فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ

فضيلة الشيخ

عبدالله بن محمد الغنيمان

غفر الله له ولوالديه وللمسلمين

كتبه

عبدالعزيز بن حمود البليهي

 الحمد لله نحمد ونستعينه، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا  هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وصحابته وزوجاته وسلم تسليمًا كثيرًا- أما بعد

فإن الإنسان إذا اهتم بشيء، وعرف خطورته لابد أن يسأل عنه، وكذلك إذا عرف نفعه فإنه لابد أن يستعد ويطلب الأسباب التي توصله إليه، نحن نشاهد من أنفسنا ومن الناس إذا أراد إنسان أن يسافر إلى بلدٍ ما، وهو يجهلها، وجدته يسأل ما الطريق ؟ ما النظام ؟ ما الأمور التي تلزم ؟!

وكذلك إذا أراد أن يبني بيتًا وجدته كذلك يسأل، كيف التصريف ؟، كيف التخطيط ؟، كيف العمل ؟، كيف ..؟!

ومن المعلوم أن الله -جل وعلا- خلق الإنسان للبقاء، خلقه للجنة، أو للنار وأن ترتب دخول النار على هذا العمل الذي يعمله في هذه الدنيا، فإذا عرف ذلك الإنسان فلابد أن يسأل عن الأمور التي توصله إلى الجنة، وتقربه إليها، والأمور التي تباعده منها، وقد تكون سببًا للشقاء الأبدي في جهنم ، نسأل الله السلامة.

ونحن نشاهد كثيرًا من العقلاء الذين أعطاهم الله -جل وعلا- أسماعًا وأبصارًا وأفكارًا، نشاهدهم يتعمدون المعاصي، بل يتعمدون الكفر، وإذا عرف الإنسان العاقل كثرة الضالين، والمنحرفين ، فإن هذا من دواعي الاهتمام والسؤال عما يلزم، كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- في سفرٍ فرأى أصحابه كأنهم تفرقوا، فتلا آيةً من كتاب الله، ورفع صوته ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾[الحج:1.2].

ورفع صوته فاستمعوا عرفوا أن عنده شيءٌ يقوله، ثم قال لهم: «أتدرون متى هذا؟ هذا إذا نادى الله -جل وعلا- آدم بصوتٍ يقول: يا آدم أخرج بعث النار من ذرتك، فيقول: يا رب وما بعث النار؟ فيقول: من أكل ألف تسعمائة، وتسعةٌ وتسعون»، تفكر (…) تفكر بني آدم، من كل ألف من بني آدم تسعمائة وتسعٌ وتسعون إلى النار، الذي بقي واحد من الألف !.

ألا يهتم الإنسان لهذا، ويخاف؟!

عند ذلك قالوا: يا رسول الله! أين نحن من هذا الواحد؟

فقال: «أبشروا، ما أنتم في الناس إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو قال كالشعرة السوداء في جلد الثور الأبيض».

وفي رواية قال: (منكم واحد، ومن يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعةٌ وستعون)، يأجوج ومأجوج من بني آدم، لهم عقلاء، لهم أفكار، لهم أبصار، فإذا كان الأمر مهم، فلابد من السؤال، والله -جل وعلا- يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾[النحل:43].

وأهل الذكر هم أهل العلم، وقال أهل الذكر؛ حتى يستشعر الإنسان أنهم الذين يعملون، يقولون ويعملون؛ لأن هناك من يعلم ولكن لا يعمل، وسؤال مثل هذا، قد يوقع في المهاوي، وهذه من سنن الله -جل وعلا-.

فالسؤال، يجب أن يكون باهتمام، كما كان الصحابة -رضوان الله عليهم- كانوا يهتمون كثيرًا لهذا الأمر، في المسند وفي أبي داود، وغيرهما والترمذي أن معاذ -رضي الله عنه- يقول: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونحن في سفر ليس معه أحد، فانتهزت الأمر، فدنوت إليه وقلت: «يا رسول الله! أخبرني عن كلمةٍ أمرضتني، قال: سل عما بدا لك؟ فقال: أخبرني عن عملٍ يدخلني الجنة، ويباعدني من النار»، انظر كيف ؟! “عن عملٍ يدخلني الجنة، ويباعدني من النار، فقال: «لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسيرٌ سهلٌ على من يسره الله عليه، تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت»، هذه الأمور الخمسة التي تدخل الإنسان الجنة، ولكن لابد أن يعرف، يعرف كيف يتوضأ ؟ يعرف كيف يصلي ؟ يعرف كيف يؤدي الزكاة ؟ ومن الذي يجب أن تعطاه الزكاة ؟ من هم أهلها ؟ ومتى يخرجها ؟ وما المال الذي يخرج منه الزكاة ؟

وكذلك يعرف كيف يصوم ؟ ما الذي يخل بالصوم ؟ أو يبطله، أو يفسده، أليس من العجائب أن يسأل إنسان مثلًا في بلد المسلمين يقول: ما علمت أن جماع الزوجة، أنه يبطل الصوم في رمضان؟! أليس هذا من أغرب ما يكون؟! في بلد المسلمين ، أليس من العار أو موجبات العذاب !!

أو أن يسأل إنسان مثلًا ويقول: حججت ولم أطف طواف الإفاضة، ما علمت، ما دريت ؟ ويكون هذا بعد سنوات ! وهكذا ، أشياء عجايب !!.

نقول: هذا من التفريط، ومن الظلم للنفس، ومن عدم الاهتمام بأمر الله -جل وعلا- والاهتمام بالنفس، كونك ما تهتم بنفسك، الله -جل وعلا- خلقك لعبادته، وأرسل إليك رسولًا، وأنزل عليك كتابا، (فهل) يجوز أنه إذا سألك تقول: ما دريت ! ما لك عذر، جاء الرسول وبين، وأنزل الكتاب واضح جلي، ومع ذلك أعطاك عقلًا، وفكرًا، وعبرة وجعل أمامك وخلفك وفوقك آيات.

آياتٍ عظيمة تدلك على وجوب عبادة الله -جل وعلا- لا يجوز أن يكون الإنسان مشغولًا في هذه الدنيا حتى يحضر الموت، كلنا على يقين، يقينٍ تام أننا سوف نموت، ما فينا واحد يقول: أنا مكن أفلت من الموت !، على يقين وإذا جاء الموت حضرت الملائكة لقبض الروح، لا يمكن تأخر نفس واحد، نفس واحد لا يمكن !.

فإذا كنا على يقينٍ من هذا، فالله -جل وعلا- يقول: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾[محمد:19]، بدأ بالعلم أولًا قبل العمل، فقال :”واستغفر لذنبك ” هذا العمل، بعد العلم ولهذا أنزل الكتب وأرسل الرسل؛ لأجل هذا، ولهذا يقول العلماء: العلم منه ما هو فرضٌ على كل مسلمٍ ومسلمة، ومنه ما هو فرضٌ على الأمة كلها، لا يجوز أن تضيع منه مسألة واحدة.

  فإن ضاع مسألة واحدة مما جاء به الرسول، فالأمة كلها آثمة، ولكن هذه مهمة العلماء، ليست مهمة الناس كلهم، عامة الناس الذي يلزمه أن يعرف كيف يعبد ربه ؟ وإذا كان ذا مال، يعرف كيف يؤدي حق المال ؟، وإذا كان يتعامل مع الناس بالبيع والشراء، يجب أن يعرف أحكام البيع والشراء ، ويعرف الحلال من الحرام؛ لئلا يقع في محرم، أو في الربا، وهو لا يدري، فإن لم يسأل، فهو آثم.

وكذلك إذا أراد أن يتزوج يجب عليه أن يعرف أحكام الزواج، وأحكام الرجعة، وأحكام الطلاق، وما أشبه ذلك من الأمور اللازمة، على كل واحد والأمر واضح، لدينا علماء، ولدينا كتب ، وإنما المسألة، إما عدم تنبه، عدم اهتمام، وكون الإنسان لا يهتم بهذه الأشياء أو أنه يرى الناس (ليست) معه، وهذه مصيبة !.

تشاهد مثلًا الآن مسألة واحدة أذكرها لكم مثال: وهي منتشرة في الناس، وهي خطأ، خلاف كتاب الله، ومعصيةٍ لله ولرسوله، وأكثر الناس يعملونها إذا طلق الإنسان زوجته؛ قال: ” (هيّا) اخرجي لأهلكي” هذا حرام ، هذا لا يجوز بنص القرآن.

الله -جل وعلا- يقول :{لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ}[الطلاق:1]، لا يجوز لها أن تخرج، ولا يجوز لزوجها أن يخرجها إذا طلقها، إذا كانت الطلاق رجعي، يجب أن تبقى في بيت زوجها، حتى تنتهي عدتها، ثم كذلك إذا أراد أن يطلق يجب أن ينظر ما حالة الزوجة، إن كانت  الزوجة حائض، فطلاقها حرام، إذا فعل الإنسان فقد تعدى وظلم.

قال الله جل وعلا :{ لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا }

(نهى) الرسول -صلى الله عليه وسلم- إن كانت طاهرة وقد جامعها في هذا الطهر فطلاقها حرام، إذا فعل ذلك فقد تعدى وظلم.

وإنما إذا أراد أن يطلق، ينظر يكون في طهرٍ لم يمسها فيه، ثم يطلق طلقة واحدة، لا يجوز أن يزيد على هذه، يطلق طلقة واحدة، فإن تعدى ذلك فقد ظلم، كل هذه مسائل أكثر الناس لا يعمل بها، وهي بنص كتاب الله، ونص أحاديث رسوله -صلى الله عليه وسلم-.

ما السبب ؟ السبب إما عدم العلم، وعدم الاهتمام، وعدم السؤال، أو أنه جعل أمره عادة، وهذا لا ينفع ولا يجدي.

المهم: أننا إذا كنا لا نعرف، يجب علينا أن نسأل، وقبل ذلك نتعلم، الصحابة -رضوان الله عليهم- تعلموا وهم كبار السن، تعلموا وليس عيبًا كون الإنسان يأتي يتعلم عند من هو أصغر منه سنًا، ويسأله عن الأمور التي (…)كان السلف إذا نزل لأحدهم نازلة ربما لو تنزل لأحدنا لا يبالي ولا يلتفت إليها، يرحل مسيرة شهر، لأجل هذه.

تزوج أحد الصحابة في مكة امرأة، فجاءت إليه امرأة وقالت له: إني أرضعتك وزوجتك، قال: ما علمت ولا أخبرتيني، يعني لو كنتي صادقة كان عند الخطبة وعند اشتهار (…)، لماذا ما أتيتي إلي وقلتي لي؟، فهذا يعني أنه اتهمها في هذا الشيء، ومع ذلك اشترى راحلة وركب وذهب إلى المدينة، إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فسأله؛ قال: إني تزوجت امرأة، فجاءتني امرأة وقالت إني أرضعتك وهي، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «كيف وقد قيل!»، يعني اتركها أحسن لك، كيف وقد قيل!

ورجلٌ آخر كان في الكوفة، أتى إلى أحد الصحابة، فقال له: إني عندي زوجة أحبها، وأمي تأمرني بطلاقها، كيف أصنع ؟ فقال: ما أنا الذي آمرك بطلاق زوجتك، ولا  آمرك بمعصية أمك، ويذكر رجلٌ في دمشق عنده من هذا علم، فقال: مسيرة طويلة، قال: إذا كان يهمك دينك ليست طويلة، فاشترى بعيرًا وذهب إلى هناك، وهذا كثير جدًا وقع من السلف بهذه الطريقة، بل ما هو أبلغ من هذا، جابر بن عبد الله الصحابي المشهور المكثر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بلغه أن رجلًا في الشام، يحدث بحديثٍ قد سمعه أيضًا جابر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فاشترى جابر جملًا وركبه وذهب إلى الشام، فلما وصل إلى باب الرجل، طرقه فخرج عليه خادمه، فقال: قل له جابر في باب، فدخل ثم خرج، قال: جابر بن عبد الله؟ قال: نعم، فخرج صاحبه يجر ردائه، فاعتنقه، فقال: انزل، قال: لا، ولكني سمعت أن عندك حديث تحدث به عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يعرفه غيري وغيرك، فخشيت أن أموت، أو تموت قبل أن أسمعه منك، فذكره، وهذا الحديث قوله -صلى الله عليه وسلم-: «يحشر الناس حفاةٌ عراةً غرلا، فيناديهم بصوتٍ يسمعه مَنْ بَعُد كما يسمعه مَنْ قَرُب، أنا الديان لا ينبغي لأحدٍ من أهل النار، أن يدخلها وهو يطلب أحدًا من أهل الجنة حقه، ولا ينبغي لأحدٍ من أهل الجنة يدخلها وهو يطلب أحدًا من أهل النار حقه، فيقتص لكل أحد الظلمات»

المقصود الاهتمام في هذا الأمر أمرٌ ملزم، يلزم علينا أن نعرف كيف نتعبد ؟ كيف أمرنا الله -جل وعلا-.

وفي عقيدة المسلمين المقررة التي أجمع عليها العلماء، وثبت ذلك في كتاب الله، وفي أحاديث رسوله -صلى الله عليه وسلم- أن كل مقبورٍ إذا قبر ودفن في قبره، يأتيه ملكان، فيجلسانه، وهو في عقله تعاد إليه روحه، فيسألانه، يقولان: من ربك؟ وما دينك؟ ومن هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ يقول: فإن كان موقنًا أو مؤمنًا أجاب  بهدوء وطمأنينة.

فقال: ربي الله، وديني الإسلام، وهذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فيقولان: وما يدريك؟ الاسئلة ما انتهت، وما يدريك؟ فيقول: قرأت كتاب الله، وآمنت به، فيقولان: قد علمنا.

فانظر، يقول: فيفتح له بابٌ إلى النار، ويقال: انظر إلى مكانك في النار، لو كفرت بالله، هذا مكانك، أما وقد كنت مؤمنًا فانظر إلى منزلك في الجنة، يقول -صلى الله عليه وسلم-: فينظر إليهما معًا، المكانين معًا، فيقول: دعاني أذهب إلى أهلي، فيقولان: نم، وسوف تذهب، فيأتيه من روحها من روح الجنة ونعيمها وهو في قبره.

يجب أننا نستعد لهذا السؤال، سؤال صعب !، قال لعمر -رضي الله عنه- الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «كيف بك إذا جاءك ملكان، صوتهما كالرعد القاصف، ونظرهما مخيف، فينتهرانك، فقال: أأكون في عقلي؟ قال: نعم، في عقلك، قال: إذًا أكفيكهما».

 ولكن المشكلة النصيب الثاني، يقول: وإن كان في شكٍ أو كان مرتاب، إن كان شاكًا، أو كان مرتاب، يتلعثم، ويقول: ها ها لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته، أو قال: فرأيت الناس يفعلون شيئًا ففعلته، فعند ذلك يقولان له: لا دريت ولا تليت، يعني: ما تعلمت العلم، ولا قرأت كتاب الله، يقول: فيضربانه بمطراقٍ معهما لو ضربا به جبلًا، لتدكدك، ثم يلتهب عليه قبره نارًا، هذا خبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يجب أن يؤمن به، ويجب أن الإنسان يخاف، والزلل والفتن غالبًا تكون لمن لا يعلم، غالبًا تكون لأهل الجهل.

هذه الأيام أخبار تأتي من جهة الغرب من المغرب، جماعة كبيرة دخلت في النصرانية مسلمين، ما السبب ؟

بسبب الجهل بلا شك، الجهل والتعلق بالدنيا، ثم نحن الآن كما تشاهدون، الفتن تحيط بنا، والمخاطر تحيط بنا، والأعداء يستعدون للانقضاض علينا، ونحن غافلون، يجب أن نكون على بصيرة وعلى علم في ديننا، وفيما يخططه لنا أعدائنا، والعراق ليس بعيد، تسمعون ماذا يكون من سلخ الناس، تسلخ جلودهم، ويحرقون بالنار قبل أن يقتلوا، ومن يفعل هذا ؟

 ليس هؤلاء خاصين في العراق، ربما يكون في بلادنا، منهم من يستعد لهذه الأمور، يجب أن نكون على أهبة وإذا كان الإنسان قد عرف دينه حقًا لا يبالي بالموت؛ لأنه إذا مات فهو إلى سعادة بإذن الله -جل وعلا- ومعلومٌ أن الموت ليس عدم، والإنسان ما خلق ليعدم، ويصبح نسيًا منسيًا، ولكن الموت انتقال إلى حياةً أخرى، الموت حياة، حياةٌ برزخية  غير أن هذه الحياة لا نعرفها، وقد قال الله -جل وعلا-:

﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾[البقرة:154]، وفي الآية الأخرى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾[آل عمران:169].

يعني: يتمتعون يأكلون ويشربون، وهذا حقيقة ، لكن لا نعرفها وليس هذا خاصٌ بالشهداء .

كل ميت ( سواءً مؤمن أو كافر ) ، ولكن إما أن يكون حيًا ينعم، أو حيًا يعذب في الشقاء، والعذاب الذي يكون في القبر، قد يكون على المسلم، ما هو على الكافر فقط، قد يكون على المسلم.

جاء في المسند وغيره الحديث الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في يومٍ من الأيام تأخر عن عادته في صلاة الفجر، -صلوات الله وسلامه عليه- والصحابة ينتظرونه في المسجد، ثم دخل وصلى صلاةً خفيفة، ثم قال: لما ألتفت إليهم: (مكانكم)، يعني ما أحد يقوم، ثم قال: «أخبركم بالذي حدث لي»، يعني: وقت صلاتي في كل يوم، «إني كنت أصلي ما شاء الله أن أصلي، ثم غلبتني عيناي، فأتاني من ربي آتيان، فقالا لي: انطلق انطلق ، فانطلقت معهما»، هذه رؤيا، ورؤيا الأنبياء وحي يعمل بها وحي حق، يقول: (فانطلقنا، فأتينا إلى رجلٍ وعلى رأسه آخر معه حجر، فيفلغ رأسه، ثم يتدهده الحجر فيتبعه، فيأخذ الحجر، ويعود إليه، وإذا رأسه قد عاد كما كان، فيفلغه فقلت: سبحان الله ما هذا ؟ فقالا لي: انطلق انطلق، فانطلقت معهما، فأتينا إلى رجل وآخر قائمٌ عليه معه كلوب من حديد، يشرشر شدقه من فمه إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه ثم يتحول إلى الشق الثاني، فيفعل به بذلك، فإذا فرغ منه عاد الأول كما كان، ففعل به ذلك، فقلت: سبحان الله ما هذا؟، فقالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا، فأتينا على نهرٍ مثل الدم، وفيه رجلٌ سيبح، ورجلٌ على ضفاف النهر عنده حجارة كثيرة، فيسبح ثم يأتي ويفغر فاه لهذا الرجل فيلقمه حجر، ثم يرجع يسبح، فقلت: سبحان الله، ما هذا؟ فقالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا فأتينا إلى بناء أسفله واسع، وأعلاه ضيق، وإذا فيه رجالٌ ونساء عراة، فيأتيهم لهبٌ من النار من تحتهم، فيصيحوا، فقلت: سبحان الله ما هذا؟ فقالا لي: انطلق انطلق…) وذكر أشياء، ثم فسروا له ذلك.

قالوا: أما الرجل الذي رأيته يفلغ رأسه، فهو الرجل ينام عن الصلاة المكتوبة، يُصنع به هذا إلى يوم القيامة.

 يعني أن عذاب في القبر، يصنع به هذا إلى يوم القيامة، وأما الرجل الذي رأيته يشرشر شدقه من فمه إلى قفاه، ومن منخره إلى قفاه، ومن عينه إلى قفاه، فذاك الرجل يكذب الكذبة، فتنتشر في الآفاق، يُصنع به هذا إلى يوم القيامة، وأما الرجل الذي رأيته يسبح في النهر الذي من الدم، فهذا آكل الربا، يصنع به ذلك إلى يوم القيامة؛ وأما النساء والرجال العراة الذي رأيتهم في شبه التنور، فأولئك الزناة والزواني، هذا عذابهم إلى يوم القيامة.

من هؤلاء! هؤلاء مسلمين، يعني معناه، من المسلمين، فلهذا يقول: يصنع بهم ذلك إلى يوم القيامة، وأشياء كثيرة،

 يجب على الإنسان أنه يخاف ويستعد، والإنسان كما جاء في القرآن كثيرًا الأسئلة تأمل، يقول الله -جل وعلا-:  ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾[الحجر:92]﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[الحجر:93]، قسمٌ من الله أنه يسألنا أجمعين عما كنا نعمل، ألا يخاف الإنسان لهذا، يستعد لذلك، كذلك يُسأل عن أعماله، في الترمذي حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة؛ حتى يسأل عن أربع»، فكر في هذه الأربع، عن أربع «عن عمره فيما أفناه»، عن العمر فيما أفناه، «وعن شبابه فيما أبلاه»، الشباب طاقة وقوة ونعمة كبرى، والنعمة يجب أن تستعمل في طاعة الله -جل وعلا- لأن الله هو واهبها ومعطيها، «ويسأل عن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه»، الإنسان عبد مقيد بأمر الله -جل وعلا- «ويسأل هل عمل بما علم»، هذه المسائل الأربع، عن العمر وعن الشباب وعن المال من أين أتى به وفيما أنفقه وهل عمل بما علم، يعني معناه الأسئلة ،، ما تترك شيء، يقول: لا تزول قدما عبدٍ يوم  القيامة.

مع أن يوم القيامة فيه مواقف مختلفة، فالمقصود أننا خلقنا لأمرٍ عظيم، ولا يكون هذا داعٍ إلى أنك مثلا تظن الظنون، وأن العذب قريب، لا، الله كريم جواد، دعانا ليكرمنا، ويقول -جل وعلا-: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾[الزمر:53].

الذين أسرفوا على أنفسهم أما المتقون، فإنه يقول -جل وعلا-: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[الأحقاف:13].

الذي لا خوف عليه ولا هو يحزن؛ ما تكون عليه الضائقات، ولا عليه في القبر الخوف والعذاب، ولا غير ذلك، ولكن يخاف من المقصر أن يناله ما يناله، وقد جاءت الأحاديث متواترة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه يُدخَل جماعاتٌ من أهل التوحيد في النار، ثم يخرجون إما بالشفاعة، أو برحمة أرحم الراحمين، وإذا أذن -جل وعلا- للشفعاء يقول: اذهبوا تشاهدونهم قد حرم على النار أن تأكل مواضع السجود.

يعرفونهم بهذا، مواضع السجود الذي كان يسجد عليها في الدنيا، ما تأكلها النار، ولا تحرقها، ولا تقربها، يعني الجبهة والأنف، والراحتين، والركبتين، وأطراف القدمين هذه علامة، فيخرجونهم بذلك.

المقصود أنه إذا كان الإنسان هل يستطيع أنه يدخل النار ولو ساعة! والله إن هذا أمر صعب جدًا جدًا، عظيم فيجب أن الإنسان يكون على أهبة وعلى استعداد، وإذا كان الإنسان ما يهتم لنفسه، ولا ينظر للمستقبل ،يعني :المستقبل الحقيقي هو المستقبل كونك تبقى في القبر وحدك، لا معك لا ولد ولا أم ولا أب ولا صاحب ولا زوجة، وحدك، في صحيح مسلم: «إذا مات ابن آدم، تبعه ثلاث فيرجع اثنتان، ويبقى واحد»، نقول هذه ما تحتاج إلى تفكير، ما الذي يبقى؟ الذي يبقى معه في قبره، يذهب معه ثلاث (أهله وماله وعمله) يذهبون معه إلى المقبرة، أهله وماله وعمله مع أن الذي يذهب من المال شيءٌ يسير، في كفنه في تغسيله في ها الأشياء هذه ؛ الحنوط، أمرٌ يسير من المال.

ثم يرجع المال ويرجع الأهل، ويبقى العمل، يبقى معه العمل، فإن كان العمل صالحًا اغتبط وأنّسه وقال أبشر، كما جاء في الحديث أنه إذا وضع في قبره يأتيه عمله الصالح، بصورة رجل حسن المنظر طيب الرائحة جميل الثياب، فيقول: أبشر بما يسرك، فيقول: ومن أنت؟ وجهك الوجه الذي يبشر بالخير، يقول: أنا  عملك الصالح، فيؤنسه.

وبالعكس إذا كان غير ذلك يأتيه عمله في صورة قبيحة، ومخيفة ومنتنة، ويقول: أبشر بما يسوؤك، فيقول: ومن أنت؟ وجهك الوجه الذي يبشر بالسوء، فيقول: أنا عملك، أنا عملك السيئ.

كان في سبب هداية رجل من الناس اجتهد إلى أن الله -جل وعلا- جعله يعني شبه قدوة للناس باجتهاده وكان شرطي، ويظلم الناس ويضرب الناس ويأخذ أموالهم ويعمل أعمالًا سيئة، ثم قدر الله -جل وعلا- له أنه يتزوج، ولكن معاملته للزوجة معاملةٌ سيئة، فالنهاية فارقته، ضرب ولعن وشتم وأشياء يعني أمورٌ صعبة بعدما قُدر له بنت، فلما ترعرعت البنت، وصارت لها ثلاث سنوات ماتت، ثم بقي بلا زوجة، ولا بنت ولكن إذا أراد الله -جل وعلا- بإنسان الخير هيئ له شيءٌ يدله على ذلك، فكان نائمًا فرأى أن حنشًا يطارده، يفرغ فاه ليأكله فيهرب يقول: فسلكت كل مسلك، وهو خلفي، أحيانًا يكاد يلتهمني، ما أستطيع أبتعد عنه، يقول: فمررت على رجلٍ على شيخٍ ضعيف، جالس فقلت: أحمني من هذا يقول (كأنه) قال: لا أستطيع، ولن انظر إلى الجبل ذاك، عنده أبواب إن كان فيه أحدٌ يحميك، وإلا ليس لك حامي، يقول: فذهبت مسرعًا وهو بخلفي، يقول فلما أتيت إلى الجبل خرجت ابنتي (…) من هذا الجبل فرَجَّعَت الحنش هذا فذهب، (…) ورجعت إلي روحي، واطمأننت وسألتها: ما هذا الحنش؟ قالت: هذا عملك، عملك السيئ كاد يهلكك، قلت: وذاك الشيخ؟ قالت عملك الصالح ضعيف، ما استطاع أن يعمل شيء، فلما استيقظ اجتهد هداه الله -جل وعلا- وصار آيةً في الاجتهاد  والصلاة والصدقة والإحسان، وتوفي على هذا -رحمه الله-.

المقصود أن الإنسان إذا أراد الله -جل وعلا- به خيرًا هيئ له سببًا من الأسباب، ولو رؤيا مثل هذه الرؤيا، الإنسان قد مثلا يتأثر بمثل هذا أعظم من تأثره إذا قُرأت عليه آياتٌ من كتاب الله.

ولهذا ذكر ابن أبي الدنيا -رحمه الله- في أحد كتبه يقول: خرجت قافلةٌ إلى الحج من بغداد، وصحبهم شابٌ كان لا يفتر عن الذكر وعن القراءة وإذا جلسوا صار يصلي، فقالوا: يا هذا، انت ما شأنك؟ لا تفتر ولا تمل، قال: دعوني وشأني، فألحوا عليه: لابد تخبرنا ما الأمر الذي دعاك إلى هذا، قال: كنت نائمًا في الليل فرأيت قصرًا مبنيًا من ذهب وفضة، وبين شرفاته امرأة، لم أرى أحسن منها، وأجمل منها، وأطيب رائحةً منها، فقالت لي: إياك أن تُقطع دوننا، فأنا مجتهد لعلي أصل إليها.

يعني رؤيا، الرؤيا قد تصدق، وقد تكذب، مع أن الإنسان لو قرأ في كتاب الله فيه آياتٌ عجيبة، ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (49) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (50) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (51) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (52) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (53) مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (54) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (55) فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (56) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (57) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾[الرحمن:46:58]، ألا يقرأ مثل هذا! يقرؤه ولكن الرؤيا التي شاهد بنفسه ورآها صارت أعظم تأثيرً عليه من هذا، ولكن ليس هذا لكل أحد، الذي مثلًا يتلوا كتاب الله موقنًا صادقًا هذا أعظم يقينًا غير أنه لابد من الاجتهاد؛ لأنه لا يدري هل قبلت أعماله؟ هل قبلت توبته.

فالأمر مثل ما يقول، الذنوب محققة، وقبول التوبة مظنون، وكذلك قبول الأعمال مظنونة؛ لأن هناك قوادح وهناك مؤثرات تؤثر على العمل كثيرة، فلو تيقن الإنسان أن أعماله قبلت لكان له حال غير حاله هذه.

ولهذا يقول عبد الله بن عمر -رضي الله عنه-: لو أعلم أن الله قبل مني حسنةً واحدة، لتمنيت لموت؛ لأن الله -جل وعلا- يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾[المائدة:27]، فيجب علينا أن نستعد، والاستعداد يكون بالعلم ثم العمل، ومعروف كيف الإنسان يعني ما الذي كلف به، التكاليف سهلة، يعني أوقات الصلاة تأخذ من اليوم تقريبًا عشرين دقيقة على الأكثر، عشرين إذا أردت الخمس صلوات، والباقي كله لك.

ولكن لا يجوز أن تغفل، لا يجوز أن يكون قلبك استعبدته الدنيا والمظاهر الأخرى، يجب أن يكون قلبك معلقًا بالله -جل وعلا- دائمًا تذكر الله تنصح لمن لقيت من المسلمين وإخوانك، تأمر بالمعروف تنهى عن المنكر، هذا شيء.

الشيء الثاني: يجب أن تطهر بيتك من أن يكون مجلسًا للشياطين ومأوىً لهم، الشياطين تأوي إلى الصور، وإلى الأغاني، هذا مستقرها ، هذا محلها فإذا كان البيت محل فيه الصور، وفيه الأغاني لا يخلو أحدٌ من أهله أن يكون ملابس من الشياطين، قد لابسته الشياطين، وهو معه؛ لأن هذا مسكنهم؛ ولأنك أيضًا صرت تستجلبهم، فيجب أن تتقي الله في نفسك أولًا، ثم بمن أنت مسئولٌ عنهم.

يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «كلكم مسئول، وكلكم مسئول عن رعيته»، الرجل مسئولٌ عن نفسه، وعن أولاده وأهله، ومن تحت يده، وكذلك المرأة، وكذلك الخادم، فكلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته، فيجب أن تراعي ما رعآك الله عليه لئلا تكون قد ضيعت رعيتك.

ففي البخاري عن معقل بين يسار -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «من مات يوم يموت، وقد ضيع رعيته، لم يرح رائحة الجنة»، ألا نخاف من هذا؟ من مات وهو يوم يموت قد ضيع رعيته، التي استرعاه الله عليها، لم يرح رائحة الجنة، فخف من هذه الأمور، أنت مسئول، سوف يتعلق بك ولدك، تتعلق بك زوجتك، تتعلق بك أمك، يتعلق بك أبوك أخوك قريبك.

يقول: يا رب، سل هذا، سل هذا لماذا خانني لم، جاء في الآثار أن الرجل يأتي الرجل، ويتعلق به يوم القيامة، فيقول: يا ربي خذ حقي من هذا، فيقول: يا ربي والله ما ظلمته، لا بمالٍ، ولا بعرض، فيقول: بلى، قد رآني على منكر، فلم ينهني.

إذا كان هذا إلى هذا الحد، فكيف الأمور الأخرى ؟، فلهذا جُعل الأمر فينا جميعًا عموما نسأل عن هذه الأشياء، ثم أثمن ما لديك، وأعز ما لديك هو وقتك، ليس المال، وليس البيت، وليست السيارات، أعز ما لديك في الحقيقة هو الوقت؛ لأن هذا الوقت تستطيع أن تكتسب به سعادة الأبد في جوار رب العالمين إذا أراد الله -جل وعلا-.

فلا يجوز لك أن تضيعه، لا يجوز أن يذهب وقتك هكذا (سبهلا)، فإن ذهب فأنت من الخاسرين، لابد أن تستعمله في الطاعة، في طاعة الله، ليس في الطاعة أنك يلزم أنك تقوم تصلي أو تصوم؛ لا، ولكن احمي نفسك من أن تقع في المحرمات، اذكر ربك قائمًا ماشيًا جالسًا اذكر آيةً من آيات الله -جل وعلا- اقرأها، وهكذا.

أحفظ نفسك أن يقع بصرك على محرم، قد نهاك الله عنه، أحفظ سمعك أن تستمع إلى ما حرمه الله عليك، أحفظ لسانك أن تتكلم بما منعك الله منه، أحفظ قلبك أن تفكر فيه بما لا يجوز، يقول الله -جل وعلا-: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾[الإسراء:36]، ما معنى هذا؟

أننا سوف نسأل عن أفكارنا، ونياتنا وإراداتنا، ونسأل عن أبصارنا وعن أسماعنا وكذلك عن ما ننطق به، ويقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «من تكفل لي بما بين فخذيه، وما بين حنكيه أكفل له الجنة»، ما بين (فكيه) وما بين فخذيه، يعني من حفظ لسانه، وحفظ فرجه، تكفل له الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالجنة.

وليس معنى هذا أنه يكون لا يصلي، ولا يصوم، لا، هذا مع القيام بما أوجبه الله عليه، هذا شيءٌ معلوم، ولابد منه ثم إذا كان الأمر هكذا؛ إذا ضيع الإنسان أوقاته فهو خاسر؛ كيف من يستعمل وقته في المعاصي، ماذا يكون؟ ماذا يكون مثل هذا؟

لا يكون خاسر فقط، وكثيرٌ من الناس هكذا، تجده مشغولًا إما مناظرٍ سيئة، أو كلامٍ سيئ.

قال فلان، وقيل في فلان وفيه كذا وفيه كذا يعني: يوزع حسناته على الناس، ايليق بالعاقل هذا ؟! جاء في الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في صحيح مسلم أنه قال: «هل تدرون من المفلس فيكم؟» يسأل هل تدرون… كثيرًا ما يسأل الرسول -صلى الله عليه وسلم- أصحابه ليعلمهم ، وهذا لنا للأمة كلها، فظنوا أنه يقصد الدنيا، قالوا: المفلس من لا درهم، ولا دينار له قال: «لا، المفلس يوم  القيامة الذي يأتي بأعمالٍ مثل الجبال، ولكن يأتي وقد قذف هذا، وشتم هذا، واستطال في عرض هذا وأكل مال هذا، وضرب هذا، فيؤخذ لهذا من حسناته، ولهذا من حسناته ولهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار».

(هل) يجوز هذا ؟ أن الإنسان مثلًا يعمل حسنات، ثم يوزعها على الناس يعطيها للناس! يجب أن يكون الإنسان متفكرًا في الأمور هذه، يجب أن تكون المجالس مجالس مصونة من اللغو، ومن السباب واللعن، والكلام في أعراض الناس، ويكون فيها نصح.

يقول: (لا تدخلوا الجنة؛ حتى تحابوا، ألا أخبركم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام فيما بينكم) ، ويقول: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، كما قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من أهله وولده ونفسه والناس أجمعين)، يجب أن يكون هذه الأمور معلومة لنا، ونعمل بها، حتى نحظى بجنة ربنا -جل وعلا- ما أسعد الإنسان إذا بشر بالجنة، ولكن ما أتعسه وأشقاه إذا بشر إما بالتهكم والسخرية، والاستهزاء والتعذيب، بشر في النار، أبشر بالنار.

كيف تكون الحالة، هل يستدرك ؟!

 لا يمكن، انتهى الأمر، ولهذا تجد الكلام الذي يقوله الناس في يوم القيامة موجود في كتاب الله، ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾[الأحزاب:67.68].

هل يفيد هذا ؟

 ما يفيد، وكلهم ملعونون وكلهم لهم العذاب الكبير، ولكن كلها حسرات، تتضاعف الحسرات، فالذي مثلًا يضيع وقته بالسيئات، معنى ذلك أنه يتقرب إلى النار نسأل الله العافية، يتقرب ويتزود إلى النار، وكلنا سائرون الساعات والأيام هذه مراحل، كل يوم وهو يقربنا إلى القبر، كل يوم بل كل ساعة، كل لحظة تقربنا إلى القبر ولابد ، فنحن نسير، نسير إلى القبر، يجب ألا نذهب بلا زاد.

دخل رجالٌ على أبي ذر -رضي الله عنه- الصحابي المشهور، في بيته فأداروا أنظارهم، فلم يروا فيه شيء، قالوا: أين المتاع؟ قال: لنا بيت نرسل متاعنا إليه، والمقصود ماهو البيت هذا ؟!

 البيت؛ القبر، ثم قالوا: لكن الإنسان لابد من شيء يتقوت به، ويتمتع به، أليس هذا بيتك؟ قال: لا، صاحبه يخرجنا منه، بل يزعجنا إزعاجا، وسوف نخرج مزعجين.

يقصد أن الموت أنه قريب، وأننا سوف نخرج من هذا، هذا هو الواقع، يا إخواني الواجب أن الإنسان أنه يعمل لنفسه، ثم مثل ما سبق ، من فضل الله -جل وعلا- ورحمته وإحسانه بنا، أن فتح باب التوبة، والتوبة أمامك دائمًا يجب أن تتوب، والله أمرنا بهذا.

أمرنا بالاستغفار وبالتوبة، ولكن يجب أن تكون التوبة توبة صدق، ما هو باللسان فقط، والإنسان مقيم على ما هو عليه ! ، هذه تسمى توبة الكذابين، فالتوبة معناها أن تغير حالتك، تغيرها إلى حالة أخرى غير ما أنت عليها، ولهذا ذكر العلماء للتوبة شروط ثلاثة لابد منها، وإن كان هناك شروطٌ أخرى، ولكن الأخرى بعيدة ما هي هذه، ولكن هذه الثلاثة أمرٌ لازم:

الشرط الأول: أن تقلع عن الذنب، أول شيء تتركه أما أن تتوب وأنت مقيمٌ عليه، فالتوبة ما هي صحيحة، وهذه التوبة النصوح.

الشرط الثاني: أن تندم، تندم على كونك وقعت في هذا الذنب؛ لأن هذا من تسويل الشيطان وتزيينه، وكونه مثلًا ضحك عليك، ويندم الإنسان على هذا؛ لأن هذا يعني ما لا مقتضى العقل، ولا مقتضى الدين، وإنما غلبك الشيطان، فيندم الإنسان على هذا، والندم توبة، إذا ندمت أُجرت على هذا.

الشرط الثالث: العزم الجازم، أنك تعزم ألا تعود إلى الذنب، مرةً أخرى، فإذا اجتمعت هذه الشروط، فالتوبة هي التوبة النصوح.

أما كون هذا قبل الموت فهذا شيء معلوم؛ لأن الله -جل وعلا- يقول: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾[النساء:17].

يقول الصحابة  -رضوان الله عليهم-: كل من عصا، فهو جاهل، {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ}، {السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ}، ويقولون: كل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب، الذي قبل الموت قريب، والعامل الذي يعمل بسوء جاهل، لماذا ؟

لأنه جاهلٌ بالله -جل وعلا-.

لأنه لو علم عظمة الله، علم يقينا ما يمكن يقدم على معصيته، لله المثل الأعلى، لو انا مثلًا: عندنا ملكٌ جبارٌ كبير، معه سيفه سالّه، وعنده جنوده واقفون، هل يمكن للإنسان يجرأ أنه يمد يده على زوجته، أو على بنته أمامه !

 لا يمكن أبدًا، الله أعظم وأكبر وأقدر -جل وعلا- ولكن الجهل يغطي على الأفكار وعلى (…)

فالمقصود أن الإنسان إذا تاب قبل موته بهذه الشروط، وكذلك أما كونها أيضا لابد أن يكون هذا قبل طلوع الشمس من مغربها، هذا شيء معلوم، أنا نحن الآن في إمكاننا التوبة، أحياء موجودين، والله أمرنا بهذا، مع أنه إذا لم يتب الإنسان فهو ظالم، كما قال الله -جل وعلا-: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾[الحجرات:11]، أسأل الله -جل وعلا- بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا أن يتوب علينا جميعًا، وأن يرزقنا الفقه في دينه، وأن يرزقنا الأعمال الصالحة التي يسعدنا الله -جل وعلا- بها .

 

 وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد