك يجب أن يعلم كيف يتوضأ كيف يصلي, فلا يجوز أن تكون الصلاة والوضوء عادة (…) من يتوضأ ، أتوضأ مثله فقط !, يجب أن يعرف أن هذا أمر شرعي جاء به الرسول r, كذلك الصلاة وكذلك الزكاة, ثم هكذا الشيء الذي يلزم, الناس يتفاوتون فيه, إنسان مثلا يبيع ويشتري يجب أن يعرف الحلال من الحرام في البيع والشراء, يعرف أحكام البيع والشراء ويعرف الربا مسائل الربا حتى ما يدخل فيه ويقع فيه وهو لا يدري !, وإذا أراد أن يتزوج يجب أن يعرف مثلا أحكام الزواج والطلاق والرجعة وما أشبه ذلك.

الآن صار الأمر خبط, خبط, الواحد(…)إذا أراد مثلا أن يطلق في أي وقت يطلق وإذا طلق قال: اذهبي لأهلك, هل هذا من الإسلام ؟

هذا خلاف الشرع ، هذا معصية لله جل وعلا ظاهرة ، لأن الله جل وعلا يقول: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ}[الطلاق:1], أمر مؤكد فجعل البيت بيتها ما هو بيت الزوج, {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ}, فالزوج يقول : اذهبي  لأهلك, ثم يطلق على أي حالة كانت, العدة التي أمر بها جل وعلا ” فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ” أن تكون طاهرة طهر لم يمسها فيه, أما إذا كان مسها في هذا اطهر لا يجوز أن يطلقها فيه, انتظر حتى تحيض ثم تطهر فإذا بدا له أن يطلق طلقة واحده ويضعها في بيته ما تخرج, لا يجوز أن تخرج حتى تنتهي عدتها… فمثلا تحيض ثم تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثلاث بعد ذلك يكون عنده سعة ويمكن يراجع عقله يمكن يراجع.. ولا يقع فيه ما يقع فيه أكثر الناس من الندم كونه خالف أمر الله .

المقصود أن هذه من الأمور الواجبة والذي يخل بها آثم, وهكذا إذا كان عنده مال يجب أن يعرف الشيء الذي تخرج الزكاة ومن يعطيها من تكون له وإذا أراد أن يحج كذلك يجب أن يعرف أحكام الحج ، [ ولا ] يتعلم أحكام الحج من الناس وينظر إليهم, هذه مصيبة ومشكلة ، هذه العادات التي يقعون فيها .

المهم هذا كله من الإيمان بالله جل وعلا, العلم أولاً ، ثم العمل ثانياً .

فالإيمان هو:  قبول الشرع الذي جاء به الرسول r, هل نقول : الإيمان هو التصديق ؟

 لا ، ليس التصديق, أبو طالب مصدق الرسول r وليس بمؤمن والكفار مصدقون كما قال الله جل وعلا: {قَدْ نَعْلَمُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ}[الأنعام:33], ما يكذبونه ويصدقونه ويقولون ما جربنا عليه الكذب,فإذاً ليس الإيمان التصديق ! , التصديق ما يكفي وحده, التصديق والإقرار بما جاء به والقبول قبوله يقبله يتبعه (يؤمن به), ولهذا صار الإيمان علم وقول وعمل, وهذا التعريف تعريف جامع مانع, يدل على علم من وضعه هذا التعريف, ثم يقول أنه من صفته أنه يزيد وينقص, ومعنى ذلك أن الناس يتفاوتون فيه, فكلما ازداد مثلا الاستسلام والقبول والانقياد زاد الإيمان, وإذا زاد العمل زاد الإيمان, وإذا نقص العمل نقص الإيمان, وهذا أمر واضح قد وضحه الرسول r, كما في الصحيحين, يقول: (الإيمان بضع وسبعون شعبة, أو قال بضع وستون شعبة..) في البخاري ” بضع وستون ” وفي مسلم ” بضع وسبعون شعبة ” (أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان), كم بين قول لا إله إلا الله وبين إماطة الأذى عن الطريق ؟

أشياء كثيرة فيها أقوال وفيها أعمال وفيها أخلاق, لأن الحياء خلق يمنع الإنسان أن يأتي بالشيء الذي يلام عليه أو (يستحى أن يعمله) فإذاً الإيمان جامع يجمع هذا كله, كيف مثلا بعد هذا يقال: أن الإيمان هو التصديق ! مجرد التصديق أو أنه مثلا القول والعمل… قول اللسان واعتقاد القلب, هكذا يقولون !.

فالذين خالف في الإيمان طوائف منها:

طائفة المرجئة :الذين أخروا العمل وأخرجوه عن الإيمان .

ومنها المعتزلة والخوارج وغيرهم من طوائف الضلال .

والإرجاء درجات, والمرجئة نفسهم أكثر من أربع وعشرين فرقة كل فرقة تخالف الأخرى وهذا شأن الباطل يكثر الخلاف فيه, أما الدليل على أن الإيمان قول سمعناه هو قوله {قُولُوا}, وقول الرسول r: (أمرت أن أقاتل الناس.. إلى آخره), والدليل على أن الإيمان عمل: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ}[البقرة:143], إيمانكم يعني صلاتكم إلى بيت المقدس, وقوله جل وعلا: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ}[التغابن:11], قال علقمة: يؤمن بالله يعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم, هذا فعل ماذا “فيرضى ويسلم” ؟

فعل القلب, وقول الله جل وعلا: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ}[البقرة:84:85], ماهو الإيمان والكفر هنا ؟

المفاداة إيمان وهي بذل المال, والإخراج من الديار كفر وهو عمل, والآيات في هذا كثيرة في كتاب الله جل وعلا .

أما كونه يزيد وينقص؛ أما الزيادة فظاهرة جدا في كتاب الله كما قال جل وعلا: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ* الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}[الأنفال2:3], وهذا كثير أيضا .

أما النقص: فبالضرورة أن الشيء الذي يزيد ينقص, قال الله جل وعلا: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي}[المائدة:3], فكمل؛ من الفقه ما صنع عمر t لما نزلة هذه الآية بكى, قيل لماذا تبكي ؟

فقال: كل شيء يكمل ينقص, فما دام ديننا كمل لا بد من نقصه أنه ينقص, والنقص في أصحابه في أهله ليس فيه هو, في أهله (المعتنقين) به ، لهذا قال ” رحمه الله ” يزيد وينقص ” .

وقوله : ” سعيد بن عبدالعزيز”  يجوز أن يكون سعيد ين المسيب !…

وقوله : ” ينكرون قول من يقول : إن الإيمان إقرار بلا عمل ويقولون : لا إيمان إلا بعمل ولا عمل إلا بإيمان “

وإلا بسنة أيضاً, فمن الغريب أن يبقى الخلاف إلى الآن في تعريف الإيمان! مع أن الإيمان جاء به الرسول r ونقلته الأمة نقلا فوق أن يقال أنه متواتر, أكثر من كونه متواتر, ,,,, ثم يحصل الاختلاف فيه إلى اليوم ، ونجد الآن رسائل تكتب في الجامعات يختلفون يقولون فيها: هل العمل شرط للإيمان أو شرط لصحته أو شرط لكذا أو إلى آخره ؟!

هذا من أغرب الأشياء.

ولو قيل مثلا : نريد دليل على نقصان الإيمان من النصوص ؟! [  وليس ] من المفاهيم ! ماذا نقول ؟

قوله r: (من رأى منكم منكرا.. فإن لم يستطع فبلسانه… فذلك أضعف الإيمان), قوله r: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين … إلى آخره) قوله r: (لا يزني الزان حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق..), الذين خالفوا في هذا من هم ؟

المرجئة والخوارج والمعتزلة كلهم يخالفون في هذا .

أما الخوارج فهم يقترحون على الله شيئا ما هو موجود, يقولون: يجب أن يكون الناس على قسمين فقط :

القسم الأول : بر تقي .

القسم الثاني : فاجر شقي .

ما فيه وسط عندهم, إما كافر وإما مؤمن, فإذا ارتكب الكبيرة ارتكب الذنب فهو كافر, ما فيه يعني هناك فاسق وهناك.., والمعتزلة ماذا يقولون ؟

أولاً : هل فيه معتزلة وفيه خوارج الآن , أو ما فيه ؟

..الأسماء تتغير ولكن المعاني موجودة, المعتزلة يقولون: إذا ارتكب الإنسان المعصية خرج من الإسلام ولم يدخل في الكفر, فصار في وسط بين الإيمان والكفر, لا مؤمن ولا كافر, وين يروح ؟

ولكن إذا مات فهو في النار, إذا ما الفائدة … غير أن الخوارج يقتلونه ويسبونه, وهؤلاء لا ما يقتلونه.

وقوله : وأما القول في ألفاظ العباد بالقرآن فلا أثر فيه نعلمه عن صحابي مضى ولا تابعي قضى ، إلا عمن في قوله الغناء والشفاء رحمة الله عليه ورضوانه ، وفي اتباعه الرشد والهدى ومن يقوم قوله لدينا مقام قول الأئمة الأولى ، أبي عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل رضي الله عنه .

فإن أبا إسماعيل الترمذي حدثني قال : سمعت أبا عبدالله أحمد بن حنبل يقول: اللفظية جهمية لقول الله جل اسمه : {حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: 6] فممن يسمع ! .

ثم سمعت جماعة من أصحابنا لا أحفظ اسماءهم يذكرون عنه أنه كان يقول: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي ، ومن قال ” هو غير مخلوق ” فهو مبتدع .

ولا قول في ذلك عندنا يجوز أن نقوله إذ لم يكن لنا فيه إمام نأتم به سواه ،وفيه الكفاية والمنع ، وهو الإمام المتبع رحمة الله عليه ورضوانه .

الشرح

يعني : أن القرآن صفة الله وهو قوله ، تكلم به حقيقة, لفظه ومعناه ، فهو كلام الله أسمعه جبريل ، وجبريل حفظه من الله ، وجاء به إلى محمد ،  فحفظه الرسول r بحروفه ومعانيه, وبلغه الرسول r الأمة, حفظه الصحابة وكتبوه حفظا وكتابة, ثم لم تزل الأمة على هذا الشيء إلى الآن ، لأن الله جل وعلا تولى حفظه فصار كذلك محفوظا بخلاف الكتب السابقة, فإنها عرضة للتبديل والتغيير والزيادة والنقصان, أما هذا لأن الله جل وعلا جعل الرسول هو خاتم الرسل, ليس بعده رسول فتولى حفظ الكتاب حتى يبقى حجة على الخلق إلى يوم القيامة ولزم من حفظ الكتاب حفظ بيانه الذي هو أقوال الرسول r, والذين خالفوا في هذا كلهم متهمون على الإسلام, إما أنهم زنادقة يعني : يبطنون الكفر ويظهرون الموافقة ليتمكنوا من القدح في الدين وهذا الغالب على أئمتهم وكبارهم على هذا الطريق, مثل الجهمية ، والجهمية تفرع منهم فروع المعتزلة وغيره, ومثل الرافضة أصلهم هذا محاربة الدين الإسلامي, فهم الذي شككوا في هذا ، وقالوا : أن الله لا يتكلم وأنه كذا ثم جاءوا..

وإلا الذي لا يتكلم كيف يأمر وينهى كيف يرسل الرسل ؟ كيف يكون كامل ؟

فالكلام صفة كمال, والعجز عنه صفة نقص, ثم … هذه مسألة من فروع اثبات الكلام لله جل وعلا الذي هو اللفظ ألفاظ العباد, يعني : إذا قرأ الإنسان القرآن كيف يقول ؟ هل يجوز أن يقول: لفظي مخلوق ؟ هذا إذا قال مخلوق فهو جهمي كما يقول….. وإذا قال غير مخلوق فهو مبتدع .

لأن كلمة ” لفظي ” هذه يصح أن تكون مصدر ويصح أن تكون مفعول, والمصدر معناه تحريك الشفتين وتحريك اللسان والصوت نفسه, هذا مخلوق بلا شك, لأنه من فعل الإنسان, ويصح أن يكون مفعول يعني المتلفظ به المتلو المسموع وهذا هو كلام الله فلما كان فيه إجمال وفيه هذا الشيء منع إطلاقه, لا الإطلاق ولا النفي لا تقول غير مخلوق ولا تقول مخلوق, فهذه حدثت في فرع من الفروع القول بخلق القرآن … وهذا لدقة هذا القول أنكره بعض الناس مثل الإمام أحمد والطبري رواه بسنده إلى الإمام أحمد .

وقوله : فإن أبا إسماعيل الترمذي حدثني قال سمعت أبا عبدالله …, فالسند قريب, متى توفي ابن جرير ؟

… يعني ما بينه وبين الإمام أحمد إلا واحد, 310ـ.

وقوله: {حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ}[التوبة:6] … ممن يرو عن الإمام أحمد بينه وبينه رجل واحد فقط, لكن قوله: فممن يسمع … 310 ابن جرير توفي,,, بن جرير ما أدركه,لم يدركه بن جرير .

وقوله: فممن يسمع يعني : يسمعه من القاري, حتى يسمع كلام الله ومعنى ذلك أن المسموع هو كلام الله هذا وجه الدليل.

وقوله : ” وأما القول في الاسم أهو المسمى أم غير المسمى ؟ فإنه من

الحماقات الحادثة التي لا أثر فيها فيتبع ، ولا من إمام فيستمع ، فالخوض فيه شين والصمت عنه زين .

وحسب امرء من العلم به والقول فيه أن ينتهي إلى قول الله عز وجل ثناؤه الصادق ، وهو قوله { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى } ، وقوله تعالى {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها}، ويعلم أن ربه هو الذي {على العرش استوى له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى} [طه 5-6]، فمن تجاوز ذلك فقد خاب وخسر وضل وهلك .

الشرح
هذه المسألة من المسائل التي حدثت فيما بعد ، مثل ما حدث غيرها ، وسيق الكلام لكثرته وللناس فيه ثلاثة مذاهب في هذه المسألة ، كما هو معلوم مسطرة في كتب العقائد في التفسير وفي غيره :

القول الأول : من الناس من يقول إن الإسم هو المسمى ، لقوله جل وعلا ، لما ذكر أنه وهب لزكريا غلام ، قال : { يايحي خذ الكتاب } فنادى الاسم : { يا يحي خذ الكتاب ..} ونحو هذا من الأدلة ، وهذا قول البغوي ” رحمه الله ” وغيره ، وتبناه من المتأخرين …

القول الثاني : أن الإسم غير المسمى .

القول الثالث : وهو قول المحققين أهل العلم والتحقيق ، مثل أبن القيم وغيره ، أن الإسم للمسمى ، لاهو غيره ولا هو، وهذا هو الذي يدل عليه كتاب الله جل وعلا كما قال الله جل وعلا :{ ولله الأسماء الحسنى فدعوه بها } ، فإن الإنسان ، إذا قال الله جل وعلا : { سبح إسم ربك .. } إمتثل الأمر ، ويقول : سبحان ربي ، فهو يسبح الله بإسمه ، ويدعوه بإسمه ، وهذا هو الصحيح : أن الإسم للمسمى ، وليس هو المسمى ولا غيرالمسمى ، ولهذا يقول ابن جرير ” رحمه الله ” : أن هذا من الحماقات ، لأنه ليس فيه نص والمفهوم من كتاب الله جل وعلا في أمره واضح ، وليسنا بحاجة إلى الإمور التي قد تعود إلى ضلال .

ولهذا قال : يكفينا قول الله : { قل ادعو الله أو ادعو الرحمن أياً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى } ، والآية تدل على الإسم للمسمى ، وقال الله جل وعلا : { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها } ، فالله يدعى بأسماءه ويعبد بها ، كما قال في الآية السابقة : { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها } ويكون دعاءه بأسماءه وصفاته .

الفرق بين الإسم والصفة :
أن الإسم : يدل على الذات ، على ذات المسمى .
والصفة هي : المعنى القائم في الموصوف ، هذا هو أوضح الفرق ، يعني : الإسم يدل على المسمى ، وإن شئت قلت : يدل على ذات المسمى ، والصفة : المعنى الذي يقوم بالمسمى ، مثل : الرحمة ، والعزة ، والقوة ، فهذه صفة .
الرحمن ، العزيز ، الكريم ، هذه أسماء ، والأصل في هذا الصفات ، لا كما يقوله بعض الذين يكتبون في هذا ، يقولون : الأصل الأسماء والصفات أخذت من الأسماء !!
هذا خطأ ، الصحيح العكس ، أن الصفة هي الأصل ، الرحمن أخذ من الرحمة ، العزيز اخذ من العزة ، والله أخذ من الألوهية ، كما جاء عن ابن عباس ” رضي الله عنه ” الله ذو الالوهية والعبودية على خلقه أجمعين ” ، وهذا فرقان بين الإسم والصفة :

الفرق الأول : أن الإسم ما دل على المسمى ، والصفة ما دلت على المعنى القائم بذات المسمى .
الفرق الثاني : أن الأصل هي الصفات ، والأسماء أخذت من الصفات ، وهذا معنى قول العلماء : أن أسماء الله مشتقه ، يعني : مشتقه : لها معاني أخذت منها ، وليس الإشتقاق الذي يذكر في النحو، أصل الكلمة كذا ثم يتفرع منها كذا وكذا ، فالإشتقاق غيرالذي يقوله النحاة ، لأن الأسماء تنقسم إلى قسمين :

القسم الأول : أسماء جامدة ،ليس لها معنى إلا التفرقة بين هذه الذات وهذه الذات ، مثل أسماء المخلوقين ، مثل : عبد الرحمن ، عبد العزيز ، كلاهما عبيد لله جل وعلا ، إنما وضعت هذه الإسماء لتفرقة ومعرفة هذا من هذا . وهذا معنى الجمود ليس لها معنى تتعلق بالمسمى ، إلا العبودية ، والعبودية عامة ، وليست من ذات المسمى الذي وضع عليه الإسم .
القسم الثاني : أسماء مشتقة ، لها معاني أخذت منها ، وهي أسماء الله جل وعلا ، فالأصل فيها الإشتقاق ، لأنها لها معاني عظيمة دلت عليها ، وأخذت منها ، ولابد من الإيمان بالأسماء والصفات ، لأن أسماء الله وصفاته … لكن فهم الشيء ومعرفته والتميز بين هذا وهذا يمنع الإنسان أن يدخل في الخطأ إذا تحقق ذلك .

وقوله : ” فليبلغ الشاهد منكم أيها الناس من بعد منا فنأى ، أو قرب فدنا ، أن الذي ندين الله به في الأشياء التي ذكرناها ما بيناه لكم على وصفنا ، فمن روى عنا خلاف ذلك ، أو أضاف إلينا سواه ، أو نحلنا في ذلك قولا غيره فهو كاذب مفتر متخرص معتد يبوء بسخط الله وعليه غضب الله ولعنته في الدارين وحق على الله أن يورده المورد الذي ورد رسول الله ضرباءه وأن يحله المحل الذي أخبر نبي الله  أن الله يحل أمثاله ، على ما أخبر.

الشرح

التقول على العلماء قديم ، لكن بعضها غير مقصود ، فيقع في الخطأ، قال : كذا، لأنه الناقل لم يفهم ما قال ! ، – المنقول عنه – ، ولهذا يجب أن يكون الإنسان متثبتاً بما يقوله ، فلا يقول شيئاً إلا وهو يعرف معناه ، ويعرف ما يؤل إليه ، إما أن ينقل شيئاً وهو لم يفهمه !، فإنه يقع في الخطأ ، وقيل عن إبن جرير”  رحمه الله ” أقوال لم يقلها ، ولهذا قال : فليبلغ الشاهد منكم أيها الناس من بعد منا فنأى ..” يعني :أن هذا الإعتقاد الذي سبق ذكره أنه قوله ، وأنه هو الذي يدين الله به ، وهو الذي دل عليه […] من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .

وقوله : ” فمن روى عنا خلاف ذلك أو أضاف إلينا سواه أو نحلنا في ذلك قولاً غيره فهو كاذب مفتر متخرص معتد يبوء بسخط الله وعليه غضب الله ولعنته في الدارين ..” هذا إذا كان متعمداً الكذب ، ولكن بعض الناس لا يتعمد مثل هذا ، وإنما يقول قولاً يعتقد أن هذا هوالذي يقوله ! وهو مخطئ .

وقوله : ” حق على الله أن يورده الموارد الذي ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرباءه ..” 

ضرباءه يعني : أعداءه الذين حل بهم عذاب الله جل وعلا في الدنيا ويحل في الآخرة .

وقوله : وأن يحل المحل الذي أخبرنبي الله صلى الله عليه وسلم أن الله يحل أمثاله على ما أخبر صلى الله عليه وسلم ” .
كل هذا بيد الله جل وعلا ، إذا شاء هدى وإذا شاء أضل ، كما قال الله جل وعلا في خطابه لرسوله صلى الله عليه وسلم : { ليس لك من الأمر شيء } ، لما كان يدعو على بعض قادة الكفار ، ويقول : اللهم ألعن سهيل بن عمر ، هشام بن الحارث ، واللهم ألعن فلان وفلان .. فأنزل الله جل وعلا : { ليس لك من الأمر شيء } يعني : هؤلاء عبادي وأنت رسولي ، وإنما عليك أن تبلغ ما أمرت به ، أما عذاب الناس وهدايتهم وضلالهم فهو بيد الله جل وعلا ، ولهذا هدى أولئك الذين كان يلعنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان إذا رفع رأسه من الركعة الثانية من الفجر، رفع يديه وصار يدعو عليهم ويلعنهم وسادة المؤمنين خلفه يُؤَمنون ، يقولون : آمين ، يعني : اللهم أستحب ، ومع ذلك هداهم الله جل وعلا ، وصاروا من خيار المسلمين ، وصار لهم أثر في قتال الكفار، ..عن دين الله جل وعلا .

المقصود أن الدعاء على الظالم نوع من الإنتصار ، ونوع من الثأر ، ولكن الأمر بيد الله جل وعلا ، إن شاء إستحاب ، وإن شاء لم يستجب .

وإبن جرير ” رحمه الله ” أًذي ورجم بابه بالحجارة ، وأمور ما صحت عنه ، ووقع له أيضا أذية من بعض الحنابلة ، في مسألة …يقولون : أنه أنكر الأثر الذي جاء عن مجاهد :” أن الله جل وعلا يجلس نبيه معه على عرشه ” وإذا أنكره فهو له وجه لأنه قول مجاهد ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم ! ، وذكر المسألة ” رحمه الله ” في تفسيره ، في تفسير سورة الإسراء ، عند قوله : { ومن الليل فتهجد به عسى ربك ان يبعثك ربك مقام محمودا } ، فقال : هذا أثر عن مجاهد لا يحيله العقل ، ولكن يحتاج أن يصح عن المعصوم ، ويُقال به ، والذي صح عنه صلى الله عليه وسلم وثبت أن المقام المحمود هو الشفاعة – الشفاعة الكبرى – التي أًعطيها صلى الله عليه وسلم في الموقف بعدما يتدافعها كبار الرسل ، آدم ، ونوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ويقول : هذا المقام المحمود أن يحمده عليه الأولون والآخرون ، لأنه شفع إلى الله جل وعلا بأن يأتي للقضاء بين عباده ، وهذا الذي جاء في كتاب الله وصحت فيه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .

أما إجلاسه على العرش هذا يحتاج إلى إثبات ، يعني : دليل ، لأنه من الأمور التي تتوقف على صحة النقل ، ولم يصح [ نقل ذلك ] وهذا قول مجاهد فقط ، إذا كان قوله موقوف عليه لا يلزم إعتقاده ولا [ القول ] به .

قال أبو جعفر : وذلك ما حدثنا أبو كريب حدثنا المحاربي عن إسماعيل ابن عياش الحمصي عن ثعلبة بن مسلم الخثعمي عن أيوب بن بشير العجلي عن شفي ابن ماتع الأصبحي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  ” أربعة يؤذون أهل النار على ما بهم من الأذى يسعون بين الحميم والجحيم يدعون بالويل والثبور ، يقول أهل النار بعضهم لبعض : ما بال هؤلاء قد آذونا على ما بنا من الأذى ؟ فرجل مغلق عليه تابوت من جمر ، ورجل يجر أمعائه ، ورجل يسيل فوه قيحا ودما ، ورجل يأكل لحمه ، فيقول لصاحب التابوت : ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى ؟ فيقول : إن الأبعد مات وفي عنقه أموال الناس ، ويقال للذي يجر أمعائه : ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى ؟ فيقول : إن الأبعد كان لا يبالي إن أصاب البول منه لا يغسله ، ويقال للذي يسيل فوه قيحا ودما : ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى ؟ فيقول : إن الأبعد كان ينظر إلى كل كلمة بدعة قبيحة فيستلذها كما يستلذ الرفث ، ويقال للذي يأكل لحمه : ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى ؟ فيقول إن الأبعد كان يمشي بالنميمة ويأكل لحوم الناس .

الشرح

مثل هذا الحديث الذي […] في الأمور المستقبلة ، ويُخبر بها ، إذا صح وجب الإيمان به ، ولكن هذا عام ، لم يُعين فلان أو فلان – العموم – ورحمة الله وسعت كل شيء ، .. الإنسان إذا وقع في شيء من ذلك ما يجوز أن يُحكم عليه بأن هذا هو جزاءه ، يجوز أن الله يعفو عنه ، ويجوز أنه تاب ، ثم الحديث ضعيف ، يحتاج إلى أن يصح عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، غير أن مثل هذا يُخاف ، ولا شك ان مثل هذه الأمور التي ذكرها ، أكل أموال الناس ، وكذلك أكل لحوم الناس ، وغيرها من الجرائم التي يُعاقب عليها بلا شك ، وعفو الله أوسع ،فإذا مات الإنسان مسلماً ، فيرجى له خير ، ويُرجى أن الله يعفو عنه .

وقوله : ” حدثنا خلاد بن أسلم عن النضر بن شميل بن حرشة عن موسى بن عقبة عن عمر بن عبدالله الأنصاري عن أبي الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” من ذكر امرء بما ليس فيه ليعيبه حبسه الله في جهنم حتى يأتي بنفاذ ما قال فيه “.

الشرح

الله جل وعلا يقول: { حسبه جهنم } ، إذا دخل الإنسان جهنم تكفيه .

وقوله : حدثنا محمد بن عوف الطائي ومحمد بن مسلم الرازي قالا حدثنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج حدثنا صفوان بن عمرو قال حدثني راشد ابن سعد وعبدالرحمن بن جبير بن نفير عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون صدورهم ، فقلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم.

   حدثنا علي بن سهل الرملي حدثنا الوليد بن مسلم عن عثمان بن أبي العاتكة عن أبي أمامة رضي الله عنه قال : ” أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيع الغرقد فوقف على قبرين ثريين ، فقال : ” أدفنتم هنا فلانا وفلانة ؟ ” أو قال فلانا وفلانا ؟ فقالوا : نعم يا رسول الله ! فقال : ” قد أقعد فلان الآن يضرب ” ، ثم قال : “والذي نفسي بيده لقد ضرب ضربة ما بقي منه عضو إلا انقطع ولقد تطاير قبره نارا ، ولقد صرخ صرخة سمعتها الخلائق إلا الثقلين من الجن والإنس ، ولولا تمريج قلوبكم وتزيدكم في الحديث لسمعتم ما أسمع ” ، ثم قال : ” الآن يضرب هذا الآن يضرب هذا ” ، ثم قال: ” والذي نفسي بيده لقد ضرب ضربة ما بقي منه عظم إلا انقطع ولقد تطايرها قبره نارا ، ولقد صرخ صرخة سمعها الخلائق إلا الثقلين من الجن والإنس ولولا تمريج في قلوبكم وتزيدكم في الحديث لسمعتم ما أسمع ” ، قالوا : يا رسول الله ما ذنبهما ؟ قال: ” أما فلان فإنه كان لا يستبرئ من البول  ، وأما فلان أو فلانة فإنه كان يأكل لحوم الناس “.

 حدثنا محمد بن يزيد الرفاعي حدثنا ابن فضيل ح .

 وحدثنا محمد بن العلاء حدثنا أسود بن عامر حدثنا أبو بكر بن عياش جميعا عن الأعمش عن سعيد ابن عبدالله عن أبي برزة الأسلمي قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” يامعشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من اتبع عوراتهم تتبع الله عورته ومن تتبع عورته يفضحه في بيته ” .

آخر الكتاب والحمد لله وحده

وكان الفراغ منه في يوم الأربعاء ثاني عشر من شهر المحرم الحرام ، افتتاح سنة أربعة وثمانين وألف. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً دائما إلى يوم الدين آمين ،آمين ،آمين .

الشرح

على كل حال كل الأحاديث التي ذكرها في هذا ضعيفة ، ولكن الوقوع في الناس – في أعراضهم – وكذلك التقول عليهم أمره ليس سهلاً عظيم ، والوعيد الذي يذكره في هذا ، يحتاج إلى أن يثبت ، فالإنسان يعني : إذا وقع في المعاصي أمامه أمور كثيرة ، يرجى أن يتخلص من العذاب ، قبل أن يصيبه ، إذا صار مسلم :

أولاً : أن الأمراض والموت وغير ذلك ، تكون مكفرات .
الثاني : صلاة المسلمين عليه ،فإنهم يشفعون له ، جاء [ في الحديث ] ” أن من صلى عليه أربعون لا يشركون بالله شيئاً شفعهم الله فيه “.
الثالث : أنه قد يكون له حسنات تكفر عنه ، وقد يكون له أعمال ٌ تلحقه فيما بعد ، كالصدقات ، دعاء أقرباء ، أولاده وغيرهم ، وغير ذلك ، وإن لم يكن ذلك كل فرحمة الله جل وعلا فوق هذا كله ، ورحمته وسعت كل شيء ، المهم أن يكون مسلم ، مات على الإسلام ، إذا كان مات على الإسلام فشفاعة الشفعاء والمواقف وغيرها كلها محلات للتكفير ، الله المستعان .

وهذا والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد .