منهج طالب العلم

لفضيلة الشيخ العلامة

عبد الله بن محمد الغنيمان

غفر الله له ولوالديه وللمسلمين

 اعتنى به

عبدالعزيز بن حمود بن عبدالرحمن البليهي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحابته والتابعين, وبعد:

 “منهج طالب العلم”

 المنهج والطريق شيء واحد .

إذا جعل المنهج مصدر فهو الفعل, وإلا فهو الطريق الذي يسلك, والواقع أن هذا أمر يجب أن يهتم به, لأن الله جل وعلا جعل لكل شيء سببا, والله جل وعلا أخرج الإنسان من بطن أمه لا يعلم شيئا, فعلمه ورزقه الفهم وجعل له الأسباب التي يحصل بها العلم, غير أن هناك أسباب تتعلق به هو؛ إذا تحلى بها فالغالب أنها تنفع وتفيد وإلا فالأمر كله بيد الله جل وعلا.

أول ما نزل على رسول الله r قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} [العلق:1:4], فهو جل وعلا تعليمه الإنسان من فضله وكرمه وجوده الذي بدأ الإنسان به بغير استحقاق, ثم أتبع ذلك بإنزال كتبه على رسله التي تدعوا إليه, ومعلوم أن العلم الذي يجب أن ينهج ويطلب العلم الذي تكون به السعادة, سعادة الإنسان, وهذا الذي إذا جاء ذكر العلم والثناء عليه هو المقصود, لهذا كثرة الآيات والأحاديث في الترغيب في ذلك, فالنظر في المرغبات أيضا من النهج الذي ينبغي أن يبدأ به ولكن قد يكون البدء قبل بلوغ الإنسان الإدراك كما هي عادة السلف.

سئل الإمام أحمد t قيل له : بم أبدا ولدي؟ يعني بالتعلم, أأبدأه بالقرآن قال: نعم, ومعلوم أنهم كانوا يتعلمون القرآن وهم صغار, أبناء أربع سنوات والا خمس سنوات وإذا وصل السادسة فقد حفظ القرآن, ثم بعد ذلك يتفرغ للعلم .

وسأله آخر: فقال له:  فابدأ به بالقرآن, قال: كله؟ قال إلا أن (يص..).

والواجب من تعلم القرآن الذي يتعين على كل فرد, ما هو الفاتحة فقط, وما عدا ذلك فضل, غير أن العلم بما حواه القرآن, ولهذا إذا فتح فهم الإنسان في كتاب الله فهذا من الخير الكثير الذي يؤتيه الله جل وعلا من يشاء, ولكن المقصود الطريقة التي يسلكها الإنسان لأن كثيرا من طلبة العلم في الواقع يتخبطون تخبط في الطلب يجعلهم غير مدركين, والنتيجة يصبح الواحد مشوش العلم, ليس عنده علم مرتب وليس عنده شيء يمكن يعتمد عليه بسبب ترك الأصول التي كان ينهجها السلف, ومن أعظمها:

– حسن النية : أن تكون النية صالحة, هذا أول شيء, يجب أن تكون النية للعلم ذاته, وذات العلم ليس مقصودا نفس العلم ذاته وإنما المقصود: العمل, كما سيأتي, ولهذا جاء في الوعيد الشديد لمن تعلم علما ليماري به العلماء أو يجاري به السفهاء أو يشغل به المجالس أو يلفت إليه أنظار الناس, فالنار النار, وفي صحيح مسلم حديث أبي هريرة t حديث الثلاثة المعروف المشهور, وفيهم الذي تعلم العلم وعلمه فيدعوه الله جل وعلا إذا وقف بين يديه ويقول: “ألم أنعم عليك فماذا صنعت؟ فيقول: يا رب تعلمت العلم فيك وعلمته, فيقول الله: كذبت, ولكنك تعلمت ليقال هو عالم وقد قيل” ثم يؤمر به فيسحب إلى النار, فهذا يعرف أن العلم أنه له فضل وأنه يتعلم ويعلم وأنه يتحصل به الأجر وهو خير, ولكن النية فاسدة, النية قصد بها وجوه الناس وثناؤهم, وقصد بها حظ النفس, فيجب أن يكون الإنسان حذرا من ذلك أشد الحذر.

ولهذا بدأ البخاري رحمه الله وهو من الفقهاء فقهاء أهل الحديث الكبار, بدأ كتابه بالحديث المشهور حديث عمر t: “إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى…” فكأنه اكتفى بهذا الحديث عن الخطبة وبيان المقاصد التي وضع الكتاب, يقول ستتبين المقاصد من نيتي وقد تبين, فأصبح كتابه هو أول كتاب يعتنى به ويتمسك به من كتب السنة, بصلاح نيته ومقصده, وقد رتبه الترتيب الذي جعله أيضا ينال الدرجة الأولى في الأهمية والوضع, حيث بدأ به في كتاب الوحي ثم كتاب الإيمان ثم ما هو أعظم من الأركان بعد الإيمان “الصلاة” بدأ بشروطها ثم بعد ذلك الزكاة وهكذا, رتبه الترتيب الذي استفاده من حديث رسول اللهr وهو حديث جبريل عليه السلام .

والمقصود أن النية تظهر العمل ويتبين العمل بها للناس فضلا عن الشيء الذي يعلمه الله جل وعلا فالله لا يخفى عليه خافية, ولهذا نشاهد مثلا الكتب التي تؤلف تتميز بنية أصحابها, هذا مثلا “رياض الصالحين” للنووي رحمه الله, قد ألف قبله مؤلفات كثيرة جدا على منهجه وعلى طريقته, ومؤلفات بعده ولكن هذا الكتاب صار له من القبول عند الناس ما ليس لغيره, فلا تجد بيت إلا وهو فيه ولا مسجد إلا وهو فيه, وشهرته والقراءة فيه شيء ظاهر جدا, وهناك كتب أوفى منه أوفى منه في الموضوع ومع ذلك لم تعط هذا القبول, والسبب كله حسن النية والقصد, فمن حسنة نيته وقصده فإنه سوف يظهر ذلك للناس, وإن كان السلف يجتهدون غاية الاجتهاد في إخفاء أعمالهم ولكن الأعمال التي قد لا تخفى مثل تأليف الكتب, هذه تؤلف للانتفاع فيكون الفارق فيها والميزة فيها ما يظهر من أثر نية صاحبها.

ومعلوم أن النية تحتاج إلى معالجة وجهاد لأن القلب يتقلب, فلا بد من المجاهدة ولهذا يقول الإمام أحمد رحمه الله : ما عالجت شيئا أشد من النية, ومعنى ذلك أنه عند كل عمل يجتهد أن يكون العمل خالصا لله جل وعلا, فيكون دائما أمامه هذا الأمر, أن يكون عمله لله جل وعلا, وهذا هو المهم؛ تكون النية خالصة .

والنية المقصود بها الإخلاص, إخلاص العمل لله, أن يكون الإنسان ما قصد في عمله إلا القرب من الله جل وعلا, والفوز برضاه, أما الأمور الأخرى التي قد تقصد كثيرا وتكون هي المهمة عند أكثر الناس, فالذين يتحققون العلم لا يلتفتون إليها, بل يحذرون منها أشد الحذر, وإن وقع الإنسان في شيء من ذلك فإنه يجتهد في التخلص منه.

ومعلوم أن الأمور بخواتيمها كما جاءت النصوص في ذلك, ولكن إذا صفى العلم من أوله فهذا لا يعادله شيء, نقول: يعني أن الإنسان لو قدر أنه يعرض له عوارض في مثل هذا أنه يجب أن يتخلص منها, يجب أن يتخلص منها بالإخلاص والصدق مع الله جل وعلا.

مناسب أن يذكر في هذا؛ الحديث الذي رواه الطبراني, قوله وهو حديث حسن عن النبي r, “نية المؤمن أبلغ من عمله” “نية المؤمن أبلغ من عمله” يقول بعض من تكلم عليه, “أبلغ من عمله” يعني أنه يتوصل بالنية مالا يتوصل إليه بالعمل, وهي الأساس, ويغنينا عن هذا؛ الحديث الصحيح الذي في الصحيحين, فيه: “ألا ان في القلب مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد, وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد, ألا وهي القلب” وليس المقصود بهذا اللحمة التي شبه الصنوبرة, المقصود بها النية والمقصد, فإذا قيل القلب فالمقصود به أساس العمل, النيات والمقاصد, إذا صلحت المقاصد صلح كل شيء.

– الحرص, يعني من المنهج الذي يسلك الحرص, فلن ينال الإنسان الدنيا إلا بعمل, الله جل وعلا أخبرنا أنه من أراد الآخرة وسعى لها سعيها, ما هو المقصد بس إرادة فقط, لا بد من السعي, والدنيا لا يتحصل الإنسان عليها وهو جالس, لا بد من عمل, فكيف بالعلم الذي هو أرفع ما يبتغى!

فلا بد أن يكون الإنسان عنده في هذا حرص على ذلك, والحرص له أسباب أيضا, من أعظم أسبابها توفيق الله جل وعلا للعبد, أن يتعلق الإنسان بربه جل وعلا ويسأله, وإلا فالعلم شريف, ويقول العلماء: إنه لا يطلبه إلا الشرفاء, ولهذا لما بنيت المدرسة النظامية, في أول مدرسة بنيت وجعل لأهلها مرتبا, يعني الطلبة الذين يطلبون العلم, جعل لهم شيء يتقاضونه في الشهر أو في السنة, صار علماء بخارى يتباكون, يبكون ويندبون العلم, وقالوا: إذا جعل للعلم جعلا لمن يطلبه هان على الناس, ذهب شأنه عرفوا يعني قدر العلم في الواقع, ولهذا كان العلماء يتعبون أبدانهم مكابدة الأسفار والتغرب عن الأوطان وملاقاة الأخطار يجوبون البلاد على أقدامهم, البخاري ثلاث مرات الذي يأت من بخارى على قدمية إلى مكة والمدينة والبصرة والكوفة وبغداد وغيرها من المدن لطلب العلم, وغيره أكثر منه كثير.

– فلا بد من الحرص على العلم, ويكون ذلك في الصغر, ولهذا يقول العلماء على ما ذكر عن عمر t, يقول: تعلموا قد أن تسودوا, يقول الخطابي: معنى ذلك: تعلموا قبل أن تكبروا, تعلموا في الصغر, وبعضهم يقول مثل علقمة: معناه تعلم قبل أن تتزوج يكون لك زوجة وأولاد فإنهم يشغلونك عن العلم, ولما سئل المبرد: لماذا صار أبو العباس أعرف منك بالغريب وأحفظ منك للأشعار؟ قال: أنا (سدت) وأنا صغيرا, وهو تعلم حتى شاب فساد وهو شيخ, ومعنى السيادة كونه يجلس للعلم, يعلم ويحتاج إليه.

ولهذا يقول الإمام ابو حنيفة رحمه الله: من تقدم قبل أن يصل النهاية ويبلغ من العلم الغاية فإنه لا يزال في ذلة في طوال حياته, معنى ذلك أنه يخطئ فيرد عليه, ويفوته أشياء كثيرة, هذا ما يصلح أن يكون متقدما أمام الناس, فضلا على أن الصغير إذا تعلم فإنه يثبت العلم في قلبه كما قال علقمة, يقول: الشيء الذي تعلمته في صغري كـأني أنظر إليه في ورقة بخلاف الذي تعلمته كبيرا فإنه يتفلت مني, وهذا شيء مجرب, فهذا من الطريق أيضا.

– ومنها أيضا؛ وإن كانت هذه ليست عند الإنسان قد.. ولكن يعني الحفظ والذكاء, قد يقول الإنسان: كيف أنا أجعل نفسي حافظا! وكيف أجعل نفسي ذكيا!

نقول : نعم ، يمكن هذا يدرك بالتمرن, والتدرب على ذلك, أما الحفظ فهو أمر معروف, الحفظ ملكة تكون عند الإنسان إذا نميت نمت, وإذا عطلت تعطلت, وإن كان الناس يتفاوتون فيها كثيرا, فإذا اهتم الإنسان بها بملكته من الصغر فإنها تنموا وتزداد وتتوسع, لهذا نحن الآن إذا قرأنا في تراجم العلماء نستغرب كثيرا, إذا ذكر أن فلان يحفظ مائة ألف حديث, وفلان يحفظ مائتي الف حديث وهكذا, يقولون الحفظ, أحدهم يؤلف الكتب من حفظه, بأسانيدها ومتونها, هل ماتت هذه الملكة وانتهت؟

الخير في الأمة لا يزال إلى قيام الساعة, ولكن فقط المنهج يتغير, أما الذكاء فهو يمكن أيضا أن ينمى ويمكن أن الإنسان مثلا يدرك هذه الخصلة بعمله, ولهذا البخاري رحمه الله جعل كتابه ينمي الذكاء الصحيح للطالب, فإذا مثلا ترجم ترجمة لا يأتي بالحديث الواضح الذي يدل عليها دلالة واضحة وإنما يأتي بحديث فيه غموض ويحتاج إلى إشغال الفكر والذهن, يقصد بهذا أن ينمي فهم الإنسان وذكاء القاري.

– وكذلك من الطرق التي يجب أن تسلك وهي الواجب أنها تكون أول الأمر قبل كل شيء؛العمل بالعلم .

إذا علم شيئا عمل به, حسب الإمكان والاستطاعة, فإن من عمل بما علم أورثه علم ما لم يعلم, والعلم قصد به العمل, وإلا ذات العلم فقط.. الإنسان مثلا يتحصل على العلم بلا عمل, هذا في الواقع زيادة عذاب, زيادة عذاب, فالعلماء الذين مدحوا وأثني عليهم هم العاملون, فخير الناس على الإطلاق: الأنبياء, الأنبياء هم خير الناس, والعلماء هم ورثة الأنبياء, الأنبياء ما ورثوا الدنيا وإنما ورثوا العلم الذي يدعوا إلى الله, وحقيقة العلم خشية الله جل وعلا, ولهذا كثرة أقوال السلف في هذا, أن العالم هو الذي يخشى ربه .

والمقصود أن العالم هو الذي يعمل بعلمه, فالثناء على العلم وعلى أهله لأنهم عملوا به, يقول بن عباس رضي الله عنهما: إن العلماء أرفع من غيرهم في الجنة من أهل الجنة مائة درجة, كل درجة بينها وبين الأخرى مسيرة مائة عام, والدرجات إذا جاءت, قيل أن الجنة فيها درجة كذا وكذا فمعناها جنة أخرى منزلة أخرى, وليست درجات يعني التي نفهمها نحن في وضعنا وحالنا التي يصعد بها, كما في الصحيحين: “في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله ما بين درجة وأخرى مثل ما بين السماء والأرض” وهذا أكثر من مسير مائة عام, هؤلاء المجاهدين فقط, وأفضل الجهاد هو مكابدة العلم والسهر وتحصيله, لمن يعمل به, لمن يعمل, أما إذا كان لا يعمل فهو أشر الناس, ولهذا لما سئل الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله, أي عمل أفضل: قال: ليس هناك عمل أحب إلى الله جل وعلا من طلب العلم لمن يعمل به وليس هناك أبغض إلى الله من طلب العلم لغير وجه الله.

فالمقصود أن الإنسان إذا علم شيئا يجب أن يعمل به ولا يكون علمه لغيره, ما يكون هو يشقى بالكد والتعب اتعاب الذهن والجمع ثم غيره يكون أسعد به منه, هذه من أعظم الحسرات التي تلاق الإنسان يوم القيامة إذا كان بهذه الصفة, إنسان تعلم علما فشقي به وسعد به غيره, هذه الحسرة التي لا يمكن توصف بشيء معقول عندنا من الحسرات التي نشاهدها.

إذا كان العلماء هم ورثة الأنبياء ليس وراء هذا شيء يبتغى من الدرجات لأن النبوة هي أرفع درجة يتحصل عليها العبد في هذه الدنيا, جزاء الله جل وعلا والفوز بما أعده جل وعلا من النعيم, وجاء في حديث أبي ذر المشهور المعروف قوله r: “من سلك طريقا يلتمس به علما سهل الله له طريقا إلى الجنة”

هذه إشارة عظيمة أيضا, وفيه أن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يصنع, وفيه أن الملائكة وحيتان البحر ودواب البر تستغفر للعالم, (أيش الظن) لو كان هناك مثلا عرف الناس رجلا صالحا دعوته مستجابة, يسرعون إلى طلب الدعاء منه ويتسابقون إلى ذلك, كيف مثلا يذهب الإنسان بدعاء الملائكة واستغفارهم, الملائكة الكرام, استغفارهم له وكذلك حيتان البحر التي لا ذنوب لها وإنما تسبح ربها جل وعلا وتعبده وكذلك الدواب, فهل هذا يدخل في قوله: “من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم”!

وقوله: “سهل الله له طريقا إلى الجنة”

يحتمل أمرين يحتمل أن يكون من سلك طريقا في العلم يعني من سار على قدميه أو على سيارته في طلب العلم أنه يحصل له ذلك, ويحتمل أنه من سلك الطريق الذي يمكن أن يتوصل إلى العلم به من القراءة والحرص وطلب مجالس العلم وما أشبه ذلك, التي تكون متيسرة له .

قوله: “سهل الله له طريقا إلى الجنة”

فهذا أيضا يجب أن يحرص عليه غاية الحرص .

من العلماء من يقول: “سهل الله له طريقا إلى الجنة”

معناه: أنه يؤمنه مما بعد الموت, يأمن عذاب القبر وفتنته ويأمن المخاوف يوم البعث وجمع الناس في صعيد واحد وكذلك عندما ينصب الصراط على النار, يأمن العثور والسقوط فيها, فيصل إلى الجنة بسلام, هذا في الواقع شيء لا يجوز أن يتهاون به, أمر مهم جدا, وهذه الكلمات ما يقال أنها هذه مظنونة أو أنها.. يعني كلام الرسول r وحي حق, وصدق, ولا بد أن يتحقق.

فإذا الحرص على مثل هذه الأشياء, يعني هذه دوافع تدفع الإنسان إلى أن يحرص.

 

– ومن ذلك يعني من الطرق التي يعني.. التقلل من الفضول

التي لا حاجة إليها, ولا سيما طالب العلم .

مثل فضول المجالس, فضول الكلام, وهذه في الواقع مصيبة الآن وقعنا فيها, إضاعة الوقت بلا فائدة, تضيع أوقاتنا بلا فائدة وهي والله خسارة كبرى ولا سيما لطالب العلم, ما كان العلماء يفكرون في شيء من هذا في أوقاتهم, مع أنهم يحفظون أوقاتهم حتى يتعجب الإنسان, كما يقول بن الجوزي, يقول: رأيت بين مضغ الخبز والكعك زمنا كثير ففضلت الكعك أكل الكعك على الخبز حتى لا يضيع علي الوقت كثير, ( أنظر كيف يعني), ويقول: لما رأيت أن الإنسان لا بد أن يأتيه من الناس من يأتيه, يقول: جعلت ملاقاة الناس لها أعمال خاصة من بري الأقلام وتقطيع الورق وما أشبه ذلك حتى لا يضيع علي وقتي, الأقلام لا بد أن تبرى والأوراق لا بد أن تقطع, فهذه ما تحتاج تفكير وإلى.. فإذا جاء إلي أحد من الأصحاب وغيرهم جعلت هذا عملي, فما بيننا وبين هؤلاء! أوقاتنا تضيع بلا فائدة أوقات كثيرة, استراحات, (والكشتات) والقهوات والاجتماعات وغيرها, وليست هذه صفة طالب العلم, طالب العلم يجب أن يحفظ وقته, فكوننا نشكو أنه ما عندنا أوقات؛ الأوقات هي (هي) ما تغيرت ولكن تغيرت الأوضاع, تغيرت العادات عادات الناس فضاعت الأوقات فيها.

فطالب العلم يجب أن يتميز عن غيره من الناس في هذا, يجب أن يكون شحيحا بوقته, يجب أن يكون الوقت عنده له قيمة وإهداره أعظم من اهدار المال بكثير.

– ثم من الفضول أيضا التي ينبغي أن يقلل الإنسان منها: الأكل

ما يكثر الأكل لأنه إذا أكثر الأكل كثر النوم وكثرة الأكل أيضا قد تغطي على القلب, الذكاء و .. وقد تدعوا إلى السمن وكبر البدن وثقله وهذا أيضا يعجز الإنسان فيما بعد, ولهذا جاء في ذكر القرون المفضلة, الحديث الصحيح عن النبي r أنه لما ذكر الذين يأتون بعدهم قال: (ويظهر فيهم السمن) تصبح قلوبهم فارغة ويصبحون عندهم الرغبة في الدنيا أكثر من الرغبة في الآخرة, أما أولئك فهمومهم في الآخرة, لهذا يقول القحطاني:

ولا تحش بطنك بالطعام تسمنا    فجسوم أهل العلم غير سمان

هذه وصية أيضا يوص بها طالب العلم لا يحرص على كثرة الأكل.

– وكذلك فضول النوم

يعني كثرة النوم, طالب العلم يجب أن يكون له وضع غير وضع الآخرين, يجب أن يكون له صلاة في الليل, يقوم يصلي ثم يقرأ كتاب الله ويكون في آخر الليل مستغفرا طالبا ربه أن يثبته على الحق وأن يريه الحق حقا يكون ثابتا عليه, المهم أن يكون له صلة بربه, لما دخل الحسن البصري على أبي خليفة وكان الحجاج يطلبه, فشكى إليه, قال اتعبني, الحجاج يطلبه ليقتله, فقال له يتعجب أبو خليفة: ما بينك وبين ربك شيء تدعوه فيعميه عنك! فقال بلى, فدعا الله فدخلوا وبحثوا ما وجدوه فخرجوا وذهبوا إلى الحجاج قالوا: ما وجدناه, قال: بلى , هو في البيت ولكن عميتم عنه, أعماكم الله عنه, شيء معروف .

المقصود أن طالب العلم يجب أن تكون صلته بالله قوية, وإذا نام الناس وحصلت الغفلة قام يتهجد ويدع ربه ويكون له ترنم بكتاب الله, هذا شأن طلبة العلم الثابتين.

– وكذلك فضول الكلام

يجب أن يكون أيضا حذرا من فضول الكلام, لأن الكلام يسجل على الإنسان, طالب العلم يجب أن يكون كلامه دائما في الحق وفيما ينفع, ويكون قلبه من وراء لسانه, إذا أراد أن يتكلم يعرض ذلك على القلب؛ هل ينفع أو لا ينفع, وقد قال بن القيم رحمه الله:

 ثلاث تميت القلب, تميت القلب -وهي مصيبة يعني إماتة القلب مصيبة, كثرة الأكل وكثرة النوم وكثرة الكلام .

ويتبع كثرة الكلام كثرة الضحك, أيضا نفس الحكم, هذه أيضا يجب أن يبتعد عنها طالب العلم.

والمقصود أن يكون طالب العلم متخلقا بالعلم ويكون له نصيب من إرثه من رسول الله r, والرسول r كما قالت عائشة: “خلقه القرآن” يقول الله جل وعلا: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}[القلم:4], خلقه القرآن يعني أنه يتخلق بما يأمره الله جل وعلا به في القرآن, أمرا ونهيا, هذا خلاصة هذه الأمور التي ينبغي أن يتنزه منها يعني الفضول.

 

– الأدب

 يجب أن يكون العلم له احترام له حرمة, ويتأدب معه ولهذا إذا تأملنا حديث جبريل u وإذا به تعليم الأدب قبل تعليم العلم, فإنه كما في صحيح مسلم عن عمر t قال: بينما نحن جلوس عند النبي r إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد, فجلس إلى النبي r فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه, ثم قال: يا محمد أخبرني عن الإيمان….. إلى آخره, فكونه جاء بثياب حسنة بيضاء جميلة وكذلك هيئة حسنة هذا يجب أن يكون تعظيما للعلم, يفعل ذلك تعظيما للعلم, ولهذا كان العلماء يصنعون ذلك, الإمام مالك وغيره من العلماء الذين اشتهروا أنهم لا يجلسون للعلم إلا على أحسن هيئة, تعظيما للعلم ما هو تجمل للناس, تعظيما للعلم, يعني أن يكون له في القلب قدر, فإذا كان له قدر في القلب تميز الإنسان عن غيره في ذلك .

يقول لي: أحد المشايخ الذين مضوا رحمهم الله, يعيب علينا, يقول: كنا قبلكم إذا حضر أحدنا عند الشيخ وسمع مسألة أو حديث ظهر ذلك في خلقه وفي مسيره وفي مجلسه وفي منطقه, أما أنتم ما نميز العوام من طلبة العلم وهذا صحيح هذه مصيبة في الواقع, فإذا كان مثلا الإنسان لا ينتفع بعلمه, فما الفائدة!

والسبب عدم توقير العلم ومعرفة قدره وعدم التأدب, عدم التأدب, ولهذا كان المشايخ سابقا يؤدبون الطلاب تأديبا عجيب, فأحدهم لا يلتفت ولا يتحرك إذا حضر عند الشيخ.

(…) أحد تلامذة الشيخ بن سيرين رحمه الله يقول: كنا نجلس في الحلق وهو يورد, يقرأ ورده, ننتظر إلى أن يأت, ولا أحد يتكلم أو يتحرك, في يوم من الأيام ونحن ننتظر أن يأت إلى الحلقة دخلت بقرة على المسجد, يقول: فالتفتنا, يقول: التفتنا قال خلاص اليوم الدرس البقرة (يلّه) انصرفوا, فصارت يعني كارثة عليهم أنهم حرموا الدرس لأجل أنهم التفتوا لما دخلت البقرة.

وقرأت في تاريخ بغداد في ترجمة بن المنادي قال بعض الذين تكلموا على علمه وكثرة مؤلفاته أنها لم تنتشر, قال أحدهم بسبب شراسة أخلاقه, فناقش ذلك أحدهم, قال ليس كذلك, واستدل على هذا بقصة وقعت له, وهي وإن كان في اسنادها أيضا ضعيف, أن أحد تلامذته يقول: كنا نتردد  عليه لمعرفة الحديث وهذا يعني يقول لأن بن الجوزي يقول عن بن المنادي رحمه الله يقول ألف في علوم القرآن أكثر من أربعمائة مؤلف في علوم القرآن فقط, وله مؤلفات في الحديث أكثر, ومؤلفات في التاريخ ومؤلفات في العقيدة وغيرها, فما وجد من مؤلفاته كلها إلا كتيب أظنه من (أطرف) وهو متشابه القرآن يعني متشابه اللفظ من القرآن, وبقيت هذه المؤلفات التي ربت على الألف راحت لا وجود لها, هذا يتعجب يقول لأنه ما كان له أخلاق دمثة وفاضلة حتى تؤخذ عنه كتبه وتنشر فقال: كلا, ليس كذلك, واستدل بقصة وقعت له, وهو أنه أحد تلامذته يقول كنا نتردد عليه لقراءة الحديث فإذا طرقنا الباب أرسل إلينا جارية عنده فسألتنا عن أسمائنا وعن عددنا فنخبرها وفي يوم سار معنا في الطريق رجل من الأشراف ومعه غلامه, فلما جاءت إلينا الجارية أخبرناها بعددنا وبأسمائنا ولم نذكر هذا الرجل الذي تبعنا, يقول فلما دخلنا ونظر إلينا قال انصرفوا لن أحدثكم اليوم فظننا أنه عرض له سوء, فانطلقنا, ومن الغد أتينا وقال انصرفوا فلن أحدثكم, ثم في اليوم الثالث كذلك فسألناه قلنا لماذا, قال: لأنكم في المرات السابقة نسألكم عن العدد وعن أسمائكم فتصدقون وفي هذه المرة كذبتم, ومن كذب في مثل هذا يجوز أن يكذب في أكثر في أكثر من ذلك فلن أحدث الكذبة, فهل هذه من شراسة الأخلاق أو هذا من التأديب!.

فالمقصود أنهم كانوا يعتنون بالأدب أكثر من ذلك ولهذا يقول الإمام أحمد: تعلمنا الأدب قبل العلم فانتفعنا, فالواجب أن الإنسان يتأدب للعلم ما هوب للإنسان, فهذا شيء .

الشيء الثاني: أنه لا بد من القراءة على الشيخ, والشيخ يجب أن يكون متحققا بالعلم, ما هو كل شيخ, والتحقق بالعلم معناه أن يكون مدركا له عاملا به ويكون أيضا فاهما يستطيع كشف الشبهات وإزالة المشكلات وتفهيم الإنسان حسب الإمكان, ما هو مجرد قراءة, ثم يجب أن يكون الشيخ الذي يُقرأ عليه, أن يكون أيضا عاملا تقيا, ولهذا كان العلماء سابقا ينظرون إلى من يأخذون عنه, فإن رأوه مستقيما أخذوا عنه وإذا قالوا لو كان في علمه نفعا لنفع نفسه, وتركوه, وكثيرا ما يذكر هذا في التراجم, تراجم العلماء.

المقصود أننا عرفنا أن أفضل ما يسعى إليه الإنسان؛ العلم, ومع ذلك فهو واجب على الإنسان, واجب حتم أن يتعلم وهذا عام في كل أحد, فلا يجوز للإنسان أن يتعبد لله جل وعلا بلا علم, فإن هذا يدعوا إلى الخطأ وإلى عدم القيام بعبادة الله جل وعلا التي أوجبها ولهذا أنزل الله كتبه وأرسل الرسل, فالعبادة لابد أن تكون مأذون بها شرعا, يعني جاء به الرسول r وأمر بها, وكثيرا من المسلمين يعني ما يهتمون بهذا الجانب, تجد الإنسان يبلغ مثلا من الكبر عتيا وهو قد لا يحسن الصلاة, وإذا تأمل الإنسان مثلا فعل المسلمين في الحج وفي غيره يرى العجب, عجائب, ما يهتم للأمور التي يجب أن يهتم بها, ما يعرف الشيء الذي يدخل فيه من عبادة الله جل وعلا, لهذا أن الحج يكون في السنة مرة مثلا يصير الخطأ فيه ظاهر إلا أن كثيرا من الناس ما يهتم به ولا يسأل عنه, والسبب عدم القيام بالواجب, فالواجب على العبد أنه لا يدخل في عبادة إلا وهو يعرف حكمها, كيف يعرف كيف (يأت عليها) مثلا يعرف كيف يتوضأ, أركان الوضوء, لأن هذا من شروط الصلاة, ثم كذلك يعرف كيف يصلي, يعني إذا وقع مثلا خطأ في الصلاة يرتبك الناس ما يدرون كيف يصنعون, كثير منهم, تجد السؤال بعد ما وقع هذا الأمر, والسبب عدم الاهتمام بذلك.

والمقصود أن العلم فرض عيني على كل مسلم فيما يؤدي فيه العبادة, فمثلا معرفة الصلاة معرفة الوضوء وأحكامه فرض لا يجوز الاخلال به وكذلك الغسل, فيجب أن يتعلمه قبل أن يبلغ, ثم كذلك إذا كان عنده مال, تعين عليه أن يعرف أحكام الزكاة والمقدار الذي يخرج ومن تؤدى الزكاة إليه وما أشبه ذلك, أما إذا لم يكن عنده مال فليس هذا واجب عليه.

وكذلك إذا أراد أن يدخل في البيع والشراء, يجب عليه أن يعرف أحكام البيع والشراء وأحكام المعاملات ومسائل الربا والأمور التي تلزم لمن يزاول هذا العمل حتى لا يقع في محرم, وهكذا فبهذا يتبين أن الواجب في العلم يختلف باختلاف الناس, ومثل ذلك إذا أراد أن يتزوج يجب أن يعرف أحكام الزواج وأحكام الزوجة وكذلك الطلاق, مصيبة الآن تجد يعني عند مسائل الطلاق أكثر الناس يقع في المحرم حتى طلبة العلم, يقع فيما نهى الله جل وعلا عنه والسبب عدم الاهتمام بهذا الشيء وعدم الشعور بالواجب الذي يجب عليه أن يتعلمه .

– ومعروف أن الطريق للعلم بهذا أن يبدأ الإنسان أولا بالشيء الذي يفهمه والذي يناسبه في وقته, وقد حدد العلماء الطرق في هذا القريبة, فجعلوا لكل فن مختصرات, فإذا كان المختصر مثلا يليق بفهمك ويمكن أنك تستوعبه فيجب أن تبدأ به ولا تذهب إلى المطولات وإلى الكتب التي تحتاج إلى ذكاء وتحتاج إلى فطنة وتحتاج إلى شروح الناس واختلافاتهم هذه مشكلة, يعني طالب العلم هو ما يبدأ بالكتب التي يذكر فيها الخلاف, خلاف العلماء في المسائل, هذه تضيع الإنسان .

فالواجب أن يبدأ بالأمور السهلة الميسورة المختصرة ثم يتقن ذلك, يتقنه مثل ما مر يعني يحرص على الفهم لا يمر عليه الشيء إلا ويحاول أن يستوعبه, ويتطور أنه إذا قرأ هذا الكتاب لا يعود إليه مرة ثانية, يحاول أنه لا يترك فيه شيء بدون فهم, وسبق أن الفهم يمكن أن ينمى, يمكن أن ينمى, إعماله في المسائل التي تتكرر معه في الكتاب, كما أن الحفظ أيضا يمكن أن يزداد ويتنمى .

يقول (ابن بدران) رحمه الله: يقول أنه جرب في حفظ المسائل بسرعة مع الفهم الذي يرسخ في الذهن, يقول: إذا أردت مثلا في كتاب فقه خذ مختصر فقه ثم قبل أن تذهب إلى قراءته على الشيخ احفظ الجزء الذي تريد أن تقرأه ثم قسمه إلى فقرات, مثلا ثلاثة أسطر أو خمسة أسطر وانظر إلى ما فيه من المسائل اترك الكتاب ثم استحضر بذهنك قل هذا فيه مسالة كذا وفيه كذا وفيه كذا, استخرجها بفكرك قبل أن ترجع إلى الكتاب, ثم ارجع الى الكتاب جرب هل أنت مصيب أو مخطئ, عاود هذا وكرره حتى يثبت, ثم بعد ذلك استحضر الأمور التي تشكل عليك واحفظها وهيئها حتى تسأل عنها الشيخ حينما تقرأ, وبهذه الطريقة يثبت عندك العلم وتدرك المسائل وتحفظها ولا ينبغي أن الإنسان أنه يزيد من الكم حتى يتراكم تتراكم مسائل العلم فلا يستطيع أن يستوعبها, ثم يبقى في فن واحد حتى يتقنه فإذا أتقنه ذهب إلى الفن الثاني, العمر قصير والعلم كثير جدا فينبغي الترتيب أن يواكب الإنسان نفسه في ذلك, ثم الاختيار اختيار الكتاب له أهميته ولا بد من المشورة, شاور الذي يعرف الأمور هذه قبل أن تبدأ فيها, والفنون التي لا بد منها مثل الفقه؛ والفقه لا يمكن أن تدركه كما ينبغي حتى تعرف أصول الفقه, فلا بد أيضا من أصول الفقه وكذلك الفرائض لا بد منها وكذلك الحديث ومصطلحه وما يلزم له والتوحيد والتفسير, هذه أمور رئيسية يجعلها الطالب بين عينيه دائما ولكن يبدأ بالشيء الذي يمكن أنه يستوعبه, ما يبدأ بالكل, شيء فشيء, هذا إذا كان في الصغر أما إذا كان بداية بدايته بعد ما وجبت عليه الواجبات فيقدم الشيء الذي يتعين عليه, الشيء الذي يتعين عليه يقدمه, ومعلوم أن الصلاة هي ركن من أركان الإسلام بل هي الركن الأعظم بعد الشهادتين فلا بد من معرفة أحكامها وما يلزم لها من أحكام المياه وما يترتب على ذلك, وكذلك الصوم وكذلك الحج وإن كان الحج لا يجب في العمر إلا مرة, ولكن يجب أن يؤدى على الوجه الشرعي, وكثيرا من الناس يحج ويكون حجه إما ناقص أو باطل, هذه مصيبة في الواقع.

ما أنسى العام الماضي كنت في منى فأتى إلي رجل كبير له لحية, كبير, قال لي الوالدة مرسلتني إليك أسألك عن حجها أنها حجت وهي صغيرة ولم تطف طواف الإفاضة, شف كيف! قلت كيف وأنت يعني قبل أن تتزوج ؟ قال : نعم قبل أن تتزوج ، قلت : وأنت ولدها الكبير ؟ قال : لا ، لي أخ لي أكبر مني ، يعني الزواج باطل ، ولأنها لا تزال محرمة تزوجت وهي محرمة ، وتزوج المحرم ما يصح كل هذا نتيجة الإهمال, وهذا له نظائر, مسائل عجيبة تقع من المسلمين في هذا, وإذا أردت أن تعتبر انظر إلى رمي الجمار مثلا انظر كيف الناس يصنعون, ما كأنهم في نسك ولا كأنهم في عبادة وإنما كأنهم جاءوا يتقاتلون في هذا المكان, ولهذا يحصل من المشاكل ومن الأمور الصعبة أشياء كثيرة.

السبب عدم الاهتمام بالعلم الشرعي, الاهتمام بالأمر الذي أمر الله جل وعلا به, ثم لا يسأم الإنسان من تكرار المسائل وكونه مسك هذا الكتاب حتى يتقنه, معروف أن النفس عندها شيء من السآمة ومن الملل ولكن يجب أن يكون عنده من المثابرة والصبر وما يحضه على المعرفة من فضائل العلم وثمرات الإدراك الشيء الذي يذهب عنه هذا السأم, وبعض طلبة العلم يرتب نفسه ترتيبا, يجعل هناك عنده مثلا كتب مختلفة فإذا سأمت نفسه من النظر في هذا الكتاب مثلا ذهب ينظر في كتب الأدب مثلا أو في كتب التاريخ حتى تذهب السآمة ثم يعود, ولا يترك الكتاب ثم يروح يقول أنا بروح ألتقي بالأصحاب وأذهب الى الشارع أتفرج ,,, وأذهب السآمة عني بتقطيع الوقت فإن هذا خسارة في الواقع, خسارة ولكنه ينتقل من فن إلى آخر حتى تذهب السآمة.

– ثم من الأصول التي يجب أن يعتني بها ولا يجوز الإخلال بها مراقبة الله جل وعلا وخوفه, يجب أن يكون خائف من ربه جل وعلا متقيا لربه جل وعلا فإنه إذا كان ممتثلا أمر الله مجتنبا نهيه فإن الله ييسره لليسرى, قيل لأبي حنيفة رحمه الله: بم أدركت هذه الدقائق وهذا الفقه, قال: بكثرة حمدي لربي فكل ما حفظت مسألة وعرفتها حمدت ربي وشكرته فزادني, يزيدني علما.

ويقول الأعمش رحمه الله: كنا نستعين بالصوم على حفظ الحديث, يعني نحدث طاعة فيحدث الله جل وعلا له حفظا وعلما, وقد قال الله جل وعلا: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ}[البقرة:282], ” وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ” ويقول جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ }[الأنفال:29], وفي الآية الأخرى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ…..}[الحديد:28], إلى آخر الآية, هذا كلام الله جل وعلا, أما قول الذين يقولون: “هذا العلم لابد من التعلم به أما أن يكون مثلا التقوى مجرد التقوى تورث علما فهذا غير صحيح”, فهؤلاء في الواقع بينهم وبين الهدى  هدى العلم وهو نوره ,(كثافة), غليظة  فالعلم نور يقذفه الله جل وعلا في قلب الإنسان إذا اتقى ربه, فتجده يعلم مما سبق من الأمور التي مرت عليه مسائل ما كان يتصورها عندما يتقي ربه جل وعلا.

يقول بعض العلماء من الأمور المجربة في هذا, قراءة القرآن بالتأمل والتدبر والخوف من الله جل وعلا والرجاء, يستشعر خطاب ربه جل وعلا أنه يخاطبه فلا يتجاوز الآية إلا وقد حاول أن يعرف مراد ربه منها, وهو المراد بها, ومعلوم أن العلوم في القرآن العلوم كلها في كتاب الله جل وعلا, والمقصود أن التقوى طريق إلى المعرفة.

– ثم اجتناب الذنوب يحذر من الذنوب, فإن الذنب قد مثل ما قال ابن مسعود: ينسي العلم, إذا أصاب الإنسان ذنبا عوقب بنسيان ما تعلم, وقد ذكر العلماء في هذا قصص, قصص كثير واقعية جربوها في هذا, ومن المشهور الأبيات التي تنسب للشافعي حينما قال:

شكوت سوء حفظي إلى وكيع   فأرشدني إلى ترك المعاصي

    وقال اعلم أن العلم نور   ونور الله لا يؤتاه عاصي.

وكذلك القصة التي لما حضر عند أحد كبار المشايخ, قال له: إنك قد أوتيت فهكما وعقلا فلا تطفئ ذلك بالذنوب, لا تطفئه بالذنوب, فالأنسان أمامه مثلا عمره الذي وهبه الله له وهو عبارة عن الليل والنهار, واليوم قليل  لا ينبغي لطالب العلم أن يذهبه بالنوم وكذلك النهار مضيء فلا تظلمه بالذنوب بذنوبك, فإذا اتقى الإنسان ربه فإنه هو الطريق إلى المعرفة.

– ثم أيضا من الأمر المهمة يجتنب أكل الحرام فإنه أيضا أثره بليغ في هذا وهذا أمر عام أيضا ليس فقط في كونه يتبلد ذهنه ويقسى قلبه ويكون عليه غشاوة بل يكون داع لعدم قبول عمله كله نسل الله العافية, كما في الحديث الذي في الصحيحين حديث أبي هريرة t عن النبي r أنه قال: (إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين, فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}[المؤمنون:51], وقال جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}[البقرة:172]) فهذا أمر للمؤمنين وذاك أمر للمرسلين وكلاهما سواء, هذا معنى أمر الله جل وعلا المؤمنين بما أمر به المرسلين, أن يأكلوا من الطيبات ويعملوا صالحات فالأمر بالأكل من الطيب أولا يدل على أن الأكل من الحلال شرط في قبول العلم واعتباره, يقول ثم ذكر الرجل الذي يطيل السفر أشعث رأسه مغبرة قدماه يمد يديه إلى السماء يقول يا رب يا رب, ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام, فأنى يستجاب له! ) أنى يستجاب له يعين بعيد وإن كانت الإجابة قد تقع لكافر لأن مقتضى الربوبية أنه يعطي عبده ما يقوته ويقوم بحياته ولكن هذا الطريق يكون مجانبا لطريق المؤمنين, يقول بن رجب رحمه الله على كلامه  في هذا الحديث, يقول ذكر في الحديث أسباب الإجابة ومع ذلك استبعد أن يجاب له مع وجود الأسباب, وأسباب الإجابة التي ذكرت في الحديث ,,, كونه غريب رجلا يطيل السفر, فالغربة مظنة انكسار القلب ومظنة الافتقار إلى الله وإذا انكسر القلب وافتقر إلى ربه جل وعلا فالإجابة قريبة, فإن الله عند المنكسرة قلوبهم, هذا واحد .

الثاني: أنه ذكر من الشعث والتبذل الذي يدع إلى الخضوع والذل ما هو سبب للإجابة إجابة ادعاء, وكان السلف هكذا يعني يعملون هكذا إذا وقع لأحدهم أمر من الأمور تبذل لربه جل وعلا وانكسر وخرج بهيئة رثه, يقول أخضع لربي حتى يرحمني, الثالث: أنه يمد يديه إلى السماء, ومد اليدين إلى السماء من أسباب الإجابة كما في الترمذي, حديث حسن عن النبي r أنه قال: (أن الله حيي كريم يستحي من عبده المؤمن يمد يديه إليه ثم يردهما صفرا) يعني بلا إجابة, فمد اليدين إلى السماء سبب للإجابة, ومنها تكرار هذا الاسم الكريم “الرب” “يا رب يا رب” قد جاء أن الله جل وعلا إذا كرر العبد هذا لاسم يقول: لبيك, فيجيبه, وإذا تأمل الإنسان مثلا أدعية الرسل في القرآن يجدها كلها بهذا اللفظ, “ربنا” من آدم إلى محمد r, فلا بد أن هذا له سر وله أثر كبير وغير ذلك..

المهم أن أكل الحرام يحول بين المراد بين الإنسان ومراده فيجب أن يجتنب ذلك, ولا بد أن يكون طالب العلم عنده من الورع ومن التحري ما ليس عند غيره من الناس الآخرين, وسبق أن أيضا المهم العمل, وهذا من العمل, العمل بالعلم فإذا كان الإنسان ما يزداد بعلمه تقى وخوف من الله فما الفائدة! ما الفائدة من العلم!

وقد أخذ الله جل وعلا ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فيجب أن يكون متحل بالعلم هو أولا قبل غيره وإلا يصبح كالمثل الذي يقال, مثل السراج يضيء لغيره ويحرق نفسه, فإذا كان هو يشقى بعلمه فيا ليته ما علم, يا ليته ما عرف ولا علم, لا بد أن يكون عنده من الحذر والحرص على أن يعمل بعلمه والله سائله, لا بد, والأسئلة التي جاءت في القرآن وإن كان بعضها عام ولكن يعني العلم, ولهذا لما ذكر البخاري رحمه الله قوله في قول الله جل وعلا: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[الحجر:92-93], يقول عن “لا إله إلا الله” لأن “لا إله إلا الله” هي التي يبنى عليها العمل كله, وهي التي يجب أن يكون الإنسان فاهما لها وعاملا بها فإذا فهمها وعمل بها فكل الأعمال تبع لها, وكذلك في الترمذي ومستدرك الحاكم عن النبي r أنه قال: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع- وفي رواية- عن خمس, يسأل عن عمره فيم أفناه وعن شبابه فيم أبلاه, وعن ماله من أين اكتسبه و فيم أنفقه, وهل عمل بما علم) يعني لا بد من السؤال فيجب على الإنسان أنه يكون يخاف من ربه جل وعلا يراقب ربه فإنه سوف يسأله: هل عملت بما علمت؟ ولهذا يقول بعض العلماء: إن خطر سؤال العالم أعظم من خطر سؤال الجاهل بكثير, قد يعفى عن الجاهل ولا يعفى عن العالم, أمر يعني ليس سهلا, فإذا كان الإنسان يراقب ربه فقد قال الله جل وعلا: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}[الرحمن:46], ولا يكون الذي يعلم ويعمل كالذي لا يعلم, والله جل وعلا يضع الأمور في مواضعها حكيم عليم جل وعلا.

ثم كذلك من الأمور التي تزيد العلم وتنميه بذله لمن يستحقه, أن يبذله وينشره فليس هناك شيء يزيد من الإنفاق إلا العلم, إذا بذلته زاد فإنك تزداد به علما, وكثيرا ما يحدث في مجلس مثلا الدروس مسائل ما كان الإنسان يعرفها قبل هذا تستجد له, فالمقصود أن هذا أيضا من الأمور التي يستجلب بها مسائل العلم التي يزداد بها الإنسان.

– ثم كذلك يجب أن يكون الإنسان عنده يقظة وعنده فطنة يقيد المسائل التي تمر عليه ولا يتركها هكذا, فالعلم قيد وقيده الكتابة, قيده بالكتابة ولتكن الكتابة واضحة لأنها قد مثلا إذا رجعت إليها تخونك الكتابة إذا لم تكن واضحة أو لم تكن متقنة, لهذا نظر الإمام أبو حنيفة رحمه الله إلى رجل يقرمط الكتابة, “يقرمط” يعني يدققها, فقال: لا تقرمط الكتابة وضحها وبينها فإنك إن عشت احتجت إليها وإن مت شتمت عليها, هذه هي, يعني الذي يراها بعد ما يستفيد منها, المقصود أن هذا أيضا من الأمور التي يهتم بها مع أن الإنسان ما يستطيع أن يستوعب العلم دائما, ابن الجوزي له كتاب سماه “صيد الخاطر” يقول أنه في أحيانا يمر بي مسألة تمر بخاطري ثم أتركها بلا كتابة ثم تذهب فإذا طلبتها ما وجدتها فجعلت هذه الكتابة معي قلم إذا خاطر مر بي قيدته, فسمى كتابه هذا صيد الخاطر, وكذلك بن القيم رحمه الله في كتابه “الفوائد”,, من هذا القبيل .

والمقصود أن الكتابة للمسائل التي تمر على الإنسان أمر مهم يجب أن يهتم به ويكتب كتابة واضحة حتى إذا رجع إليها ما يكون فيها إشكال وإذا (بل لا بد من) قراءتها إذا كتبها يقرأها في الحال حتى يصحح إذا كان فيها خطأ, لأن كتابة العجلة غالبا يكون فيها سقط ويكون فيها.. قد يحول بين الإنسان وبين مراده فيما بعد.

فالطرق التي يمكن أنه يستفيد منها , الطرق التي جربت كثيرة ولكن من المهم أن الإنسان يكون ثابتا في طريق الحق والهدى, لأن الأمر مثل ما.. صاحب السنة يهتدي بنور الله جل وعلا وإذا عرف الحق فإنه يعمل به ويتمسك به ولا يستنكف عن أخذ الحق من أحد, كل من أتاه بحق قبله بخلاف أهل البدع, فإنهم لهم طريق معين؛ إما أن يعتمدوا على عقولهم وأفكارهم أو على قبيلهم وما اتخذوه لهم منهجا, ويسدون على أنفسهم البقية, وإذا جاءنا شيء من غير هذا ما نقبله, ولهذا يقول شيخ الاسلام رحمه الله في وصفهم, يقول: اعطوا علوما ولم يعطوا  فهوما وأعطوا (ذكاءا ولم يعطوا ذكاء), هذه مصيبة ذكا بلا ذكاء ما ينفع, وهم سبب أنهم تركوا الدليل فأضاعوا السبيل, الدليل هو كتاب الله وسنة رسوله r, فيهتم الإنسان بهذه الأمور لهذا لما ذكر بن القيم رحمه الله في النونية طريق أهل السنة ذكر أنهم كانوا يخافون خوف شديد يخافون أنهم يحكموا غير كتاب الله, هذا شيء, إذا كان تحكيم الآراء أراء الرجال في كل شيء في العقائد وفي غيرها, وذكر أن كونه مثلا يعرف أن هذا الحق ثم يتجاهله أو يحاول أنه يؤوله وأنه يتفق مع مراده أو غيره فهذا يكون خطر عظيم قد يزيغ قلبه, فإن الله جل وعلا يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[النور:63], وهذا قاله الإمام أحمد رحمه الله لما قيل له: إن قوما يتركون الحديث ويأخذون برأي سفيان, يقول تعجب من هذا وقال: أما يخشون يخشى الإنسان أنه يزيغ قلبه ثم ذكر الآية تلاها ثم قال: أتدري ما الفتنه؟ الفتنة الشرك, “أن تصيبهم فتنة” يعني شرك يقع في الشرك, وقبل هذا قال نظير ذلك بن عباس رضي الله عنهما أنه لما كان يأمر بالمتعة؛ متعة الحج قال له قائل : إن ابا بكر وعمر يأمران بالإفراد, قال: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول لكم قال رسول r وتقولون لي قال ابو بكر وعمر! فيعني أن الأمر ليس سهلا… المخالفة مخالفة الشيء, فإن المخالفة والإنسان يعلم أمرها عظيم, قد توقع الإنسان في أمر كبير جدا.

والمقصود أن طالب العلم حالته وصفته تختلف عن صفت الناس وحالاتهم في مثل هذه الأشياء يعني وإن كانت أمور قد تكون أمور فيها دقة فيها يعني خفاء على كثير من الناس ولكن مسائل العلم عند طالب العلم تكون واضحة وجلية ويكون متمسكا بما علم, فإذا كان بهذه الصفة فإنه يزداد علما يوما بعد يوم وفي كل مجلس وفي كل وقت, فيكون هذا معنى قول الله جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا}[الأنفال:29], والفرقان هو الفرقان بين الحق والباطل, ولا يكون الفرقان بين الحق والباطل إلا لطالب العلم الذي تحصل له المسائل يفرق بينها بين الحق والباطل والأمور الواضحة الجلية التي جاءت بالأدلة لا يحتاج إلى مثل هذا ولكن أهواء الناس لا حصر لها كثيرة جدا.

والمقصود أن طريق التقى لا بد.. فأولى الناس بأن يتقى ربه جل وعلا هم العلماء ولهذا ذكر الله جل وعلا ذلك أنهم هم الذين يخشون ربهم: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}[فاطر:2], فالعالم إذا كان بهذه الصفة وفق, كما قيل للإمام أحمد من نسأل؟ قال: اسألوا فلان, قالوا ليس من العلماء, قال: هو تقي فحري أن يوفقه الله جل وعلا, إذا سئل وفقه الله جل وعلا ولا يعتمد الإنسان على كونه مثلا… لأنه لا  يدري هل هو تحلى بهذه الصفة أم لا, بل يجتهد.

– ثم من الأمور التي كان العلماء يخافونها كثيرا التسرع بالإفتاء, كانوا يجتنبون هذه كثيرا جدا ويحذرون منها, فيقول أحدهم: إذا جاءك المستفتي ففكر في خلاص نفسك لا تفكر في تخليصه هو فكر أنت في خلاص نفسك مما وقعت فيه, لأن الانسان في هذا يقول حكم الله كذا وكذا, وقد يكون خطأ يقول الله جل وعلا ليس الحكم كذا مع أن الانسان إذا اتقى فإنه يدخل في قول الرسول r: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر) ولكن يجب أن يكون أهلا لهذا, أما أن كيون مثل ما جاء في حديث بن مسعود وغيره: يوشك أن يرفع العلم, وفي رواية أن يقبض العلم وقبضه بموت العلماء ثم يتخذ الناس رؤساء جهال فيسألوا فيفتوا فيضلوا ويضلوا, هذه مشكلة في الواقع مصيبة, لهذا يقول أحد العلماء يقول أنه تأت المسألة في المجلس فيتسارع الناس إلى الجواب عليها ولو كان في زمن عمر t لجمع لها المهاجرين والأنصار, يستشيرهم فيها يعني أن ورع السلف والصحابة وخوفهم من الأمور.. أمر واضح جلي, والأمور تخف كلما قل العلم وقل الخوف من الله جل وعلا ازداد هذا الأمر عند الناس, يتعجب الإنسان مثلا في المسائل التي تقع كثيرا فيتسارع الناس للجواب عليها, نظرت مثلا في أيام الحج كيف الأجوبة أجوبة عجيبة التي تدل على خفة التقوى والخوف من الله وهي كثير منها خطأ, خطأ وبعضها يشكل على كبار العلماء ثم يفتون نفيها بسرعة بدون مبالاة .

فالمقصود أن هذا شيء من الطرق التي يمكن أن الإنسان يسلكها لعل الله جل وعلا ينفعه.

ثم من وراء هذا كله تعلق الإنسان بربه ودعاءه وسؤاله دائما وقد جاء عن شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله يقول: إني أقرأ على تفسير الآية أكثر من مائة تفسير ثم اذهب إلى المساجد المهجورة فأمرغ خدي على الأرض خضوعا لله واسأله أن يفتح علي وأن يعلمني, ويذكر الحديث عن الرسول r انه كان إذا حضر في القتال يقول: (اللهم أنت عضدي ونصيري اللهم بك اصول وأجول أللهم بك أقاتل..) فلا بد أن يكون الإنسان يعني تعلقه بالله جل وعلا دائما في جميع المجالات وفي مسائل العلم يلجأ إلى ربه جل وعلا يقول: يا معلم إبراهيم علمني و يا معلم آدم علمني, فالله جل وعلا كريم جواد إذا افتقر الإنسان إلى ربه فإنه إن لم يكن هناك موانع, موانع تكون عظيمة فإن الله يستجيب له جل وعلا.

فهذه خلاصة الطرق التي يمكن أنها يعني نستفيد منها وأسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يجعلنا من الذين علموا فعملوا وأن يرزقنا التقى وأن يجعلنا من الذين يتوصلون إلى رضى الله جل وعلا بعلمهم وأعمالهم.

 

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد